الرئيسية / صفحات مميزة / حوار صفحات سورية مع خولة دنيا

حوار صفحات سورية مع خولة دنيا


أجرت الحوار فاطمة الصفدي

من هي خولة قبل الثورة وبعدها ؟

ج: لم أكن في يوم من الأيام بعيدة عن الشأن العام، بدء هذا منذ الطفولة حيث شهدت خروج أخي من سورية لسبب سياسي ومازال حتى اللحظة في المنفى، رأيت رجال الامن والمخابرات وهم يزورن البيت بشكل دوري ليسالوا عنه، كما شهدت نزوح الطلاب من حماه، خلال احداث الثمانينات، وقتها كان وعينا منقوصاً وطفوليا لما يحدث، لكن كان من الواضح أن هناك شيء كبير يحصل في البلد. كذلك سمعت بأفواج المعتقلين السياسيين من اليسار واليمين، كان بينهم اثنين من أولاد خالي، كانوا من طلاب الجامعة ومن حزب العمل الشيوعي، وامتد سجنهم لسنوات طويلة وصل أحدها إلى 13 سنة.

في الجامعة كان العمل السياسي الخجول في نهاياته، فاعتقلت لخمسة أشهر أمضيتها في أقبية الأمن السياسي بدمشق، لاخرج بعدها، واستمر في حياتي.. لم اكن يوماً في حزب البعث ولا بالشبيبة، مما كان يثير استغراب الطلاب الآخرين في المدرسة.

في بداية الألفين عاد الاهتمام للسياسة في البلد، فكنت في لجان الدفاع عن حقوق الانسان، وكذلك عملت مع مركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية، حيث شاركت في مجلة مقاربات التابعة للمركز، وكذلك في بعض الدراسات المتعلقة بالشأن السوري..

لم تخلو حياتنا العائلية ولا الخاصة من الانتهاكات المستمرة، إن كان بمنع السفر لسنوات طويلة، أو بالمراجعات التي لا تنتهي لفروع الأمن.

–                     بشهادة الاغلبية فإن هذه الثورة أجمل ماحدث في حياة السوريين منذ أربعين عام أويزيد  فماهو أسوأ ما أخرجته من خولة ؟

الثورة أخرجت أجمل ما فينا، فتعلمنا كيف نكون سوريين من جديد، كما تعلمنا العمل الجماعي، والهدف الجماعي، وروح التضحية، وتعرفنا على الآخر الذي كان غائباً او بعيداً. تشاركنا الحلم، وتشاركنا تحقيقه.

الأسوأ ربما هو حالة الرفض للمختلف الذي رأينا انه يغلق عيونه وعقله عما يجري، الآخر هو من الأهل والأصدقاء الذين توقفنا عن رؤيتهم، أو توقفوا عن رؤيتنا، والأسوأ هو عدم القدرة للوصول لهم، وخسارتهم بمعنى من المعاني، وهو ما سيكون له أثر مستقبلي لإعادة بناء هذه العلاقة على أسس جديدة.

–                     كل شهداءنا مشاعل نور إلا أن هناك إسم لشهيد يلمع في رأسك دوماً فمن هو ولماذا؟

الشهداء أناس عاشوا ولم نعرفهم، وعرفنا بأهميتهم بعد استشهادهم، فحزنا عليهم وتمنينا لو اتيحت لنا الفرصة للالتقاء بهم.

غياث مطر الشاب اللطيف الخجول، الذي جمعتني به الصدفة قبل يومين من اعتقاله، وموته العنيف في المعتقلن لم يغب عن بالي ابداً.

