حسام، قصة حيوات معنفة.


ياسين سويحة.

بعيداً عن السياسة، وفي قلبِ قلبها في آنٍ معاً، يُطلّ تساؤلٌ جوهريٌّ برأسه باحثاً عن جوابٍ يسقيه ظمأه في دوامات صحراء العنف والقتل والموت والعذاب. ماذا يخبئ الغد لجيل الشباب والأجيال الأصغر منه عمراً بعد هذه الخبرة الدامية؟ كيف سيفكرون؟ كيف سيعيشون؟ كيف سيعشقون؟ كيف سيكرهون؟ هناك حالات كثيرة في العالم أجمع تنفعنا كأمثلة ونماذج، لكن ماذا عن نموذجنا نحنُ؟ أﻻ يحق لنا أن نخاف على الأجيال الصاعدة من مجتمعنا المُعنّف؟ أﻻ يجب أن نفكر إلى أين سيذهب العنف بنفوس الناشئة والشباب بعد أن ذهب، وسيذهب، بالكثير من الأنفس بينهم؟

تناقلت الصفحات السوريّة المعارضة في مواقع التواصل الاجتماعي منذ أسابيع تصميماً يضمّ خطّاً بيانياً لصور حياة شاب سوري اسمه حسام أرمنازي. حسام، والذي كان طالب طبّ في جامعةٍ ألمانيّة حين اندلعت الثورة في سوريا، لم يحتمل البعد عن حرارة الواقع في موقع الحدث، وقرر العودة إلى سوريا للمشاركة في صنع مستقبله ومستقبل المحيطين به، وذهب هذا العنفوان إلى الاصطدام بصخور الاعتقال، مثله مثل آلافٍ مؤلّفة من السوريين، شيبة وشباباً. شكّل الاعتقال تجربةً عظيمة في حياة حسام، فقد خرج منها مصمماً على أن يسخّر جزءاً من جهده ووقته للعمل على تحويلها إلى طاقة عملٍ إيجابيّة لأجل التغيير. لذلك، وبعد أن عاد إلى ألمانيا بضغطٍ من العائلة، عمل على إطلاق مشروع “حلاوة وزيتون” على الشبكة، وهي مبادرة تعمل على جمع قصص وخبرات المعتقلين في سجون البطش والظلم وإظهارها كجزء من تبيان الأثر السرطاني الذي تتركه سلوكيات هذا النظام في حياة المجتمع السوري ككل. لم يكتفِ حسام بذلك، وقرر الانتقال للعمل الإغاثي مع اللاجئين السوريين المتواجدين في مخيمات جنوب تركيا، وبعد فترة من التواجد والعمل هناك انتقل إلى الداخل للقتال مع كتائب الثورة.

استشهد حسام أرمنازي في الحادي والثلاثين من تموز الماضي خلال معركة مع “شبيحة” آل برّي في حلب.

تنظرُ إلى تتالي صور حسام في الـ”كوللاج” الفوتوغرافي، من شابٍ يبدو عليه الهدوء وشيء من الانطوائيّة جالسٌ في مقعد قاعة محاضراتٍ يتصفح بعض الأوراق، مروراً بصورٍ أخرى تتدرج في قسوة الملامح وقوّة النظرة، وانتهاءاً بصورة الجثة المسجاة على الأرض وبجانبها بندقية. حسام هو نفسه، المتغيرات تحدث على مستوىً أخر، ولو كانت في نفس الزمان وذاتِ المكان.

ليس الأمر مجرّد ميلٍ نحو العنف، أو تطرّف يراه بعض أصحاب الحساسيات الخاصة (والانتقائية بغالبها). إنها قصّة شابٍ جعلت منه الظروف الناتجة عن البطش الأعمى لنظامٍ مغرقٍ بالوحشيّة شخصاً آخر دون أن يتغيّر هوىً وهويّة. لقد تغيّر فيه ما لم يكن، ربما، راغباً به، وما لم يكن، غالباً، مستعداً له. لم يُسأل، لم يُستشر، لا هو ولا الثلاثون ألفاً من الشهداء، ومئات الألوف من المهجّرين والنازحين، ومثلهم من المعتقلين السابقين والحاليين. يمتلك كلّ واحدٍ منهم قصّة بحجم تراجيديا يونانيّة قديمة، يحملها على كتف معاناته ويمضي بها في الزمان والمكان. قد لا يراها هو، وقد لا يراها الكثيرون. لكن قراءتها كمنماتٍ مقدسة واجبٌ محتوم، اليوم، وغداً، وبعد، وبعد بعدهِ.

لن تنتهي هذه القصة عند وصول العنف إلى حدّه، ولن تنقرض مع انقراض المتغيرات المعرفيّة القادمة لا محالة على السياسة والاقتصاد والثقافة والفن والمجتمع. ستستمر هذه القصة ما دامت الحياة تحتضن أجيالاً بعمر حمزة الخطيب وباسل شحادة وحسام أرمنازي وغياث مطر، وغيرهم الكثيرون، بل ربما ستستمر إلى ما بعد ذلك بكثير. إنه ألمٌ أسطوري بحجم الدّم الذي سال شلالاً على يد البطش والقهر واﻻستبداد والاستعباد. ألمٌ دُفع وسيدفع كضريبةٍ للحرّية والكرامة. قد ﻻ تكون ضريبة كافية، لكنها، بلا شك، الضريبة الأصعب، ضريبة تمنينا لو لم تُدفع من دم وأرواح وأذهان وعقود الناشئة والشباب من أبناء مجتمعنا، ومن واجبنا، حتى أبد الآبدين، أن نلعن تاريخ وحياة وروح من أجبرنا على دفعها من المستبدين والطغاة.

خاص بصفحات سورية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...