الرئيسية / صفحات الحوار / حوار مع راتب شعبو

حوار مع راتب شعبو

الطبيب والباحث السّوري راتب شعبو:

• ولد عام 1963 في مدينة اللاذقية.

• درس الطب في جامعة دمشق.

• اعتقل سابقاً على خلفية انتمائه لحزب العمل الشيوعي.

• يقطن حالياً مع أسرته في اللاذقية.

• له عدّة مقالات و أوراق بحثية منشورة في صحف ومجلات عربية.

أهلاً بك في أفياء السنديان. يسعدنا ويشرفنا حلولك ضيفاً على صفحاتنا للحديث في عدّة محاور ذات علاقة بالشأن العام وقضايا الثورة والساحل السّوري.

المحور الشخصي:

• انكفأ معظم من كان ينتمي لحزب العمل الشيوعي (وخاصةً من علويي المولد) عن الساحة السياسية بعد الثمانينات، وأعلن بعضهم عدم إيمانه بالحراك الشعبي الحالي منذ الأيام الأولى، ما السبب الّذي لم يجعل من «راتب شعبو» واحداً من هؤلاء؟

الانكفاء عن النشاط السياسي كان عامّاً في سورية ولا يقتصر على من كان ينتمي إلى حزب العمل الشيوعي، ولا على علويي المولد. عاش المجتمع السوري هزيمةً عامة عقب سحق التنظيم السياسي/العسكري للإخوان المسلمين، هذا التنظيم الذي شكل ولا يزال خيبة ثقيلة للسوريين، سواء بفكره أو سياساته. وتحت ستار الصراع ضد الإخوان المسلمين استأصل النظام السوري آنذاك كل صوت معارض أكان من اليسار أو من اليمين، أكان سلمياً أو عنفياً، ثم طوّب النظام نفسه سيداً مطلقاً على المجتمع. تلك هي الفترة التي أنتجت تعابير جديدة تعكس مدى الغطرسة السلطوية مثل تعبير «سيد الوطن» و «إلى الأبد». التعابير التي راحت شرائح المجتمع السوري ترددها في تحدٍّ صريح للعقل والمنطق البسيط. وكانت تلك الفترة هي التربة التي أنتجت وعمّمت ظاهرة الشبيحة والتشبيح، بما يشبه تكاثر الديدان على جثة. كان المجتمع السوري جثة سياسية.

من جهتي أنا، وعلى خلاف ما يتضمن سؤالكم، انكفأت أيضاً كغيري بعد خروجي من السجن الماراتوني، وعكفت على متابعة دراستي وتحصيلي الثقافي. لم يكن ثمة في البلد ما يشدّ إلى العمل السياسي: قمع شديد ودؤوب ومزاج شعبي مُحبِط.

أما فيما يخص الحراك الشعبي الحالي، فهذا بحث مختلف. الكثير من النشطاء أو السجناء السياسيين السابقين تكلست تصوراتهم ولم تعد مفاهيمهم قادرة على التفاعل مع «إبداعات» الواقع. فحاولوا سجن الواقع في قوالبهم الذهنية بدل أن يتفاعلوا معه. فهم لم يجدوا مثيلاً لانتفاضة الشعب السوري في كاتالوغ مفاهيمهم. وإذا أخذنا في الحسبان الحساسية المفرطة تجاه أي رائحة إسلامية، فبمقدورنا أن نفهم سلبية، أو حتى عدائية، هؤلاء للحراك الشعبي الحالي. وبالمناسبة، لم يكن موقف من قدّسوا الحراك وسلموا قيادهم له، معتقدين أن هذا يجسد الموقف الثوري، بأقل سوءاً وضرراً على الثورة وعلى الناس من موقف أولئك.

