الرئيسية / صفحات الثقافة / حكاياتُ ‘السّلطان المَجْهول’ في التراث العربيّ: مواجهةُ السلطة في أفـقِ الحرية/ محمد حيّان السمان

حكاياتُ ‘السّلطان المَجْهول’ في التراث العربيّ: مواجهةُ السلطة في أفـقِ الحرية/ محمد حيّان السمان

في نمطٍ من الحكايات العربية التراثية، يعكس المتنُ الحكائيّ رغبة قوية في تبليغ السلطان مباشرة – وجهاً لوجْه – رأيَ الناس به، من دون تلعثم أو مداراة أو خوف. أن ينهض متكلم حرّ ويصير مرآة جلية يطالع فيها السلطانُ صورته من دون تجميل أو تقبيح.

و من أجل تشخيص هذه الرغبة في خطاب سرديّ مناسب، توسّلت الحكايات عدة صيغ تخييلية وأفعال سردية، أقف هنا عند واحدة منها للتدبّر في أبعادها الدلالية والفنية. وهي الصيغة المتمثلة في استحضار السلطان من دون سلطة، أعزل نكرة وبعيداً عن أسمائه وصفاته، ليستمعَ مباشرة إلى رأي الجمهور في طبيعة سلطته وتدبيره السياسي، على لسان متكلمٍ غفلٍ ساذجٍ يجهل أنه يتكلم بحضرة السلطان.

مِنْ أجل عزل السلطان عن سلطته واستحضاره بهذا الشكل، مجهولاً نكرةً، يلجأ خطاب الحكاية إلى صيغتين حكائيّتين يتوفر عليهما المتن: فقد يخرج السلطان بنفسه- متنكراً ليستطلع أحوالَ المحكومين، دافعُه الفضول أو الملل أو أي شأن من شؤون التدبير. أو أن السلطان في صيغة ثانية- يبتعد عن جنده وينفرد عن أعوانه و موكبه خلال سفر أو رحلة صيد، ليجد نفسه من دون سلطة، وخارج السياق أو المشهد الذي يتعرف الناسُ من خلاله على سلطانهم.

في الصيغتين جميعاً يتوفر خطابُ الحكاية على منطق يستجلب السلطانَ إلى فضاء لا يعرف شاغلوه السلطانَ و لا يتعرّفون إليه. وهم مع ذلك متلهّفون إلى التعبير عن رأيهم بالسلطة والسلطان، من دون تردد أو ارتباك. وطرافة هذا الخطاب و خصوصيته يكمنان هنا، في هذا الجمع بين متكلم غافل يرسل القولَ المختزَن في نقد السلطان بحرية وارتياح وبراءة، وبين سلطان يصغي إلى هجائه، و يتملى ملامح صورته الحقيقية لدى الآخرين ( الرأي العام )، الذين لا يعلمون أنهم يتكلمون بحضرة السلطان نفسه. ونحن نعلم أن ذلك يقوم على خلفية واقع تاريخيّ عبّر عنه الشاعر بهذا البيت البليغ :

اخفضِِِ الصوتَ إنْ نطقتَ بليلٍ و تلفّتْ قبلَ الكلام نهـــارا

و قد ذهب أشجع بن عمرو- أبعد من ذلك عندما عبّر عن خشية الناس من حديث النفس بما يكره السلطان، خوفاً منه وخضوعاً لمهابته :

مَنعتْ مهابتُك النفوسَ حديثَها بالشيء تكرهه و إن لم تعلَمِ !

وكان هذا الشاعر مغرماً بمديح السلاطين وقدرتهم على بث الرعب في قلوب الناس، حتى لا يجرؤ هؤلاء على الكلام بنقد السلطان و لو في أحلامهم…!

* * *

تبدو هذه الحكايات إذاً بمثابة وحدات سردية قائمة بذاتها، هدفها المركزي تشخيص لحظة التعبير الحر عن رأي الناس بالسلطان وبشؤون التدبير المختلفة.

