الرئيسية / صفحات الحوار / حوار مع أرييل دورفمان: الحكواتي اللاذع!

حوار مع أرييل دورفمان: الحكواتي اللاذع!

 

 

ترجمة وتقديم: علي كامل

“تشيلي تشّكل عموديَ الفقري، الإلهام والتحّدي في كل شيء أكتبه” (أ. دورفمان)

أرييل دورفمان كاتب مسكون بهاجس أن يمنح صوتاً لأولئك الذين ليس بقدرتهم الكلام: الموتى، المفقودون، المهمشون، وأولئك الذين وقف التأريخ حاجزاً دون مواصلتهم الحياة. ودورفمان مثل الكثير من مجايليه تشوش مجرى حياته حين أُرغم على مغادرة بلده صوب المنفى ابان انقلاب الجنرال بينوشيه عام ١٩٧٣.

كان دورفمان كاتباً راسخاً ومتجذراً في تربة تشيلي إلا إن عيناه كانتا ترنو بعيداً، فقد استطاع في منفاه الطويل أن يتصدى ليس لمعضلات مجتمعه في المنفى فحسب إنما لجميع مجتمعات الشتات مستكشفاً الحياة عند التخوم على فضاء متأرجح بين الماضي والحاضر، بين المادي والسيكولوجي.

بالأناقة والوقار اللذين يميزان نثره وشخصهعلى حد سواء، دورفمان حكواتي لاذع تتعايش غزواته الجريئة في فضاء الخيال مع الوقائع المرعبة لبلاده. صوته خصب وصاف مصدره طاقة وفيرة مكنّته من تحقيق نوعاً من التوازن بين جل نشاطاته من كتابة الرواية والشعر والمسرحية والسيناريو والتدريس والسفر الدائم والبحث عن أحدث مشروع سيناريو فيلم له.

عُرف دورفمان بمقاله النقدي الثقافي الشهير «كيف تقرأ دونالد داك» الذي أنجزه عام ١٩٧١ هو وعالم الإجتماع البلجيكي أرماند ماتيلارت حيث قام الإثنان بتحليل مائة كتاب مصّور من كتب دونالد داك، البطة الكرتونية، الذي كانت تصدره شركة ديزني، وكما هو الحال مع علماء الإجتماع الذين يقوموا بدراسة آثار العنف في البرامج التلفزيونية على سلوك الأطفال اليوم، ناقش الإثنان تأثير أيدولوجية ديزني على الأطفال في تشيلي، وقد تم حظر هذا الكتاب يومها في تشيلي و الولايات المتحدة الأميركية على حد سواء.

إن الاستنتاج الذي توصلا إليه، دورفمان وماتيلارت، أن الأيدلوجية التي تروجها هذه الكوميديا الكرتونية تلقن الأطفال دروساً بعدم التمرد ضد موقف اعتماد بلادهم على النظام الاقتصادي الرأسمالي العالمي. وبطريقة ما، كان استنتاجهما قد تحقق حين تمت الإطاحة بحكومة اليندي من قبل الجنرال بينوشيه الذي أحرز ضمناً على دعم من خلال مناشدته العديد من القيم والصور الخيالية المشبعة بنصوص ديزني. كتب دورفمان دراسات أدبية ونقدية بضمنها، «مسرح اللامعقول بين أربعة جدران: مسرح هارولد بنتر» ١٩٦٨. «ثياب الإمبراطور العجوز» ١٩٩٦. «بضع كتابات من أجل المستقبل» ١٩٩١. «شهور سبتمبر الأخرى، السواد الأعظم من الأميركيين» ٢٠٠٥. أما رواياته فهي: «الأرامل» ١٩٨٣ التي حولت إلى عمل مسرحي، «الأغنية الأخيرة لمانويل سينديرو» ١٩٨٧، «ماسكارا» وهي رواية سوريالية ١٩٨٨، «المطر القاسي» ١٩٩٠، «ثقة» ١٩٩٥وهي رواية سياسية، «علاج بليك» رواية سيكولوجية ٢٠٠١، «مذكرات صحراوية» رحلة في شمال تشيلي ٢٠٠٤.

أما نصوصه المسرحية فتتضمن: «الأرامل» وهو عمل مشترك مع الكاتب الأمريكي توني كوشنر، ثم مسرحية «الرقيب» التي تم افتتاح عرضها في قاعة مسرح ترافيرس كجزء من مهرجان أدنبرة في عام ١٩٩٥، ثم مسرحيته، الأكثر شهرة، «الموت والعذراء» التي حازت على جائزة لورنس أوليفيه كأفضل مسرحية في لندن، والتي حُوّلت فيما بعد إلى فيلم يحمل نفس العنوان أخرجه رومان بولانسكي. ثم تتالت مسرحياته الأخرى التي تضمنت «قل الحقيقة للسلطة» أصوات من وراء العتمة ٢٠٠١، «المطهر» ٢٠٠٣، «ماسكارا» ٢٠٠٤ مُعّدة عن روايته التي تحمل ذات العنوان، «قائمة بسيرة حياة المشهورين» ٢٠٠٤، «الجانب الآخر» ٢٠٠٥، «مختلى بيكاسو» ٢٠٠٦.

أشهر قصائده هي «الفالس الأخير في سانتياغو» التي حوّلت إلى فيلم سينمائي. أما «الموعد النهائي» فهي عبارة عن أصوات شارك في قرائتها إيما طومسون، بونو، هارولد بنتر وسواهم.