• ماتزال تجربة الاعتقال والسجن حاضرةً في داخلك إلى الآن، ما الّذي غيرته هذه التجربة في «راتب شعبو» الانسان أولاً، والمعارض للنظام ثانياً؟

السجن ماضٍ حاضرٌ دائماً في وعي ولاوعي ضحيته. آخر جملة كتبتها في مذكراتي عن السجن (روزنامة المسجون – سيرةٌ سورية) كانت: «خرجت من السجن، فهل يخرج السجن مني». السجن يستوطن ضحيته ويصبح عنصراً دائماً، وأحياناً طاغياً، في ما يمكن أن أسميه الجهاز المعرفي والشعوري للمرء. حين أفتح في الصباح نافذة بيتي واستقبل نسمةً بكر منعشة، تحضرني على الفور ساعة فتح أبواب المهاجع صباحاً حين كنت أخرج مسرعاً إلى الباحة لأتنفس هواء جديداً حراً بدلاً من الهواء الميت المضغوط داخل المهجع. وحين تنتهي إلى أنفي رائحة عفونة ثقيلة، تحضرني على الفور أيضاً، أينما كنت ومهما تكن المناسبة، رائحة الزنزانة التي ما أن تدخل أنف الضحية حتى تحجز لذاتها مكاناً أبدياً في ذاكرته.

أبسط حادثة أو رائحة أو صوت يمكن أن تطلق سلسلة قسرية من التداعيات عند «السجين السابق». نوع من التداعي القسري غير الحر، أو ربما التداعي القسري الحر. رائحة العفونة مثلاً تعيدك إلى تاريخك الشخصي في السجن وإلى الممارسات السادية التي تعرضت لها وإلى التساؤل عن المنطق السياسي أو الاجتماعي أو الأخلاقي الذي يجعل المرء موضوعاً ومادة للعذاب لمجرد أنه يحمل رأياً سياسياً مغايراً، مهما يكن. ثم تتواصل السلسلة قسرياً: ماذا يجري لمن هم اليوم في نفس المعبر الذي مررت به؟ كم ضحية مظلومةً في سوريا تتوق اليوم لرؤية الشمس، تتوق لنسمة هواء، للقمة خبز، لكلمة ودودة، للمسة تعاطف، لرؤية وجه من تحب (ابن، ابنه، أم، أب، اخت، أخ، زوج، حبيب ..الخ)، لسماع صوت الطبيعة، لرؤية امرأة حامل تسير في الطريق، لرؤية أطفال في طريقهم إلى المدرسة.. وتكرّ عذابات روحك دون ضابط، مثل سبحة انقطع خيطها. أبسط عبارة يمكن أن تفتح في مخيلة «السجين السابق» صندوق باندورا مليء بعذابات ظالمة.

كإنسان يجعلك السجن أكثر حساسية لعذابات الآخرين. وهذا يجعلك أكثر رفضاً للظلم من أي نوع، وعلى رأسه الظلم السياسي، أبو المظالم جميعاً. ولا بد من القول إن هذه النتيجة ليست عامة. أعرف الكثير من الأشخاص الذين حطمهم السجن وكسر إرادتهم، وليس في هذا أي غرابة أو استهجان. بالمحصلة هذه إحدى وظائف السجن. دائماً كان يتبادر إلى ذهني أن آخر من يمكن أن يتمرد في سوريا هم سجناء تدمر الذين أكلت أرواحهم القسوة ونخرت إرادتهم.

• أنت تسكن اليوم في اللاذقية، تلك المدينة «الآمنة»، حيث يسود مزاجٌ شعبيٌ طاغٍ معادٍ للثورة. ألا ينسحب هذا المزاج ليصبح معادٍ لك؟ هل تتعرض لمضايقات من قبل الأهالي أو الأجهزة الأمنية على خلفية رأيك أو قلمك الحر؟

هناك ما يستحق التأمل في الحالة الساحلية. في الثمانينات أيام صراع السلطة السورية مع الإخوان المسلمين، بقي للمعارض العلماني احترامه وقيمته الأخلاقية قبل السياسية في أذهان الساحليين. كان النظام في معمعة الصراع مع الإخوان ومن خلفهم «الرجعية العربية»، وكنا نحن اليساريين العلمانيين نصارع ضد النظام أيضاً، ولكن لم يكن لدى الناس عموماً موقفٌ سلبيٌ منّا. على العكس كان هناك تعاطف، وإن يكن غالباً ضمنياً ومستتراً خشية القمع. اليوم تغير الحال بالكامل. اليوم يمكن لأسرة ساحلية أن تتخلى أو تتبرأ من ابنها إذا ما أعلن عداءه للنظام. لا منصة اليوم للمعارض الساحلي ليقف عليها ويقول كلمته. ويتعدى الأمر في الواقع مشاعر الرفض ليصل إلى مشاعر الكراهية.