ليس من السهل استيعاب ان من تعرفه يتعرض للتعذيب والعنف والقتل بدم باردز

–                     كتب أحدهم على الفيسبوك ” في فترة الانقلابات التي تلت الاستقلال في سوريا، خرجت مظاهرات واعتقل فيها الكثير من النساء والرجال، وقتها كانت الفتيات والنساء تخرجن من المعتقل مرفوعات الرأس فخورات بأنفسهن والمجتمع فخور بهن أكثر من الرجال. المضحك المبكي اليوم أن الظاهرة تتكرر ولكن بدلاً من أن تحتضن الفتيات والنساء هنالك من يعمل على إشعارهن بالخزي والعار” فمامدى الظلم الاجتماعي الذي تتعرض له الفتاة المعتقلة؟

لا اظن ان ما يحصل اليوم مختلف عما كان يحصل في فترة الاستقلال الاولى، قد تكون النساء الأكثر تعرضاً للخزي بهذا المعنى، هن الفتيات والنساء المعتقلات في فترة الثمانينات والتسعينات، حيث لم يكن هناك من حاضن اجتماعي لهن، وكن يبدون خارج سرب الطاعة فاشيع عنهن الكثير من الكلام التافه ووصمن بالعار لمجرد موقفهن السياسي.

اليوم تدخل الفتيات المعتقل لأكثر من مرة، ومع وجود هذا الحاضن الاجتماعي لهن، لا يتم تهميشهن رغم بنية مجتمعنا المميّزة تجاه المرأة.

النساء الأكثر عرضة للتهميش والمحاربة، هنَّ من أوساط تحتسب على الموالاة، فيكون اعتقالهن له اكثر من رد فعل، بسبب موقفهن ضد النظام، وبسبب كونهن نساء.

–                     كان عنترة يواسي نفسه في الحرب عندما قال ” فوددت تقبيل السيوف لأنها لمعت كبارق ثغرك المتبسم ” فمالذي كان يواسيك ِ داخل المعتقل؟ وهل هناك نصف كأس ممتلئ في الاعتقال؟

في كل مكان هناك نصف كأس ممتلئ، حتى في المعتقل. كان اعتقالي مع أصدقاء آخرين يخفف عني من جهة، ومن جهة أخرى كانت المفاجئة في موقف عناصر الأمن ومحاولتهم مساعدتنا وخاصة كوننا نساء، حيث كانوا بوجهين أمام المحقق يقوموا بضربنا وتنفيذ ما يؤمرون بهن وبعد خروج المحقيين يحاولون التعويض علينا وتدليلنا نوعاً ما.

–                     تحدثتي في إحدى مقالات بأن هناك رغبة دائمة بقذف النساء الى خلف الحراك ولو عن حسن نية أو تحت مظلة الخوف فحدثيني عن بطلات من قلب الحراك؟ وكيف خلقن ثورة داخل الثورة؟

فوجئت بحجم المشاركة النسائية منذ بداية الثورة، فالثورة لم تكن ملتبسة عليهن أبداً، وكأن غريزتهن الفطرية تقودهن نحو الصواب، المفاجأة كانت بالنساء من اوساط الأقليات، وأوساط محسوبة على النظام، فكان عدد النساء المشاركات كبير جداً ومتميز جداً فـ (ريما فليحيان، مي سكاف، سمر يزبك، روزا ياسين، هرفين أوسي، رزان زيتونة.. سهير أتاسي.. ) لم يكن مجرد أسماء، بل كنَّ يعكسن هذه الرؤية الواضحة لما يجري، ولماذا يجري وكأن الاحساس بالعدالة يقودهن بشكل غريزي دون أي ضبابية قد نراها عند الرجال.

من جهة أخرى تعرفنا على نساء من الأوساط الأكثر تديناًن وتشاركنا سوية الكثير من الهموم والمشاريع والمظاهرات، فكانت نساء المعضمية، وداريا، ودوما ودمشق.. متميزات بكل شيء، بدءاً من هذا الاحساس العفوي بالعدالة والرغبة بالتغيير، ووصولاً إلى التضحية للوصول إلى هذا الهدف.

طالبات الجامعات الرائعات من مختلف المشارب والمنابت الاجتماعية والطبقية، كنا رائعات في حراكهن وإصرارهن المرة تلو المرة على النزول للتعبير عن الرغبة في التغيير، (يمان القادري، خلود العسراوي، مروة الغميان، بهراء حجازي، يارا شماس، ريما الدالي…) لسن مجرد أسماء، كل واحدة تركت بصمتها المميزة على الثورة..

إن بدأت بتعداد النساء الرائعات اللواتي حفلت بهن الثورة فلن انتهي.

