الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بشار طربيه / حوار مع السلطة الدينية في الجولان

حوار مع السلطة الدينية في الجولان


بشار طربيه

بشأن قرارها الأخير بالقاء الحرم الديني والاجتماعي على الأخوة وهيب أيوب وسليمان عماشة

هناك حالة من التخبط تعاني منها المؤسسة الدينية في الجولان منذ أواخر الثمانينات. ولأن هذه المؤسسة لعبت دورا تاريخيا في الحيز الاجتماعي والسياسي، ولأن قراراتها تمس المجتمع الجولاني بكافة أطيافه، فإن من واجبنا وحقنا كأبناء وبنات في هذا المجتمع أن نتحاور معها، وننتقدها، ونحتج على، ونعم أن نرفض، أحيانا، دعم خطوات أو الالتزام بقرارات صادرة عن عموم أو بعض أفرادها. فهؤلاء هم أهلنا – آبائنا وأجدادنا واخواننا – وحوارنا معهم هو حوار مع الذات وليس حوار بين الغرباء.

واستباقا للاحتجاج الشديد الذي سيصدر بالتأكيد عمن نصّبوا أنفسهم رقباء على رقاب الناس؛ معتبرين أن أي نقد لمشايخنا ما هو إلا تطاول من رعاع على ذوي المقامات، لا بد من التأكيد أن نقدنا للمؤسسة الدينية هو حق يشرّعه الدين والتقاليد الموروثة وأن ظاهرة الرقابة ونزعة كم الأفواه والقول بأن حق الرأي والقرار هو حصر على فئة دون غيرها من المجتمع، هي كلها مستجدات دخيلة على تراثنا فرضتها نظم الاقطاع وابتداع سلطة الأعيان في العهد العثماني، وتغذية السلطة التقليدية الطائفية من قبل الاستعمار الفرنسي، والدكتاتوريات العسكرية وأنظمة الحزب الواحد من بعدها في عهد الاستقلال. لكن محاولات الاحتلال الاسرائيلي تشويه هويتنا الطائفية والقومية فرضت علينا التعاضد، وبمفارقة لم يرغبها المحتل، نجحنا بتجاوز الكثير من هذه الموروثات المستحدثة، وأصبح التشاور والاجماع بيننا جميعا هو البوصلة التي بها نخط طريق المقاومة والمحافظة على لحمة هويتنا الجمعية كما نريدها نحن.

حتى نهاية الحكم العثماني، اقتصر دور القيادة الدينية في المجتمع على البتّ في الشؤون الدينية والأحوال الشخصية. ولأن مجتمعنا كان دائما مجتمعا أهليا، فإن أفراد من الهيئة الدينية، شاركوا مع كثيرين من غير المتدينين في حل المشاكل والخلافات الاجتماعية من خلافات مادية الى خلافات على ملكية أرض أو تحديد حدودها، الى خلافات عائلية أو قروية هددت أو انتهت فعلا باراقة الدماء وتطلبت المسارعة إلى التدخل لفضّها. وبدعة أن للمؤسسة الدينية وقيادتها دور سياسي مستقل ومعبر عن المجتمع الذي تعيش فيه استحدثها الاحتلالان الفرنسي والبريطاني في محاولة لتحجيم دور الحركة المقاومة للإستعمار في سوريا التاريخية وعلى رأسها سلطان الأطرش. واخترع الاستعمار الفرنسي العلم الدرزي في مواجهة علم الثورة العربية – والعلم السوري فيما بعد – اللذين رفعهما الأطرش ورفاقه من كل الطوائف والاثنيات السورية. والهدف من وراء استحداث العَلَم كان محاولة لمزج الدين بالطائفة بالسياسة بالمجتمع في إطار دويلات طائفية عميلة للإستعمار. والثورة السورية الكبرى أفشلت هذا المشروع وأنتجت فصلا قاطعا بين الدين والسياسة والقيادتَين الممثلتين لهما.