إن خروجَ السلطان من سياق سلطته التي يتعرّف بها، شرط لازم لانطلاق القول في فضاء الحرية. من هنا ، وعوضاً عن اختراق مجال السلطة الخاص بالسلطان والدالّ عليه ( مجلسه المُسوّر بالحجب وقواعد الإتيكيت، أو موكبه المهيب المهول..)، وتوجيه النقد إليه مباشرة هناك، كما في حكايات البهلول و مدّعي النبوة والزاهد الواعظ…الخ؛ فإن حكايات السلطان المجهول تستدرج السلطانَ خارج ( المشهد السياسي الملكي ) الذي يتعرّف به و تتجلى من خلاله سلطاته كلها، لتبني هناك فضاء أحداثها وتنظم عناصر محكيّها.

تبعاً لذلك تبدأ هذه الحكايات بلازمة تتكرر باستمرار، مؤكدة ابتعاد السلطان عن جنده وحاشيته، أو خروجه متنكراً مستخفياً خارج القصر ( ينزعُ ثيابَ الافتخار ويلبسُ ثياب التجار، كما تعبّر حكاية عن هارون الرشيد في ألف ليلة وليلة).

في حكاية الحَجّاج الثقفي مع شيخ من بني عجل يجري التنويه منذ البداية بأن الأمير صَرَف عنه أصحابَه و انفرد بنفسه -. و في حكاية : خرج خالد بن عبد الله القسري يوماً يتصيّد، وهو أمير العراق فانفرد عن أصحابه فإذا هو بأعرابي على أتان له …الخ. و في حكاية أخرى : انقطع عبد الملك عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي….الخ . و تستبدل بعض الحكايات بلفظة ( أصحابه) لفظة ( عَسْكره ) تأكيداً على خروج السلطان من فضاء القدرة والبطش والترويع، إلى فضاء الناس العاديين. و هو خروج لا بد منه كما سبق القول- كي تنطلق الحوارية في فضاء الحرية، ويبدأ بطل الحكاية كلامَه على سجيته.

في المقابل، غالباً ما يتم إنهاء هذه الحوارية، وإغلاق الأفق المؤقت الذي انفتح أمام الكلام الحر، بانكشاف هوية السلطان، وإعادة تموضعه في سياق السلطة، و التعريف به داخل مجال التمكين وأبهة الملك و سطوته ( المشهد السياسي الملكي كما يعبّر د. كمال عبد اللطيف ). ولتحقيق انكشاف هوية السلطان يتوسل حطاب السرد طريقتين أيضاً :

1- من خلال السلطان نفسه الذي لا يلبث أن يضيق صدرُه بنقد بطل الحكاية وبكلامه المكشوف الجارح، فيبادر، من أجل إيقاف هذا التدفق الهجائي، إلى طرح السؤال : أتعرف من أنا..؟!. وهو سؤال يؤذن بعودة السلطان من حال المجهولية إلى مقام السلطة والاقتدار، حيث يستأنف السلطان بعد سؤاله الرهيب معرّفاً بنفسه : أنا فلان..!. فينقطع الكلام ويسود الصمت.

2- وفي طريقة أخرى يستدعي سياقُ السرد عسكرَ السلطان وحاشيته بوصفهما علامتين شائعتين للدلالة على حضور السلطان، و محددين أساسيين للمشهد السياسي الملكيّ، حيث يظهران فجأة في فضاء الحكاية، ويحيطان بسلطانهما التائه خارج هويته، فيبتلع بطلُ الحكاية لسانه :

– فما استتم كلامه حتى أحدقت به الجيوش من كل جانب – أحاطت به الخيل ونزلت إليه الملوك والأشراف فطار قلب الأعرابي…- فبينما هو كذلك إذ تلاحقت به عساكره..الخ.

* * *

متوهّمِين أن السلطة السياسية غائبة، يطلقُ أبطالُ هذه الحكايات كلماتهم المترعة بسلطة الحقيقة، وحكم التاريخ، و بَهجة التصريح الحرّ. وبينما تعتمد الحكايات بشكل جوهري على جَهْل أبطالها بحقيقة مُحاورهم والشخص الذي يخاطبونه؛ فإنها غالباً ما تذكر لنا كمتلقين- اسمَ السلطان وتكشف لنا- منذ البداية- عن هويته المدعومة بصورته التاريخية المعروفة، والتي ستشكل خلفية لتنظيم وتوجيه الأحداث والتصريحات الفاضحة داخل الحكاية. أما أبطال الحكايات أنفسهم، فهم بدون أسماء، لا حضورَ تاريخياً لهم خارج استدعائهم مِنْ قبل الحكايات، كمتكلمين بحضرة عابر يجهلون هويته. و بهذا الشكل يكون البطل: شيخاً…أو أعرابياً، امرأة…أو صبياً ظاهرَ الفصاحة والجرأة…الخ. إن لعبة التنكير والتعريف هذه تضع المتلقي، وهو يسمع/ يقرأ الحكاية، أمام حقيقة الرأي العام المتشكل في سياق تاريخي- سياسي وثقافي محدد، حول شخصيات تاريخية معروفة، أو مفاهيم سياسية/اجتماعية متداوَلة حول قضايا التدبير المختلفة، و العلاقة بين السلطة والمجتمع.