في 7/3/2011، أي قبل اندلاع الثورة بحوالي عشرة أيام، ظهرتُ على قناة الأورينت بمقابلة هاتفية دامت حوالي عشرين دقيقة. ورغم أن إجاباتي كانت مدورة الزوايا و«عقلانية» إلى أقصى حد ممكن. فوجئت أن ارتكاس الناس كان أشد عدائية تجاهي وتجاه أسرتي من أجهزة الأمن نفسها. قاطع الناس عيادتي (أكثر من مريضة اتصلت وألغت موعد عملية كانت قد حددته مسبقاً)، وتهجم بعض النسوة على زوجتي في صالون حلاقة نسائية في الحي الذي نسكن فيه، وصار للخبر مفعول كرة الثلج، فأصبحتُ شاهد عيان، وأتنقلُ من محطة «مغرضة» إلى أخرى، ..الخ. هستيريا رفض جماعية تحتاج إلى تأمل.

اليوم هدأت الهستيريا قليلاً، وتعقلن موقف الناس أكثر. ولكن، للأسف، جرى هذا بالتوازي مع انزلاق الجزء الأكبر من «المعارضة» (بصرف النظر عن الأسباب والتحليلات ودور النظام في ذلك ..الخ) إلى مستويات سلفية فكرياً وسياسياً، وتخريبية ميدانياً.

• في حال تغيّرت الأحوال العامة في البلد وعادت المناخات السياسية فيه إلى حالة أقرب إلى الطبيعية، هل تفكّر بالعودة بشكل فاعل إلى العمل السياسي كمستقل أو كحزبي؟

لا أفكر بالعودة للعمل السياسي.على الأقل في ظل ما عرفته وتعرفه سوريا من شروط سياسية جعلت العمل السياسي الشريف في بلادنا طريقاً مباشراً إلى السجن والتشريد وربما الموت. العمل السياسي المتاح اليوم ينطوي على تكثيف لكل سلبيات العمل. فهو محل تغلب فيه المزاودات والكيد والأنانيات والاستتباع والحرتقات الشخصية التافهة، أو محل تحترق فيه الضمائر الحية والقلوب النبيلة كما تحترق الفراشات في لهب. لا أعتقد أنني كنت يوماً رجل سياسة بالمعنى الذي تريده السياسة في سورية الحالية. كنت ربما رجل ثقافة أو ضمير أو أخلاق ولذلك داستني السياسة مع أمثالي دون رحمة ودون أدنى شعور بالذنب. السياسة في الشروط السورية السابقة والحالية هي مجال طارد للصالحين، من لا يبتعد طوعاً، يُبعد قسراً أو يفسد.

أما حين تعود لسورية مناخات سياسية أقرب للطبيعية، أي حين يتراجع القمع السياسي، فربما يغريني العمل السياسي حينها.

