الرئيسية / كتاب الانتفاضة / سعيد لحدو / حكم السلاح بين الإسقاط والإصلاح

حكم السلاح بين الإسقاط والإصلاح

سعيد لحدو

كلما تدحرجت كرة ثلج المظاهرات في الشارع السوري، كلما هرول النظام أمامها هارباً ليحتمي بنيران دباباته التي لم تصمم أصلاً للسير في شوارع المدن ولا لدهس أجساد المواطنين. ومع ذلك فقد ابتكر لها النظام وظيفة جديدة جعلتها تقف في مواجهة كرة الثلج تلك مصممة على أن تقول بوحشية مفرطة لا لقوانين الطبيعة التي حكمت باندثار عائلات إمبراطورية عريقة وسلاطين دانت لهم ممالك ودول ولكنها أبقت الشعوب خالدة تصنع تاريخها ومستقبلها ومجد أوطانها.

وسورية التي خرجت لاستعادة حريتها وكرامتها المهدورة بصدور أبنائها العارية لمواجهة  عفاريت الجنون والهمجية التي انفلتت من عقالها في ساعة غفوة للضمير الإنساني العربي والعالمي المتخدر بعقاقير المصالح والحسابات السياسية، لايمكن لسورية هذه أن تعود لحياة الذل والخنوع والاستكانة لعصابة تخطت كل الحدود وانتهكت كل القيم والأعراف وذللت كل المبادئ والقوانين وتجاسرت على انتهاك كل الحرمات وسخرت الوطن بكل ماله وعليه مزرعة خاصة يتوارثها الابن عن أبيه والأخ عن أخيه. أما المواطن المغلوب على أمره فلم يكن طوال عقود إلا عبداً مسخراً لخدمة أربابه الجدد من أبناء تلك العصابة ومن دار في فلك جاذبية المصالح والمنافع الشخصية على حساب كل ماعداها.

سورية هذه اكتشفت نفسها أخيراً ونهضت بإباء لتقول للرئيس الوريث، وبأعلى صوت، بأنه خان حتى قسمه الذي كتبه له والده. وأنه كذب على الشعب الذي طالما تمنى لو أنه استطاع أن يصدقه ولو للحظة بالوعود الجميلة والكثيرة التي وعدها. والمشاريع الإصلاحية العديدة التي حبرها. والسياسات التي نافق وناور وتأتأ وقهقه على أمل تمريرها على دماء وعذابات أبناء سوريا البررة من أجل التربع على عرش الشيطان وشرعنة التوريث ربما لمن لم يولد بعد.

لقد تحمل الشعب السوري لعقود طويلة كل الادعاءات الفارغة من أي مضمون بالصمود والمقاومة والممانعة والتحدي والتصدي والرد الحاسم في المكان والزمان المناسبين. صبر وعانى الشعب السوري طويلاً بانتظار ذلك الرد الذي لم يأتِ أبداً. وتحمل الشعب السوري الكثير الكثير كرمى لعيون التحرير المنشود الذي ابتدع النظام كل تلك المصطلحات البراقة من أجله. لكنه لم يحرك ساكناً لتقريبه ولو لحظة واحدة. وفي مقابل ذلك سمع الشعب السوري وتحمل بصبر أسطوري اتهامات ظالمة من نوع (وهن نفسية الأمة وإضعاف اللحمة الوطنية وتشجيع الطائفية والعمالة للأجنبي والإرهاب والسلفية والتآمر وغيرها من المسميات الممجوجة والمكررة كلما ضاقت الحلقة على النظام. في الوقت الذي لم تعرف الثقافة التقليدية للمجتمع السوري أياً من هذه المسميات ولم تتعامل بها يوماً. وما ظهر منها مؤخراً فما هو إلا من إنتاج مطابخ النظام المتآمرة على سوريا وشعبها بكل أطيافه ومكوناته تسويقاً لسياساته القائمة على الكذب والخداع والتضليل بكل الشعارات التي رفعها منذ تمكنه من رقاب الشعب السوري وحتى هذه اللحظة.

عندما أدرك النظام بأن مناوراته وخداعه المضلل لم يعد ينطوي على الشعب الذي أدرك أساليب هذه السياسة ومضامينها، أراد النظام بعدما حقق الشعب ماحققه من انتصار مدوٍ في الشارع لاستعادة كرامته وحريته المسلوبة، أراد المراوغة والالتفاف على الشعب فجند أعوانه الخلص من رجال دين وغيرهم من الانتهازيين والمنتفعين من هذه العصابة الكبيرة المحتمية بالقوانين التي تسنها لنفسها مستخدمة إمكانات الوطن وجيشه لحماية نفسها وأزلامها ومكتسباتهم. ولا عجب أن يخرج علينا أمثال البوطي وحسون ليكفروا كل من عارض النظام. أو أن يخرج محمد حبش وبعض الشبيحة السياسيين الآخرين ليبشروا عبر وسائل الإعلام عن ابتكار الطريق الثالث الملتوي والذي تصب روافده أخيراً في الحديقة الخلفية للعصابة إياها. دون أن ينسوا أن يسموها (إصلاحات حقيقية) مع بعض الكلام المعسول، وذلك بعد أن يئس النظام من التحاق أي شخص، مازال الشعب يكن له الاحترام، بمشاريعه الإصلاحية المزيفة.

وهكذا لم تنطلِ الحيلة الجديدة مرة أخرى على الشعب الذي برهن على أنه استوعب دروس الأربعين سنة الماضية جيداً. وهو ليس في وارد المساومة على حقوقه أو التنازل عن أي منها لأي كان. فهو ماضٍ حتى النهاية في أنشودته التي أيقن الجميع صوابيتها (الشعب يريد إسقاط النظام). لأنها الدواء الناجع لكل داء عانى ويعانى منه هذا الوطن الصبور حتى العظم، والآن لم يعد يحتمل المزيد.

عند هذا الحد وبعد استنفاذ كل مناورات الزيف والادعاء والكذب، عادت العصابة إياها إلى وسيلتها المفضلة أولاً وأخيراً وهو استعمال فرق الجيش بكل مايملك من أسلحة خفيفة وثقيلة في مواجهة الشعب الأعزل. وقد بات هذا ممكناً طالما بقي الضمير العربي والعالمي غارق في سباته الطويل. وهو الأمل الوحيد الباقي للنظام في إسكات الشعب وتطويعه. ولكن هل يقبل بالعودة إلى الخنوع والمذلة من استطعم نسائم الحرية ولو لسويعات قليلة؟؟

وهل يستطيع أن يفوز في النهاية من حكَّم السلاح بين مقولة إصلاح مزيفة وعزيمة إسقاط حقيقية لشعب يريد أن يحيا مبدياً استعداده لدفع ثمن الحياة التي يستحقها؟؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

87 + = 94

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...