الرئيسية / كتاب الانتفاضة / حسّان القالش / حوار “الجولاني” مع الجزيرة –مقالات محتارة-

حوار “الجولاني” مع الجزيرة –مقالات محتارة-

تأسيس الإبادة/ ياسين الحاج صالح

الدرزي الجيد هو… السني، حسب أبو محمد الجولاني، والعلوي الجيد هو السني أيضا. وليس العلوي السيء من ارتكب جرائم بحق مواطنيه الأخيرين، بل هو غير السني، أي الذي لا يعتنق العقيدة التي يؤمن بها أبو محمد الجولاني شخصيا. ما هو مصير هذا العلوي السيء، والدرزي السيء أيضا؟ لا يشعر محاور الجولاني في قناة «الجزيرة» بالحاجة إلى طرح السؤال، والجولاني لم يجب على سؤال لم يطرحه عليه محاوره الطروب. لكن ما لم يقله الرجل تقوله مرجعيات تياره: إن هؤلاء مرتدون، مباحو الدم بالتالي. وبصرف النظر عن أن الردة المفترضة لغير السنيين من المسلمين ليست واقعا تاريخيا محققا بحال، وبصرف النظر عن الشرعية الأخلاقية والعقلية لحكم الردة الآن وفي كل وقت، ليس هؤلاء المرتدون المزعومون مباحي الدم لشيء فعلوه، بل لشيء يكونونه. نتكلم على إبادة وعلى تأسيس للإبادة لأن جريمة العلوي هي علويته، وليست أشياء يحتمل أنه فعلها أو لم يفعلها، وجريمة الدرزي هي درزيته، أي كيانه، وليست شيئا من نصاب الفعل أيضا.

هل هناك سنيون سيئون؟ وفقا لمنطق زعيم جبهة النصرة، السني جيد ماهويا، لكنه يكون سنيا سيئا حين لا يكون سنيا كفاية، وفق المسطرة التي يرتضيها له الجولاني (سلفي متجهم، يطمس كيان امرأته، ويكره من لا يشبهه). في كل حال، سوء السني مسألة فعل وليست مسألة ماهية. وهو ما يضع السنيين خارج دائرة الإبادة. ولأن سوء السنيين مسألة فعل محتمل، فإن السني الذي يقاتل إلى جانب النظام، ويقتل الثائرين على النظام، أقل سوءا بكثير من السني الذي قد يكون علمانيا أو عضوا في حزب يساري أو ليبرالي، أو ناشطا في مجال حقوق الإنسان. مشكلة السني العلماني أو اليساري… تطاول كيانه مثل العلوي والدرزي، أما السني المجرم فمشكلته في فعل قد يتوب عنه.

لكن ماذا يكون العلوي السني أو الدرزي السني؟ إنه علوي دون علويته ودرزي دون درزيته، أي كائن مقطوع الرأس على المستوى الرمزي، يصون رأسه الفيزيائي بأن يسلم رأسه الرمزي لنطع إداريي السنية السياسيين. خيارات الدروز والعلويين، حسب الجولاني، تتراوح تاليا بين إبادة رمزية تلغيهم كجماعة، أو إبادة فعلية تلغيهم جماعة وأفرادا.

إشتراط جدارة الناس بالحياة والكرامة بما يكونون لا بما يفعلون هو بالضبط تأسيس الإبادة. المصير الذي سبق أن طال مسلمين ويهودا في أسبانيا أيام «حروب الاسترداد»، ويهودا وغجرا ومثليين على يد النازيين، وسكان أمريكا الأصليين (الهنود الحمر)، وبصورة أقل نسقية أصاب أعراقا وجماعات ثقافية كثيرة. كل نفي للمساواة الجوهرية للناس، وتساوي حيواتهم ودمائهم وكرامتهم، هو تأسيس لأشكال مخففة أو مشددة من الإبادة. وما يؤسس، في المقابل، لنقض الإبادة هو تساوي الناس في الماهية والكيان، وتجريم التمييز على أساس العرق أو المعتقد أو الجنس.

إذا كانت مشكلة العلوي هي أنه علوي، فإن حلها يتراوح بين إبادة علويته أو إبادة حياته، كما سبق القول. وبينما يعرض أبو محمد الجولاني تسامحا حين يكتفي بإبادة علوية العلويين ودرزية الدروز، فليس سجل تياره ما يحول دون اعتبار إبادة علوية العلويين والدروز، أو قطع رأسهم الرمزي، غير كاف، وينبغي قطع رؤوسهم فعليا. هذا لأنهم منافقون، قد يقال، يضمرون غير ما يجهرون، وأنهم إنما أعلنوا إسلامهم السني القويم خوفا من السيف. وهذا ليس ممكنا مجردا، قد يقع أو لا يقع، بل إنه مكتوب في العملية الدينية السياسية ذاتها التي أسهم في إطلاقها وصعد بفضلها الجولاني، وقد يظن أنه يتحكم بها، لكنها ستجرفه هو ذاته إن حاول وقفها عند حد ليس هو حدها الذاتي: بناء الجماعة الدينية السياسية المتجانسة التي تتشكل من ملايين النسخ البشرية المتماثلة، مظهرا ومخبرا.

وليس هناك ما يمكن تسويغه سياسيا في مشروع بناء أمة الأطهار هذه، وما يتأسس عليها من إبادة للأغيار. فالجولاني كان واضحا في أن مشكلة العلوي ليست في جرائمه المحتملة (تسقط عنه إن صار سنيا)، بل في عقيدته. بعبارة أخرى، المشكلة ليست سياسية، ليست طغيان النظام الأسدي ووجوب محاسبة أركانه على جرائمهم، بل مشكلة عقيدة وماهية. وفي هذا يتضاءل الفارق بين علوي مجرم مثل بشار الأسد أو جميل حسن، وبين علوي معارض للنظام مثل أسامة محمد أو سمر يزبك، أمام الفارق بين علوي مجرم مثل بشار وبين»علوي سني» مثل بشار نفسه، لو اهتدى إلى عقيدة الجولاني الصحيحة. الفارق الأعلى هو فارق العقيدة، وليس بحال فارق الفعل.

لكن هذا تفكير إجرامي، ينتمي بجدارة إلى دوائر تنتسب إليها ظواهر التمييز العنصري والصهيونية والنازية. وما يزيده إجرامية أنه يأتي من رجل لا نعرف له صورة أو تاريخا أو أصلا أو فعلا. كان في الظلام، تعرفه، إن عرفته، دوائر المخابرات السورية والعراقية، وتعرفه دوائر المنظمات الجهادية السرية التي تشبه في سريتها وفي قسوتها الوحشية أجهزة المخابرات أكثر مما تشبه أي شيء آخر.

لعلنا لا نخطئ بالقول إن إبادة السياسة طوال عقود على يد الدولة الأسدية فتحت الباب لسياسة الإبادة، ممثلة بداعش والنصرة ومن اهتدى بهديهما. لكن حيال مثل كلام الجولاني يتعين أن ننبذ المزاج التحليلي، ونأخذ قرارا قطعيا واضحا بالإدانة. كلام الجولاني يؤسس لجريمة لا تنتهي. والتذرع بجريمة قائمة لا يغير من حقيقة أن كلام الرجل المجهول تأسيس لجريمة بلا نهاية.

القدس العربي

 

 

 

سليماني والبغدادي والجولاني إلخ…/ عمر قدور

إذا صحّت الأنباء التي أشارت إلى أن منتسبي الفصائل السورية «المعتدلة»، في برنامج التدريب الأميركي في تركيا، فوجئوا بطلب توقيع وثيقة أميركية تتضمن الالتزام بقتال «داعش» فقط، الأمر الذي لم تبادر الإدارة إلى نفيه، فذلك يعني أن المفهوم الأميركي للاعتدال ينص على قتال «داعش» من دون قتال الأسد. ومع أن النيات الأميركية لم تكن سراً في الأصل فإن موضوع الوثيقة يضعها خارج الغموض «غير البنّاء» الذي طبع تعاطي الإدارة مع الملف السوري. باختصار، تبدو الإدارة كأنها تتهيأ للدخول إلى الساحة من باب إنشاء ميليشيا من المرتزقة خاصة بها، تكون مجردة من الأجندات الوطنية.