• اليوم أو في قادم أشدّ سواداً، هل يفكّر راتب شعبو بمغادرة اللاذقية أو سوريا؟

لا أفكر بمغادرة سوريا، أشعر أنني لا استطيع العيش خارجها رغم كل شيء. أعني رغم أن التركيبة السياسية الفاسدة المزمنة في سوريا جعلت مني منذ بداية وعيي شخصاً ناقص المواطنة والحقوق، لأنني كنت ذا ميول معارضة، وإن يكن دون تنظيم محدد. مثلاً درست الطب في جامعة دمشق (طمعاً بمستواها العلمي والسريري الأفضل قياساً على جامعة تشرين الحديثة العهد حينها) وحُرمت بإصرار، ولسبب سياسي لا يخفى على لبيب، من السكن في المدينة الجامعية هناك رغم كل محاولاتي. ورغم أن بطاقات السكن الجامعي يومها كانت مبذولة بسخاء على الطلاب البعثيين والموالين، بمن فيهم حتى الطلاب الدمشقيين الذين كانوا يحصلون عليها لغرض اللهو لا أكثر. واليوم لا أزال مجرداً من حقوقي المدنية على الضد من القوانين والقواعد، دع جانباً الأخلاق التي لا مكان لها في المجال العام عندنا. ولا يزال دفتر العائلة الخاص بي يحمل على غلافه الخارجي وبالقلم الأحمر «مجرد مدنياً»، هذا الدفتر الذي لا يحمل اسمي فقط بل يحمل اسم زوجتي وأولادي ويجبرهم على تحمل تبعات «رأيي» السياسي حيثما اضطروا إلى إبرازه في المدارس أو في الدوائر الحكومية. أقول رغم كل ذلك، أشعر أن قلبي لا يصلح للعيش خارج سوريا. وحين يبقى قلبي في سوريا الكئيبة المغبونة فإنه يتنفس، لكي يستمر، الأمل بدلاً من الحرية. الأمل بقيود أقل وفضاء أوسع في مستقبل أرجو أن يكون قريباً.

قضايا الثورة والمستقبل السّوري:

• اليوم، عندما تكون العمليات العسكرية وماتفضي إليه من تقاسم السيطرة هي الحدث الأبرز، هل هناك من سبيل أمام الشباب المدني غير المسلّح للتأثير في المستقبل السّوري؟

العمل المسلح طارئ مهما طال به الزمن. الأمل معقود على العمل المدني غير المسلح. إنّ قَدَر العمل السلمي المدني والثقافي هو أن يرمم ما تخربه الأفعال العسكرية في النفوس. دائماً هناك سبل أمام الشباب المدني غير المسلح، يتعين عليهم خوضها وتحمل مسؤولياتها. العمل المدني ملازم للمجتمع بصورة حتمية، على خلاف العمل العسكري الطارئ دائماً. اليوم يتجلى العمل المدني البنّاء بأشكال شتى: الإغاثة، الإعلام، الفن، الكتابة ..الخ. والغلبة النهائية لهذا النوع من الأنشطة والأعمال مهما طال الزمن ومهما بدا الواقع معانداً لهذه النتيجة.

• في ظل المآلات الّتي آلت إليها الأمور، هل نستطيع القول أنّ «ثورة الحريّة والكرامة» فشلت؟

يوجد في سورية ظلم سياسي قديم، ينجم عنه وجود شريحة من الناس فوق القانون، وحين يصبح القانون مداساً لفئة من الناس، يصبح الناس غير آمنين على كرامتهم أو على أملاكهم، هذا واقع قلق مرشح للتغيير. حين تتشكل فئة من الناس (الشبيحة) تحتمي بالدولة لتعتدي على الدولة في الوقت نفسه، هذا يعني أن ثمة خلل كبير لا يمكن أن يستمر. صحيح أن ثورة السوريين انحرفت وسيطر عليها قوم لا علاقة لهم بالثورة من قريب أو بعيد، غير أنّ الواقع السياسي في سوريا بات على جدول التغيير بدون شك، ولا يملك أحد القدرة على كبح التغيير فيه. وربما من حسن الحظ أنّ أبسط تغيير في الأنظمة الشمولية يقود إلى تداعيات تولد المزيد من التغيير، حتى يتفكك مجمل النظام. من جهتي أقول إن «ثورة الحرية والكرامة» لم تفشل، لكنها تعثرت، والباب الذي فتحه السوريون بإرادتهم المدهشة وأرواحهم ما عاد يمكن لأحد أن يغلقه.

