جيل الخوف

 


طلال النجار

قيل قديماً “إذا أردت أن تعرف بلدك فاخرج منها”. ودلالة هذ الكلام لا يدركها حقيقةً إلا من أتيحت له فرصة السفر خارج بلاده ورؤيتها من منظور موضوعي خارجي، وعندها سيكتشف عن ثقافته أموراً لم تكن تخطر له على البال، سلبية وإيجابية، وسيفاجأ أن كثيراً مما يراه طبيعياً ومألوفاً ليس كذلك عند معظم الناس، والعكس صحيح. مرت هذه الحكمة في ذاكرتي حين كنت أناقش صديقاً من بلد عربي عما يجري في سوريا،  وكان يتحدث بدهشة عن القمع الدموي غير المبرر، وعن سذاجة الإعلام الرسمي المكشوفة وانغلاقه عن العالم وإصراره على استغباء الناس. ورغم أنه من بلد لا يعد مثالاً للديمقراطية، فقد كان مصدوماً من نظام يقتحم مدينة بالدبابات والمدافع ويعزلها عن العالم بسبب احتجاجات سلمية، وقوات أمن تطلق النار على العزل وتمنع أهلهم من دفن جثثهم، ثم تتهمهم بأنهم هم المعتدون عليها. وربما كان أكثر ما صدمني في ذلك الحديث هو عظم دهشته وتواضع دهشتي، والفرق بين انفعاله لحجم الضحايا، وهو ليس من أهل البلد، وقلة انفعالي. ولا يعني ذلك طبعاً أن أحداث القمع والإرهاب لا تشكل فاجعة يومية، ومأساة تحرمنا السكينة، وحتى النوم. ولكن يبدو أن العيش في ظل نظام استبدادي والرزوح تحت ممارسات القمع اليومية، من المدرسة إلى الجامعة إلى العمل، والإعلام والشارع، يبدو أنها تبلد شعور الإنسان فتجعله يعتاد الشذوذ حتى يصير لديه قاعدة، ويرى ما يعده الآخرون انتهاكاً صارخاً لحقوقهم أمراً عادياً. ولذلك كثيراً ما يروي العاملون في منظمات الإنسان الدولية أن اللاجئين كانوا يكتشفون من خلال حديثهم مع مندوبي منظمات حقوق الإنسان أنهم كانوا ضحية انتهاكات لم يكونوا يعلمون بها سابقاً، إذ كانت عندهم من حقائق الحياة اليومية. ماذا يمكن أن نقول لمن يصدم من مشهد اعتقال إهالي “البيضا” والدوس عليهم في الساحة العامة؟ هل نقول أننا رأينا ما هو أكثر من ذلك في التدريب العسكري، بل وفي تدريب الفتوة في المدارس؟ هل نقول أن ما يحدث لهؤلاء الناس قليل بجانب من كانوا يعتقلون ويعذبون، بل ويقتلون، لمجرد احتكاك مع فرد من الشرطة العسكرية أو المخابرات، ولأسباب أقل بكثير من الاحتجاج على الحكومة؟ هل نقول أننا رأينا إعلامنا يكذب علينا كل يوم ويحور الحقائق التي نراها بأعيننا، ومناهجنا الدراسية تقلب الحق باطلاً والباطل حقاً ثم يفرض علينا أن نردد الأكاذيب ونحفظها؟ ماذا نقول لمن يتعجب من مجلس الشعب الذي يفترض أن يحاسب الحكومة ويراجعها وأفراده يهرولون للتهليل للرئيس وتمجيده، حتى يكادون يقبلون يديه ورجليه، وينتظرون اللفتة والإيماءة ليصفقون لها؟ هل يهتز لهذا المشهد من رأى المهرجانات الخطابية ومسيرات التأييد وهتافات الذل والنفاق، ومن عاش طفولته وشبابه وهو يهتف رغماً عنه لسيد الوطن؟ بل هل نتعجب ممن لا يرون في أي احتجاج إلا مؤامرة وخيانة، من لا يتصورون أن يرفع مواطن صوته بكلمة اعتراض، وهم لم يتعودوا أن يسمعوا إلا هتافات التأييد ولم يعرفوا طريقة يذكر بها النظام إلا التقديس؟ هل هناك مكان في العالم يتلخص فيه البلد كله بشخص واحد فيستوي الاسمان في جملة واحدة؟ هل هناك من قال مرة “مصر مبارك” أو ” ألمانيا هتلر ” أو “ليبيا القذافي”؟ هل نفاجأ بعد هذا من المثقف الذي ينتفض خوفاً من عبارة إسقاط النظام، أو من العسكري الذي يرى في قائلها خائناً لا يستحق الحياة؟