في الوقت نفسه، كانت الصحافة الإيرانية أول من أعلن عودة قاسم سليماني إلى سورية، هذه المرة مدعوماً بآلاف من قوات الحرس الثوري والحشد الشيعي العراقي، فضلاً عن ميليشيا حزب الله الموجودة سابقاً. وجهة هذا الحشد معلنة، وهو لن يقترب من خطوط التماس مع «داعش»، فما توعد به موالو النظام صراحة أن الهدف القادم استعادة مدينتي جسر الشغور وإدلب لحماية الساحل، بينما تتفرغ ميليشيا حزب الله لمعركتي عرسال والقلمون، وما أشيع بعقلانية أكبر يقتصر على دعم الصمود في معقل النظام. ومع أن الميليشيات الشيعية شاركت بالقتال على نحو ظاهر منذ سنتين ونصف السنة، فالإعلان الأخير عنها يضعها للمرة الأولى في الصدارة، فهي لم تعد حليفة لقوات النظام كما كانت تُسوّق إعلامياً. لقد تقدم الأصيل بعد فشل الوكيل.

لا حاجة أيضاً للتذكير بأن «داعش» يحتل نصف الأراضي السورية، ويخوض معارك عنيفة للسيطرة على الريف الشمالي لحلب وعلى مدينة الحسكة، مثلما تنتفي الحاجة للتنويه بأن الجولاني، قائد جبهة النصرة، لم يزح اللثام عن وجهه في إطلالته التلفزيونية، ولم يعلن انفكاكه عن تنظيم القاعدة كما كان متوقعاً أو مأمولاً من قبل البعض. الجولاني أرسل تطمينات للغرب بأنه لن يهاجمه، وهي أهم من التطمينات المشروطة التي منحها للسوريين على صعيد حرية الرأي والعقيدة، لكن من يكترث حقاً بطمأنة السوريين!

البراميل المتفجرة التي ازداد معدل استخدامها من قبل قوات النظام، في ظل صمت دولي شبه تام، تؤكد من جديد ألاّ أحد يكترث بالسوريين. لكن لا يقل أهمية عن ذلك أن السوريين بغالبيتهم لم يعودوا كذلك، ومجيء الحشد الشيعي الأخير قد يكون حاسماً في قصم ما تبقى من شعرة تلك الصفة المعنوية «السورية» التي تجمعهم، وبقائها ضمن مفهوم الجغرافيا الطبيعية ليس إلا. ليس بالأهمية ذاتها هنا ما إذا بقيت البلاد موحدة أو خضعت للتقسيم، فالعبرة في أن التقسيم سيكون قد أنجز على الصعيد النفسي، بحيث لن يكون قابلاً للردم على المدى المنظور.

قبل أربع سنوات، كان يمكن ردّ العديد من المظاهر الطائفية إلى وعي الأزمة، وكان يمكن للتفاؤل أن يتسرب من أن الحل المنشود سيعيد الوعي العام إلى قدر من الاعتدال الذي يتطلبه العيش المشترك. غير أن التخلص من وعي الأزمة، أو حتى رؤية أصحابه له بوصفه انفعالاً موقتاً، يتطلبان رؤية أفق للحل، وهذا ما لم يتوفر للسوريين طوال تلك المدة، ولن يتوفر قريباً مع تكاثر الاستثمارات الخارجية في الساحة، من دون تحميلها وزر ما يحدث والنظر إلى الصراع باعتباره حروباً بالوكالة، إذ لا ننسى أن طرفاً داخلياً أساسياً هو النظام له الريادة في إدخال الميليشيات الأجنبية.

هناك ظاهرة يجدر التوقف عندها: يخرج الجولاني أو البغدادي بتصريح فيكسب بشار الأسد. يخرج بشار الأسد أو حسن نصر الله بلقاء أو خطاب فيكسب الجولاني أو البغدادي. على السطح فقط يسعنا القول إن كل واحد من هؤلاء لا يستطيع كسب أنصاره إلا بدلالة الخوف من الآخر، أما عندما تتسع وتتعمق دائرة الخطر الوجودي فهي تصبح معروضة لشتى المستثمرين. اليوم مثلاً لم يعد من معنى للحديث عن خوف أقلوي بمبررات تاريخية قديمة، لأن الحساب العددي لا يعود له معنى مع التحالفات الخارجية العضوية ومع امتلاك السلاح الأفضل. أيضاً، لم يعد من معنى للحديث عن الأكثرية العددية بصفتها «الأمة»، فعندما تتوزع بين خطري الإبادة والتهجير لا تعود أكثرية في أرضها، وليس متوقعاً تحليها بوعي أكثري في ظل مخاوفها.

كُتب الكثير عن خطر التقسيم، وكُتب مثله عن خشية الإدارة الأميركية من تكرار النموذج العراقي، إلى أن تمخض الواقع عما هو أسوأ من المخاوف. فخطر التقسيم، لو تم حقاً منذ التلويح به، كان سيوفر دماء مئات آلاف الضحايا، ونموذج انهيار النظام العراقي لو تكرر لما أتت عواقبه بأشد مما حصل فعلاً. أي متابع عادي للشأن السوري يعلم أن النظام انهار، ويعلم أن التقسيم حصل، وأن مئات «الصعاليك» ليس لهم وزن يُذكر في ميزان قاسم سليماني والبغدادي والجولاني. وأي متابع لوسائل التواصل الاجتماعي يلحظ مقدار ما كسبه سليماني والجولاني مؤخراً، حتى لدى شرائح كانت تنأى بنفسها إلى وقت قريب عن شبهة الطائفية. لقد كان الوضع صادماً عندما تحدثت تقارير الإدارة الأميركية في بداية الثورة عن عشر سنوات من الحرب في سورية. الآن تتحدث الأوساط نفسها عن مدة لا تقل عن تلك لمواجهة «داعش»، أي أن القوة الدولية الوحيدة القادرة على الحل لديها جدول زمني خاص بها، وإذا صدقت أوساط الإدارة في تقديراتها، فذلك يعني أننا لم نقطع بعد الشوط الأول من المعركة. المدة المتوقعة، وفق هذه التقديرات، ستجعل الحديث لاحقاً عن حل سوري نكتة لا تنتمي إلى الواقع، ولن تنتمي إلى الواقع أية إملاءات تفرض على «الشعوب» التي تشكلت، أو اكتشفت نفسها، في سورية أثناء الحرب.

إثر الخسائر التي تعرض لها النظام نشطت الديبلوماسية الدولية، وعاد إلى الصدارة الحديث عن حل سياسي. مع مجيء قاسم سليماني وميليشياته تراجع الاهتمام الدولي الطارئ. هذا هو المؤشر الوحيد الصادق والملموس حالياً، وما تبقى خاضع لميزان القوى المتبدل. المؤشر الآخر الملموس أن الحديث عن سورية الوطن والمواطنة، أو حتى سورية اللامركزية، صار مثاراً للسخرية أسوة بشعارات البعث الجوفاء.

الحياة

 

 

 

حديث أملاه الغلو/ ميشيل كيلو

كان من الصعب على أي منصف رفض جبهة النصرة التي دانت، في حديث قديم لأميرها أبي محمد الجولاني، غلو داعش وتفرغها لقتال من يقاتلون النظام الأسدي. وكان من الصعب انتقاد النصرة، بعد أن تعهد أميرها الجولاني، في حديثه ذاك، بالخروج من سورية، لأن هدفها ليس السلطة، بل الجهاد لوجه الله ودفاعاً عن دينه، ولأنها تقبل ما سيختاره الشعب بحرية، أي انتخابياً، وتتعهد أن لا تفرض عليه نظاماً لا يريده.