لقد استكشف دورفمان الصلات القائمة بين اللغة والسياسة، وهو مثل جورج أرويل، كتب بشكل مدهش أعمالاً رائعة عن الثقافة الجماهيرية والأدب الشعبي، إلا إن تحريات أرويل الخيالية في اللغة والسياسة بقيت إلى حد كبير ضمن حدود السرد الواقعي التقليدي، أما في معالجات دورفمان فنحن نواجه فيها نوعاً جديداً من الرواية السياسية تلك التي تتخذ مسارات خطيرة هائلة. فثيماته السياسية تربك القارىء الذي اعتاد على قراءة الرواية السياسية تلك التي تعتمد حصراً على السرد التقليدي شديد الوضوح وعلى شخصيات حقيقية مصدرها الحياة الواقعية والتأريخية.

في هذه المحادثة الشيقة، يتطرق دورفمان إلى موضوعات شتى لها شأن بالسياسة والمنفى، بالواقع والحلم، بالنأي والقرب عن الوطن الأم وتأثير ذلك على شكل ومضمون العمل الأدبي، محليته وكونيته. موضوعات تتحدث عن الحب والموت، عن الثقة والخيانة والوفاء. أما الموضوع الذي يحتل جل هذه المحادثة فيدور حول روايته السياسية «ثقة» **

نص المحادثة:

س: لقد أُرغمت على ترك تشيلي عام ١٩٧٣، وقد عالجت معظم كتاباتك السابقة تأريخ التعذيب السياسي في تشيلي. أما الآن فأنت تصرح بأنك ستنأى عن تشيلي. ماذا يعني ذلك؟

ج: كنت في نزاع دائم، ولسنوات عديدة، مع مشكلة يعاني منها العديد من المنّفيين: كيف يمكنك أن تبقى وفياً لبلادك، على الرغم من أنك، في الواقع، تكتب ولفترة طويلة لقرّاء هم ليسوا مواطنيك؟

تشيلي كانت ولا زالت هي مصدر إلهام بالنسبة لي. إنها تشكل عمودي الفقري، الالهام، والتحدي، المتمثل بكل شيء أكتبه. إن تجربة ابتكار ذلك البلد، بالطريقة التي لها دلالة لي في المنفى، كانت بمثابة الشيء المركزي لكل شيء قمت به. أنا أشعر أن أحد أسباب وجود المرء في المنفى هو إبقاء الوطن حياً، فضلاً عن وجود الحرية في التعبير التي لم يعد مسموح بها في ظل الدكتاتوريات. إنني مهووس ببلدي بشكل جنوني، أكتبه، أبتكره. قصائدي تنبثق من تلك الحاجة، كذلك مجموعتي القصصية «بيتي وسط النار». لكن حين بدأت أكتب «الأرامل» انجرفت بعيداً وببطء عن الاحساس بأنه لا بد لي من الكتابة عن البلاد.

لقد بدأتُ أتأمل الإشكالات العميقة لتشيلي، ليس بمزاج واقعي، إنما من خلال نهج استعاري. لذا اتخذت خطوة نحو كونية محددة لتجربتي وتجربة تشيلي.

في رواية «الأغنية الأخيرة لمانويل سينديرو» اتخذتُ خطوة أخرى أبعد، وتصديت للمنفى، كمشكلة حقيقية. ولكن حتى في نتاجاتي الأولى، ثمة احساس هو أنني أكتب عن تشيلي، ولكن في نفس الوقت، هي ليست تشيلي بالمعنى المحلي، إنما تشيلي المنبثقة من المخيلة، من العقل.

س: لقد كان استقبال أعمالك في تشيلي، لا سيما مسرحية «الموت والعذراء»، متفاوتاً، إن لم يكن انتقادياً وحرجاً للغاية، فيما تم الاشادة بها في الخارج. هل تكتب لتشيلي؟

ج: أنا أكتب دائماً، بطريقة ما، لذلك المجتمع المتّخيَل لأبناء بلدي. أطرح دائماً أسئلة حول الكيفية التي يستطيع بها البلد أن تلتئم جراحه، أن تروى حكايته ثانية، أو تُغّير، كيف يمكن استكشافه، كما لو إن هذا البلد لم يكن مكتملاً بعد ريثما يأتي الكتّاب ليجدوا الطريقة الأفضل لتخيله، لتحديه حقاً بأدبهم، أن لا يتلاشى أبداً.

أحاول، في ذات الوقت، وبشكل متواصل، أن أذهب إلى مديات أبعد من الاهتمامات المحلية لذلك المجتمع. حين كتب بابلو نيرودا ديوانه الشعري «الإقامة على الأرض» كتبه وهو في سيريلانكا أو تايلند. وهذا يشير إلى أن بالإمكان أن تكتب عن بلدك من خلال استشكافك لأماكن أخرى. وهذا ينتج من خلال التوتر بين ما يمكن أن نسميه عالمي ومحلي، اقليمي وكوني. أو بالمصطلح الأحدث السوق العالمي والقراء المحليين. هذه التوترات كلها تفسر جل أعمالي.

إنني أحاول باستمرار معرفة كيف يمكنك أن تكون حقيقياً وصادقاً للتجربة، والتي لا يريد الكثير من الناس في العالم فهمها، مثل أن يكون لديك أصدقاء قد اختفوا أو عُذبوا، وفي ذات الوقت، أن تعثر على سبيل لأن تروي حكايتهم ليستطيع الناس في أماكن أخرى

أن يقرأوا حياتهم في تلك الحكاية.

«الموت والعذراء» هو أول عمل لي استطعت فيه أن أحقق ذلك بطريقة مقنعة تماماً. وهذا هو السبب الذي يفسر النجاح الهائل الذي لاقته المسرحية في جميع أرجاء العالم.

في تشيلي، لم يجدها الناس استعارية تماماً، بل واقعية، وأحسوا بالاساءة والأذى الوحشي الذي تعرضت له حياتهم كما أظهرتها في المسرحية. ما أظهرتُه في «الموت والعذراء» في الواقع ليس وحشية التعذيب، وهذا بالكاد يُذكر في النص، إنما التحول الديموقراطي الصاخب والمؤلم لتشيلي.

