صفحات الحوار

حوار مع ياسين الحاج صالح حول الانتفاضة السورية لمجلة “رواق الشباب”…

 


اسئلة هادي شقير

1 ـ  أتابع فرحك بما يجري. وأنا مثلك في قمة سعادتي.. ولكن ودهشتي أيضاً.. فمالذي يحدث يا ياسين؟ من أين أتى هؤلاء الشباب الذي زرعوا الأرض العربية بصرخات الحرية؟ وهي الأرض التي فقد الكثيرين الأمل بها.

هو شعور بالعرفان والتشرّف أكثر من الفرح. ظهر السوريون شعبا حيا شجاعا، يعرف صعوباته ويغالبها، بينما هو يتحدى نظاما شديد القسوة. هذا مصدر فخر وثقة بالنفس. وتبدو لي الانتفاضة عموما إنصافا لجيلنا، وإعادة اعتبار لقضيتنا، قضية الحرية والديمقراطية والتقدم الوطني في سورية.

لكني أخشى أن أمامنا أزمنة قاسية. النظام في سورية متطرف ومتصلب وقليل العقلانية. ونرى منذ ما بعد “الجمعة العظيمة” أنه يتصرف كأنه يخوض معركة حياة أو موت. وهذا خطير جدا، علي البلد وعلى الشعب السوري لأنه يدفع نحو سياسات انتحارية وغير عقلانية.

هناك في تقديري عدد من العوامل التقت لظهور هذا الجيل الجسور من الشباب. منها ثورة الاتصالات، وأظنها تتيح قدرا من الشعور بالفردية والاستقلال عند الشابات والشبان، والتواصل مع طيف متنوع من الشركاء، وإن على نحو افتراضي، قد لا يتاح التواصل معه واقعيا. ومنها قدر محدود من اللبرلة الاقتصادية والاجتماعية عرفته البلاد في العُشرية الماضية، وكان له دورا مزدوجا على الشباب. من جهة مس أمنهم الاجتماعي وهددهم بالبطالة واليأس والعزوبية المديدة، ومن جهة أتاح لبعض المنحدرين من الطبقة الوسط منهم فرص تعلم وتدرب مهني، أرفع ممن سبقوهم، وتاليا جعلهم هذا أكثر “حداثة”، وأفضل إجادة للغات أجنبية. وهناك أيضا تدهور أجهزة العسكرة والضبط السياسي والإيديولوجي التابعة للنظام، مثل حزب البعث واتحاد الشبيبة، وتاليا تحرر الشباب من التنميط المرتبط بها. وأيضا تدهور وتحلل الإيديولوجيات الكبرى، ومنها الشيوعية والقومية العربية والإسلامية، التي أغرت جيلي، وتاليا بحث الشباب عن معنى لحياتهم في شيء يصنعونه، لا في شيء يعتنقونه. وأخيرا نعمة النسيان، نسيان محنة الثمانينات وأهوالها لكونهم أصغر سنا.

لكني أضيف أيضا التأثير التراكمي لتجارب وثقافة جيلنا. أظنها أسهمت كرصيد تحرري يستند إليه، وساعدت على نشر أفكار أكثر ديمقراطية، وجعل هذه الأفكار لغة مشتركة للتفكير في الشأن العام في البلد.

2 ـ على ماذا يثور الشباب بالضبط يا ياسين؟

يبدو لي أنهم يثورون على أوضاع شائخة لا معنى لها. وأولها نظام سياسي متصلب وأرعن، يريد السلطة كلها طوال الزمن كله، ويريد الثروة كلها والمجد والهيبة كلهما لنفسه، ولا شيء لمحكوميه. يعترض الشباب أيضا وأساسا على انعدام العدالة في البلد، إن بالمعنى الاجتماعي أو السياسي أو الحقوقي. ويريدون أن يعترف بهم في بلدهم وأن يعاملوا باحترام. وهذا هو معنى الكرامة الذي لم يبرز في ثورة سابقة أكثر مما برز في هذه الثورات العربية.

يخيل لي أيضا أن الشباب يبحثون عن الجمال والقيم في الحياة، ويفكرون في العالم بمنطق جمالي وأخلاقي. هذا بينما لا يجدون حولهم غير كثير من الفساد والقبح والتحلل. هذا دافع قوي للتجدد في كل المجتمعات. الثورة تتفجر بسبب إحباط هذا التطلع الحيوي للتجدد.