–                     في زمن الثورة يندفع الناس للحب فأين هو الحب في حياتك؟

الحب مرتكز الحياة، والحب وراء ثورتنا. الحب بكل تجلياته: حب الوطن، حب الآخرين ، حب الرجل… الحب زوادتنا للاستمرار ومتكئنا حين نتعب ونحس بالكآبة أو بالانعزال، او بالخوف من الفشل.

–                     هل هناك قصيدة كتبتها لزوجك المعتقل ؟ وماهي الذكرى التي تجمعكما  تلح عليك عندما تتحدثين عنه ؟

في اعتقاله الاول كتبت: ما أصعب أن تحب سوريا، كانت تتحدث عن حياة كاملة عشتها وله فيها مكانة لا تتزعزع مهما حصل.

وفي اعتقاله الحالي، أحاول أن أتواصل معه من خلال الكلمات، اكتب القصائد، والذكريات وأحاول ان أكون معه في العتمة التي تعزلني عنه، وتعزله عن العالم.

تشاركت معه في مظاهراتنا الأولى، حيث نزلنا سوية في دوما في مظاهرة رائعة هتفنا فيها.. كان ذلك قبل أن نتفق على أن لا ننزل سوية في نفس المظاهرة كي لا نعتقل سوية، يكفي أن يكون احدنا في الداخل والآخر في الخارج..

كتبت:

اشتاق لكلماتٍ لم يقلها حين غاب

لفنجان قهوته مهملاً قربَ الباب

لقبلةٍ خاطفةٍ أرسلها على عجل

تأنّى عليَ أيها المرتحل

يجاورك ألمي

وأجاور ألمك

علّنا نندمل حينَ لقاء

–                     يقول النبي محمد عليه السلام ” لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ” إذا كان الإيمان ينزع من الإنسان إن أخطأ فلماذا لاتنتزع طائفة النظام عنه وينظر إليه كنظام دون دين؟

للأسف ليست المسألة بسيطة على الجميع، لا احد ينظر إلى النظام كدين (بهذا المعنى) حتى الموالاة، وإن كانت مخاوفهم تقوم على اساس ديني، عززها قيام النظام بممارسات كثيرة لتأكيد ان الثورة ليست نظيفة، وان الأقليات مستهدفون فيها.

ويكفي ان نتذكر أن المعارضة سابقا كان فيها الكثير من طائفة النظام، لنعلم أن التماهي ليس حاصلا بين الطائفة والنظام.

من مصلحة النظام تأكيد هذا التماهي، لأن الطائفية هي معقله الأخير، ولكن الطائفة ليس من مصلحتها هذا لان الطائفية مقتلها كما مقتل سوريا كدولة مدنية.

الموضوع يحتاج للفهم أولاً، والعمل الكبير لتكريس الثقة بين ابناء الوطن الواحد، كي نتجاوز كل ما غرسه النظام من طائفية وسلبية في المجتمع.

–                     أليست الطائفة العلوية طائفة مغلوبة على أمرها اليوم أو كما يقال “بالعة الموس عالحدين” ماهي الطريقة الانجع لتتخلص من إلصاق النظام بها؟

لا شيء يزرع الثقة في نفوس أبناء الوطن الواحد أكثر من قيام دولة مدنية ودولة قانون، يكون المساواة على اساس المواطنة وعلى أساس الحقوق والواجبات، هو شعارها.

هناك تخوفات وهواجس ليس عند العلويين فقط، ولكن عند جميع أبناء الأقليات، وكذلك عند الموالين للسلطة والمستفيدين منها ممن يحتسبون على الأكثرية (بالمعنى الديني).

لذلك علينا جميعاً ان نعمل على نركز على هدفنا في انتصار الثورة، والعمل على بناء دولة المواطنة للجميع.

قد يكون من الصعب حالياً إقناع الجميع بأهدافنا، وخاصة المتخوفين من المستقبل، ولكن بالتأكيد نكسب ثقة الجميع، عندما نثبت صدق نوايانا.

وعلينا ان لا ننس أن الثورة يقوم بها جزء من المجتمع ويستفيد منها المجتمع ككل. هكذا كانت تاريخياً وهكذا ستكون ثورتنا، مهما اختلفنا اليوم أو مستقبلاً.