لم يحدث في تاريخ الجولان، حتى في ظل الاستعمار، أن اتخذت السلطة الدينية مواقف سياسية مستقلة عن المجتمع أو تحريضية ضد أفراد يمارسون حقهم الطبيعي بالتعبير عن مواقف سياسية معارضة من داخل الموقف الوطني العام. من هنا تنبع خطورة القرار الأخير الصادر ضد الأخوة وهيب أيوب وسليمان عماشة، والذي يعكس محاولة جديدة لتوسيع صلاحيات الهيئة الدينية في الجولان وتغيير دورها حجما ونوعا. هذه النزعة الجديدة التي كان الاحتلال منذ سبعينيات القرن الماضي يحاول تغذيتها بالإغراء والترغيب رفضتها القيادية الدينية بحزم، لكننا نشهد اليوم المؤسسة ذاتها تبادر من دون ترغيب خارجي لفرض هيمنتها على الحيز السياسي في الجولان ولامتلاك السلطة الدينية والزمنية معا.

ولا بد من التذكير بأن قرار رفض الجنسية في الجولان وفرض الحرمان الديني على حامليها خرجا من خلوات قرانا ولم يخرجا عنها أو باسمها ولا باسم الهيئة الدينية وانما باسم المجتمع بكافة شرائحه وبإجماعها قاطبة. فالمؤسسة الدينية عندنا حافظت دائما على حيادية سياسية واجتماعية وتدخلت فقط بطلب معتمد على إجماع كافة الأطياف السياسية والاجتماعية في الجولان.

قبل أقل من ثلاثة أعوام، كتبت مداخلة احتجاجية ضد استقبال المرتزقة الليكودي أيوب القرا من قبل رموز دينية في الجولان قوبلت بردود موتورة من البعض الذي استهجن بأي حق أنتقد أنا، غير المتدين (وربما لأني لست ابن حسب ونسب) الرموز الدينية في مجتمعنا. وقبل أقل من عام عقدت الهيئة الدينية اجتماعا في مقام اليعفوري أعلنت فيه أن القرا شخصية غير مرغوب بها في الجولان على أعقاب اصداره تصريحات كاذبة تتلائم مضمونا مع مكانته كمرتزقة. وما كان لهذا الاجتماع الثاني أن يحصل لولا الخطأ الفادح الذي ارتكبته الهيئة الدينية بإقامة علاقة مع القرا أصلا، وما تسببت به هذه العلاقة من إحراج ليس للهيئة الدينية فقط بل لكافة أبناء الجولان، المتدينيين وغير المتدينين معا. وبدلا من مراجعة الذات واستخلاص العبر، والعودة إلى التشوار الحثيث بين مختلف التيارات الوطنية، ها هي تشرع مرة أخرى بالتصرف وكأن القيادة الزمنية بيدها وتحت مسئوليتها الحصرية!

متخذو قرار اللقاء بالقرا، والمدافعون عنه وكل من التقى به، ادّعوا أن ما يشفع لبناء علاقة معه هو قدرته على تيسير أمور مطلبية كتسهيل وتوسيع نطاق الزيارات للأهل في سوريا. بكلمات اخرى، الادعاء كان: أن العلاقة معه قد تعود بفائدة على أبناء وبنات الجولان بالعموم. وبالتالي كان هذا الحدث الأول من نوعه وشكل سابقة خطيرة حاولت فيها القيادة الدينية الادعاء بحق التمثيل السياسي لعموم المجتمع حكرا دون استشارة أحد. وكان الاعلان بقطع العلاقة مع القرا تصحيحا حكيما ومطلوبا، حتى ولو أتى ردا على التصريحات الكاذبة التي أعلنها باسمه وعن طائفة بالكامل.

الادعاء الثاني الذي طُرِح للدفاع عن حق الهيئة الدينية باللقاء مع القرا كان بأن القيادة الدينية في احدى الزيارات الدينية الى الجزء الحر من سوريا، التقت بالرئيس السوري الحالي وحصلت منه على توكيل مفتوح للقاء من تريد من الساسة الاسرائيليين لتسهيل أمور حياتية محددة مثل تسويق التفاح وتوسيع نطاق الزيارات الى الوطن وغيرها. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه تأكيد أو تكذيب هذا الادعاء لأن القيادية الدينية لم تجهر به رسميا، فإن تاريخ السياسية السورية الداخلية تحت حزب البعث لا يتناقض مع، بل يميل للمصادقة على امكانية وجود مثل هذا التوكيل. ففي حين أن حزب البعث ادعى تاريخيا ونظريا محاربة الطائفية، حاول الرئيس السابق حافظ الأسد حتى بداية الثمانينات استمالة صوت قائد الثورة السورية الكبرى سلطان الأطرش الى حزب البعث لكن الأطرش رفض مؤكدا على موقفه التاريخي اللاحزبي. لكن السبب الأهم وراء رفض الأطرش التقرب من حزب البعث هو موقفه التاريخي غير المهادن (مع آخرين من رفاقه في الثورة كعبد الرحمن الشهبندر ونسيب البكري وغيرهم) الذي دعى الى سورية جمهورية ديمقراطية فيها فصل واضح بين الدين والدولة وهوية سورية جامعة لكافة سكان البلاد دينيا وإثنيا (وبالتالي ليست هوية عربية محضة كما أرادها البعث فيما بعد).

