الرئيسية / صفحات الثقافة / حبة كبتاغون/ مناهل السهوي

حبة كبتاغون/ مناهل السهوي

 

 

كانت الحافلة تشق طريقها نحو العاصمة، حين التفتت صديقتي نحوي قائلة بثقة “لم أُزِلْ شعر جسدي، ففي حال حصل مكروه وخُطفنا، سيقرفهم منظر الشعر ولن يغتصبوني”. نظرتُ إلى المنديل الأسود في يدها وقلت لها بخبث: “سنتقاسم المنديل إن ظهر مسلحون، لأغطي رأسي مثلك، فلقد نسيت أن أجلب واحداً”. اتفقنا بعد نقاش طويل، أن أرتدي قماشة وُضعت على كرسي الباص، مكتوب عليها اسم شركة النقل، لأن المنديل لن يكفي رأسين، ضحكنا ولم نتعرّض لحادثة اغتصاب. كان فقط شعور الخوف من مسافات شاسعة، نقطعها في بلد يعج بالقتلى والمغتصبين والضحايا، والقصص التي ما عادت الجدات ترويها، بل صار الأناس يتناقلونها عن لسان ضحاياها، ويزيدون بهاراتها أو ينقصونها، لا هَمَّ لأننا نعلم أن ما يضاف على القصّة يبقى أقل مما تعيشه النساء، وهن يبعن ويغتصبن في القرن الحادي والعشرين. تركت صديقتي تشد شالها الأسود بين يديها، وعاينت أثر الخوف يحفر في داخلي، تحسست كل طرق الطفولة التي جعلت خوفي من الاغتصاب يكبر يوماً بعد آخر كأي فتاة تعلم أنها في بلاد تحاكمها من خلال جسدها ويهينونها بأعضائه ويغلبونها كذلك به. كانت طرقاً طويلة تبعتها وحدي لاحقاً حتى بنيت علاقتي بجسدي، بعيداً عن كل التحذيرات والمخاوف والهلوسات، لكن أن تظهر فكرة الاختطاف والبيع والسبي فهي في النهاية ستحطم كلّ ما بنيته وما أفعله كلّ يوم في إعادة تكوين حياة وأفكار جديدة. ماذا سيعني كلّ ذلك لو خُطفت، وانتهيت لرجل غريب؟ سيعود كل شيء للصفر!

كانت والدتي كلما خرجتُ من باب المنزل نحو العاصمة، قبل بداية الحرب، تحذرني من أخطارٍ محتملة الوقوع، أخطارٍ زادت بعد الحرب، وكان من ضمن قائمة وصاياها أن أمتنع عن تناول أي نوع من الحبوب يقدمها لي الآخرون، حتى وإن قالوا إنها علكة أو دواء لوجع الرأس، وبالطبع فعلت ذلك دوماً حتى حين كنت أموت من ألم الرأس في ليلة طويلة في إحدى غرف السكن الجامعي. في الحرب عرفت أن تلك الحبة كانت” الكبتاغون”، أو ربما تخيلت أنها كذلك فقط لأجد شكلاً للحبة المجهولة في رأسي، الحبة التي كانت ستقضي على حياتي، كيف عرفت أمي عنها، وهي التي لم تخرج من بلدتنا الصغيرة منذ زمن طويل! هل تخيلتها مثلي؟ هل كانت أمي تخشى أن أخالف أوامرها، وأجن وأنزلق دون إرادة مني، فأغتصب، أم أنها خافت أن أتعلم القتل من دون أن أشعر بالألم! كنا نشاهد التلفاز سوياً ولا بد لتلك الحكاية أن تمرّ في فيلم أو مسلسل، حبة يذيبها المغتصب في كأس عصير البرتقال، يقدمها للفتاة الساذجة، لتستيقظ في اليوم التالي عارية غير متذكرة ما حصل، يبدو أن هذه هي القصة التي كنا نخشاها لأنها الوحيدة التي عرفناها.

في بداية الحرب بدأت تنتشر حكايات عن حوادث الاغتصاب، ولا أعلم لمَ كنا نستغربها، فكل حرب تعني اغتصاباً وقتلاً وتنكيلاً. كان الذهاب إلى العاصمة في البداية مثيراً للذعر، هل يعقل أن نسافر إلى مدينة أخرى وتبقى أجسادنا هي ذاتها، على كل حال الجميع يظن في البداية أن قوته لن تسعفه في البقاء، لكنه يقاوم ويقاوم لأسباب تخصّ غريزة البقاء، ولأنه يعتاد ذلك، أفكر بكل هذه الهلوسات، وأنا أنهي رواية “صلاة لأجل المفقودات” لكاتبتها المكسيكية جينيفر كليمنت. هناك في تلك البلاد البعيدة نسخة أخرى من “داعش”، و”بوكو حرام” تسرق الفتيات وتبيعهن، هي مافيا المخدرات. تنطلق بعرباتها ذات الدفع الرباعي في غزوات مخيفة للقرى النائية، لتلتقط ضحاياها من الفتيات في عمر الثانية عشرة، وللمصادفة فإن بعض الأمهات قد يدعين أنهن أنجبن صبياناً، في حين تكون المولودة فتاة، في محاولة لإبعاد الشبهات المستقبلية عنهن، فيلجأن إلى قص شعر الفتيات أو تلطيخ الأسنان بمواد سوداء، كي يبدون قبيحات. لم أستطع في هذا الجزء بالذات إلا أن أتذكر جسد صديقتي المليء بالشعر، وطرقنا البدائية في الدفاع عن أجسادنا، ففي طفولتي، كنت أقطّب حاجبي كل ما مرت سيارة غريبة في القرية، ولسبب مجهول كنت أخشى كل الرجال الغرباء، إذ كنت أظن أني بهذه الطريقة أصبح قبيحة وغير مرغوب بي. ابتسمُ، وأنا أراقب صديقتي المذعورة في مقعدها، بعد كلّ هذه التفاصيل التي تدافعت كقطيع ذئاب داخلي، لن أخيفها، وأقول لها إن الوحوش في الخارج لا يمنعهم عنا بعض الشعر الزائد ولا حتى لو كنا كالغوريلا، الأمر أنهم قبيحون وحسب، وأن نجاتك متعلقة بالحظ غالباً، وأننا كفتيات المكسيك وكالفتيات المخطوفات من قبل بوكو حرام كلنا نعلم أنه في جزء ما من هذا الكون هناك شعور قبيح للغاية لفتاة يسلب منها كل شيء، وأن اغتصاباً واحداً لم يعد المشكلة الأساسية ولا حتى عرض الأجساد العارية للبيع والمزادات، أود لو أخبرها أن الغطاء المكتوب عليه اسم شركة النقل لن ينقذني، إن جاءت عربات مهربي المخدرات لخطف الفتيات اللواتي كن على هيئة صبية في صغرهن.

ضفة ثالثة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...