غادر الأمير في حديثيه مع “الجزيرة” موقفه من الغلو، ومن السلطة، والانتخابات، والآخر. وباغت مستمعيه بجبهة نصرة جديدة لا تقل غلواً عن القاعدة، سواء في مواقفها من الآخر والمختلف، أم من مستقبل سورية، حيث جعل الأمير إلزام بقية المسلمين، وغيرهم من مكونات الشعب السوري، بحكمه الشخصي وعداً غير سياسي، إلهيا ومقدساً، ليس بين قضاياه جميعها قضية واحدة مطروحة للنقاش، أو منفتحة على رأي آخر، ولو أخذنا، على سبيل المثال، ما قاله عن العلويين، وتوقفنا عن اعتبارهم غير مسلمين، وقوله إنه لن يقاتلهم إن عادوا إلى قويم الدين، وإذا لم يقاتلوه وانفكوا، في الوقت نفسه، عن بشار الأسد، لوجدنا أنفسنا أمام معادلةٍ شديدة الغلو، كيفية ومرعبة، فبينما يوافق معظم السوريين على توقف العلويين عن القتال والانفكاك عن الأسد، يعتبر مطلب عودتهم كغير مسلمين إلى الدين الإسلامي غير منطقي أو مقبول، فكأنه يقدّم، منذ الآن، الذريعة الضرورية لذبحهم كمرتدين، في تقليد لـ “داعش”، لطالما رفضه هو نفسه في الماضي، حين ألزم نفسه باحترام عقائد واختيارات غير المسلمين، فما معنى اعتبار ملايين المسلمين رافضة ومرتدين، وإعلان توبتهم، أي اعتناقهم مذهبه، شرط عدم مقاتلتهم… وقتلهم؟

يتجلى غلو “الفاتح الجولاني” في نقده جماعة الإخوان المسلمين الذي ينصبّ، أساساً، على قبولهم النظام الانتخابي، البرلماني، والدستور. لا يرى قائد القاعدة في الانتخابات طريقة للتعبير عن رأي الشعب الذي يسمونه بالمصطلح الديني “الأمة”، ويتحدث وكأنه لا حاجة لمعرفة رأيه، لأن رأي المسلمين معروف، وهو، بكل اختصار، تطبيق شرع الله، كما يقرره أمير مجاهدي القاعدة بطبيعة الحال. أما الدستور فهو ملعون مرذول، ما دام سيبلبل المسلمين الذين لا يحتاجون إليه، بما أن وظيفته الوحيدة إبطال دستورهم الوحيد، القرآن الكريم الذي من الكفر تطبيق أي دستور غيره، ليس فقط لأن فيه علوم الأولين والآخرين، بل كذلك لأن المسلمين بلغوا أوج مجدهم في الأزمنة التي طبقوه خلالها، كما أكد الجولاني، فالعودة إليه ملزمة شرعاً، ومن الكفر السماح بأن يخالطه رجس دنيوي: دستوراً كان أو انتخابات وبرلمانات أو ديمقراطية أو أحزاباً … إلخ.

أفهمنا الجولاني أنه يعرف نص ومعنى كل ما أراد الله قوله للبشر، وأنه لا مشكلة إطلاقاً في تطبيق النص الإسلامي، وتحدث وكأن للإسلام معنى حصرياً هو الذي يراه هو، ثم، وبعد دقائق، أرجع خلافه مع ” داعش” إلى اختلاف ممارستهما الإسلام.

هل جنح الجولاني إلى الغلو، ليكبح اكتساح “داعش” الساحة الجهادية، على حساب القاعدة؟ أم فعل غلواً، كي يوقف مطالبة أطراف في الجبهة بفك علاقاتها مع القاعدة؟ أم أنه أراد مواجهة الاختراقات الداعشية لجبهته، ووقف تدفق مقاتليه على “داعش”.

لا أعرف إن كان سينجح في مسعاه القاعدي/ الجبهوي الخاص، لكنني أعتقد أنه خسر عددا كبيرا من السوريين الذين طالما تعاطفوا معه، وأفهمهم اليوم أنهم كانوا مخطئين.

العربي الجديد

 

 

 

 

عن مقابلة الجولاني/  سلامة كيلة

أن يخرج أبو محمد الجولاني على شاشة “الجزيرة”، في هذا الوقت، أمر لافت، بل أظن أنه مربك ومقصود، فالكتائب المتوحدة في جيش الفتح تحقق تقدماً ملحوظاً في الشمال والغرب من سورية، وظهر أن جبهة النصرة باتت تخضع لمنظور مختلف عمّا كانت تطرح، خصوصاً بعد أن تسرب أنها قد تنفصل عن تنظيم القاعدة، وتصبح “جزءاً من الثورة”.

لكن، أعاد الجولاني تكرار المعروف عن الجبهة، وعن هدفها بفرض الخلافة، وعن التعامل وفق “منظور ديني”، ينطلق من الوهابية يكفّر الأقليات والأديان، ويريد تطبيق “الشريعة”، كما تبلورت في شكلها الوهابي القائم على شكلية مفرطة في الفهم، حيث تؤخذ النصوص مجتزأة، وتطبق من دون تفكير، استمراراً لما أكده الإمام الغزالي أنْ “خذوا الحقائق من الألفاظ”. والتكفير هو أولويته وأساس رؤيته، والقتل هو الآلية التي تتبع ذلك. بالتالي، لماذا يخرج الجولاني لقول ذلك؟ وماذا تريد قناة الجزيرة القول؟

ربما كان الهدف هنا هو فعل ما فعلته داعش، حين “توافقت” مع قوى عراقية ضد النظام في العراق، وسارعت سيطرة تلك القوى على مناطق واسعة غرب العراق لأن تعلن الخلافة، وتشرّد المسيحيين وتعتقل اليزيديين، وتمارس كل أشكال القتل. ليجهض الحراك ويصبّ في ما تريد السياسة الأميركية. فما قاله الجولاني يعني أن على “الأقليات” السورية أن تخاف، وأن تعيد ارتباطها بالنظام، بعد أن ظهر التفكك في الفترة الماضية، خصوصاً هنا الدروز، وأيضاً العلويين، وخصوصاً أيضاً أن “النصرة” باتت على حواف جبال العلويين، وهددت بالوصول إلى القرداحة.

وإذا لاحظنا كيف أن التقدم في الشمال الغربي توقف عند حدود السيطرة على منطقة إدلب يمكن أن نتوقع أن الحدود التي سُمح فيها من الدول المتحكمة أن يتوقف “التحرير” هنا، ومن ثم أن يجري شدّ العلويين خلف السلطة. ربما نربط ذلك بسماح السلطة لداعش لكي تسيطر على تدمر، وسعيها إلى التقدم غرباً، سواء نحو حوران أو ريف دمشق، وتقدمها في حلب. ومحاولة شلّ الجبهة الجنوبية كذلك. حيث كان المطلوب من التقدم العسكري خلخلة ميزان القوى، وليس أكثر.

وإذا كان وجود جبهة النصرة يربك الصراع منذ البدء، ويراد أن يربك التقدم بحيث يبقيه “تحت السيطرة”، فإن وضع جبهة النصرة أصلاً محل رفض في مناطق سورية كثيرة، حيث اعتبرت الكتائب المسلحة في منطقة درعا الجبهة تنظيماً متطرفاً تكفيرياً، ورفضت كل علاقة معه، كما دعت العناصر المنخرطة في التنظيم إلى تركه، والانضمام إلى صفوف الثورة. كما حدثت تظاهرات عديدة ضده، أدت إلى طرده من مناطق في جنوب دمشق (ببيلا وغيرها)، وأيضاً تظاهرات ضدها في مناطق عديدة في الشمال. وهي تسيطر في الشمال بفعل قوتها العسكرية، وليس بفعل قبول الشعب لها. لهذا، فإنها مرفوضة شعبياً، ويؤدي تكبير دورها إلى تخويف ليس الأقليات فقط، بل كل الشعب السوري من المصير الأسود الذي تسعى إلى فرضه.

لكن، من الواضح أن قوى عديدة تلعب خلف الجبهة، منها جماعة الإخوان المسلمين الذين يبدو أنهم قد دفعوا إلى انخراط عناصر منهم فيها، وأصبحوا يميلون إلى أن يعتبروها جزءاً من حراكهم. ومنها دول تريد أن تلعب بهذه الورقة، سواء لتخريب ترتيبات لا تريدها، أو للحصول على مكاسب خلال البحث عن تسويات في سورية. وربما أن هناك دولاً تريد أن تصل الجبهة إلى السلطة، لأنها تريد في سورية سلطة أصولية قروسطية وهابية.

مهما فعلت جبهة النصرة في مواجهة النظام، فهي قوة كبح وتفكيك، وهي تطمح إلى فرض سلطتها الأصولية على أي منطقة تسيطر عليها، وأصوليتها المغرقة في التخلف تجعلها في تضاد مع الشعب، وتفرض عليه صراعاً مضافاً، مع صراعه ضد النظام.