س: قيل، من خلال كتاباتك، أنك تحاول أن تمنح صوتاً للموتى. هل بالإمكان مناقشة هذه الأمر؟

ج: أولاً، وقبل كل شيء، التوجه إلى المنفى هو التوجه إلى بلاد الموتى. هو أن تخسر كل شيء أعطى لحياتك معنى. هو أن تتقطع وتتشظى. وهناك، في الواقع، الكثير من القبائل التي يُعتبر طرد شخص ما من القبيلة هو بمثابة موت له بطريقة أو بأخرى، أما العودة إليها فهو بمثابة ولادة جديدة.

أعتقد أنني قد واجهت تجربة الموت وفقدت تلك الأشياء التي أعطت لحياتي مغزى. المنفيّ هو خارج نطاق الثقافة والأعراف الاجتماعية، خارج المكان حيث الأمور اليومية كانت حينها في متناول اليد. لذا ينبغي أن تعيد ابتكار نفسك. إلا إن ثمة هاجس كان ينتابني دائماً وهو أن الموتى يتكلمون، وكان هذا الهاجس يساورني حتى قبل إنقلاب بينوشيه.

أنت لست بحاجة لأناس يُقتلون لتجعلهم يتكلمون. إذا كنت لا تستطيع جعل الميت يتكلم، فكيف ستتحدث إلى المستقبل حين ستكون في عداد الأموات؟ ولهذا السبب لدي إحساس داخلي أن شخصاً ما في المستقبل سيصغي لي مثلما أتحدّث الآن، لاسيما حين أكتب.

إنني أحاول أن أصغي لأصوات أولئك الذين لم يكونوا قادرين على الاستجابة أو التوافق، لأولئك الذين عاشوا حياتهم دون أن يتركوا أثراً، لا سيما في اللغة المكتوبة، عن أولئك الذين كانوا، وما الذي حاولوا أن يفعلوه، أو يحلمون به.

س: وما الذي أثاره هذا الهاجس؟

ج: لا أعلم بالضبط. إنه شعور بالزوال، بالموت، من جهتي على الأقل. لدي احساس باللا واقع، بالتطلع للوهم من حولي باستمرار. أنا شخص حسي للغاية، متفائل جداً، وحيوي جداً. ومع ذلك، لدي، في ذات الوقت، يقين غريب جداً باللا وجود تماماً. يقين بأنني ميت بالفعل. وكثيراً ما أتساءل: ماذا يشبه أن تكون ميتاً.

وفي مسار تأريخ تشيلي، اتضح أن الموت هو ليس تجربة مشتركة حدثت للجميع، ولكن فقط لبعض الناس وقبل الأوان، بشكل انتقائي، ظلماً، كنوع من الإرهاب أو العقاب لأنهم أسرفوا، تخطوا الحد، تجرؤا في البحث عن صوت. لقد تجرأنا في أن نفكر حينها في عالم أفضل، عالم تسوده المساواة، عالم خال من المظالم المروعة التي تسم معظم البشر. وبسبب ذلك، تمت إدانتنا إما بالموت أو الفرار من أجل البقاء على قيد الحياة. لكن أن تموت بالمفهوم الذي يعني جعل بلدنا يُنحر من أجلنا، فهذا بالطبع، هو ما عزز إحساسي بالموت.

لقد كان سؤالاً معّذباً جداً واصلت طرحه في كل كتاباتي، بضمنها مسرحية «الموت والعذراء». إن مأزق ﭙاولينا، التي تم اغتصابها وتعذبيها في سجون بينوشيت، هو، كيف يمكنها أن تروي قصتها والجميع يعتقد أنها ماتت، بل هي نفسها أصبحت تظن أنها ميتة؟ لكن، في لحظة واحدة، تدرك ﭙاولينا أنها ليست ميتة بل حية، لكنها عوملت كأنها ميتة.

س: أنت في «الموت والعذراء» وغالباً جداً في أعمالك الأخرى، تتصدى لمسألة النزاع والمصالحة بين العدالة الشخصية والمصالحة الوطنية. هل يمكنك التعامل مع هذه المصالحة ما لم تكن على استعداد للنسيان؟

ج: من وجهة نظري وإدراكي بماهية الأدب والعيش، على حد سواء، أجدني ميالاً نحو السلم والمصالحة وأن يعيش الناس في وئام بعضهم مع بعض. ومع ذلك، من الصعب القيام بذلك على أساس من الأكاذيب أو كبح المشاعر أو قمع خبرات وتجارب جزء من السكان أو جزء من شخصية المرء. بعبارة أخرى، أنت لا تستطيع أن تتصالح مع شخص قد سبب لك أذىً وأضراراً مروعة إلا إذا بدأتما أنتما الإثنان معاً العيش من جديد في ذات البلد وذات الأرض. أنت ليس بمقدورك أن تتصالح مع الآخر إذا كنتما أنتما الإثنان تنتميان إلى شعبين منفصلين ومتحاربين. حين يُحقق النصر جزءاً واحداً من الشعب أو جزأً من وجودك على الجزء الآخر، في ظروف وملابسات كهذه، تصبح المصالحة عملية معقدة جداً. لذا ينبغي قبل التركيز على المصالحة، أن نواجه مسألة الحقيقة. المشكلة، أن العدالة في هذا العالم غائبة وملتبسة، ولهذا ستجد نفسك في وضع معقد للغاية:

كيف ستُبقي على حياتك في منأى عن الخطر، كيف يمكنك العيش في عالم يخلو من تلك العدالة. ثمة خراب ودمار حّل بالناس والبلدان ومن الصعب معالجته مطلقاً.