على هذه الخلفية حاول حزب البعث تهميش سلطان الأطرش من خلال تقوية زعماء تقليديين آخرين وتصعيد التنسيق مع مشايخ العقل الثلاثة في سوريا. هذا التنسيق زاد زخمه وطغى على العلاقة بين النظام ودروز سوريا بسبب الفراغ القيادي العلماني الذي تولد بعد وفاة الأطرش. ومنذ الثمانينات وحتى اليوم، يتم حل أي مشاكل طارئة في السويداء وجبل حوران ليس من خلال ممثلي هذه المناطق في مجلس الشعب وإنما مباشرة مع أحد أو جميع مشايخ العقل. هذه الحالة الجديدة (والمبتدعة) ركزت السلطتين الدينية والسياسية لدروز سورية في أيدي الهيئة الدينية، والسياسة نفسها انتُهِجت مع الطوائف غير السنية الاخرى مما ألغى التوازن التاريخي بين الديني والدنيوي وبدأ يفتت الهوية الجمعية السورية والتي لا يقف في وجهها سوى استمرار وجود زعامات عائلية (ذات تاريخ اقطاعي) ذات نفوذ شعبي، وأهم من ذلك غلبة النزعة التاريخية الى العلمانية التي ميزت العامة في المجتمع السوري منذ أواخر القرن التاسع عشر مع استثناءات قليلة.

أما مشيخة العقل في سوريا فقد كانت لديها الجاهزية البنيوية للعب هذا الدور. فالسبب وراء وجود ثلاثة مشيخات عقل في البلاد يعود الى صراعات ومنافسة عائلية اقطاعية في أواخر القرن التاسع عشر أنتجت ثلاث مشايخ عقل تنحصر المشيخة في عائلاتهم وبالتالي فهي تغلِّب عامل التوريث على الأهلية المعرفية الدينية في اختيار شيخ العقل. كذلك أنتج هذا النظام امكانية كامنة للتداخل بين القوة الدينية والسياسية، حال تاريخيا دونها وجود شخصيات قيادية شعبية مميزة مثل سلطان الأطرش الذي تجاوزت ممارساته ودوره المصالح العائلية الضيقة واعتمدت على حس بالمواطنة يتجاوز الطائفة والدين.

والمفارقة الكبرى في حالة الجولان هي أن حصر القيادة الدينية في اطار العائلة لم تنتج حتى السبعينات من القرن العشرين وبدأ تراث التوريث يهيمن عليها، لكن قدرتها في التدخل في الحيز السياسي بقيت محدودة بسبب تاريخ مقاومة الاحتلال الذي انتج تحولات اجتماعية عميقة أهمها انحسار الهوية العائلية على حساب تعمق الهوية الجمعية. ولا يمكن قراءة حادثة القرا والحرم الاجتماعي الذي أعلن ضد الأخوة سليمان ووهيب بمعزل عن التاريخ السوري عامة والمحلي خاصة المستعرض أعلاه.