لكن، ماذا تريد قناة الجزيرة بإبراز الجولاني للمرة الثانية؟ تعميم الأصولية، كما فعلت منذ بدء الثورة؟

العربي الجديد

 

 

 

الجولاني: الرقص على حبلين/ نائل حريري

لا يبدو قائد «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني مقنعاً وهو يدعي عدم اهتمامه بالغرب أو بالقوى الخارجية المتدخلة في الساحة السورية، بل إن ظهوره التلفزيوني التاريخي يكاد لا يوحي إلا بالعكس تماماً. لا يتضح من حديثه القديم الجديد سوى الدفاع عن جبهته في مواجهة تلك الصورة التي يعتبرها «مقحمة» على كيانه الوليد و «تحاملاً» على رسالته وقضيته.

تنصب الجهود على التأكيد أن «النصرة» ليست «داعش» ولذلك لا يجب وضعها معها في سلة واحدة. ويتم ذلك بأسلوب إعلامي «باهت» يتناوب فيه كل من الجولاني ومحاوره الدفاع عن هذه النظرية، فيستعرضان «معاً» الإنجازات العسكرية والمدنية والاجتماعية لجبهة النصرة، ويسوقان «كلاهما» الحجج على رقي الجبهة في التعامل ومبدئيتها الصارمة وعدالتها الاجتماعية.

لكن من الجانب الآخر، لا يبدو الجولاني أقل تخوفاً أو تقية من جمهور باقي القوى الإسلامية ومن يدعمها، فهو ما زال الناطق باسم الشعب السني، وما زال المنافح والمدافع عن المآسي التي يتعرض لها جمهور السنة، ولا يستغرب في هذا السياق توقيت هذا اللقاء بحلقاته المتسلسلة إذ إن ثمة لاعباً آخر يقوم بجولاته الإعلامية والسياسية بكثافة هذه الأيام هو زهران علوش، الذي لا يدخر هو الآخر أي جهد إعلامي في تسويق نفسه على أنه قائد السنة وعرابهم الأكبر وإن كان هذا التسويق أكثر التصاقاً بالثورة السورية بمفهومها العريض. بالتالي فعلى المنطقة والعالم بأسره أن يتنبه تماماً إلى أن ثمة خيارات أخرى لقيادة السنة في البلاد، وتلك ثاني أهم الموجبات لهذا الظهور الإعلامي.

لكن ما يحاول اللقاء إخفاءه كلياً هو مدى تقارب «الجبهة» و «داعش» في المنظور الكلي للدولة الإسلامية التي ينشدانها. في حين يدافع المحاور عن الجبهة ويؤكد الخلاف «الأيديولوجي» بينها وبين الدولة الإسلامية، لا نراه يغوص إطلاقاً في تفصيل ذاك الخلاف الذي يتضح أنه ليس أيديولوجياً على الإطلاق بقدر ما هو «لوجستي» بحت. يتمسك الجولاني بما هو موجود هنا والآن، ويعيد مراراً وتكراراً أنه «حتى الآن» لم يفرض أي ضرائب، ولم يقم «حتى الآن» بجباية جزية، ولم يحدث «حتى الآن» أن قام بالاعتداء على أي طائفة أو معتقد مغاير أو أباد مجموعة ممن يراهم خارجين عن الملة بإجماع فقهاء السنة الذين يتبناهم.

هنا بالضبط يكمن الخلاف اللوجستي مع «الدولة الإسلامية»، إذ تتبنى النصرة تأجيل كل ما في جعبتها من ممارسات «داعشية» إلى حين إقامة ركائز دولتها الإسلامية، في حين أن «الدولة الإسلامية» تعتبر هذه الممارسات خطوة واجبة وضرورية لفرض إقامة شرع الله في أرضه، ولا تقوم ركائز الدولة الإسلامية إلا بعد المباشرة في تطبيقها. هذا كل ما يمثله الخلاف بين «جبهة النصرة» وشقيقتها التوأم المنشقة عن رحم «القاعدة»، وكل ما عدا ذلك ليس إلا أجراساً وصفارات.

أما المسوغ الأكبر للظهور الإعلامي للجولاني في هذا التوقيت، فهو رسالة «السلم» التي حملها الجولاني على لسان قائده الظواهري، والتي لا تخلو من تهديد مبطن بأن «القاعدة» ما زالت مستنكفة عن استهداف الغرب في هذه المرحلة، وأنها تمد يدها بالسلام مقابل إيقاف العدوان عليها ضمن الأراضي السورية، وأن هذا العرض محدود المدة ولن يدوم إلى الأبد، وعلى الغرب استغلاله قبل أن يقع في ما لا تحمد عقباه. وفي هذا السياق تعتبر «جبهة النصرة» آخر المنضمين إلى قطار التهديد هذا، بعد أن سبقها إليه تنظيم «الدولة الإسلامية»، ومن قبله كانت ثمة تهديدات شهيرة أطلقها الشيخ مفتي سورية أحمد حسون محذراً الغرب من هجمات انتحارية تلاحقه إلى قلب أراضيه الآمنة إن استمر بتدخله في الشأن السوري.

وإن كانت هذه التهديدات تدل على شيء، فهي تدل على مدى جدية «القاعدة» وتمسكها بالساحة السورية اليوم، والمراهنة عليها في مقابل تضخم الابنة المارقة التي تتوسع في العراق وسورية معاً. يلمح الظواهري اليوم باباً موارباً يربطه بمصلحة مشتركة مع الغرب تتمثل في محاربة «داعش»، وهي المصلحة ذاتها التي تجمع النظام السوري مع التحالف الغربي، وهي ذاتها التي قد تتفق عليها الولايات المتحدة مع روسيا في موضع ما، ومع إيران وحزب الله في موضع آخر. لذلك يبدو خلف دعوة السلم وتبطين التهديد إلماحاً بالفائدة المشتركة، وهو إلماح لا يخدم «جبهة النصرة» اليوم، بل يكاد يقوي مآخذ «الدولة الإسلامية» ضد «القاعدة»، ويزيد من اشتعال الحرب «الأيديولوجية» ضدها في أوساط التطرف الإسلامي التي تتقاسم المنطقة.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

 

في أولويّة الطوائف والهويّات الصّغرى/ حسان القالش

يأتي الحديث الأخير لزعيم «جبهة النصرة» ليُعيد، من حيث لا يريد، التأكيد على الفرضيّة التي تقول أن الانهيار المديد الذي يشهده المشرق منذ مطلع القرن وصولاً إلى ذروته التي بلغها مع الثورة السّورية ومآلاتها المختلفة، هو معاودة أو استمرار لـ «المسألة الشرقيّة». إذ تكشف الأحداث عن الاحتقان الذي بلغه صراع القوى الإقليميّة والدوليّة، وتشابك مصالحها في المنطقة، إضافة إلى تعاظم أهميّة الهويّات الصّغرى، المحليّة والطائفيّة، التي شهدت إعادة لاعتبارها وشدّاً لعصب جماعاتها، في وقت باتت تطغى فيه على الروابط الوطنيّة البديلة، التي تشهد بدورها مستوى غير مسبوق في انحلالها وهشاشتها.

فإلى جانب كثير من النقاط في حديثه، استعاد الزعيم الإسلامي المتطرّف في شكل مبتذل إحدى المسائل الأكثر إثارة وجدليّة في تاريخ السياسات الإسلاميّة، التي كان آخر ظهور لها ربّما في عهد السلطان عبدالحميد الثاني أواخر القرن التاسع عشر، عندما باشرت الحكومة العثمانية وقتها برنامجاً طموحاً لتصحيح عقائد الجماعات غير السنيّة في السلطنة وتحويلها إلى الإسلام السنّي الرسمي، في إطار السياسة الإسلاميّة التي تبنّاها عبدالحميد، في محاولة يائسة لمواجهة التفكّك الذي كانت تشهده السلطنة نتيجة صعود المشاعر الانفصاليّة التي كانت الهويّات الصّغرى واحدة من أسبابه، إضافة إلى التدخّلات الخارجيّة التي أسهمت بدورها في بلورة تلك المشاعر.

