الرئيسية / صفحات الرأي / حرب التدوين

حرب التدوين

 

روجيه عوطة

 لم تغيّر الثورات الشرق أوسطية في أهداف التدوين العامة، بل وفرت لها وقائع وأحداث جديدة، سمحت للمدونات بزيادة إنتاجها الكتابي، فضلاً عن تنوع قضاياها المطروحة. إلا أن التحول الأساسي الذي شهده العالم التدويني، يتمثل في العلاقة التي تجمعه بالسلطة الحاكمة، بحيث لم تعد المواجهة مبهمة أو مقنعة بين الإثنين. فبعدما ظهرت السلطة بمحركها الأصلي، أي القوة، دخل التدوين في معركة جديدة ضدها، متبعاً أساليب جديدة في صراعه المستمر، بلا أن يبتعد عن غايته العامة، وهي حرية التعبير.

حدد التدوين بعد اندلاع الربيع الثوري قضاياه الجديدة، المصنوعة في الساحات والشوارع. وقد رأى البعض أن الثورات الحاصلة هي النتاج المخفي لكل محاولة من محاولات المطالبة بالحرية، التي ساهم التدوين فيها، لا سيما  أنها جاءت بعد حدثين تاريخيين في القرن الواحد والعشرين، يُضاف إليهما حدث الثورات في الشرق الأوسط العربي.

فقد كانت جريمة 11 أيلول بمثابة بداية التحول في المشهد الإعلامي عالمياً، حيث ظهر المُدون كفرد- كاتب، يلاحق الأحداث السريعة ويعلق عليها بعيداً من الموضوعية المتفق عليها، واستناداً إلى أسلوبه الذاتي. إذ وطأ المدون فضاء الإنترنت كذات مستقلة عن الجمهور الإعلامي، وانطلاقاً من ذاته هذه، بحث في الأحداث والوقائع الجديدة، وعبر عنها كتابةً.

أما الحدث الثاني، الذي أثر في مجرى التدوين عربياً، وشرع الفضاء الإلكتروني أمام فئات مختلفة من المجتمعات في العالم العربي، فكان حرب العراق 2003. إذ دفعت الكثيرين إلى التوجه نحو المواقع الافتراضية للتعليق عليها قبولاً أو رفضاً، كما أدت الإطاحة بصدام حسين، ونشر صور تحطيم تماثيله الضخمة، إلى خض العلاقة بين السلطة المستبدة والفرد المقموع، الذي وجد في المدونات صحفه الذاتية.

بعد هذين الحدثين، اتضح دور التدوين أكثر  في التعبير عن الفردية المقموعة في بلدان اللغة العربية، نتيجة الأزمات الاجتماعية والسياسية التي كانت تمر بها، وأدت إلى الانفجار الثوري عام 2011. وقبل اندلاع الربيع العربي، كان المشهد التدويني متقطعاً، يتخلله بعض التطورات من وقت إلى آخر، بسبب توتر العلاقة بين الفرد – المدون والسلطة.

وفي تلك الفترة، بدأت التغيرات المجتمعية تتفلت من الخفاء، وكانت السلطة قد بدأت تظهر أحياناً بكل فظاظتها الأصلية. ففي عام 2006، استدعيّت المدونة طل الملوحي، البالغة من العمر خمسة عشر عام آنذاك، من قبل نظام البعث السوري، للتحقيق معها، قبل أن يجري اعتقالها بعد ثلاث سنوات بتهمة “تهديد الأمن القومي”. فكانت هذه الحادثة بمثابة إعلان حالة الطوارئ في العالم التدويني، فاشتد الحصار المضروب على المواطنين، الذين سُجنوا بين واقع مأزوم وافتراض مراقب.

في 2011، تحول التدوين من وسيلة للتعبير الحر إلى وسيلة إعلامية بديلة، إلى جانب “فايسبوك” و”تويتر”… فنزول الناس إلى الشارع، رافقه نزول المدونين إلى الساحات كصحافيين ميدانيين، ولم تقتصر مهمتهم على توثيق الأحداث فحسب، بل بحثوا فيها وعلقوا عليها. تالياً، تضاعفت وتيرة التدوين واختلفت القضايا المطروحة، إذ شرع المدونون في تسجيل شهادات من الميادين والمعتقلات، والكشف عن أحداث تناقض الوقائع التي كان الإعلام الرسمي ينقلها إلى المواطنين. بمعنى آخر، انتقلت المعركة بين المدوّن والسلطة إلى الميدان، فالصحافي البديل يرصد أجهزة القمع في كل مكان، لا سيما في المعتقلات وغرف التعذيب والمجزرة، حيث تظهر السلطة من دون أقنعتها الإيديولوجية.

عرّضت هذه المعركة المفتوحة المدونين، بوصفهم صحافيين ميدانيين، إلى الاعتقال والموت. فما أن دخلوا إلى الفضاء الإعلامي البديل حتى أصبحوا من مواضيعه المأساوية، كما لو أن الخبر المختلف يساوي حياة المواطن، أو أن الصورة الفوتوغرافية التي تصلنا من الميدان عبر المدونة، من المستحيل ألا تحتوي مصوّرها المقتول.

بالتوازي مع تغيّر القضايا المطروحة، شهد التدوين تحولاً في أنواعه، إذ ارتفع عدد المدونات السياسية، وارتبطت معظم مواضيعها بالأحداث والوقائع الحاصلة خلال الثورات، كما تغيّرت الصور المرافقة للنصوص المنشورة، وأصبحت ميدانية أكثر، من دون أن تتملص من فنيّتها. وفي السياق ذاته، قادت المدونات حملات صحافية كثيرة، تتعلق بالدفاع عن المعتقلين والسؤال عن المفقودين والإصرار على كشف مرتكبي الجرائم ومحاسبتهم، فضلاً عن دورها المستمر في نشر الأخبار والتعليق على التطورات. لذا، ظهر التدوين بعد اندلاع الثورات كأنه واحد من قوى المجتمع المدني، بالإضافة إلى تمهيده للعمل الإعلامي البديل، والقريب من الواقع الحر وغير المؤدلج.

بعد انقضاء عامين على اندلاع الربيع الثوري، يستمر التدوين في مواجهته ضد السلطات، رغم أن الأخيرة باتت تعرف أن الفضاء الإفتراضي متاح لها. وهذا ما دفعها إلى استخدام المدونات من أجل القمع الإعلامي، فضلاً عن استعمالها وسائل القرصنة الالكترونية في مواقع متنوعة. أما المدونون فما زالوا يدفعون أثمان اعلامهم البديل وتعبيرهم الحر اعتقالاً وتعذيباً. فقد شهد العالم العربي خلال العامين السابقين، اعتقالات عقابية كثيرة بحق المدونين والصحافيين، نفذتها السلطات لمنع التسريبات الخبرية، وللقضاء على الحقائق، لا سيما أن أحاديتها ليس سياسية أو إيديولوجية فحسب، بل دعائيةً أيضاً، تتحكم بالحدث والخبر ومفاعليه.

المدن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...