حين تكون وسط تجارب مؤلمة ومريرة كتلك التي أتحدث عنها في تشيلي، هناك جزءاً منا يصعب علاجه تماماً. ثمة منطقة، منطقة محظورة، حيث الأفضل عدم المجازفة في اختراقها. «جرعة من الحقيقة زائدة يمكنها أن تقتلك» يقول جيراردو، عضو هيئة التحقيق،

لزوجته ﭙاولينا في «الموت والعذراء».

من جانب آخر، النزاع من أجل تلك الحقيقة، يتطلب من المرء أقصى ما يمكن من البحث عن هذه الحقيقة، ولا ينبغي التخلي عنها مطلقاً.

س: إن أعمالك، لاسيما روايتك «ثقة» غارقة في غموضها، حيث لا يمكن التعويل لا على الراوي ولا على ليون، الشخصية الرئيسية فيها. ترى، أي نوع من التأثير أنت تعزف عليه في هذا الغموض؟

ج: إنني عالق بين شعورين في هذا العمل وفي كل أعمالي الأخرى. فمن جانب، هناك توق شديد للاستقرار والثبات، أو ما يمكن أن أسميه «مرساة» للبلاد، للكمال، والرغبة في النزاهة. ثمة رغبة شديدة للنزاهة في الشخصيات وفي اللغة على حد سواء.

ومن جانب آخر، ثمة هذا المغزى الشبحي للعالم الذي له صلة بتأرجح الشخصية وتأرجح القصص. إنه كما لو أن صوت السرد يقيدنا ويمنعنا في أن لا نجد ما يمكن التعويل عليه كلياً.

ثمة شخصية ذكورية محددة في جميع أعمالي تتحكم عادة بطريقة ماهرة بالشخصيات الأخرى وتحاول أن تروي قصص تلك الشخصيات بكلماتها هي. ليس هذا فحسب، إنما تحاول الاستحواذ عليها أو استباحتها دون إذن منها. في ذت الوقت، نجد أن الشخصيات نفسها تتقاتل وتقاوم دائماً من أجل أن تروي قصصها بنفسها.

هذا الإدراك قد سبق انقلاب بينوشيه، لكنه لا بد أن يتفاقم ويزداد حدة بشكل لا يصدق من خلال شعور بأن كل تلك الشخصيات الأبوية الحقيقية تمتلك فجأة سلطة مطلقة لتقرر مصير عالمنا.

أعتقد أننا كبشر لدينا مناطق محددة لم يتم لمسها بعد من قبل تلك القوى المهيمنة. ثمة شرارة من العصيان والتمرد، إمكانية لمستقبل بديل، صيغة بديلة للسرد الذي أحاول سبر أغواره.

ثمة رواة يسردون رؤيتهم للواقع، ولا أحد منا على يقين إن كانت تلك الرؤية صائبة أم لا. الإزدواجية هي الأداة الرئيسية التي بوسع الكاتب أن يزعزع من خلالها استقرار رؤية القراء التقليدية للعالم. إنني أحب أن أتحدى القراء، أحب أن يكون وجودهم غير آمن. لأنني أعتقد أننا نعيش في زمن فنون السطوح والكولاج ومحاكاة الأساليب الأخرى. إن بوسع الأدب جعل الغموض يمنح انطباعاً أو إحساساً بمصداقية ووضوح الحقائق بشكل خطير.

س: قلتَ أن أفضل الطرق في السياسة في كثير من الأحيان هي المراوغة. هل تعتقد أن أفضل طرق الفن هي المراوغة أيضاً؟

ج: حسناً، أنا لا أضع الكثير من التمييز بين السياسة الحقيقية والفن. كنت أعتقد دائماً أن كتابات المرء هي سياسية بشكل عميق. ليس بالمعنى الحزبي أو محاولة إقناع شخص ما بشيء ما، إنما الكتابة الأكثر إثارة للاهتمام تلك التي تضطلع في المشاركة والانخراط في المعضلات الكبرى للمجتمع، والأخلاقية منها بالتأكيد. كذلك اللغة فهي تتضمن حلولاً لتلك المعضلات، وغالباً ما تخفيها.

المراوغة كانت بالنسبة لي وسيلة للتعامل مع شرخ عالمي الخاص بي، شرخ تشيلي. وهذا أيضاً سبق تأريخ انقلاب بينوشيه لأنه حتى خلال الثورة في تشيلي لم يكن يبدو وكأن الصدام بين القديم والجديد يمكن أن يروى بشكل مكشوف.

رواية «المطر القاسي» *** التي بدأت العمل عليها بالفعل قبل الانقلاب تعالج هذا الغموض. إذا حاولت التحدث مباشرة عما حدث لك، قد تفشل. لذا فالوسيلة الأكثر ضمانة هي تطويق الموضوع وجعله يدور في داخل حلقة، داخل التجربة لجعلها تتحدث من خلال الثفل، من خلال الشروخ. لقد استخدمت هذه الوسيلة كأسلوب سردي كامل في روايتي «ثقة».

س: ليون، في رواية «ثقة»، لم يكن يمتلك صوتاً حقاً، وفي النهاية يلوذ بالصمت. الصمت والشوق يظهران كثيراً في أعمالك: الصمت في الأسر، الصمت في المنفى، الصمت في الموت، والشوق نحو شيء لا وجود له، أو نحو شخص لا يمكن الحصول عليه أو الوصول اليه.

ج: أعتقد أن حياتي مليئة بإحساس من الفقدان. رواية «ثقة» يمكن رؤيتها على أنها بمثابة نقد شديد وحاد للطوباويات السياسية في عصرنا هذا، عن اخفاقاتها، عن الحاجة إلى الحلم بشيء يحل بدلاً عنها، والإبقاء على الأمل حياً.