غير أنّ الفشل الذي أصاب البرنامج العثماني لتصحيح العقائد، والذي كان تصلّب الهويّات الصغرى واحداً من أسبابه، بإمكانه أن يقول اليوم الشيء الكثير عن تلك الهويّات وعن محاولات القضاء عليها. فالعثمانيون لم يكتفوا يومها باتّباع أساليب ليّنة وسلميّة كالتقرّب من زعماء ووجهاء الجماعات المُستهدفة، وافتتاح مدارس وجوامع في مناطقها وإرسال بعض أبنائها إلى اسطنبول لغسل أدمغتهم، بل استخدموا الإكراه والعنف أيضاً، وهو ما جرى تحديداً لليزيديين في العراق. وما يقال بخصوص الجماعات غير السنيّة ينطبق على الجماعات غير السنيّة أيضاً، إذ لم ينجح العثمانيون في السيطرة التامة على مسلمي البلقان والقوقاز الذين فضّلوا في مناسبات عديدة مصالح جماعاتهم على مصلحة السلطنة وسياستها، الأمر الذي أدّى إلى وقوعهم ضحايا الصراع الروسي العثماني الطويل، وأدّى إلى نشوء واحدة من أكثر مسائل الهويّات تعقيداً في العصر الحديث، وهذا ما يشكّل مدخلاً لفهم وتفسير ظاهرة «المهاجرين»، أو العناصر الأجنبيّة ضمن التنظيمات الإسلاميّة التي تقاتل في سورية اليوم، من شياشانيين وطاجيك وألبان وغيرهم.

هكذا، تغدو واضحة اليوم استحالة تغيير الهويّات الصغرى عبر كبتها وقمعها، سواء باستخدام الايديولوجيا البعثيّة أو الإسلاميّة، دون الاعتراف بها كمكوّن من مكوّنات المجتمع الكبير للدولة. ففي مقابل الرطانة الوطنيّة المجانيّة التي يردّدها النظام السّوري من جهة، وبعض الرومانسيين من المعارضين ذوي الانتماءات اليساريّة، والتي بات الخطاب الإسلاميّ الانتحاريّ أكثر جاذبيّة في مقابلها، لا يمكن، ببساطة، تجاهل الهويّات الصغرى. فهذا هو المشرق، أعجبنا أم لا.

* كاتب وصحافي سوري

الحياة

 

 

 

 

قدرنا الذي يقترحه أحمد منصور/ غسان زقطان

لا يحتاج “داعش” إلى خطة إعلامية لدفعه نحو الزاوية البعيدة كتنظيم دموي ومتطرف وغامض، هو ولد هناك في الزاوية البعيدة حيث تتجمع العتمة من الهزائم وانكسار الأحلام والفقر والظلم والجهل، حين يصبح كل هذا مزيجاً من الكراهية والعنف والانتقام، حيث تلد العتمة أشباحها من الخسارات وتكّثرهم ثم تدفعهم نحو الضوء ك “متحولين” تركوا بشريتهم وخلعوها كما تخلع الشجرة من جذوروها وتكتفي بيباسها.

كان على “داعش” أن يكون كذلك في وعي المنطقة والعالم، كان عليه أن يكون خوف الناس في بيوتهم وقلق السياسيين، وكابوس الإقليم. أن يقتل بالطريقة التي قتلت فيها آلاف البشر، وأن يحرق ويدمر وأن يقطع رؤوس الأسرى والرهائن، وأن يعيد العبودية والرق والسبي وأن يغتصب، وأن يربط كل ذلك بالاسلام.

وكان عليه أيضاً أن يحطم الخرائط والحدود وأن يمزق الدول ويلتف على الثورات وأحلام الناس، ليتمكن أحمد منصور من الجلوس في بلاط الجولاني محتكراً رؤية وجهه بعد أن خلع حذاءه وأحنى كتفيه ليتلقى الحكمة كاملة، وليعزز كل جملة ينطقها الرجل بإيماءاته وهيئة التلميذ المصغي، كان ذلك ضروريا ليتمكن ” الصحفي من الجزيرة” من تقديم الرجل كبديل منتصر للكابوس.

اللقاء مع الجولاني في الجزيرة كان أقرب الى حفل تسويق ساذج، أو إعلان لنوع من التحالف بين جماعة الإخوان والنصرة، ولعل هذا ما يفسر الحملة التي سبقت اللقاء حول قرب سحب مبايعة النصرة للظواهري، وهو ما لم يفعله “الجولاني”.

إذ يصبح التأويل واضحاً في حالة محاربة “البغدادي” وسحب بيعة ” الظواهري ” ما يجعل “الجماعة” أقرب إلى خيار “يساري” في هذا الاصطفاف.

قبل ذلك مهد منصور للقاء الجولاني عبر حوار ثنائي أجراه مع اثنين من “قادة” النصرة وأحرار الشام على الحدود التركية السورية، كان ذلك عشية انهيار جيش الأسد في إدلب في مطلع نيسان من العام الحالي، “أبو عزام الأنصاري” عضو المكتب السياسي لتنظيم أحرار الشام، الذي بدا مهتما بتقديم صورة مختلفة عن زميله “أبو يوسف المهاجر”، من خلال اختيار ملابس عصرية وذقن مسيطر عليها، وحديثه عن حصانة المجتمع في مواجهة فكر “البغدادي”، وحاول أن يوضح ضمن ثنائيتين تحليله لأحوال داعش، معتبراً أن اتهامهم بالعمالة ما هو إلا تبسيط موضحاً أنهم، أي داعش، يعانون من اختراقات أمنية خطيرة إيرانية وسورية، وفهم شرعي متطرف يقسم خصومهم إلى كفار ومرتدين، وهو مافجع منصور عندما اكتشف صفة “النصرة” لدى جماعة البغدادي ك “مرتدين”.

في حين أسهب “المهاجر” في توضيح تحالف “داعش” مع النظام عبر أمثلة كثيرة منها تدوير سوق النفط بين الأقطاب الثلاثة.

أما منصور الذي جلس في مواجهة الرجلين، فقد بدا ممثلاً لفصيل ثالث ينتظر إدراج اسمه في سياق “الأمراء الصالحين” الذين يقتلون بدرجة أقل وبوسائل أحدث.

قبل أسابيع، وفي مكان آخر في الغوطة على أطراف دمشق، جلس “زهران علوش” زعيم “جيش الإسلام” في منصة أقيمت على عجل محاطاً بمسلحين ملتحين، وأمامه تعبر مجموعات مسلحة 1700 مقاتل، ثمة رقم هنا أيضاَ، يراقب أمير جيش الإسلام” جيشه بسعادة واسترخاء غريبين من تحت مظلة المنصة، رغم أن الحرب كاملة تحدث على بعد مئات أمتار من منصته.

علوش، وهي تصغير “علي” في بلاد الشام ويقابلها “علاوي” في العراق والخروف الصغير في شمال إفريقيا، العائد من “إسطنبول” مباشرة للاستعراض، يعرف أن الاستعراض هو جزء من تكريسه ك “أمير حرب” لحكم “دمشق” في حالة انهيار النظام.

كان قصف دمشق قبل أسابيع استعراضاً من نوع آخر. قصف دمشق قبل الزيارة أشبه بتعبئة نموذج لطلب الفيزا العثمانية، والاستعراض العسكري بعد الزيارة ضمنت للرجل دوراً في تقسيم البلاد، رغم أنه بدا متحمساً في خطاب الاستعراض بحيث وعد بغزو فارس في عقر دارها.

زهران علّوش، قائد “لواء الإسلام” والذي بويع فيما بعد كقائد لـ”جيش الإسلام”، وحسان عبود المعروف “بأبي عبدالله الحموي”، زعيم “أحرار الشام”، وعيسى الشيخ زعيم “لواء صقور الإسلام” ومعهم “الجولاني” نفسه، كان النظام قد أفرج عنهم من سجن صيدنايا أثناء المرحلة الأولى للثورة، وأطلقهم في حينها في غوطة دمشق، ليتحولوا خلال ثلاث سنوات إلى أمراء الحرب الأقوياء في سوريا، بعد أن التهموا أهداف الثورة وأحلام السوريين.

هؤلاء هم من يحاول أحمد منصور إقناعنا بأنهم خيار سوريا الوحيد وبديلها الوحيد عن “البغدادي”، كما حاول إقناع مصر بأن “الإخوان” هم مصيرها، وتونس بأن “النهضة” هي خلاصها، وأن “الجماعة” هي قدرنا جميعاً.

موقع 24

 

 

 

 

بين “داعش” و “النصرة”/ حسن شامي

إذا جمعنا الاتهامات التي تتبادلها قوى المحاور المتصارعة والمتنافسة بالوقوف خلف «داعش» حصلنا على خلاصة مذهلة: الكل مع تنظيم «داعش» والكل ضده في آن. وقد تكفي مثل هذه الخلاصة لتشخيص حال من الهذيان تعصف بالمنطقة على إيقاع استنفار متعاظم لمختلف أنواع العصبيات.