لقد نجح النظام في خفض توقعاتنا إلى أقصى درجة، وساعدته في ذلك بعض قوى العدمية واللاعقلانية، حتى وصلنا إلى حد صار معها انتقاد وزير يعد إنجازاً، والحديث العام عن الفساد يعد فتحاً ديمقراطياً. أما الإشارة، ولو تلميحاً إلى النظام أو الحزب، وناهيك بالرئيس، فأمر يتجاوز حدود الخيال.

وإذن فمن أين يأتي الشعب السوري، أو بعضه، الآن بهذه الشجاعة؟ وكيف يشل الخوف بعض الناس فلا يجرأون على التعرض للنظام ولو تلميحاً، ولا يستطيعون إبداء رأي تشتم منه رائحة الانتقاد دون أن يسبقوه بتمجيد الرئيس والدعاء له، بينما يخرج آخرون ليواجهوا الرصاص بصدورهم؟ الجواب في رأيي يكمن في هوة تفصل بين جيلين، جيل الشباب الذي يشكل عصب التظاهرات في سوريا والأجيال الأكبر منه سناً، وخصوصاً السابق له مباشرة. فالجيل الذي شهد تفريغ المجتمع السوري من كل مظاهر السياسة في الستينات والسبعينات، ثم المواجهات الدموية بين عصابات الأخوان والنظام، ثم عانى خلال حقبة الثمانينات من أهوال المقاطعة الإقتصادية والعزلة عن العالم، وإمعان النظام في قمع كل مظاهر المجتمع المدني وتجفيف مصادر الحياة السياسية في البلاد، قطعاً للطرق على أي تحدٍ جديد للسلطة، من عايش كل ذلك بقيت في ذهنه ذكريات من الخوف لا تمحى، وعشش في داخله رقيب ذاتي يشله أحياناً عن التفكير، فما بالك بالفعل. ولكن الذين يكسرون اليوم حاجز الخوف في داخلنا قد جاؤوا من زمن آخر. فالشاب الذي بلغ اليوم أوائل أو حتى أواسط العشرينات قد تفتح وعيه في أواخر التسعينات من القرن الماضي وأوائل هذا القرن، أي أنه لم يتجاوز حقبة الثمانينات فحسب، بل وكامل مرحلة حافظ الأسد، وهو الذي بنى نظام القمع الحالي وأرسى أركانه بمزيج من ترهيب المجتمع بأكمله وترغيب بعض القطاعات المؤثرة فيه. لقد نشأ هذا الجيل في عالم مختلف، عالم لا ينفرد بهم فيه الإعلام الرسمي فيفرض عليهم حقائقه شاؤوا أم أبوا، عالم شكلت فضاء التواصل فيه الإنترنت والفضائيات والهواتف الجوالة، والتي جعلت من حرية انسياب المعلومات و تعدد مصادرها قاعدةً لا اسثناءً. ولقد تفتحت مداركهم على نظام سوري جديد، ورئيس شاب يقول أنه سيقود حركة تحديث ويفتتح عهداً جديداً من الحرية والانفتاح، بغض النظر عما إذا كان حقق وعوده تلك أم لا. هذا جيل لا تقبع في وعيه صور قمع دموي وتنكيل بإنسان لمجرد كلمة. فالآباء، سواء في الحكومة أو في المعارضة، ما زالوا يعيشون في زمن انتهت صلاحيته.  والأبناء هم الذين يعيشون في الحاضر. الأبناء لا تلاحقهم أشباح الماضي، ومن هنا تأتي شجاعتهم ويأتي تصميمهم الغريب. وهؤلاء هم الذين سيصنعون الحاضر، لأنه لا يصنع الحاضر إلا من يعيش فيه.

كلنا شركاء

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...