إنها الرغبة العميقة لدعوة أحد ما ليروي قصة ليون. ربما لإمرأة لتكمل تلك القصة. إن ما يستنتجه ليون في خاتمة حياته مفاده إنه إذا اضطلعت المرأة بدورها وامتلكت صوتها عند ذاك فقط يمكنها أن تروي قصته. قلتِ أن ليون لم يكن لديه صوت. هل تظنين أنه حرباء؟

س: لقد تخلى ليون عن صوته لسوزانا في سن مبكرة جداً، حين كان عمرها إثنا عشر عاماً بالضبط، ومن ثم أعطى صوته إلى المقاومة، وبعد ذلك لباربرا. إنه لم يحتفظ بصوته لنفسه أبداً. لقد تخلى عن الإحساس بالنزعة الشخصية.

ج: هذا شيء مثير للانتباه حقاً. لم أرَ الأمر بهذه الصورة مطلقاً. لكن أعتقد أنك قد تكوني على حق. أنا بالكاد أتحدث عن هذه الرواية. أما رواياتي الأخرى فقد أعطيت لهن قدراً كبيراً من التأمل. ربما يكون بطلي قد استسلم أو يئس. لكن دعينا نتذكر أنه تخلى عن صوته للبُنى التي شيدها في رأسه. ليون لم يعطِ صوته لأمور خارجة عنه، إنما لكيانات محددة، كالمقاومة أو سوزانا، المرأة التي شيدها داخل أحلامه. إن سبب هذه الأزمة ـ الحكاية، التوتر ـ هو لأن المقاومة والتجسيد الحقيقي للمرأة التي في أحلامه، التي هي باربرا، قد رفضا معاً التعاون، لقد أُحبطا ببنائه لهما، بتركيبته الذهنية لهما.

س: لكن موقف باربرا كان يتأرجح فيما يتعلق بالتخلي عن نفسها لهذه البنية أو التركيبة الذهنية التي رسمها لها ليون.

ج: نعم، لكننا غير واثقين في النهاية سواء أنها فعلت ذلك أم لا. كل هذا قد شيد أيضاً من قبل الراوي الذي هو نفسه في موقف هو أسوأ ما يمكن لأي راوٍ أن يجد نفسه فيه: إنه بالفعل لا يعرف كيف ينقذ هؤلاء الناس. ولا يعرف، إلى حد ما، كيف يروي حكايتهم. إنه مجرد كاميرا تُدلي بشهادة عنهم. إنه شاهد أخرس تقريباً على ما يحدث.

س: يبدو لي أن رواية «ثقة» هي عمل ذو نكهة شخصية للغاية، فضلاً عن أنها لم تعتمد السرد بل الحوار كعمود فقري لها. يبدو أنه عمل أكثر حميمية مما كتبته في الماضي. هل كان ذلك مقصوداً؟

ج: أعتقد أنها تتصدى لعلاقات شخصية متبادلة هي في مستوىً أكثر إحباطاً ونضجاً قياساً بأعمالي السابقة. أنا واثق أنني استطعت أن ألمس العلاقة الحميمة بين تلك الشخصيات، فيها ومعها، والتي هي مختلفة الأبعاد قياساً بتلك التي رسمتها مع الشخصيات الأخرى في روايات أخرى. أظن أنك على صواب، من أن رواية «ثقة» تمثل مرحلة في أعمالي تتعامل مع عالم حيث ينبغي أن نبني علاقاتنا مع بعضنا البعض في غاية من الحميمية، في فضاء غائر جداً. كهف حميمي للواقع.

س: ولماذا استخدمت الحوار كعمود فقري للرواية؟

ج: لسببين، الأول، دعينا نطلق عليه ظاهري وقصصي، وهو نتاج العمل في المسرح والسينما للسنوات الثلاث الأخيرة. ففكرة وجود كاميرا تراقب ما يحدث كانت فكرة مثيرة للاهتمام. وهي ليست مختلفة عن الوضع الذي كنتُ أعيشه حينها، والذي لم أمرّ به من قبل أبداً، أعني مراقبة الناس الآخرين وهم يتدربون على واحدة من مسرحياتي أو يعيدون كتابة كلماتي ولا يمكنني عمل شيء حيال ذلك.

كنت خلال الفترة التي كنت أكتب فيها هذه الرواية في خضم مشروع انتاج فيلم سينمائي لمسرحية «الموت والعذراء»، وفي نفس الوقت مشاهدة كل عروض المسرحيات. وقد كان لذلك تأثير واضح بالطبع على أسلوب سرد الرواية.

أما السبب الثاني والأعمق، فهو أنني لم أكن أعرف من هم هؤلاء الناس. لقد كنت أشعر في البدء أنهم أشبه بأطياف أو ممثلين كانوا يتحدثون بمقاطع محددة أمامي. لم أكن قادراً على قياس مدى ما يدور في أذهانهم حقاً، ما هي الأقنعة أو الوجوه التي يرتدونها، ما هي قصصهم الحقيقية.

س: هل تعرف مسار العمل قبل كتابته؟

ج: مطلقاً. ربما هناك عمل واحد فقط من أعمالي كنت أعرف مسبقاً كيف سينتهي وهو «الأرامل». عرفت أنه سيبدأ مع النقيب بجملة وهو يقول: «تلك المومس العجوز» وعرفت ذلك في النهاية أن المومس العجوز ستموت، لكن جميع النسوة الأخريات سيحتلن موقعها وتظهر الجثة من النهر وتطفوا على الشاطىء وستأخذ الأرامل تلك الجثة صوب الجنود، الذين سيقومون بقتلهن أو… لم تكن لدي أية فكرة عن كيفية مسار العمل من تلك العبارة الأولى صوب الفكرة الأخيرة. باستثناء تلك العبارة الأولى، لم أكن أعرف مطلقاً كيف وإلى أين تسير الأشياء.