والاستنفار هذا يغذي ويتغذى، شعورياً أو لا شعورياً، من تصدّع الأبنية والأطر الوطنية للكيانات الموروثة عن خريطة سايكس – بيكو. ومع أن دوامة المواجهات الدائرة تضخ الكثير من عوارض هذيان وشطط مستفحلين، فإن الحديث عن جنون وبائي يبقى، على أهميته، رواية من بين روايات أخرى.

قد يكون أقرب إلى الصواب أن يقال إن الكل يناور مع داعش والكل يناور عليه. وهذا ما يفعله هو أيضاً، على ما يبدو. فهناك تحالف دولي يفترض أنه عريض وتقوده الولايات المتحدة ضد «داعش». والملاحظ أنه كلما ازداد الحديث عن الحرب الدولية مقروناً بغارات جوية تستهدف مواقعه ازداد تقدمه ميدانياً ليس في سورية والعراق فحسب، بل كذلك في ليبيا إضافة إلى استهدافه مسجدين شيعيين في السعودية. لقد استولى التنظيم مؤخراً على مدينة تدمر السورية الأثرية وعلى مدينة الرمادي العراقية، ورأى مراقبون كثر أن هذا الاستيلاء لم يكن ضربة حظ بل يندرج في مشروع لرسم خريطة دولة موقتة ذات إقليم متصل يخترق حدود الدولتين. ولكن ما هو هذا التنظيم الذي اقتحم، مثل نيزك لفظته السماء أو زلزال صاعد من جوف أرضي، المشهد المعقد والشديد الاضطراب سورياً وعراقياً. هل هو اتحاد قوى تحمل جروح ورضوض أجسام اجتماعية تعرضت لتهميش وإذلال قاسيين؟ هل هو مافيا جهادية معولمة بالنظر إلى أن حوالى ستين في المئة من مقاتليه هم من خارج العراق، بحسب تقديرات تداولها المجتمعون في باريس قبل أيام قليلة؟ هل هو تجمع لعصابات تحركها من خلف الستار شبكات وقوى تعمل في الظل والخفاء؟ هل هو أيضاً خليط من هذا كله؟

يحار كثيرون في تعريف «داعش» وأمثاله من مشتقات «القاعدة» والسلفيات الجهادية. وتعود هذه الحيرة المعرفية، منذ نشأة تنظيم «القاعدة» في الأقل، إلى صعوبة تحديد العلاقة بين مجموعات جهادية تؤمن بضرورة اجتراح دور بطولي في مواجهة منظومات قوية ومتعجرفة وبين الإسلام كمصدر لشرعية الجهاد.

والصعوبة تتعلق بفكرة الجهاد نفسها وبحمولتها الملتبسة. فهل في خلفية الدعوة إلى الجهاد وإلى تطبيق الشريعة تصور جدي عن مكانة مطلوبة للإسلام في العالم الحديث، والمتشابك على نحو غير مسبوق، كي يساهم كقيمة تبادل ثقافي في صياغة قيم إنسانية عالمية، أم أن الدعوة هذه هي مجرد لافتة لاستقطاب أفراد ضاقت بهم السبل بحيث يسهل استخدامهم من جانب مشغّلين لا تعوزهم الصلافة. في هذه الحالة لا يكون للصفة الإسلامية سوى قيمة استعمالية سبق لقوى دولية اختبارها أيام الحرب الباردة لمكافحة الشيوعية وما يقرب منها. إذا شئنا مقاربة الظاهرة من الناحية السيكولوجية فلن يكون صعباً تشخيص البؤرة النفسية التي تصدر عنها سلوكات السلفيين الجهاديين. بل حتى يمكن تقديم السردية الجهادية، وإن باختزال، على النحو التالي. الأقوياء يسيطرون على الضعفاء بواسطة تهديدهم بتحطيم حياتهم والتحكم بلقمة عيشهم. قد يكون الأقوياء حكاماً مستبدين ومتغوّلين وفئويين وقد يكونون منفذي سياسات دولية أكثر تعقيداً والتواءً. في كلا الحالين يقول الجهادي الجديد: هذه الحياة التي تهددوننا بتحطيمها ما عدنا نريدها، بل حتى سنطلب، نحن، الموت لنا ولكم. وسنستعرض تحدينا لكم ونفصح عن عدائنا عبر تظهير أقصى ما يمكن من العنف لإرهابكم. ماذا يسعكم أن تفعلوا في هذه الحالة وبم ستخيفوننا؟

يبدو أن هذا التظهير للطاقة المكتومة يجتذب أفراداً لا يستهان بعددهم ما داموا يتحدرون من بيئات مرضوضة على غير صعيد. على أن إشهارهم لقلة تعلقهم بالحياة لا يجعل منهم مجرد راغبين في الموت. بل هو على العكس طموح إلى الاستيلاء على الحياة كما لو أنها غنيمة. والقطيعة مع الحاضر إنما هي للاستحواذ عليه بكامله. والسلف الذين يقتدون بهم لا يقيمون في ماض تاريخي بل في لحظة تأسيس افتراضية. وهذا الوعي القيامي يحتمل تنويعات هي أقرب إلى اصطناع تمايزات بين أمراء حرب يتقاسمون صورة الفتوة كمثال للحياة التي تستحق وحدها أن تعاش.

هذا ما يمكن أن يستفاد من كلام قائد أو أمير «جبهة النصرة» في سورية أبو محمد الجولاني في الحلقة الثانية من المقابلة التي أجرتها معه «قناة الجزيرة». وما يسعى إليه هذا الأخير هو تجميل صورة تنظيم القاعدة في بلاد الشام لمواكبة محاولات إقليمية لتعويم نشاطه وتثبيت حضوره السياسي وسط الفوضى العارمة التي تلتهم الأخضر واليابس. فهو استفتى، بحسب ما يقول، العلماء وأقروا بشرعية عمله، الأمر الذي لا ينطبق على منافسه أبو بكر البغدادي. ورأى أن «الإخوان المسلمين» «انحرفوا» عن النهج الشرعي لأنهم سايروا فكرة الدولة المدنية والوصول إلى السلطة من طريق الانتخابات. وأقر الرجل بأن ثلاثين في المئة من مقاتليه هم من الأجانب، من «المهاجرين» بحسب عبارته المستقاة من فترة بدايات الدعوة وتأسيس الجماعة الإسلامية الأولى. وهو لا يريد استدراج إيران إلى المواجهة كما فعل أبو مصعب الزرقاوي بل قطع أذرعها في المنطقة. ويأخذ على «داعش» عدم التزامه بطلب أمير «القاعدة» أيمن الظواهري عدم مهاجمة الأسواق والحسينيات. لكن «داعش» قام بعمل جيد في العراق. يبقى ان القتال بين التنظيمين الجهاديين المتنافسين هو ما يترجح في العلاقة بينهما. سخر الجولاني من المعارضة الخارجية التي لا وزن لها إلا في الفنادق والإعلام فيما تشكل «جبهة النصرة» قوة المعارضة الميدانية الأولى. وهاجم الغرب وحكوماته وحكام دول الخليج الذين وصفهم بالانصياع لإرادة الغرب.

نحن أمام نماذج لتصورات قيامية قابلة للتوالد داخل الفرقة الواحدة مما يعد بحروب مفتوحة لا تبقي ولا تذر. وإذا كان الشطح هو ما يسم هذه التصورات فإن الهذيان هو ما نجده في أدبيات إعلامية ودعوية صادرة عن أوساط تزعم العقلانية. ترشيق «النصرة» قرينة كافية.

 

 

 

 

“النصرة”… اعتدال غير كافٍ!/ محمد برهومة

سبقت مقابلة قناة «الجزيرة» لزعيم «جبهة النصرة»، أبو محمد الجولاني، تسريبات إعلامية بأن الأخير سيعلن عبر المقابلة انفكاك جبهته عن تنظيم «القاعدة» الإرهابي، وهو ما لم يفعله الجولاني، الذي، على العكس من ذلك، أقرّ بكل وضوح خضوع جبهته لتعليمات أيمن الظواهري وتوجيهاته. قيل إن تلك التسريبات، كما المقابلة، محاولة لتبييض ساحة «النصرة»، لكننا وجدنا خطاباً دينياً مغلقاً ووصائياً وتهديدياً، ويماهي بين رابطة المواطنة المتساوية والردة والكفر، ويجعل التنوع الديني والثقافي سبيلاً لإيقاع العقوبة والأذى واستلاب الحقوق والمكتسبات الإنسانية الفردية والجماعية.

