الرئيسية / صفحات الناس / حزن ونوم/ لقمان ديركي

حزن ونوم/ لقمان ديركي

 

 

استمتع بحزنك.. فغيرك لم يجد حتى الوقت المناسب لذلك (غيتي)

وفي نهاية الأمر جلسنا نحزن على أنفسنا. لا منيّة لنا على أحد بهذا الحزن حتى. حزنك هو على نفسك. تنظر إلى ما آل إليه حالك. تنتبه إلى شرودك وضياعك. تنتظر كل لحظة خبراً سيئاً. لا تنتظر غير ذلك. بل وإنك تذهب بنفسك إلى الأخبار السيئة.

لا تطيق صبراً. ولقد هيأت لك الحضارة الحديثة كل أدوات التواصل والإتصال. صار بإمكانك أن تكبس زراً من مكانك الآمن خارج الوطن لتجد عشرات القتلى أمامك على الشاشة في بث حي ومباشر من داخل الوطن.

تحزن على نفسك. انتبه، أنت لا تحزن على القتلى. لا تحزن على أهاليهم الذين فقدوهم. لا تحزن على أطفالهم الذين يبكونهم. لا.. أنت أولاً وأخيراً تحزن على نفسك. تحزن على عجزك. تحزن على شدة ضعفك. تحزن على انعدام حيلتك. تحزن على هروب أفكارك منك. تحزن لأنَّ أوهامك كانت وما زالت هي أساس فعلك. عفواً .. رد فعلك.

تعال أيها النوم. اقترب مني. داعب جفوني. وارمني في غياهبك الدافئة. لا تفعِّل ميّزة الأحلام. تعال وحدك. وما إن أراك قادماً من بعيد حتى أرقص طرباً وأنا أخلع الكنزات الثلاث عني والبنطال الجينز مستقبلاً إياك بما تبقى علي من كنزة قطنية ولباس داخلي طويل معروف  عندنا بدبَّاح البرد.

أخلع الجرابات اللي كامشة دبَّاح البرد كي تتنفس القدمان ثم أتلقفك بالأحضان. وأهرع بك إلى الفراش. نندس معاً تحت اللحاف المندس أيضاً تحت بطانية. أعانقك يا أيها النوم. وننام.

نعم نحن ننام. ولسنا بردانين. لسنا في مخيمات موحلة. ولا في عراء تحت زمهرير الشتاء. ولا في بيت تحت رحمة البراميل والصواريخ والقذائف. ولا في شارع عامر بالمتحاربين اللي ما عاد نعرف هُمَّا مين. نحن هنا في أوروبا نستطيع أن ننام. منَّا من ينام وهو يحلم بالصحو على الحرية في الوطن . ومنا من ينام  على أنغام الكوابيس التي يعيشها الوطن. ومنَّا من ينام وهو يحلم بالصحو فقط. ومنا من ينام كي ينام. هيك بدون أهداف ولا غايات. النوم للنوم. النوم لأجل النوم.

تستيقظ من النوم هذا اليوم. تقرر أن لا تتواصل مع أخبار الوطن. تقرر أن لا تحزن اليوم. ثم تجلس وتحزن. رغم عدم وجود أخبار. أخبار سيئة طبعاً. ففقرة الأخبار بالنسبة إلينا هي الأخبار السيئة فقط. لا يوجد فيها حتى طرائف من العالم. أخبارنا سيئة عالصافي. لذلك تنتظر أن تسمع الخبر السيء. لن تمضي بنفسك إليه. لن تفتح اللاب توب، وتجلس وتنتظر. فتحزن على نفسك.

لا منيَّة لك على أحد. تحزن على عجزك. تحزن على حزنك. حزنك مسكين لا يحزن على أحد. حزنك موحش وغريب لا يفهمه أحد. حزنك ليس على أحد. حزنك ليس حتى على نفسك. حزنك لأجل الحزن صار. فاستمتع به. فغيرك لم يجد حتى الوقت المناسب لذلك.

المدن

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون رقم 10: إعادة تركيب سوريا/ د. خطار أبودياب

        تشريع القانون رقم 10 يمكن أن يؤدي إلى حرمان مئات الآلاف ...