• ماوجهة نظرك في القضيّة الكوردية؟ وهل تتخوّف من إقامة حكم ذاتي كوردي في المناطق الشمالية الشرقية لسوريا؟

العلاقة الكردية العربية في سوريا مليئة بانعدام الثقة، إن على المستوى الشعبي أو على المستوى الرسمي. يعاني الأكراد السوريون ظلماً قومياً صريحاً. وإذا كان من المفهوم والبديهي أن تمارس سلطة يقودها حزب قومي «حزب البعث العربي الاشتراكي» اضطهاداً قومياً ضد الأكراد، فمن غير المفهوم هذا الجفاء العربي الكردي على مدى عقود. العرب السوريون أداروا ظهرهم لمظالم الأكراد القومية، وغالبية القوى الكردية بادلوهم بإدارة الظهر للمظالم السياسية التي يتعرض لها السوريون العرب. هناك «انفصال قومي» بين العرب والكرد في سوريا رغم القمع الذي يدمجهم تحت يد مستبد واحد لا عقيدة له سوى الاستبداد. وقد كانت الانتفاضة الكوردية في 2004 امتحاناً للعلاقة بين القوميتين. فشل العرب السوريون في مناصرة الأكراد الذين تعرضوا لقمع شديد دون أي مناصرة شعبية من جانب العرب السوريين. كما فشلت الثورة السورية الراهنة، بعد التحولات الإسلامية المتطرفة التي طرأت عليها، في خلق «الأخوة بين الشعبين». والعلاقات على المستوى الحزبي أكثر سوءاً. نحن أمام هدر فرصة سانحة لتعزيز العلاقة بين القوميتين.

للشعب الكردي أن يقرر ما يناسبه من حلول ويشعره بخصوصيته القومية وحريته، وإذا كان لي أن أقترح فأنا أجد أن الاستقلال الذاتي الإداري هو الحل الأنسب للقضية الكردية في سوريا.

• أين ترى «داعش» و»جبهة النصرة» في المستقبل السّوري؟

إما مستقبل وإما داعش وجبهة النصرة. لا أرى لهما وجود في مستقبل سوريا. المكان المناسب لهذا الفكر المهزوم والمسكون بنزعة الانتقام العدمي من العالم هو الكهوف.

• إلى أيّ حدّ يمكن للسوريين التعويل على مفاوضات يمثّلهم فيها نظام دموي اقتتات على جثثهم، وهيئات سياسية معارضة فاشلة ومتناحرة لاتقيم وزناً في كثير من الأحيان لحياة ومستقبل من تفاوض باسمهم؟

بالفعل الشعب السوري مبتلى بممثلين سياسيين لا يمثلونه. الثورة السورية خلقت ما يمكن أن أسميه (القضية السورية). بمعنى أن التطلعات السياسية للشعب السوري وصلت بفضل صمود الشعب السوري إلى مستوى «الحق العام» الذي لا يمكن لجهة أن تفرط به. دفع الشعب السوري ثمناً باهظاً حتى الآن ليتحرر من شكل حكم استبدادي يشبه السرطان. لا يمكن لقوة سياسية بعد الآن أن تصادر حق الشعب السوري في الحرية. لا من جهة النظام ولا من جهة المعارضة. هذه حقيقة قادرة على تفجير أي «تسوية» لا تصل إلى مستوى طموح هذا الشعب الباسل. الحقيقة أن التمثيل السياسي للشعب السوري خذله وزاد من أعباء التغيير. شخصياً لست متفائلاً من جنيف الثاني. ولكن نريد أن نجد ضوءً ولو طفيفاً في آخر هذا النفق الرهيب، وقد يشكل جنيف الثاني بداية ما.

• يذهب البعض إلى أنّ النظام أنهى اللعبة الدوليّة اليوم، وبتسليمه الكيماوي افتتح مرحلةً جديدةً من الصراع عاد فيها ليكون الأقوى الّذي سيحاول إعادة الجميع إلى حظيرته، هل من الممكن أن تعود سوريا إلى المملكة الأسدية؟ كيف ستكون الأمور إن عادت؟

سوريا خرجت عملياً من المرحلة الأسدية، وهي اليوم تعاني آلام البرزخ. شخصياً لا أحمل أوهاماً بشأن المستقبل. أعلم أن شروط الديموقراطية الفعلية غير متوفرة، وأعلم أن أمام سوريا سنوات ثقيلة من إعادة الإعمار.غير أن التأبيد سقط بلا رجعة. وفكرة التعامل مع سورية كملكية خاصة لفئة حاكمة، سقطت بلا رجعة. لا شك أن من نهبوا البلد لسنوات طويلة وراكموا ثروات هائلة سيكون لهم طرائق شتى في العبور إلى مراكز القرار السياسي في البلد، هذا ما لا أحمل وهماً بشأنه، لكنهم سيعبرون إلى القرار السياسي وفق آليات قانونية. وهذا يشكل خطوة نحو بناء دولة قانون يطمح إليها السوريون منذ زمن بعيد. دولة القانون يمكن أن تسمح بنمو مجتمع مدني من شأنه توسيع فضاء الحريات العامة والخاصة.

