“حاقد جدا”

رستم محمود

 من بين الوثائق التي جمعت من مفرزة الأمن العسكري ببلدة رأس العين السورية، حينما فر عناصرها المسلحون منها، مع استيلاء الجيش الحر على البلدة، وثيقة تضم التقييم الأمني الروتيني الذي يجريه الأمن السوري، لعموم الشبان في تلك البلدة النائية، وتحديداً المنخرطين منهم في المجال العام، والذين يجب القبض عليهم في حالات اندلاع “هبات محلية” . هذه الوثيقة التي تضمّ أسماء مئات الشبان من أبناء البلدة وعناوينهم وأشكال نشاطهم العام، والجهات التنظيمية التي ينتمون إليها، كما تتضمن تقييماً لسلوكهم الديني ومظهرهم العام ودورهم في محيطهم الاجتماعي، وكذلك تشير إلى خياراتهم وعلاقاتهم التي تتعدى منابتهم وبيئاتهم الاجتماعية الأولية. الغريب، أنه ثمة الكثير من هؤلاء الشبان، لا يوجد معطيات عن سلوكياتهم ونشاطاتهم وانتماءاتهم، في تلك الوثيقة، كما أنها تخلو من أي تقييم مباشر لأدوارهم وآرائهم، لكن ثمة فقط إلى جانب أسمائهم وعناوينهم عبارة “حاقد جدا”.

تشير العبارة الأخيرة، إلى أن جهد الأمن السوري الروتيني، لم يكن ينصب على ملاحقة سلوكيات ونشاطات السوريين اليومية، بل تتعداها إلى فهم وتقيم العوالم الداخلية للمواطنين. حيث أن هذا المسلك قد يشكل خط دفاع استباقي أمام تحول هؤلاء المقيميّن إلى سلوك قد يكون خطيراً مستقبلاً، وبالتالي فلا ضير من التنصيف المسبق لهم.

كما أن ذلك المستوى من التقييم، يشير بدقة إلى أن جيش الجهاز الأمني السوري، حيث يقارب عدد عناصره الرسميين، في مؤسساته المتشعبة في كامل تفاصيل حياة السوريين، نحو 200 ألف عنصر، يشير إلى أن هذا الجهاز الأمني المحكم، لم يكن يعتمد على ماكينته الرسمية المباشرة فحسب، بل كان في سعي مستميت لتجنيد أعداد هائلة من المتعاونين في المجتمع السوري. فإذ كيف لعناصر هذه المؤسسة الأمنية أن يدركوا أن يافعاً في السادسة عشرة “حاقد جداً”، ما لم يكن المحيط القريب لهذا اليافع من أدلى بتلك “الشاهدة” النبيلة! تلك الأشكال من التعاون مع المؤسسة الأمنية، التي كانت عادة تشكل القاعدة والمدخل لاندراج هؤلاء الأفراد في جل الجسم البيروقراطي الوظيفي لجهاز الدولة السورية، المتحكم به من قبل هذه المؤسسة الأمنية. وذلك التعاون مع تلك المؤسسة الذي كان يشكل مدخلاً لدخول المتعاونين لاقتصاد الظل والفساد الذي كان مباحا لتلك المؤسسة.

أبلغ الدلالات، هي في العالم السيميائي الذي يلف لغة التقييم الأمني هذه، فعبارة “حاقد جداً” تبدو وكأنها مستقاة تماماً من قاموس “الأثرياء الجدد” ومحدثي النعمة، هؤلاء الذين جنوا ثروتهم في العقد والنصف الأخير من تاريخ البلاد، من جراء سياسات الانكشاف الاقتصادي ورفع الدعم عن ملايين البسطاء السوريين، وكنتيجة للتمفصل مع شبكات السلطة الأمنية ودوائر الفساد واقتصاد الظل، هؤلاء بالضبط كانوا ينعتون ملايين السوريين الذين اغتنوا على حساب حقوقهم الطبيعية في الحياة الكريمة، كانوا ينعتونهم ب”الحاقدين”، لأنهم كانوا يعتبرون أن ثرواتهم هذه، هي نتيجة لاستثنائية معارفهم ومهارتهم وعمق جهودهم، السمات غير المتوفرة في ملايين “الحاقدين” هؤلاء.

هذا التداخل في العلاقات والمصالح واللغة بين هاتين الطبقتين “الأمنية” و”المنعمين الجدد”، ربما يكون أيضاً المدخل الحقيقي لفهم هؤلاء “الحاقدين جداً”، فالحرمان من السلطة الرمزية والرأسمال الاجتماعي بسبب سيطرة الأولين على كل الحقل العام، من جهاز الدولة البيروقراطية إلى إغلاق كافة أشكال الحقل العام، واستحواذ الآخرين على كافة خيرات البلاد وطاقته، إلا يدفع بشكل تأسيسي لتكوين كائنات في الظل، مليئين بالغضب والاشمئزاز والرفض والخزلان والحرمان والقنوط والكراهية .

لذا، لن يُسكت أحد ثورة “الحاقدين جدا”، حتى مئات المجازر، وحتى إن كانت مفعمة بعار “صمت سكان صخرة العالم”.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...