الرئيسية / صفحات سورية / حلب التي تُقصف لا يمكن أن تُهزم

حلب التي تُقصف لا يمكن أن تُهزم


عمر كوش

لا يمكن أن تُهزم حلب، مهما تغوّل النظام الحاكم في دمويته، وتمادى في قصفها بالطائرات والدبابات والرشاشات، لأن ناسها وحواريها وأحجارها أقوى من كل الطغاة والقتلة والمستبدين. يشهد على ذلك تاريخ هذه المدينة العظيمة الموغلة في التاريخ والمولدة للحضارة، بناسها وأحجارها.

ولا شك في أن من يقصف حلب، وسواها من المدن والمناطق السورية، ويدمر أحياءها ويقتل بشرها، لا يحب المدينة ولا قيمها، ولا يعير اهتماماً لحياة ناسها، وميراثها الحضاري. يسكنه هاجس الانتقام. ويسير عقله ذلك الجزء من ثقافة ريفية رافضة للمدينة وتقاليدها وثقافتها. فرض نفسه حاكماً على البلد بالقوة العمياء. وراح يتصرّف وكأن له ثأر من ناس المدينة وتراثها وحجارتها. وعلى مدى عقود عديدة، حكمها بالنار والحديد، كما يقال، ونشر ثقافة الخوف والعنف والقتل والدمار. هو كاره للمدينة وناسها، كاره للحضارة والتاريخ.

إنها حلب التي نشأت فيها وترعرعت وتثقفت وعشت. ولعل في حكاية حلب ما يعطي دروساً لكل الطغاة والغزاة، بأن المدينة لن تهزم، ليس بفضل الثائرين فيها فقط، بل لأن حكايتها تعود إلى عصور سحيقة، ممتدة في القدم، فيما هو طارئ، مصيره الزوال والنسيان.

وتبدأ حكاية حلب، حين اختارت جماعة من البشر موقعاً من الأرض سكنى لهم، على مقربة من ضفة نهر، كان يضج بالحيوية والعطاء.

وقتئذ بدأت الحياة تدّب في هذا الموقع، فزرعت الأرض، ونحت أفراد تلك الجماعة من البشر مساكن لهم في الصخور، دُعيت فيما بعد «المغاير». سكنوها طويلاً، وحمتهم من سطوة الغزاة والغزوات، وغادرها بعضهم مع ازدياد عدد الساكنين إلى التلة المجاورة (تلة السودا)، حيث اقتربوا أكثر من النهر القديم (نهر قويق). ثم انتقلوا إلى أمكنة أخرى قريبة من ضفاف النهر. ومع الزمن شكلت جملة مواقعهم مدينة صمدت طويلاً بوجه عواهل الدهر، ودعيت هذه المدينة «حلب». ولا تزال بقايا تلك الكهوف المنحوتة في الصخور الكلسية، تشهد على آثار الاستيطان الأول في المدينة الحالية.

وحين نترك مدخل المدينة الرئيسي، الواصل بينها وبين حماة وحمص ودمشق، ونتجه نحو الشرق، نصل قسمها القديم، كي نتجول في حواري المدينة القديمة وأزقتها وأسواقها، حيث التاريخ والقصص والحكايات. وعلينا أن نمعن النظر في أحجار المباني الأثرية، التي تشكل جزءاً أساسياً من تاريخ طويل وحضارة عريقة، تمتد آلاف السنوات. فحلب من المدن القديمة جداً في العالم، إذ كانت عاصمة العموريين في الفترة ما بين الألف الثالث والألف الأولى قبل الميلاد، وتناوبت عليها، تاريخياً، موجات الغزو العديدة، بدءاً من الحيثيين إلى الميتانيين، ثم الآشوريين والبابليين والفرس واليونانيين والرومان وسواهم.

دخلها المسلمون بقيادة أبي عبيدة عامر بن الجراح عام 636 ميلادي. وخرّبت غزوات الفرس مدينة حلب مرتين في القرن السادس الميلادي. أما اليوم فتقسم المدينة إلى شطرين: المدينة القديمة، والمدينة الحديثة، حيث يفتقد قسمها الحديث روعة وبهاء قسمها القديم. وقد اعتبرت منظمة الـ»يونسكو» حلب القديمة مدينة تاريخية هامة، نظراً لأهميتها التاريخية، ولاحتوائها على تراث إنساني عظيم، يتوجب حمايته.