مرحلة الانتقال هي مرحلة صراع، مرحلة عويصة دائماً ومضطربة وتحتاج إلى إدارة وحزم وحكمة. وسنجد من يعيق ومن يخرّب، وسنجد كالعادة من يستند إلى مشاكل هذه الفترة كي يقول إن الوضع السابق كان أفضل، وكي ينشر الإحباط بين أبناء الشعب السوري.

لا أؤمن أن سوريا يمكن أن تعود إلى «المملكة الأسدية» كما تقولون، ولا أريد أن أتخيل هذا.

الساحل السّوري وسنديان:

• تناولت «علاقات الجماعات الأهلية في الساحل السّوري» في ورقة بحثية نشرت منذ قرابة الشهرين، وفي نفس الوقت شهدنا اعتداءات طائفية غير مسبوقة في عدّة مواضع منها «البيضا» و «رأس النبع»، ومؤخراً ريف «اللاذقية» وقرية «المتراس» في ريف طرطوس.

باعتقادك، هل تفرض أوضاع الساحل بقاء هذا «الصراع» محدوداً في مناطق ريفية صغيرة، أم أنّ احتمال تحوّله إلى نزاع أهلي محلي يشمل كافة مناطق التماس في الساحل يبقى قائماً؟

الدراسة التي تشيرون إليها تكشف مدى قوة التصورات قياساً على الواقع. وهذا جزء مهم من تعقيد لوحة الصراع السوري اليوم. هناك تصور عام في سوريا يعتبر إن «النظام علوي»، بناء على معطيات معينة، وهي معطيات قاصرة على كل حال. هذا التصور ينعكس في أذهان غالبية العلويين على شكل تباه ما، فيتولد لديهم تصور تماهٍ بالنظام، على الرغم من مجافاة الواقع لهذا التصور. إنه تماه مثير للشفقة. التجسيد النموذجي لهذه المفارقة تجده في أسرة علوية تعيش تحت خط الفقر، وتضع صورة الرئيس في صدر البيت.

التصورات الخاطئة هي ما تجعل الفقراء يدافعون عن بؤسهم. هذا، عطفاً على سؤال سابق، يقود إلى أهمية العمل المدني السلمي (إعلام، ثقافة، فنون) الذي يستهدف هذه التصورات المشوهة.

شهد الساحل محاولتي اختراق، الأولى في مدينة الحفة ومحيطها منذ أكثر من سنة، والثانية في الريف الشمالي للاذقية في أوائل آب الماضي. هذا إذا لم نذكر مجريات المواجهات التي جرت في حي الرمل الفلسطيني وانتهت إلى سيطرة الجيش النظامي على الحي، مع تسهيل هروب عدد كبير من مسلحي الحي كما تناقلت الأحاديث في حينها، نقلاً عن أشخاص ميدانيين جديرين بالثقة.

المهم، أن تفاصيل المحاولتين تغريان المرء بالقول إن النظام تساهل مع مسلحي «المعارضة» (أضع المعارضة بين قوسين لأن هناك قوى تنسب نفسها إلى هذا الإطار وهي لا صلة لها به بل هي أقرب إلى النظام منها إلى المعارضة). إذ لا يعقل أن تبدو استعدادات الكتائب المسلحة للعيان لمدة أيام أو حتى أسابيع وأن تظهر تهديداتهم على مواقعهم على النت ومع ذلك لا يحرك النظام ساكناً إزاءها، ثم حين يبدأ هجوم المسلحين يبدو وكأن قوات النظام بوغتت! هكذا يقول المنطق بعيداً عن المعلومات. يساند هذا التحليل أن للنظام مصلحة في ترك أهالي الساحل تحت الشعور بالخوف من مسلحين جاهزين لكل أنواع الفظائع. وفق هذا التحليل يبدو أنّ ما جرى في الحفة وفي ريف شمال اللاذقية مرشح للتكرار بين حين وحين.