يسأل الحجّاجُ الشيخَ: كيف ترونَ عُمّالكم؟ قال: شرّ عمّال، يظلمون الناسَ، ويستحلون أموالهم. قال: فكيف قولك في الحجاج؟ قال: ذاك ما ولي العراق شرّ منه قبّحه الله، وقبّح من استعمله…الخ. وفي صيغة أخرى متداولة للحكاية يقول الحجّاج للشيخ : هلا شكوته أي الحجاج- إلى عبد الملك بن مروان؟ قال: أظلم وأغشم عليهما لعنة الله.

وفي حكاية : انقطع عبدُ الملك عن أصحابه فانتهى إلى أعرابي فقال: أتعرف عبد الملك؟ قال: نعم… جائر بائر!. وفي حكاية هشام بن عبد الملك مع الغلام يقول هذا الأخير للخليفة الذي أبعدته مطاردة ظبي عن سياق سلطته وعلامات استبداده: يا جاهل بقدر الأخيار لقد نظرت إليّ باستصغار وكلمتني باحتقار، فكلامك كلام جبار وفعلك فعل حمار…! .

و في حكاية أن المأمون مرّ متنكراً بحجّام فسمعه يقول لآخر: سقط هذا المأمون من عيني منذ قتل أخاه!…الخ.

في حكايات أخرى يجري تمثيل بعض المقولات والقواعد المتداولة حول التدبير وعلاقة السلطان بالرعية، على شكل محكي يقوم على لعبة التنكير والتعريف ذاتها.

في حكاية ( عمر والعجوز المدينية ) يقوم التمثيل السردي باستثمار جانب من الصورة التاريخية المعروفة عن الخليفة عمر بن الخطاب، و هو الجانب المتعلق بحساسية الخليفة الراشدي الخاصة والشديدة إزاء موضوع ( مسؤولية ولاة الأمر تجاه الرعية )، و حرصه على الإحاطة التامة بدقائق أحوالهم واحتياجاتهم، كجزء من استحقاقات مبدأ المسؤولية و لوازم تطبيقه.

الحكاية تسعى إلى تقديم أمثولة…نموذج مرجعي يظل قابلاً للاستعادة والتأثير، و ذلك من خلال انتقال الحكاية من مستوى ( الصورة التاريخية) إلى مستوى ( الحدث والحوار المتخيّلين) للعودة من ثم إلى تأكيد القيمة المرجعية المثالية التي تتوفر عليها الصورة التاريخية. إن لعبة التنكير والتعريف، بموازاة ثنائية : جهل الحاكم / دراية الحاكم بمشاكل الناس و همومهم؛ تساهمان في خلق المسار التشخيصي ( التسريد) لمفهوم مجرد يتعلق بمسؤولية الحاكم عن المجتمع أفراداً و جماعات.

‘ قيل: لما رجع عمر- رضي الله عنه- من الشام إلى المدينة، انفرد عن الناس ليتعرف أخبار رعيته، فمرّ بعجوز في خباء لها فقصدها. فقالت: ما فعل عمر رضي الله عنه؟ قال: قد أقبل من الشام سالماً. فقالت: يا هذا.. لا جزاه الله خيراً عني ! قال: ولمَ؟! قالت: لأنه ما أنالني من عطائه منذ ولي أمرَ المسلمين ديناراً ولا درهماً. فقال: وما يدري عمر بحالك وأنت في هذا الموضع؟ فقالت: سبحان الله ! والله ما ظننت أن أحداً يلي على الناس، ولا يدري ما بين مشرقها ومغربها. فبكى عمر رضي الله عنه…الخ ‘ .