لديّ الجو العام، تلك العبارة الأولى، وفكرة عامة عما أريد أن أستكشفه. إن أحد الأسباب الذي دعاني لكتابتها هو أن أعرف ما الشيء الذي أثار اهتمامي في تلك العبارة الأولى. لقد أردت أن أفكك التجربة المخبأة هناك.

رواية «ثقة» أخذتني على حين غرة، بالمباغتة والدهشة أكثر من أعمالي الأخرى. خلال السنوات الأولى من المنفى عن تشيلي كنت أعرف أن هناك تجربة معينة حين كنت الوسيط بين الذين غادروا تشيلي والذين بقوا في البلاد. كانت لدي تلك التجربة، وقد عرفت أنها تلامس ذلك الأمر، لكن لم تكن لدي فكرة عن مسارها.

س: وما الشرارة التي أطلقها السطر الأول؟ مسرحية «الموت والعذراء» مصدرها العطل الذي أصاب سيارتك حين كنت تعيش في واشنطن. هل لأحداث غريبة وعشوائية مثل هذه يمكن أن تحمل مغزى كبير بالنسبة لك؟ هل هي رموز، أم ماذا؟

ج: لا أعتقد أن تلك الأحداث عشوائية أو غريبة. حين تحدث لك أشياء معينة في لحظة معينة، فإما أن تفهمي دلالتها حين وقوعها أو ربما تعثرين بعد عشرين عاماً على دلالة لها؟

س: هل تؤمن بالقضاء والقدر؟

ج: نعم. أنا قدريُّ متفائل. نحن نعيش في عالم كل شيء يحمل معنىً خفي. يمكنك أن تقولي أن كل شيء هو بمثابة دلالة لشيء آخر. لاسيما التجربة. ثمة سبب يجعل بعض التجارب تحدث لك، وإذا استطعت أن تكتشفي مغزى ذلك… مثلاً، لماذا حدث انقلاب في تشيلي؟ نحن ندرك الأسباب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لذلك الانقلاب جيداً. لكن، ما مغزى ذلك من الجانب الإنساني؟ في

كثير من الأحيان تكون لديك تجربة ما تبقيها في رأسك لمدة طويلة جداً، وبعد ذلك، فجأة، ثمة شيء ما يطلق شرارة. حينها تصبحين أنت الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يستكشف مغزى ذلك. لكن غالباً ما ينبغي عليك أن تنتظري عشرين عاماً.

لم يكن بمستطاعي كتابة رواية «ثقة» قبل سبعة عشر أو ثمانية عشر عاماً حين حدثت التجربة ذاتها. ليس تجربة «ثقة» إنما الجوهر: ماذا يحدث حين يكون لديك نفوذ على شخص، على رجل، ووقعت في حب، أو، كنت مغرمة من قبل بعشيق ذلك الشخص؟ ماذا يحدث في ظروف كهذه؟ لم أستطع الإجابة على هذا السؤال إلا بعد مرور عشرين عاماً تقريباً. في عام ١٩٧٥ لم أكن قادراً على الانخراط بغموض وملابسات السياسة. كان بينوشيه على رأس السلطة وكنا نقاتله بشراسة، لكن بشكل صائب. كان من الصعب جداً علينا، مثل الكثير من الناس في الرواية، نقد قادة مقاومتنا، الذين تمكنوا من خيانتنا، وكانوا قادرين على ذلك، في لحظة معينة. لم أكن أجرؤ، خوفاً على صحتي العقلية، لأطرح أسئلة كتلك التي أطرحها في رواية «ثقة». هذه الأسئلة كانت أسئلة مؤلمة للغاية.

س: وما هي تلك الأسئلة؟

ج: أنا لا أريد أن أبوح بها لك حقاً.

س: طيب، دعني أسألك عن الإرادة الحرة، أو القدرة الذاتية. ليون يعلن أنه كان في سن الثانية عشر عاماً حين جاءته سوزانا في حلمه. وفي رواية «الأغنية الأخيرة لمانويل سينديرو» ترفض الأجّنة أن تولد. هل يمتلك المرء القدرة على أن يختار متى يولد؟

ج: ثمة مصير ينتظر الشخصية، وهذا المصير له علاقة بالاحساس التراجيدي للحياة التي أُحسها. الانسان هو الذي يختار مصيره. كنت أشعر دائماً أننا نتحكم بالقدر القليل جداً بحيواتنا، لكننا نتحكم أكثر باستجابتنا لذلك المصير، لما تم اختياره لنا. لذا أنا أرّكز دائماً على الناس الذين يعيشون حالات استثنائية والذين يستجيبون بطريقة متطرفة للغاية. وإحدى تلك الطرق التي يستجيبون بها هو من خلال خيالهم الجامح.

س: ثمة فصام بين المخيلة والواقع المفرط في واقعيته في كثير من الأحيان في أعمالك.

ج: هناك مناشدة دائمة للمتخيَّل. وأنا أعتقد جازماً، إنه إذا كان ثمة خلاص، إذا كانت هذه الكلمة موجودة أو لها معنى، فهو تلك القدرة على خلق ذلك العالم التخييلي الذي يُعطي معنىً بديلاً للمصير الذي فرُض علينا بالقوة. بالقدر الذي نستطيع التعبير عن تلك الصورة التخييلية، يمكننا خلق علاقة روحية مع الآخرين ممن شََّيدوا مخيلاتهم بذات الأبعاد. ومن ثم، يمكننا خلق حالة من التكافل، هو تكافل المخّيلة.

أعمالي كلها مشرَّبة بفكرة أن ما يحدث لشخص ما، هو في كثير من الأحيان، أقل أهمية من الطريقة التي يستجيب لها ذلك الشخص في مخيلته.