أما في المدينة فالأمر يختلف. الأمور في المدينة، إذا اندلعت فيها مواجهات، يمكن أن تخرج عن السيطرة وتؤدي إلى كارثة لا يشبهها شيء مما حدث حتى الآن. هذا أمر يدركه الطرفان. والأهم أن الأهالي يدركونه أيضاً. من الواضح أن المسلمين السنة في اللاذقية غير راغبين بأن يحتضنوا أي فصائل مسلحة في أحيائهم. فما جرى في بقية المحافظات يشكل رادعاً عن مثل هذا التفكير. ولا يبدو أيضاً أن العلويين ميالون للدخول في مثل صراع كهذا. وقد كان من اللافت ومن المؤشرات الإيجابية أن العلويين لم يقوموا بأي رد فعل على الجرائم التي ارتكبها «مسلحون إسلاميون متطرفون» في قرى علوية في شمال شرق اللاذقية، كان منها خطف، وربما قتل، أحد مشايخ العلويين المعروفين.

من جهتي أستبعد اندلاع صراع طائفي في الساحل بعد الآن. لكن يجب أن نقول، إن بمقدور أي طرف مسلح أن يقدم على استفزازات طائفية يمكن أن يتولد عنها ردود فعل، بما يعني أن اندلاع مثل هذا الصراع سيكون عملاً موجهاً من جانب جهات قادرة. وأرجو لوعي أهل الساحل أن يُبطل سُمّ مثل هذه الجهات.

• كيف تتصوّر عودة اندماج الساحل المنقطع عن الحدث السّوري منذ سنتين في أيّ عمليّة سياسية قادمة لا تتضمن وجود النظام؟

بالفعل نتج عن الثورة السورية شرخ سياسي بين السوريين يسير، في جزء منه، على خط انقسام مذهبي. وهذا توافق خطير. مع الوقت، وتزايد عدد الضحايا، حمل هذا الشرخ السياسي شحنة نفسية وتحول إلى شعور بالكراهية المتبادلة. الإجرام الذي تمارسه الأطراف الفاعلة على ضفتي الصراع عزز الشرخ والكراهية بين الجمهورين. كل طرف يركز على إجرام الطرف الآخر ليبرر إجرامه. صار الضحايا السوريون مادة للتشفي المتبادل. هذه مأساة مستقلة بذاتها. وراح إجرام كل طرف يدفع جمهور الطرف الآخر للالتفاف حوله أكثر. حلقة شريرة استهلكت الوطنية السورية الهزيلة أصلاً، واستهلكت حتى الحس السليم عند السوريين. هذا واقع ملموس يحتاج إلى نقد وليس إلى توجيه اللوم إلى الكتل البشرية كما درج الكثير من الناس، بمن فيهم مثقفون.

هل يمكن لأهل الساحل أن يستعيدوا اندماجهم بالكتلة السورية الكبيرة، أقول كما حدث الشرخ وتعمق يمكن استعادة اللحمة بآلية معكوسة. ولكي يتحقق ذلك لا بد من توفر شرطين: الأول هو أن لا يتكرس هذا الشرخ في انقسام فعلي للبلد (وهذا احتمال لا أستبعده رغم أنه احتمال ضعيف)، والثاني أن يتغير النظام السياسي بصورة فعلية. بعد هذين الشرطين سيكون أمام السوريين إعادة بناء بلادهم مادياً ونفسياً كما سياسياً. في عملية إعادة البناء هذه التي تحتاج إلى جهود كل السوريين، يمكن للشرخ أن يندمل وأن تترسخ الأرض المشتركة والانتماء الواحد.