ولدينا من هذا النمط حكاية واسعة الانتشار، بصيغ مختلفة و مغزى واحد، تعيد تمثيل مقولة متداولة كثيراً في خطاب الآداب السلطانية، تربط بين خصب الزمان و عَدْل السلطان. و تفيد بأن ‘ الملك إذا ظلم أو هَمّ بالظلم ذهبت البركة ‘. أو ‘ إذا تغيرت نية السلطان على قوم طارت بركتهم، وقّلت خيراتهم ‘. وتنسب هذه الحكاية إلى أحد ملوك الفرس، أو أحد سلاطين المغرب :

‘ حُكي أن كسرى أبرويز نزل متنكراً بامرأة، فحلبت له بقرة فرآها حلبت لبناً كثيراً، فقال لها: كم يلزمك في السنة على هذه البقرة للسلطان؟ فقالت: درهم واحد. فقال: أين ترتع وبكم يُنتفع منها ؟ فقالت: ترتع في أراضي السلطان، ولي منها قوتي وقوت عيالي. فقال في نفسه: إن الواجب أن أجعل إتاوة على الأبقار فلأصحابها نفعٌ عظيم. فما لبث أن قالت المرأة: أوّه، إن سلطاننا همّ بجور ! فقال أبرويز: لِمَ ؟! فقالت: لأن درّ البقرة انقطع، وإن جور السلطان مقتضٍ لجَدْب الزمان. فأقلع عما كان همّ به، وكان يقول بعد ذلك : إذا همّ الإمامُ بجُور ارتفعت البركة…’.

* * *

تنطوي حكايات ( السلطان المجهول) في متنها و خطابها على نقاط التقاء عديدة مع خطاب ( الآداب السلطانية) في التراث العربي. فهي حكايات تتناول كما يفعل المتن الأدبي السلطاني- شؤونَ التدبير المختلفة، و تتخذ من السلطان/ الملك/ الإمام، بؤرة التمثيل السردي، وتعتمد في أحيان كثيرة منطق العبرة والموعظة الذي يتخلل المحكي وينظم مساره و يحدد وظيفته. لكن نقاط الالتقاء والتماثل هذه لا ينبغي أن تخفي الفروقات الجوهرية بين الحكايات وبين الآداب السلطانية، على مستوى الخطاب نفسه، وعلى مستوى الحكاية والوظيفة أيضاً.

فإذا كان خطاب الآداب السلطانية يستحضر السلطان في كامل أبّهته و مظاهر القوة والسيطرة التي يمتلكها، و يضعه باستمرار في قلب مشهد ملوكي باذخ و مهيب تؤطره ما أطلق عليه (عز الدين علام ) : علامات الاستبداد ؛ فإن حكايات السلطان المجهول تقوم أساساً على انتزاع السلطان من سلطته، ومن علامات استبداده كلها. إن ملمح المجهولية في صورة السلطان داخل الحكايات، بوصفها المجهولية- بؤرة ناظمة للمحكي كله، تحيل – على مستوى الشكل إلى إسقاط ‘ مجموعة الصور والحالات والأشكال والقواعد والأوضاع المعبرة التي تجعل من السلطان الكائن الأول في مملكته، مطلقاً و مفرداً في سلطته…’، وهذا بحد ذاته يمهد لنقد السياسة الملوكية و تعريتها، بدلاً من تدعيمها و تمجيدها، كما يفعل أديب السلطان.

إن خطاب الآداب السلطانية يقوم على مبدأ النصيحة، التي تنطلق على أرضية تمجيد السلطان والإقرار بفرادته وسلطاته غير المحدودة. بينما تحتفي هذه الحكايات بسرد يقوم على إدانة السلطان والتشهير بالسلطة و نقد فسادها و انحرافها. و في مقابل تضاؤل الرعية و خوفهم وانضباطهم المقرر بالتعاليم والإجراءات الصارمة في حضرة السلطان، كما يظهر في المشهد الملوكي الذي تقدمه الآداب السلطانية، وتبني موضوعاتها من داخله؛ يظهر بطل الحكايات غير معني بذلك كله، كائناً حراً شجاعاً يعرف الحقيقة ويجهر بها بسهولة مستمدة من بداهتها، و من انتفاء الخوف والرهبة الذي وفرته مجهولية السلطان أو تجاهله.

كاتب من سوريا

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...