الذين نظروا إلى حديث الجولاني بعيون «القاعدة» وقرأوه بفكرها، قالوا إنّ الرجل قدّم «جُرعة!!» كبيرة من الاعتدال والتعديل والتجاوز في فكر «القاعدة» الذي ينتسب إليه، وذلك عبر مجالين أساسيين، أولهما رسالته «التطمينية» إلى الدول الغربية بأن «جبهة النصرة» لن تتخذ من سورية منطلقاً لمهاجمة تلك الدول، وأنها تتجه قُدماً نحو تعزيز طابعها المحلي السوري، وهي هنا تقطع مع فكر «القاعدة» الأممي العابر للحدود، كما تقطع مع تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) المؤسَّس على فكر هوياتي صارم يتوسل العنف طريقة مثلى لتمكينه وتوطينه في المناطق التي يحتلّها. أما المجال الثاني الذي يراه المروّجون لـ «اعتدال» النصرة وقطعها مع «القاعدة»، فهو تجاوز الجولاني لفكرة أساسية في أدبيات السلفية الجهادية، وهي «العدو البعيد» الذي تعتبره «القاعدة» أولوية أولى في سياستها ومنهجها وأيديولوجيّتها. فالجولاني في مقابلته قال بكل وضوح، إن «جبهة النصرة مهمتها في الشام إسقاط النظام ورموزه وحلفائه»، أي أولويتها «العدو القريب» وليس كما تقول «القاعدة» عن أولوية مقاتلة أميركا والغرب.

الحقيقة أنه أياً كانت المسوَّغات والتخريجات التي تريد إقناعنا بأن الجولاني وجبهته «مختلفان» أو «معتدلان»، فإنها لا تبدو لنا، نحن الناس العاديين، الذين نؤمن بالإنسان وحريته، تضيف أيّ مسحة اعتدال، إلا إذا قارنا بين السمّ والعلقم، واكتشفنا ذات لحظة أن العلقم خيار أكثر اعتدالاً وأقلّ فتكاً بأبداننا!

لا تعنينا أفكار «العدو القريب» و «العدو البعيد» شيئاً، ومع ذلك تبدو الفرصة متاحة لـ «النصرة»، قبل الذهاب إلى مؤتمر الرياض المقبل للمعارضة السورية، لإعلان واضح لا التباس فيه عن عدم وجود أي علاقات لها، لا تنظيمية ولا غير تنظيمية، لا بـ «القاعدة» ولا بأي من التنظيمات المتطرفة والإرهابية الأخرى. الاعتدال إيمان بالإنسان وحريته ومحاربة للعنف والإرهاب والاستبداد.

* كاتب أردني

الحياة

 

 

 

 

لقاء مع الجولاني/ ديانا مقلد

تجاوزت مقابلة قناة «الجزيرة» مع زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني جدلية ما إذا كان يجدر بالإعلام إعطاء مساحة لشخصيات مرتبطة بأعمال جرمية إرهابية أم لا، فتلك حسمتها منذ زمن قواعد الصحافة في العالم التي تتيح هذا الأمر بل وقد تحث عليه. ففي تاريخ العمل الصحافي سجلت الكثير من المقابلات مع شخصيات وقادة ارتبطوا بأعمال قتل وإبادة ومجازر وآراء متطرفة. فها هي مثلا وسائل الإعلام الغربية تتهافت للحصول على لقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد المسؤول عن مجازر كبرى في سوريا فلماذا لا تتاح مساحة مماثلة لقادة متطرفين مثل الجولاني.

إذن لنحسم نقاش لماذا كان يجب إعطاء مساحة لهؤلاء؟ فتلك ضرورة خبرية معرفية، لكن يبقى الجدل حول كيفية تقديم تلك الشخصيات وكيف تتم مساءلتها؟ في حالة الجولاني كانت مقابلته سبقا صحافيا، لكن في المقابل سقطت المقابلة في فخ الدعاية، فهذا اللقاء لم يتم لإجراء مساءلة ومحاججة. إنه ببساطة لقاء يأتي في سياق الترويج والمدح. وهذا الأمر لم تكرسه مقابلة الجولاني وحدها بل هو مسار شرع منذ بدء الترويج لقادة «القاعدة» وزعيمها أسامة بن لادن واستمر مع شخصيات قاعدية كأبو مصعب الزرقاوي وصولا إلى نسخة «النصرة» في الحالة السورية. وطبعا هذا يحصل أيضا مع شخصيات كثيرة أخرى يجري مقابلتها لتلميع صورتها وموقعها.

طبعا ليس مجحفًا القول إن الحوار لم يطرح أصلا للاستقصاء ولطرح هواجس ولتسجيل أخطاء وارتكابات، فالمقابلة كانت بين شخصين منسجمين تماما لم تعكرها أي مشاغبة. وكان منطق الأسئلة يشي بالإعجاب بتلك الشخصية، وبدا الكلام طائفيا خالصا لا تخفف منه النبرة الهادئة أو القول إن القتال هو فقط لإسقاط الأسد ومن يقاتل معه. لعله كان يفترض بنا نحن من شاهدنا المقابلة أن نعجب ربما بدعوة الجولاني لمجموعات أن تعود عن قناعتها الدينية فهو يرى أن على العلويين أن يكفوا عن كونهم علويين مثلا وأن النصارى بخير إن دفعوا الجزية.

يا للتسامح!!

نعم أشبعت المقابلة إعجابا من قبل الأوساط المروجة للنصرة واعتبارها نسخة مقبولة إذا ما قورنت بـ«داعش».. الخطورة في مثل هكذا لقاء هو أن تلميع شخص مثل الجولاني يعني محو تاريخ ظهر قبل أربع سنوات. وكأنه لم تكن هناك ثورة في سوريا ولم يخرج شعب يطالب بحريته.. لقاء الجولاني عنى أن سوريا هي بين بعث آل الأسد و«القاعدة» بنسختيها «النصرة» و«داعش».

إنه زمن «النصرة» ولا شيء قبلها. وهذا المنطق بدأه النظام السوري منذ أول يوم للثورة عام 2011..

لا شك أننا شهدنا في العقدين الماضيين تكريس مقابلات مع زعماء حروب والترويج لهم. طبعا لا ينحصر هذا الأمر بـ«القاعدة» وملحقاتها بل يشمل الفضائيات التي تروج لحركات وأنظمة «مقاومة» أو ممانعة بحيث نكاد نقتنع أن طهران باتت عاصمة العدالة في العالم. ومع التلميع الحالي لصورة الجولاني يبدو أن الإرهاب لا يزال ورقة رابحة في المنطقة وأعني الإرهاب بجناحيه السني والشيعي.

لكن بالعودة إلى المقابلة والتي مهد لها بأن الجولاني سيظهر مكشوف الوجه وسيعلن انفكاكه عن «القاعدة»، وهو ما لم يحصل، يبدو أننا أمام درس جديد تقدمه هذه الجماعات لنا. فاللقاء طمأن خلاله الجولاني أوروبا والغرب من أن الإرهاب عاد إلى موطنه في بلادنا وكف عن تهديده تلك البلاد، وهو تماما ما كانت تفعله الأنظمة الحاكمة عندنا حين أعطت للغرب وأخذت منا حريتنا..

طمأن الجولاني الغرب لكنه أثار قلقنا، ولننتظر لقاءات أخرى تزيد من هذا القلق.

كاتبة واعلاميّة لبنانيّة

الشرق الأوسط

 

 

أبو محمد الجولاني وتسويق الإرهاب/ عبدالله بن بجاد العتيبي

نقل ما كان يعرف بالربيع العربي المنطقة إلى وهادٍ من التخلف والأصولية والإرهاب لم تكن حاضرةً بهذا القدر الطاغي قبله، لقد أصبحت معارك الإرهابيين والطائفيين تملأ المنطقة حتى صار البعض يفاضل بين الإرهابيين والطائفيين، فهذا خيرٌ من ذاك، وهذا معنا وذاك ضدنا.