ويذكر الشيخ محمد طباخ، مؤرخ مدينة حلب، في كتابه «أعلام النبلاء»، أن ابن بطوطة زار حلب، وكان ذلك سنة 731 ميلادي، وقال في وصفها: «هي من أعز البلدان التي لا نظير لها في حسن الوصف وإتقان الترتيب واتساع الأسواق وانتظام بعضها بعضاً». فيما يحدثنا ابن النديم، في كتابه «بغية الطلب»، أن أرسطو، المعلم الأول، استأذن الإسكندر كي يستجم في حلب، وقد بقي فيها أشهراً عدة. كما أقام فيها المعلم الثاني، الفارابي، في رعاية سيف الدولة الحمداني، إلى أن مات فيها. وزار حلب رامبليز الإنكليزي قبل قرنين، وقال: حلب هي لندن الصغيرة. كما زارها الشاعر الفرنسي لامارتين، بعد زلزال 1822، وسماها أثينا الآسيوية.

وأقدم ذكر لمدينة حلب ورد في نصوص «إيبلا» ( تل مرديخ على بعد 60 كم جنوب حلب )، التي تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد. كما ذكرتها نصوص مدينة «ماري» ( تل الحريري قرب مدينة البوكمال )، و»أوغاريت» في الألف الثاني قبل الميلاد. ويتوقع علماء الآثار أن في مدينة حلب مكتبة ضخمة لا تقل محتوياتها عن 20 ألف رقيم مسماري من عصور «إيبلا» و»ماري» و»أوغاريت». وفي حين أن هذه المدن التي مرّ ذكرها اندثرت جميعاً، فإن مدينة حلب بقيت صامدة تقاوم عواصف ونوازل الدهر.

ومن الثابت والأكيد أن الاستيطان البشري لمدينة حلب، تمّ في الألف الخامس قبل الميلاد، ولا أحد يعرف بالضبط معنى ومدلول كلمة «حلب»، لكن بعض الباحثين يرى أن مدلول كلمة حلب، لا يخرج عن كونه مكان التألب والتجمع أو مكان القلب، من منطلق أن حلب كانت تحتل مكان القلب والتجمع بين ممالك «ماري» و»إيبلا» و»كركميش» (جرابلس حالياً) و»مابوغ» و»أوغاريت» و»اراساوكانس» و»أراباد»، وكانت تشكل المركز الديني الأول، أو قبلة المدن الأخرى بمعبودها الشهير الإله «حدد»، إضافة إلى أنها كانت المركز التجاري الأكثر أهمية في ذلك الوقت.

ويمكن القول أن حلب شهدت مولد التاريخ، فلا نكاد نعثر على حضارة قديمة إلا وفي حلب دليلاً يدل عليها، أو غصناً أخضراً يطل علينا من خلف القرون. فهنا قام صرح شامخ، وهنا جامع متفرد في طريقة بنائه ودراسة واجهاته، أو كنيسة رائعة المعمار والزخارف، وهناك سوق ومدرسة و«بيمارستان» وحمام وخان إلخ.

وعلى طول المدينة القديمة، التي تقصف، اليوم، بالطائرات وبمدافع الدبابات، ومن أقصاها إلى أقصاها، يمتد السوق القديم المغطى، أشبه بشرايين تربط أجزاء مركز المدينة، قريبها وبعيدها بوشائج تؤكد القربى، وتصل عضو الجسم بالجسم، حتى لتحس بحلب جسداً ينبع بالحياة. جسداً يضرب جذوره في أعماق الأزل، ويطلق فروعه نحو الشمس. يعانق الفضاء بعطاء هو الضوء والألق. ووجود هذه الديمومة التي يمتد في دمها نسغ الوجود إلى أدق أعصابها، حتى لتحس أنك أمام تجسد مجسّم الوجود البشري بالوجود المعماري. فهي لا تزال عامرة مزدهرة منذ زمن بعيد، بعيد. وهي من المدن القليلة في العالم التي تتجمع فيها كل مدارس تاريخ العمارة وفنونها بتواصل زمني فريد. فقلما وجدت حضارة في العالم القديم لحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق عموماً، إلا وفي حلب بعض آثار لها، تدلّ عليها، وتذكر بها، فهي متحف كبير حيّ للحضارات والعمارات والفنون، منذ أن بدأ الفن يتسلق جدران الكهوف، إلى أن ارتقى إلى معارج الحضارة العربية الإسلامية.

وحين نصل إلى سور المدينة القديم، نتذكر اللحظات التي كانت تغلق فيها المدينة ليلاً بوجه الغزاة، بواسطة أبواب السور المحيط بالمدينة القديمة. وهو سور روماني، جدده الأمويون ثم أصلحه العباسيون، ولما تخرّب في حروب الدولة الحمدانية على يد البيزنطيين قام بإصلاحه سيف الدولة.