• مع تعاظم حالات الانتهاكات الّتي يقوم بها «جيش الدّفاع» أو سواه من تشكيلات الشبيحة ضدّ «حاضنتهم الشعبيّة» نفسها. برأيك هل من الممكن أن يؤدي التململ العام إلى حالة حراك فعلي وعلني رافض لسياسات النظام أقلّه في هذا الخصوص؟ أم أنّ المجتمع المحلي في الساحل خارج هذا الوارد تماماً؟

ليس هناك وضعٌ أسوأ مما يعانيه اليوم أهل الساحل. جهة تهددهم لأنهم «جماعة النظام»، والجهة التي تتنطح «لحمايتهم» ضد الجهة الأولى، تسرقهم وتستحل ممتلكاتهم. في الساحل يتزيا اليوم كثير من السارقين بزي الأبطال الحماة. إنه توتر تراجيدي بكل معنى الكلمة يعيشه أهل الساحل في هذه الفترة من تاريخ سوريا.

أعتقد أنه لا يمكن أن نرى أي تململ ساحلي، طالما أن هناك مسلحين «على الحدود» يهددون العلويين ويتوعدونهم قياماً وقعوداً. هذا يحيلنا إلى السؤال السابق.

• مضى أكثر من عام على قيامنا بإصدار «سنديان» مجلّة ثورية بنفس ساحلي إن صح التعبير، وضعنا الكثير من المخططات والأهداف، ولم نكن نتوقّع الكثير طبعاً ولكن السؤال الّذي يطرح نفسه: وسط ضجيج الحرب وارتفاع صوت الغرائز الطائفية إلى أيّ حدّ يبقى القيام بمبادرات مدنية «عابرة للحدود الطائفية» مجدياً؟

خشيت في البداية على مجلتكم أن يأخذها «النفس الساحلي» فتتوه عن معنى الثورة. لكنكم، كما لاحظت، نجحتم بالتوازن على سكة ضيقة. يستحق جهدكم التقدير بالفعل.

هناك دائماً جدوى من المبادرات المدنية، ولاسيما «وسط ضجيج الحرب وارتفاع الغرائز الطائفية». العمل المدني الثقافي الإعلامي التنويري هو الرد الناجع على هستيريا القتل والطائفية، هو الترياق الأنسب ضد الشرور المتوالدة من أتون هذا الصراع. العمل المدني بكل مستوياته هو الأمل الوحيد لمجتمع قضت فيه السياسة على السياسة وأحالته قاعاً صفصفاً.

• كلمة أخيرة للسوريين عموماً، أو لأهل الساحل خصوصاً؟

للسوريين أقول: في العلم العسكري يقولون إن العَرَق في وقت السلم يوفر الدم في وقت الحرب. أي إن التدريب في وقت السلم يحفظ حياة العسكريين. ينسحب هذا القول على المجتمع ككل، إن التكاتف والتضامن ومحاربة التجاوزات وإحياء الرابط الوطني والإنساني بين أبناء المجتمع ومحاربة نزعة «كل عنزة معلقة بكرعونا»، هو ما يحدّ من تمادي السلطات ويمنع ظهور المتنمرين و«الشبيحة» ويوفر الكثير من الكوارث الاجتماعية التي تحلّ فعلياً، وبثمن أعلى بكثير، على الأشخاص نفسهم الذين سكتوا على الظلم في فترة السلم طلباً للخلاص الفردي ولراحة البال.

لأهل الساحل أقول: تباهى الإعلام السوري الرسمي، قبل اندلاع الثورة في سورية، بنتيجة استفتاء عربي تضع الرئيس السوري بشار الأسد مع الأمين العام لحزب الله والرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد في مرتبة أفضل القادة. غالبية العرب هم من المسلمين السنة ولكن هؤلاء في الاستفتاء لم ينظروا إلى المنبت المذهبي للقادة حين اختاروهم. هذا يعني ببساطة أن النظرة الطائفية التي يُتهم بها «السنة» اليوم تنم عن طائفية المُتهِم. لا شك أن هناك طائفيون على ضفتي الصراع، ولكن اللوحة العامة ليست بأي حال لوحة صراع طائفي، بل هو في الأصل صراع على حقوق سياسية، وهكذا يتعين النظر إليه.

سنديان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...