ما هي حجة مصدري ومؤيدي القرار ضد الأخوة وهيب وسليمان؟

إذا كانت الهيئة الدينية ترغب باصطفاف المجتمع خلف قرارها، ولأنها لم تستشره في اتخاذه، لا بد لها من الاجابة على أسئلة المعارضين له؟ وكأبناء وأحفاد واخوة لكم من الحق أن نسأل: كيف تستصدرون هكذا قرار وتفرضون نفس العقوبة على مناضلين سياسيين لهم تاريخهم في هذا المجتمع وتساوونهم بعملاء الاحتلال؟ وفي حالة وهيب أيوب الذي دخل مرارا غرف التعذيب الاسرائيلية وقضى محكومية بالسجن لبضع سنوات وكان وما يزال يتعرض للتضييقات من المحتل…. بأي سلطة أخلاقية تفرضون حرمانا اجتماعيا ضده لأخذه موقفاً سياسياً يؤكد ويمارس عبره مواطنته السورية؟ وفي حالة الأخ سليمان الذي نشط سياسيا واجتماعيا ضد الاحتلال منذ عقدين أو أكثر، كيف وبأي حق تحولونه بين ليلة وضحاها من شخصية وطنية فاعلة في المجتمع الى شخص “منبوذ”؟ وبأي مصداقية تغلبون تأييد حزب ورئيس على النضال ضد الاحتلال مهما كانت التوجهات السياسية والأيديولوجية لأصحابه؟

وكيف توازنون بين موقفكم هذا وتسليم حفنة من أخطر وأقدم عملاء الجولان دينهم واستقبالهم في الخلوات كل ليلة اثنين وجمعة؟ وإذا كان العملاء منبوذين دينيا واجتماعيا بقرار وإجماع المجتمع منذ الاضراب الكبير، فكيف يُسَلَّموا دينهم؟ واذا كان تسليمهم دينهم فرض لا بد منه كما ادعى البعض (وهذا موضع للتساؤل)، فلماذا لم تؤكدوا لهم على الملأ بأن الحرم الاجتماعي ضدهم لا يزال ساريا؟ وإذا كان القرا شخصية غير مرغوب فيها في الجولان، فلماذا لا تقرروا أن هؤلاء وإن سُلِّموا دينهم، ليسوا شخصيات مرغوب فيها في خلوات قرانا؟

قراركم يعتبر أن كل من يعارض حكومتنا السورية يرتكب جريمة تستحق الحرمان الاجتماعي والديني؟ لنفترض أن التعديل الدستوري لقانون الأحزاب في سوريا الذي وعدت به الحكومة تحول غدا الى حقيقة: هل سيبقى موقفكم من معارضي حزب البعث نفسه؟ اذا كان الجواب نعم، فانكم بذلك تعارضون حزب البعث والرئيس السوري الذي أقر أن معارضته أصبحت مشروعة، وبهذا المنطق فإن قراركم سياسي. واذا كان جوابكم لا، فإن قراركم الحالي ليس قرارا دينيا ولا اجتماعيا وإنما قرارا حزبيا (أضيق من أن يصنف حتى بالسياسي) لأنه بتحولاته مطابق لقرارات حزب البعث العربي الاشتراكي.

بكل محبة واحترام، وحرصا على لحمة مجتمعنا، ولكي لا تتحول مؤسستنا الدينية وخلواتنا الى فروع لهذا الحزب السياسي أو ذاك، وحرصا على الهيبة الدينية للمؤسسة التي يحرص مجتمعنا بكل أطيافه عليها، أدعوكم بكل تواضع، وبصفتي إبن هذا المجتمع، أن تلغوا القرار. وللأمانة، ولكي لا يفهم موقفي بأنه نابع عن مصلحة أو تخوف شخصيان، أعلن كتابة بأنه على الرغم من أنني لست عضوا فاعلا في المعارضة السورية ولم أنشط معها في يوم من الأيام، لكني مؤيد لمطالبها العادلة ومتعاطف مع تياراتها العلمانية غير الطائفية المنادية بالتغيير والاصلاح والتي لا تنسق ولا تتعامل بأي شكل كان مع حكومات الدول التي استعمرت بلادنا سابقا والدول الطامعة فيها حاليا. كذلك فإني معارض بالمطلق ممارسات العنف والتعذيب والقتل غير المبرر أو المشروع التي تمارسها الحكومة السورية وأجهزتها الأمنية و”شبيحتها”. وموقفي هذا يضعني في نفس الخندق مع الاخوة وهيب وسليمان وغيرهم كثيرون. وفي حال الابقاء على القرار، فأطالبكم وبتقدير واحترام صادقين، وكما فعل البعض من قبلي، بشملي بقراركم ضد الأخوة وهيب وسليمان.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...