هناك طريقة لرواية القصة بشكل مختلف، لو أننا فقط استطعنا العثور عليها. وأنا اتساءل دائماً كيف يمكن وصل الخيالي بالواقعي، أن تضم شخصاً يحيا التأريخ بدون مخيلة رائعة إلى شخص مغلق داخل عالم فانتازي يخلق هذه الصور. أو، بمعنى النثر، كيف يمكنك ضم اللغة العامية جداً بالمفردات الأنيقة، الغنية، المجازية، وربما الباروكية، بشكل كبير؟ هذان الجزءان المتعارضان هما بمثابة الصورة الأسطع لشخصيتي.

إنني في الحقيقة، أتأرجح بين شرطين دائماً. فأنا منفي ويتملكني في نفس الوقت هاجس الوطن. أحس أنني حي، وفي ذات الوقت أحس أنني شبح. إنني شخص يسكن في داخله التناقض. ولحسن الحظ أنني كاتب، وإلا لكان مقامي هو على الأرجح في مستشفى المجانين.

س: هل تعتبر نفسك سفيراً ثقافياً؟

ج: لقد منحتني الحياة موقع جسر غريب نوعاً ما. أنا ثنائي اللغة والثقافة. إنني أنتمي إلى عالمين، وهذين العالمين أمريكيين، وهما الأمريكيتين.

س: أنت ولدت في الأرجنتين، نشأت وترعرعت في نيويورك، ومن ثم اقمت أخيراً في تشيلي. قلتَ أن لديك مشاعر غّلو إزاء بلدك. إلى أي حد كان الاحساس بالهوية الثقافية مُلزم عليك، أم أنك كنت تبحث عنه بنشاط وحيوية؟

ج: كنت أبحث عنه. نعم. لقد غادرت الأرجنتين حين كنت في سن الثانية، وذهبت عبر عملية تأقلم مؤلمة إلى الولايات المتحدة لم أكن أريد التسليم بها حتى الآن. لقد سعيت إلى أن أصبح صبياً أمريكياً نموذجي وهذا لم يحصل بالطبع. ومن ثم كان عليّ المغادرة إلى تشيلي وكنت يومها في الثانية عشرة من عمري حين وجدت نفسي أنني كنت في مسعىً لئن أبقى موالياً لذلك الطفل الأمريكي الذي ظننته. لكن، وبمرور الوقت، وبشكل تدريجي، أغرمت في حب تشيلي وبأنجليكا التي أصبحت زوجتي. لقد أغوتني البلاد. وبعدها فقدتُ تلك البلاد واتجهت إلى الخارج صوب المنفى.

لقد أمضيت القسم الكبير من منفاي متلهفاً لبلادي بشكل خاص جداً، بطريقة هي الآن أكثر رقيّاً من قبل بكثير. ومرت السنوات، وعدت إلى وطني تشيلي فلم أجد نفسي أنني أنتمي اليه كلياً حقاً. لقد اكتشفت ذلك أنه ربما يجب عليّ أن أعترف أنني رجل بين بين. إنني إنسان يعيش على تخوم الأماكن. الفضاء المتأرجح والمتذبذب هو المكان الأكثر متعة للعيش فيه. وربما كانت حياتي كلها تقتات على التخوم في محاولة لنفيها. محاولة لإنكار الحياة على أطراف أو حواف شيء. وهذا الفضاء الإبداعي هو المنعش والمحّفز على الدوام.

س: أعمالك تحتكم لمثل هذا الصعيد الكوني من مجتمعات الشتات وهي تعالج الحاجة إلى خلق وطن روحي في بيئة حدسية حين يكون المرء مضطراً أو مجبراً أو مفضلاً أن يتخلى عن الوطن المادي.

ج: أود أن أتفق معك تماماً. منذ أن أزيح بينوشيه عن السلطة في تشيلي واكتفى بمنصب قائد للجيش حتى عام ١٩٩٨(****) أصبحتُ حينها حرّاً في العودة إلى بلدي والعيش هناك. منذ تلك اللحظة بدأت أشعر أنني بصحبة العديد من التجارب المماثلة في الشتات، بمعنى: قلت لنفسي، اسمع يا أرييل، لقد حان الوقت الذي لم تسعى فيه أن تصيغ أو تشّكل أو تطابق نفسك وفق رؤية واحدة

عمن تكون، غير أنك إنسان تعددي وجماعي مثل العديد من الناس في أرجاء العالم. قصتك هي فريدة جداً من جانب، ومن جانب آخر، هي قصة الكثير من الآخرين الذين وجب عليهم اختراق الحدود والعمل مع أفكار صراع الهوية الثقافية والخوض في ملابساتها.

لا بد لي من التعايش مع هذه المعضلات، وأشعر الآن أن روحي مسكونة بها أكثر من أن تقتات على معضلات ما يمكن أن نسميها معضلات تشيلية، بما تعنيه العيش على المعبر الحدودي في عصرنا هذا.

روايتيّ «ماسكارا» و «ثقة» وحتى «الموت والعذراء» كتبتهم بالطريقة التي بوسع القراء أن يعثروا على قصصهم فيها حتى لو لم تكن تتماثل مع ظروفهم المحلية بشكل مباشر.

إنني أُحس حقاً أن وقائع رواية «ثقة» حدثت بشكل لا يُعد ولا يحصى لأناس في أماكن عديدة جداً. والتأريخ أعاق حوار أولئك الناس، ولم يمنح الفرصة لذلك الحوار أن يتواصل والذي هو ما يحدث في قصص حياتنا.

نحن نسعى لخلق قصة تخييلية وبعد ذلك فجأة يأتي التأريخ أو الظروف التأريخية غير المتوقعة وتقوض ذلك الواقع المنفتح الذي نسعى لخلقه مثل رحم أو تجربة حميمة.

س: وهذا بالضبط ما يحدث في «الموت والعذراء»، حيث الحدود الغائمة بين پاولينا وجيراردو والدكتور ميراندا.