4 ـ هل كنت تتوقع أن يحدث هذا؟ أسالك هذا ولا أنسى تفاؤلك. كلمة “متفائل” كانت إجابة أسئلة عديدة عن رأيك بالمستقبل. وفي وقت لم يكن أغلب هؤلاء الشباب يشاطرك هذا التفاؤل، إن لم يكن يستغربه. على ماذا بنيت تفاؤلك؟ وإلى  أي مدى ترى أن ما يحصل كان مقارباً لما يدور في خلدك؟

لم أتوقعه أبدا. لقد دافعت دوما عن الجدارة الإنسانية والحضارية للعرب، والسوريين، ضد مثقفين خانوا أمانتهم وطوروا ما يقارب موقفا عنصريا من شعبهم، وضد هياكل سلطة قامعة. لكنه كان دفاعا مبدئيا، ولم أتوقع أن تفرض هذه الجدارة نفسها بهذه السرعة وعلى هذا النحو. كان تفاؤلي تعبيرا عن ثقة مبدئية بأننا، مثل غيرنا، مؤهلون للحرية والتقدم.

وعموما، كنت أفضل القول إني “متفاعل” أكثر من متفائل، أي منخرط في شأننا العام وأقوم بما يتاح وما يمليه الواجب.

والواقع أيضا لم أتخيل أبدا تفجرا قريبا لثورات شعبية راقية، تتطلع إلى إعادة تشكيل دولنا ومجتمعاتنا، وحياتنا النفسية. كنت على يقين مجرد بأن شيئا كهذا سوف يحصل يوما. لكنه كان يقينا مسقطا على مستقبل بعيد، ربما بعد جيل من اليوم.

4ـ هل لك أن تقارن بين جيلكم وهذا الجيل؟ ما هي أم المميزات لكليهما، بماذا يختلفان؟

الجيل الحالي مديني في أغلبه، بينما كان أكثر شباب سورية من جيلنا من أصول ريفية. طبعا قد يكون آباء شباب اليوم من الريف أصلا، لكن أكثرهم نشأوا في مدن. هذه نقطة مهمة. قليل منهم، بالتالي، يعاني صدمة المدينة التي أصيب بها أكثرنا، وربما لتلك الصدمة دور في اعتناق بعضنا عقائد خلاصية تعويضا عن شعورنا بالنقص. شباب اليوم أكثر براغماتية وليبرالية، وأقل اعتناقا لمطلقات، وأقل تعقيدا من الناحية النفسية. هذا انطباعي.

أخشى شيئا واحدا: أن علاقتهم بالثقافة قد تقتصر على ما يوفره النت، أو لا تمر عبر الكتب التي تثقف عليها جيلنا. الثقافة حاجة كبرى لمجتمعنا الديمقراطي الذي نتطلع إليه، والكتاب أداتها الرئيسية.

5 ـ سبق لك وأن تكلمت عن الشباب في الجامعات، بل قبل الجامعات أيضاً. عن وضعهم في الأنظمة الشمولية. تربيتهم فيها. وإبعادهم عن الشأن العام. وفي سياق يتقاطع تكلمت عن فجوة جيلية. ما مآل هذه الفجوة الآن؟

تكلمت على فجوة جيلية قبل أكثر من ست سنوات حين كان يبدو أن هناك معارضة تشيخ أكثر وأكثر، وشباب لا يجدون ما يجذبهم إليها، ولا يطورون أشكال عمل عام تشبههم. خلال هذه السنوات، وفي أسابيع الانتفاضة بخاصة، يبدو أن الشباب يستعيد زمام المبادرة، ويصبح هو مركز الحركة والفعل والتنظيم والقيادة. أصبحت الفجوة الجيلية معكوسة. إن لم يستدرك الجيل الأكبر نفسه ويعيد الارتباط بدينامية الجيل الحالي وخبراته وطرق عمله، فهو معرض للخروج من ميدان الفاعلية. وهذا ظاهر منذ الآن في تقديري. هناك شيء يولد، وهناك شيء يموت. هذا طيب، وهذه هي الحياة.

6 ـ  سؤال شخصي، دخلت إلى السجن شاباً صغيراً حيث كنت تدرس الطب آنذاك. دخلته على خلفية انتمائك لحزب يساري (الحزب الشيوعي السوري ـ المكتب السياسي). هل لك أن تحدثنا عن شبابك قليلاً؟ ما الذي دفعك آنذاك للانتماء إلى هذا الحزب؟ عن ماذا كنت تبحث؟ وما هي القطيعة على صعيد الشخصية، التي خلفها السجن فيك، بحيث تجعلنا نتكلم عن ياسين مختلف في السجن عن ياسين قبله؟

كنت شابا ريفيا، يشعر بضآلة الشأن، ويجد في اعتناق الشيوعية ما يساعده على التغلب على هذه العقدة، بل والشعور بالتفوق على الغير. وكانت البيئة العائلية وفرت فرصة لهذا الاختيار، فأنا لم أكن الرائد بين أهلي في الانحياز لهذا التوجه. وكنت في حزب ذي موقف انشقاقي، إن حيال الشيوعية في نسختها المهيمنة حينها، أو حيال النظام. هذا زرع بذرة نقدية مهمة. وبالمقياس النسبي كان تثقفي معقولا حتى قبل السجن. لكني تكونت عمليا في السجن الذي قضيت فيه أكثر سنوات شبابي.