وفي عهد نور الدين زنكي، في القرن الثاني عشر ميلادي، بُني سور إضافي أمام السور الأول، ثم بنى الأيوبيون عشرين بُرجاً على هذه الأسوار. وقد تهدّم عدد منها في الهجوم المغولي على المدينة، ثم رُممت في عهد المماليك. ويتخلل السور عدة أبواب، أهمها: باب النصر ـ باب أنطاكية ـ باب الفَرَج ـ باب الجِنان ـ باب قُنْسرين ـ باب المقام ـ باب الحديد.

وعندما ندخل المدينة، تتالى الأحياء والأزقة الضيفة: الجديدة، قسطل حرامي، بنقوسا، الجلوم. وعبر الدروب الداخلية، تصل إلى أسواق المدينة، حيث لا زالت حلب تُعرف بأسواقها المتنوعة التي سميت بأسماء الحرف والصناعات التي كانت قائمة في المدينة، وهي أسواق مسقوفة وذات طابع مميز يبلغ طولها مجتمعة نحو اثنتا عشرة كيلو متر.

واهتم ببنائها في بادئ الأمر سيف الدولة، ثم الظاهر غازي بن صلاح الدين وغيره من الأيوبيين. ومن أهم أسواق حلب القديمة: سوق المناديل. السُّوَيقة. سوق اسطنبول. سوق الحرير. سوق الزَّرْب. سوق الحبال، سوق العطارين.

وكانت الخانات في حلب تلعب دور فنادق اليوم. حيث يضم بناء الخانات قاعات بطابقين أو أكثر، وكانت قاعات الطابق الأرضي تخصص للمخازن والدوابّ التي يأتي بها المسافرون، في حين تخصص قاعات الطبقة العليا للسكن. ومن أهم خانات حلب: خان الصابون الواقع في سوق المناديل، وشُيّد في القرن السادس عشر ميلادي، ويمتاز بواجهة مزخرفة رائعة. وخان الوزير الذي يقع قرب المسجد الأموي الكبير، وشيّد في القرن السابع عشر، وهو من أجمل الخانات. وخان الجمرك الذي بني في العهد العثماني، وفيه مسجد و 52 مخزناً و 77 غرفة في الطابق الأول. وخان الشونة، الذي بني في العهد العثماني، ثم أصبح الآن سوقاً للمهن اليدوية. وخان خاير بك، وبني في آخر عهد المماليك في القرن السادس عشر، ويتميز ببابه الجميل والمصنوع من الحديد. وأوج خان (الخانات الثلاثة )، وبني في آخر عهد المماليك أيضاً، ويمتاز بواجهته الرائعة الجمال. ولن يفوتنا بهاء الكنائس والجوامع والمدارس الدينية، وهي تعود إلى عصور تاريخية مختلفة.

أما بيوتات حلب القديمة، فهي تحفة معمارية، حيث تتألف البيوت الحلبية القديمة من قسمين أو ثلاثة: قسم الاستقبال، وقسم للحريم، وقسم للخدم. تمتاز بسقوف خشبية مرتفعة، محلاة بزخارف هندسية ونباتية ملونة، وجدرانها مزودة بخزانات خشبية، ومغطاة بزخارف خشبية، عليها كتابات شعر ونثر وأقوال مأثورة. وبعض الجدران مكسوة بزخارف رخامية متعددة الألوان. والقاعات الواسعة ( الليوانات ) هي أجمل ما في هذه البيوت، حيث ترتفع نحو نصف متر عن أرض البيت. وقد ظهر هذا الفن العمراني التزييني في حقب سحيقة من الزمن، ولا سيما في بيوت السكن الواقعة حالياً في حي «الفرافرة» و»الصليبة» وسواهما. ونجد فيها إحياء للتقاليد الفنية السورية التي تعود إلى القرون الرابع والخامس والسادس الميلادية، ويظهر ذلك بشكل باحات فسيحة جيدة البلاط مع حديقة صغيرة، وبركة تتوسطها نافورات حجرية، وإيوان جميل متجه نحو الشمال، ومحمي من أشعة الشمس، والصالون الكبير المتصالب الذي تعلوه قبة.

كل ذلك يشهد، مع أشياء أخرى في الثورة السورية، على أن حلب أقوى من كل الأنظمة.. ستبقى صامدة، وسيندثر الطغاة والقتلة.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...