ج: مشكلة الثقة هي نقطة مركزية في «الموت والعذراء» و«الأغنية الأخيرة لمانويل سونديرو» و«ثقة». إنني أنطلق في تطوري الأدبي من الملحمي إلى الحميمي. قبيل انقلاب بينوشيه بدا لنا أننا نعيش زمن الثورة حين كنا نسعى إلى تغيير كل شيء. كان ثمة شعور أن الواقع لنا وينبغي أخذه، وكل ما كان علينا القيام به هو أن نتصور أو نفترض مستقبلاً مختلفاً سيصبح واقعاً حقيقياً فوراً مثل جنين يخرج من أرحامنا. لكن بمرور السنين أصبح السؤال الملحمي للبلاد أو العالم هو: كيف أثق بشخص ما آخر في العالم، ونحن الإثنان، أنا وذلك الشخص الآخر، نبتكر مجتمعاً نجابه به أهوال عصرنا؟ وأكثر من ذلك كان السؤال: كيف أثق بأحد ما؟ كيف أؤمن بأحد ما؟ كيف يمكن أن أعرف ما إذا كانت القصة التي يحكوها هي الحقيقة؟ كيف أعرف أن قناعهم لا يخفي شيئاً مرّوعاً؟ هذا الأمر

له علاقة وطيدة بتأملي بشأن العام والخاص. لقد تم غزو خصوصيتنا إلى الحد الذي أعتقد أننا لا نمتلك أي خصوصية مطلقاً. كل شيء قد أُنتزع منا دون إذن. هذا هو الشعور الذي يتملكني دائماً. وهو له علاقة بشيء آخر أنت أشرتِ اليه، وهو المدى الذي يمكن لك به التعاون مع السلطة أو لا. لأن السبيل الوحيد الذي يمكن لك به تغيير مسار هذا العالم هو إذا ولدت، أو شاركت وتفاعلت مع العالم كما هو. وفي ذات الوقت، إذا منحت نفسك مساحة تحررية أكبر، إذا لم تُبقي جزءاً منك بمنأى عن الضرر والأذى، ومن الممكن أن لا يكون لك أي شأن بتغيير العالم الذي شاركت وتفاعلت فيه يوماً. ومشكلة الثقة هذه التي لها علاقة وثيقة بالخيانة، هي أمر بالغ الأهمية.

رواية «ثقة» هي دراسة لموضوع الخيانة، وهي بالتالي تأمل في موضوع الوفاء والاخلاص. هل بالإمكان أن تحب وأن تكون وفياً في زمن مثل زمننا؟ الرواية لا تتحدث عن زمننا، حقاً، لكنه زمننا، بطبيعة الحال. هذه هي الأسئلة المركزية التي علينا أن نطرحها على أنفسنا: كيف يمكننا أن نثق بأحد ما، كيف نعرف من هو؟ وحين تخذلنا كل الأفكار والمفاهيم والخيالات والمجازات الذاتية، كيف يمكننا مواصلة الحلم؟

هامش:

* أجرت هذه المحادثة جينيفر بيرمان، المحرّرة الأدبية في صفحة «فنانون في حوار» في المجلة الأدبية ـ الفنية الفصلية «BOMB» التي تصدر في الولايات المتحدة/ بروكلين.

** رواية «ثقة» ترجمها إلى العربية صالح علماني.

تُروى أحداث رواية «ثقة» حصرياً من خلال الحوار، وتبدأ بإمرأة تدعى باربرا قادمة إلى باريس لرؤية حبيبها مارتن. تدخل غرفة الفندق وتتلقى مكالمة هاتفية من شخص غريب وغامض يدعى ليون، يزعم أنه صديق لمارتن ويبلغها أن حبيبها يعمل مع المقاومة ضد النازية ويمكن أن يكون وضعه في خطر كبير. ويبدو من خلال حديثه أنه على معرفة بتفاصيل كثيرة عنها وعن أسباب فرارها من بلدها. فعلى مدى تسع ساعات «وهو زمن الرواية» يحكي لها عبر الهاتف عن أمور مقلقة كثيرة، عن حبيبها، عنها، عن المأزق السياسي الذي يقعان في شراكه، وعن خيالاته هو وأوهامه عنها. الرواية تقتفي أثر العلاقة بين الشخصيتين الرئيسيتين، باربرا

وليون، في إطار زمني تُرك ملتبساً بشكل متعمد. إنها رواية سياسية على ما يبدو فضلاً عن أنها دراسة حادة في طبيعة الشخصية وفعل الاستحواذ، والتي تكتمل بتعليق بلاغي موجه للقارى والروائي على حد سواء.

هذا العمل الوجيز والمشيد باحكام يطرح يتحدى افتراضاتنا حول الشخصية وأسس معرفتنا وعملية صنع التأريخ، ويسحبنا إلى لغز ما بعد الحداثة حيث لا شيء، بما في ذلك النص نفسه، يبدو كما هو عليه. فيها تتناوب الولائات وتتغير و تصبح طبيعة المهمة السياسية للرجال أكثر تناقضاً وأقل وضوحاً على حد سواء.

إنها رواية منعشة في كشفها الدقيق إلا أنها كئيبة في استنتاجاتها، فهي تتطلب إعادة النظر بشكل جوهري في طبيعة مفهوم الثقة.

*** المطر القاسي: رواية سياسية تتناول مرحلة التوتر والفوضى التي سادت تشيلي قبل الأنقلاب العسكري أوائل سبعينات القرن الماضي وتحكي عن تجارب الناس المقموعين والمنقسمين.

**** تنازل بينوشيه عن رئاسة البلاد مرغماً لباتريشيو أيلوين الرئيس المنتخب ديموقراطياً عام ١٩٩٠واكتفى بمنصب قائد للجيش حتى عام ١٩٩٨.

ايلاف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...