ومازال الثوار، ومن يحتسبون على المعارضة يثبتون وعيهم لعدم الانزلاق في الطائفية التي يحاول النظام بثها والعمل عليها كل يوم، وغن شبت حرب أهلية سنكون جميعاً خاسرين معارضة وموالاة، صامتين ومتكلمين، أقليات واكثرية….

–                     “قل لي ماتقرأ أقل لك من أنت ” ماهو الكتاب الذي يحتل يديك الان ؟ وماهو الكتاب الذي يشبه سوريا اليوم؟

هناك كتابان أعيدت قراءتهما من قبل الكثيرين خلال الثورة، كتاب “القوقعة” الرواية التي تتحدث عن سجن تدمر والتعذيب فيه خلال الثمانينات. ورواية “1984” لجورج أورويل، التي تتحدث عن الدولة الأمنية والخراب الذي تخلفه في المجتمع والعلاقات الانسانية.

بالنسبة لي أكثر قراءاتي حالياً في مجال الصحافة وما يتعلق بالشأن السوري،

–                     ماهو الكلام الذي تريدين توجهيه للمعارضة وللثوار ولم تقوليه من قبل؟

أريد توجيه الانتباه إلى أننا لا نريد التخلص من النظام لنقع بيد مصالح فئوية او حزبية او دولية. علينا الانتباه دائماً لمن يدعمنا ولماذا، وماهي أجندته، ومالذي يريده من بلدنا.

هذا لايعني أن لا نطلب مساعدة الآخرين، ولكن الاهم أن لا نخسر بوصلتنا وماهو صالحنا في كل مايجري.

المعارضة لم تستطع أن تكون ممثلة للحراك تماماً، وهذا انعكس بشكل سلبي في السياسة تحديداً.

الحراك على الأرض مازلت أراه أكثر تجذراً ورقياً مما يتم تداوله في أروقة السياسة، وعلى ألسنة المعارضين.

–                     ماهي أكبر مخاوفك في المرحلة التي تلي سقوط النظام؟

لا مخاوف لدي أبداً، ليس لأني ارى كل شيء ممتاز ويجري بشكل صحيح، أبداً، ولكن لأن هناك صراع مستحق علينا سنخوضه في لحظة تاريخية ما، وهذه اللحظة قد حانت، سيكون هناك الكثير من الخلافات، الكثير من الاحزاب والتيارات، سيكون هناك صراع على شكل الدولة وموقع الاسلام فيها، كما سيكون هناك تجاذبات واختلافات تمتد لسنوات قادمة.

سيكون هناك مرحلة إعادة بناء لكل شيء بدءاً من الانسان، إلى البنية التحتية، إلى الدستور، إلى القوانين.. وسنخوض صراعاً على كل شيء.

المهم أن الصراع سيكون سلمياً، وبدون دماء، وبهدف سوريا التي نحلم بها، والتي ضحى من أجلها أبناءها.

–                     هذا السؤال أتركه لك أنت عليك أن تسألي نفسك وأنت عليك الاجابة …

ماهي مخاوفي على وضع المرأة في سوريا المستقبل؟

أنا كأمرأة سيكون من أكثر ما أراه ضراوة، هو صراع المرأة لنيل حقوقها، من خلال القانون والدستور، ومشاركة المرأة في الحياة السياسية والاقتصادية للبلد.

ماتزال المرأة هي العنصر الأكثر تهميشاً في الحياة السياسية والاجتماعية، نرى هذا من خلال استهدافها بطرق شتى، ومن خلال الانتقام منها بغاية النيل من الثورة.

كما نرى هذا من خلال محاولة تهميشها في الصراع الدائر، وإعطاءها الأدوار الاكثر بعداً، وكأنها مجرد مساند للرجل، وليست عنصر فاعل في الثورة وفي الحراك الثوري.

المرأة السورية، لونت الثورة بلونها، حتى قيل أن الثورة أنثى، ومن حقها أن تحصد نتائج نضالها وأن ينعكس هذا على الحياة السياسية والاقتصادية والقانونية في سوريا المستقبل.

خاص لصفحات سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...