والصحيح أنهم جميعًا إرهابيون مجرمون طائفيون يجب ألا يماري في ذلك عاقلٌ، ورهانات الواقع المبنية على الوعي تحتم هذا الموقف الذي لا يميز بينهم إلا بحثًا عن مزيدٍ فهمٍ لتشظيات الإرهاب والطائفية والأصولية ومقدار كل طرفٍ منها، لقد أصبح خامنئي وروحاني ونصر الله والحوثي وأيمن الظواهري وأبو محمد الجولاني وأبو بكر البغدادي يتنافسون في الإرهاب. إن الحل لا يمكن أن يكون في أي من ضفاف العمائم الهائمة بالعنف والإرهاب والزارعة لبذوره، بل في الوعي والعقل والواقعية والتعايش والتسامح.

وقابلت قناة «الجزيرة» قائد «جبهة النصرة» في بلاد الشام، أي فرع تنظيم القاعدة في سوريا، أبو محمد الجولاني، وقد تطرق في حديثه للكثير من المواضيع التي تفتح أبوابا لمن يريد مزيد فهمٍ لتباينات أطياف الإرهاب ودرجات جرائمه.

في الموقف من جماعة الإخوان المسلمين طلب منهم العودة لأصولهم الإرهابية القديمة وتنظيرات حسن البنا وسيد قطب، وقال إنهم في «جبهة النصرة» يدرسون في مدارسهم جماعة الإخوان المسلمين كجماعةٍ إرهابيةٍ، أو «جهاديةٍ» حسب تعبيره، وأنهم يدرسون أفكار وكتب سيد قطب، ولم يشر إلى أن الكثير من أتباع الجماعة قد عادوا إلى الإرهاب في مصر وتحالفوا مع الجماعات الإرهابية أثناء حكمهم في مصر وبعد سقوطه.

بدا الجولاني في حديثه هادئًا ومنظم الأفكار ولديه خلفيةٌ تاريخيةٌ لتاريخ المنطقة القديم وصراعاتها الضاربة بأطنابها في عمق التاريخ، مع إلمامٍ بتفاصيل التحركات العسكرية للفصائل المقاتلة في سوريا بحكم عمله الميداني، ولكنّه حين الحديث عن الرؤية السياسية لما يجري كان يصدر عن رؤيةٍ مؤامراتيةٍ تنهل من نبع الخطاب الإخواني وخطاب الإسلام السياسي.

حاول الجولاني جاهدًا أن يظهر كحملٍ وديعٍ وأن يخفي الوجه القبيح لتنظيم القاعدة الإرهابي، وربما ساعده على ذلك حرص محاوره على عدم استفزازه بالأسئلة المحرجة التي توضح البعد الإرهابي الصارخ في خطابه، وهو تجنّب الحديث عن تفاصيل عقائدية آيديولوجية تحكم جماعته وتظهرها كما هي، وكان يتجنب الحديث عنها والتعمق فيها، إما لقلة بضاعته من معرفة المنظومة التراثية التي يستند إليها تنظيم القاعدة، وإما لحرصه على عدم الخوض فيها حتى لا يلجأ لإظهار معتقده.

ولأنه إرهابي مقاتل وليس سياسيًا فقد وقع في التناقض، فهو قال ضمن خطابه المؤامراتي منتقدًا أميركا إن «أميركا خلفت حالة من الاضطراب ستبقى قائمة في المنطقة»، ثم رجع في آخر الحوار ليصرّح بتكفير تنظيمه للدول العربية والحكّام العرب، وأن طريق الخلاص بالنسبة له يكمن في نشر الفوضى والاضطراب في الدول العربية المستقرة.

عندما يختلف المتشابهون يمكن رصد الفروق، والجولاني بحديثه عن تنظيم داعش أظهر أن الخلافات بين «القاعدة» و«داعش» إنما هي في الدرجة لا في النوع، وفي أمورٍ تتعلق بمكاسب التنظيمات لا في الخطاب ولا في المفاهيم الحاكمة ولا في آليات التجنيد والتفجير والتخريب، ولكنه أثبت بصراحةٍ ما يشكك فيه بعض غير المختصين من أن «داعش» تدافع عن نظام بشار الأسد في سوريا، وأنها تحالفت معه في الكثير من المعارك، وأنها لم تزل تعمل على حمايته.

أعاد الجولاني تأكيد حرص الظواهري على عدم استهداف حلفاء إيران في العراق وتحديدًا شيعة العراق، وهو ما عبرت عنه سابقًا رسالة الظواهري الشهيرة إلى الزرقاوي قائد تنظيم القاعدة في العراق بعدم استهداف الشيعة، وقال إن الظواهري ينهاهم عن استهداف «الحسينيات»، وهو على الرغم من حديثه الطويل عن الإمبراطورية الفارسية، فإنه لم يتطرق صراحةً لعمق العلاقة التي تربط تنظيم القاعدة بالجمهورية الإسلامية في إيران، وتحالف قيادات الطرفين في مهاجمة الدول العربية.

الكثير من المواقف التي عبّر عنها الجولاني إنما تتحدث عن مرحلةٍ مؤقتةٍ بحسب حديثه، أي أنه عرض مواقف تتعلق بالأقليات لا تتفق مع خطاب تنظيم القاعدة الإرهابي، ولكنه يبرر ذلك باللحظة التاريخية التي يعيشها تنظيمه لا بالآيديولوجيا التي تشكل عصب التنظيم وسقف طموحه ومدى رؤيته.

لم يكن الجولاني صادقًا في حديثه عن «التكفير» و«استباحة الدماء» وما نقله عن الظواهري من توجيه بعدم استهداف «الأسواق» لا يتسق مع أفعال تنظيم القاعدة، فالجميع يتذكر كيف كان تنظيم القاعدة في السعودية يستهدف المسلمين والمقيمين ويقوم بتفجير المجمعات السكنية على رؤوس أصحابها، ويقتل الناس ويستهدف النساء والأطفال والشيوخ.

من أراد أن يعرف توجهات بعض الجماعات وبعض الرموز المنتسبين للإسلام السياسي، فليس عليه أن يتوجه لـ«داعش» بل يسألهم عن موقفهم من تنظيم القاعدة و«جبهة النصرة»، لأن ذلك يبين عن الموقف الحقيقي من الإرهاب، لأنه من السهل على بعضهم أن يندد بشِنَعِ تنظيم داعش، ولكنه متفقٌ مع شنع تنظيم القاعدة، والذاكرة حاضرةٌ بمواقف العديد منهم من المجرم الإرهابي أسامة بن لادن، ومن هنا فإنك لن تجد منهم من يكون معنيًا بالرد على الجولاني أو فضح خطابه وتنظيمه.

الموقف من «الأقليات» مفصلٌ مهمٌ لمعرفة الخطاب الإرهابي، وهو تحدث عن المسيحيين والدروز والعلويين وكأنه من دعاة المدنية والتحضر، ولكنه حصر كل ذلك في موقفٍ «تكتيكي» تحكمه الموازنات التي تفرضها طبيعة المعركة في سوريا، وسكت عن الموقف «الآيديولوجي» الذي سيبيد تلك «الأقليات» في حال «التمكين»، كما هو معروفٌ في خطاب تنظيمه وجماعته.

أوضح محاور الجولاني أحمد منصور بأنه تجوّل في المناطق التي تسيطر عليها «جبهة النصرة»، ودخل المدارس التابعة لها ومراكز التدريب، وفي جبهات القتال، ورصد تشابهًا كبيرًا مع جماعة الإخوان المسلمين، وهي ملاحظةٌ صحيحةٌ تؤكد العلاقات الوثيقة بين الطرفين.

أخيرًا، فإن الصراع الكبير في المنطقة وبكل أبعاده المحلية والإقليمية والدولية، وبكل مستوياته السياسية والاقتصادية والثقافية، يحتم على أي مراقبٍ أن يأخذ بعين الاعتبار خطاب الجماعات الأصولية والإرهابية والطائفية التي باتت تشكل قوى على الأرض، وأن يدرس كيف أصبح كثيرٌ من الناس قابلاً للخديعة من قبل «القاعدة» اتقاءً لـ«داعش».

كاتب سعودي مهتم بالشّؤون السّياسيّة والثّقافيّة، وباحث في الحركات والتّيارات الإسلاميّة

مقالات سابقة

الشرق الأوسط

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في نقد التضامن/ ياسين الحاج صالح

    مقالات إلى سميرة (6) ليس مما يمتنع تصوره تضامن سوريين أو فلسطينيين أو ...