وبالفعل تحققت قطيعة عميقة فيه. كان السجن مكان تحرر، انعتقت فيه من أشياء، ربما مثل ضيق الأفق والدوغمائية والأنانية، وتشكلت بصورة جديدة، أظنها أكثر تحررا وأكثر انضباطا في آن. وكذلك اكتسبت فيه ثقافة وتأهيلا مهنيا، للكتابة والترجمة، هو ما أعيش منه منذ سنوات. وربما أيضا حسا إنسانيا، وقسوة. هذا متناقض، لكنه واقعي. صرت أقسى كي أتحمل، وأكثر شعورا بالآخرين في الوقت نفسه.

7 ـ هل كنت مغروماً قبل اعتقالك؟

كنت في طور النقاهة من أزمة عاطفية حادة. السجن حل لي هذه الأزمة نهائيا.

8 ـ  رأينا الشباب العربي في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين والأردن والجزائر وسورية، يهب طلباً للحرية والديمقراطية، هل ثمة ما يميز الحراك الشبابي السوري الذي نراه، عن غيره مما ذكرنا؟

لا أرى فارقا أساسيا. ما نشكو منه متشابه، وما نصبو إليه متشابه. لكن الحراك يتلون في كل مجتمع بلون تكوين هذا المجتمع ولون نظامه. كان من شأن ألوان سورية أن تكون أجمل وأكثر شبابا وإبداعا لو كان الشعب السوري أكثر حرية وأمنا.

9ـ لماذا يصمت عدد لا باس به من المثقفين في سوريا؟ وهم الذين تضامنوا مع شباب الثورات العربية الأخرى ومطالبهم؟

فاجأتهم الانتفاضة، وأظهرت تهافت المخططات الإدراكية التي يعتمدونها لفهم العالم. أصيبت الثقافة العربية، والسورية، بوباء ثقافوي في العقدين الأخيرين، يفسر كل شيء بالذهنيات والثقافة والدين، ويعطي أهمية عليا ومطلقة لتغييرها، وهذا بعد اختزالها إلى الإسلام حصرا. النتيجة ليست العمى عن هياكل ممارسة السلطة في البلاد، بل الوقوف إلى جانبها كضمانة مزعومة للحداثة. في واقع الأمر هي مضخة للتفكك الوطني والتخلف العام، مع غلاف حداثوي براق، نرى اليوم كم يغطي من التعصب والوحشية والأنانية.

ومن المؤسف أن مثقفين مكرسين هم أكثر من يعتنقون هذه العقيدة الفاسدة.

هناك مثقفون آخرون مستفيدون ببساطة من النظام، ومندرجون في شبكات منافعه، ومستفيدون من روابطهم برجاله وأجهزته لنيل أفضليات متنوعة. هؤلاء إما هم ضد الانتفاضة، أو يتكلمون كلاما عاما لا معنى عن “الإصلاح” و”مصلحة الوطن”، ويحاولون جعل أنفسهم صوت العقل.

لكن، بالمقابل، كان لبعض المثقفين، المعروفين من قبل، أو من الشابات والشبان غير المعروفين، مواقف شجاعة ومشرفة. لقد ساهموا في إنقاذ كرامة الثقافة في البلد.

10 ـ يلمح البعض، ربما لغاية ما أو بدونها، إلى المشاركة النادرة للمرأة السورية في ما يحدث. على عكس ما رأيناه في تونس ومصر واليمن. لماذا لم تنزل المرأة السورية إلى الميدان بعد؟ ما الذي يعيق نزولها؟ هل لهوية المحتجين علاقة، كما يشير البعض؟

أعتقد أن السبب الأساسي هو التعامل العنيف مع الاحتجاجات الشعبية، وليس أي شيء آخر. عموما كلما ازداد حضور الرصاص والعنف في المجال العام انزوت النساء في البيوت والمجالات الخاصة. وبالعكس، ترتفع المشاركة النسائية حين ينحسر العنف. المجتمع المصري أشد محافظة من نظيره السوري، لكن مشاركة النساء في الثورة كانت أوسع مما لدينا، لأن النظام المصري أقل شراسة وعنفا.

لكن تبقى هناك مشكلة بخصوص درجة المشاركة النسائية في الحياة العامة في مجتمعنا، سواء في الظروف الراهنة أم في الظروف العادية. وهذا ما يقتضي معالجات سياسية وقانونية وثقافية واقتصادية لتداركه. وتقديري أن من شأن كسب المعركة السياسية الحالية أن يفتح أفقا في هذا الاتجاه، وإن مرورا بصعوبات جسيمة ومسارات وعرة ومعارك جديدة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى