الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رفيق شامي / حول الأمل في زمن السلاح: ملاحظات نقدية على اليأس كظاهرة مرضية/ رفيق شامي

حول الأمل في زمن السلاح: ملاحظات نقدية على اليأس كظاهرة مرضية/ رفيق شامي

الحلقة الأولى

أين إنتصرت الثورة؟

نحن محكومون بالأمل

سعد الله ونوس

اليأس والإحباط ظاهرة مرضية في مسار كل ثورة ولكي أبين مدى خطورة هذه الظاهرة لا بد من إلقاء نظرة وإن سريعة على التطورات التي عصفت بوطننا…

يكثر اللغو حول ما يجري اليوم في سوريا ويجتهد البعض في إيجاد تسمية له، ونحن العرب فنانوا تسمية فبدل أن نحلل هزيمة لنفهمها ونتجاوزها على أرض الواقع، نخترع لها إسما رنانا يختلف عن إسم الهزائم التي عصفت بنا سابقا. نكبة، هزيمة، نكسة، ردة، ويزداد المجتهدون شطارة في إختراع مخرج لهذه الهزائم لغويا فقط: جبهة الصمود، التحدي، الرفض، الممانعة إلى ما هنالك من خداع مقصود بينما يتقدم العدو الإسرائيلي بصمت ليصبح دولة عظمى في المنطقة لا يُتَخَذ قرار إلا بموافقتها.

ما يجري في سوريا ليس حرب أهلية ولا هي حرب نظام مدني ضد عصابات سلفية. ما هو إذن؟

إنتفض الشعب السوري في آذار 2011 بثورة بطولية عفوية اتت من قرارة نفسه وخلقه الكريم وكردة فعل على ظلم لحق به لعقود. طالب هذا الشعب بالحرية التي فقدها تحت إرهاب النظام البعثي الأسدي وطالب بحقه في اختيار حكامه بديمقراطية كباقي الشعوب وإصراره على العيش من عرق جبينه لا أن يسرق هذا الجهد مع خيرات الوطن من قبائل لصوص كقبيلة الأسد ومخلوف وطلاس وخدام وشلاح وحمشو وكل من لف لفهم.

إنتصرت هذه الثورة العارمة التي فجرتها أنامل أطفال في درعا في حربين. أولا إنتصرت على الخوف. ولذلك لا يمكن لنظام في العالم أن يخيفها بعد اليوم.

الإنتصار على الخوف نصر عظيم تاريخي فريد، فكيف لشعب أعزل، خبر عبر أربعين سنة بواقعية بطش النظام، أن يتجاوز مستنقعات خوفه وعدوه رابض على صدره اثقل من حجر مطحنة، يحاصره بأجهزة أخطبوطية تمرست في وظيفة واحدة اتقنتها عبر السنين: الحفاظ بأي ثمن على السلطة. كيف إستطاع هذا الشعب أن ينهض ويطلق الشرارة دون تنظيم عبر أحزاب ثورية في الخفاء؟ هذا النصر الذي بدا مستحيلا اصبح ممكنا لكون هذا الشعب أيقن إن إنسانيته تبدأ بإنتصاره على الخوف. والشيء الغريب العجيب أن هذا الإنتصار على الخوف سرى كالنار في الهشيم من قرية لقرية ومن مدينة لمدينة وكأنه خبر جميل رقصت الأنفس فرحا به وتعرضت لرصاص القتلة وهي لا تحمل بيديها سوى املها. ولن انسى في حياتي منظر شعب حمص البطلة وشعب حماة الجريحة وهو يرتفع فوق جراحه، يموج كالبحر بمئات الوفه. في كل إنقلاب وكل مؤامرة يمكن فهم أن عددا من الضباط قرروا المغامرة بكل شيء (واحيانا بلا شيء لأن طائرات أو سيارات كانت تنتظرهم ليهربوا ان فشل إنقلابهم وقد حضروا للإنقلاب وللهروب مع جهات خارجية لها مصلحة في الإنقلاب). هنا في ثورة الشعب السوري وانتصارها على جيوش الخوف الكبيرة أمر آخر، أعجوبة لا يقوى على القيام بها سوى شعب بكامله. وسنحتاج حسب تقديري لسنوات لنفهم آلية هذا الإنتصار على الخوف المبرر.

نعم، لم يُمَكِـن إنتصار الشعب السوري على خوفه هذا الشعب وثورته من إسقاط الأسد. لكن مهلا لا حاجة للإحباط فلا ثورة تونس ولا ثورة مصر ولا ثورة اليمن ولا ثورة ليبيا ولا ثورة البحرين إنتصرت، نعم، وصلت هنا وهناك بطريق أقصر لطرد رأس النظام لكننا نرى بأعيننا كيف اغتصبت الثورة وخسرت كثير من ثمارها…خاصة في مصر الحبيبة…وأنا أجزم ان سقوط رأس النظام في تونس بهذه السرعة وكذلك في مصر قد نشر الضباب الجميل فوق أعين الكثيرين فظنوا ان سقوط مبارك أو بن علي يعني سقوط النظام بكامله.

لا اريد إعادة ما يعرفه الجميع عن فشل الإخوان المريع في مصر بعد تسلقهم الحكم على اكتاف الثوار…ازيد أن غالبية من المفكرين ظنوا أن الثورة “تمشاية” وسموها ربيع وكأن المسألة نزهة بين الورود…صديق لي قال جملة مؤثرة لكنها تبسط رغم إمتلاكها للحقيقة صورة الأمور بشكل كبير: “نحن السوريون ندفع بأرواحنا ثمن كل ما كدسته الديكتاتورية من أسلحة ظلامية دفعة واحدة بينما يدفع المصريون والتونسيون والليبيون واليمنيون بالتقسيط”. التبسيط هو: أن الصديق يهمل بهكذا صياغة أن إمتداد زمن المخاض السوري قد يأتي بتطورات سلبية كثيرة تزيد من الظلام والخراب وتتطلب تضحيات أكثر.

لم يعتقد اي واقعي بنجاح سريع وسقوط نظام الأسد بسهولة، لأن سوريا بموقعها الاستراتيجي وشعبها العريق الحيوي أخطر من ان يسمح أنصار الأسد للثورة أن تحرر هذا الشعب ليستقل بقراره ويفجر طاقاته بحرية وليقدم للإنسانية ثمرة من ثمرات حضاراتها كما فعل عبر القرون. لذلك ركض كل الظلاميين للوقوف مع الأسد من امريكا الى روسيا والصين وإيران والمانيا وبريطانيا وفرنسا وإسرائيل مرورا بعميل المخابرات الأمريكية نوري التعيس إلى حكومة لبنان المرائية بما تسميه “النأي بالنفس” وهي تغمض عينيها بإشراف أمريكي على عبور قتلة حسن نصر الله إلى سوريا. سيأتي اليوم الذي يفخر فيه أحفادنا بشعبنا العظيم الذي وقف وحيدا ضد كل هذه القوى، وذلك حين تُكشف كل الأوراق السرية لخلفية ما يجري الآن. أو هل يريد أي صديق لأمريكا وبريطانيا والمانيا أن يحكي لي خرافة دخول كل هؤلاء القتلة من الشيشان إلى دعشان دون علم المخابرات الأمريكية وموافقتها وموافقة إسرائيل، هؤلاء الذين وصلوا للتنصت حتى على قنصلة المانيا؟! يبدأون الآن!!!! بالإقرار أن داعش من صنع إيران والنظام!!!!

ليس هناك بنظري أغبى من القوميين والشوفينيين العرب الذين فشلوا عبر قرن ان يحرروا شبراً من الوطن فتعلقوا الآن بخيط عنكبوت ممانعتهم بشار الأسد… وتراهم يدفنون رؤوسهم في رمال أوهامهم ويرددون ببغائية مؤامرة الكون ضد نظامهم. ولكي يقاوموا مخططات الصهيونية العالمية والإمبريالية،  يرسلون قتلة ليدوسوا على الأطفال السوريين بجبن لا يضاهيه جبن. ولذلك ستكون حرية سوريا بداية نهاية كل القومجيين.

لكن الثورة السورية أنتصرت إنتصارا ثانيا في حرب شرسة لم ينتبه لها كثيرون، ولا يمكن لكلماتي مهما بالغت ان تصف هذا الإنجاز العظيم. الثورة السورية مزقت قناعا من أذكى الأقنعة التاريخية لحرب صامتة شنها النظام البعثي الأسدي منذ اول يوم لتسلمه السلطة على هذا الشعب. أنا لا اقصد تعرية بعض المثقفين المرتزقة للنظام الذين ظنوا انهم يلعبون بفهلوية تهريجية لعبة الناقد الراديكالي بموافقة المخابرات الذكية،  فأتت الثورة لتبين انهم من فرقة التطبيل والتزمير للنظام. فهؤلاء “صفر على الشمال” كما نقول في الشام عن كل من لا قيمة له سواء كان أديبا، فنانا أو مذيعا، ممثلا او بياع كلام. لا، هؤلاء لم اقصدهم بتمزيق القناع.

ما عرته الثورة بلا رحمة هي الحرب الصامتة ( بكاتم صوت معقد وحديث جدا) التي قادها النظام  ضد شعبه وبموافقة الغرب والشرق وبمساندة زبانية أحزاب خانعة خائنة ضمتها جبهته “التقدمية” سواء كانوا فاشيين او ستالينيين.

لماذا استطاع النظام شن هذه الحرب السرية على شعبه؟

لأن سوريا حرة كانت ستقلق الغرب بإستمرار. ولذلك يفضل الغرب التعامل مع ديكتاتور يمرر لهم كل خططهم ومع سمسار يهدم الإقتصاد الوطني ليتعيش كطفيلي من بيع وشراء خيرات الوطن ومن وكالات لشركات مهمتها الأولى تهديم الصناعة الوطنية. الغرب متمرس تاريخيا في الكذب ونحن جميعا نعلم  أن الدول الغربية كانت تتغنى في عواصمها بالليبرالية والتقدمية والحرية وبنفس الوقت تستعبد وتقتل وتغتصب الملايين ببرود دم عنصري، ليس فقط في حروبها الصليبية ولا في مستعمراتها في القرون الغابرة فحسب، بل كانت ترتكب مذابح همجية في الجزائر وفيتنام والكونغو وغيرها في القرن العشرين وامام عيون العالم أجمع. وهذا يحدث اليوم فحكومات الغرب وأجهزة دعايتها والتي تشغل الدنيا وتقيمها وتقعدها في الدفاع عن يوليا تيموتشينكو، السياسية الأوكرانية الرجعية التي لم تترك فساد إقتصادي ولا خدعة سياسية إلا وقامت بها، والتي اصبحت – وهي القادمة من عائلة معدمة – بظرف سنوات تمتلك مئات الملايين وكأنها تربية عائلة مخلوف، وقد اعتقلت من سياسي أكثر رجعية وأكثر فسادا منها،  فهو الطاعون إن كانت هي الكوليرا وترى الغرب يحاول وضع هالة القدسية فوق رأسها وبكل وقاحة!. هذه الحكومات نفسها واعلامها يتعامون حتى عن ضرب المدن السورية بالصواريخ والقنابل العنقودية والغازات السامة. لماذا؟ لأنهم وببرود يصلون إلى مصالحهم مع حكام من شاكلة الحكام العرب بشكل سهل جدا وذلك بدفع رسوم لا تشكل سوى جزء حقير مما ينهبونه من بلداننا. فيسكت حكام دمشق مثلا لخمسين سنة على احتلال الجولان وتحويله لمزارع ومناجع سياحية إسرائيلية درجة أولى. ويطمر حكامنا في أرضنا الطيبة سموم ونفايات صناعتهم. الغرب الذي دوشنا بدفاعه عن الحرية في المعسكر الشرقي الستاليني هو نفسه الذي يتعامى وبكل سلطاته وأجهزته وصحافته عن حقوق الإنسان، مبادئ الحرية وشرف الديمقراطية التي تلزم الجار بمساعدة جاره لينال حقه الشرعي. على العكس عملت وتعمل مخابراتهم – وهي الشريكة ألأولى للمخابرات الإسرائيلية – يدا بيد وحتى هذه اللحظة مع النظام السوري وقد سلحته بكل ما يحتاج من معلومات وحتى بالأسلحة الكيميائية وكما تبين الآن بعلم ورضاء إبن الغرب المدلل إسرائيل.

الثورة إذن مزقت قناع الحرب السرية التي يقودها النظام وأصدقاؤه منذ أربعين سنة ضد هذا الشعب المسالم العريق وأجبرته ان يقوم علنا بما اتقن سريته، وهل كان  تشريد وقتل وسجن مئات آلاف السوريين (هذا تقدير واقعي وليس تصوير مجازي أدبي) غير حرب لئيمة إنتصر بها النظام اربعين سنة على الشعب وهو الغير قادر على شن حرب بنفس الشراسة والمهارة لخمس دقائق على إسرائيل، حتى عندما كان الإسرائيليون يمرغون أنف نظام الأب والإبن بالوحل. وساد في سوريا سلام وهدوء يشبه سلام المقابر.

ولأبين للقراء مدى إنتصار النظام الكاسح على كل الشعب وكل حركات معارضته يكفي أن أُذَكِر – خاصة رفاق الدرب ضعيفي الذاكرة – بموقف المعارضة المخجل في الداخل من رفاق دربهم المنفيين. إنه لمن المخجل فعلا ألا يعتذر أي منهم حتى اليوم عن نقده المجحف للمنفيين ويقر أنه جبن حتى على الإتصال بنا. مخجل فعلا أن أذكرهم بعد مرور قرابة ثلاث سنوات على الإنتفاضة الثورية لشعبنا أنهم لم يتجرأوا حتى اليوم ان يمسوا هذه الهزيمة التي لحقت بهم وأجبرتهم على تمثيل دور شنيع وهو الهزء من المنفيين والتشكيك بهم كتكملة لحملة النظام علينا. كنت اراقب كل هذا بعين باكية ليس على وضعي فأنا لم أحتج لهم يوما. ما كان يؤلمني حتى البكاء هو الوضع المزري للمعارضة وعدم وعيها لهزيمتها. كان بعض افراد هذه المعارضة والذين حفظوا ماركس ولينين عن ظهر قلب ( اقول حفظوا وليس فهموا) لا يجد اي رادع أو مهانة في صداقاته مع ضباط مخابرات النظام ولا مع قتلته ولكنه عندما يزور أوروبا بموافقة النظام يتحاشانا وكأننا مصابين بالجدري او السل. وعندما يتكرم بذكر المنفيين لا يخفي سخريته منهم.  هذه المعارضة لم تفهم بالضبط طبيعة الديكتاتورية ولذلك لم تستطع إيجاد مخرج منها وقد فاجئتها الثورة وبينت هشاشتها. المنفى جزء من حرب الديكتاتورية وإنتصاره على الشعب وليس ترفيها حتى ولو اصاب بعض المنفيين شيئا من النجاح فإن جرحهم وتشريدهم هزيمة يتذوقون مرارتها كل صباح وإبعادهم عن مسرح الحرب الدائرة يوميا على أرض الوطن جزء من إستراتيجية عمل بها كل الديكتاتوريين.

صمتوا مجبرين عنا ولم يعوا ما معنى تخريب الجسور بين معارضة ضعيفة في الداخل ومعارضين منفيين مشرذمين. كانت هذه المقاطعة وكان هذا الصمت الذي أحاط بنا نحن المنفيين اشد مرارة من شتائم اتباع النظام…

هل أذكرهم ببيت طرفة بن العبد:

وظلمُ ذوي القربى أشدُ مضاضةً                        على المرءِ من وَقْعِ الحُسامِ المُهند

ليس قصدي اليوم أن اشمت بأحد، فالشماتة معلم سيء، لكن الثورة السورية أدت في النهاية لتشريد كثير من أفراد المعارضة الداخلية وهم الآن منفيون مثلنا ويسمعون بآذانهم ويرون بأعينهم شماتة معارضة الداخل سواء كانت مسلحة أو مدجنة ببذاءة منقطعة النظير بهم كمنفيين: “ثوار الفنادق” و”عملاء الانظمة البترولية” إلى ما هنالك من سفاهات يتقيء بها ليس بعض أعضاء هيئة التنسيق او إعلان دمشق أو زهران علوش فحسب بل أمي داعشي يحمل كلاشينكوف ولا يعترف حتى بسوريا.

أورد هذه الناحية القاتمة من تاريخنا لتبيان مدى إنتصار النظام في حربه السرية ضد شعبنا. ولهذا فإن ما يجري على أرض سوريا اليوم ومنذ آذار 2011 هي حرب النظام العلنية ضد الشعب السوري. هذه التعرية انتصار عظيم للثورة. هذه التعرية فضحت االنظام ووضعته تاريخيا في زاويته التي يستحقها وبذلك فقد قامت الثورة بشجاعة بناتها وابنائها بتهديم سد ظنه النظام منيعا توارى خلفه بكل ظلامية القرون وهمجيتها التي يخجل الإنسان تسميها وحشية لأنه ليس هناك وحوش تقوم بمثل هذه الهمجية.

هذه التعرية هي أهم إنتصار للثورة، لذلك ترى النظام يصب حقده البربري بقنابل عنقودية، براميل  متفجرة وغازات سامة، بإختطاف وقتل خيرة بنات وابناء الشعب ليعيد الأمور إلى ماكانت عليه. وما الذي فعله الغرب الذي سمي نفسه حر؟ أعطى الغرب هذا النظام وبكل الوسائل مساعدات تقنية وسياسية وصحفية ومخابراتية ولوجيستية وعسكرية ومط له إطار الخطوط الحمراء حتى لم يبق أي نوع من الجرائم إلا وأرتكبها هذا النظام دون ان يتخطى هذا الخط الأحمر الوهمي. هل كان الغرب يستطيع فعل أكثر من ذلك لسحق ثورة الشعب السوري؟ ابداً، فأنظمة الغرب قامت بكل هذه المشاركة بإجرام النظام على حافة اللاشرعية وتخشى ان تقوم بأكثر لكي لا تفضح تورطها. وبفضل صبر وشجاعة السوريين لم تستطع كل هذه القوى أن تنتصر مع حليفها الأسد على الشعب السوري، ما إستطاعته هو الحفاظ على توازن “لا غالب ولا مغلوب” بحيث لا يسقط النظام سريعا وبحيث لا يبقى حجر على حجر في سوريا وبالتالي فترتاح إسرائيل على كل حال لعقود من الزمن.

هذه الحرب العلنية على الشعب السوري فرزت عبر طيلتها قوى خيرة وأخرى شريرة على طرفي جبهة المواجهة بين الشعب والنظام. فكم من فرد من أفراد جيش النظام رفض إطلاق الرصاص على صدور بنات وابناء هذا الشعب وعرض حياته لخطر إن لم يتمكن من الفرار والإنضمام لصفوف الثورة، وكذلك الأمر غادر كثير من السياسيين والكتاب والصحفيين بيوتهم الآمنة وعملهم لينضموا بتضحية كبيرة لصفوف الثوار.

لكن الثورة السورية فتحت ككل ثورة في العالم ابواب الفوضى على مصراعيها لأن هيبة الدولة الطغيانية تسقط للحضيض. دولة الطغيان تبني كل هيكلها على قاعدة الخوف (وهي هنا توأم للمافيا)  ولذلك تبدو الحياة الإجتماعية مرتبة وهي ابعد ما يكون عن التنظيم فلصوص السلطة يستغلون كل اجهزتها القمعية لغرض مص دم الشعب ونهب خيراته وخيرات أرضه بإسم القانون والجميع يعلم أنهم “لصوص برخصة”. كان واحدهم قبل الإنقلاب الدموي لا يملك أجر غرفته وهو ضابط الصف الفاشل وأصبح الآن مليونير إن لم يصل نهبه المنظم لمليارات. والويل لمن يقف في وجه هذا النهب. إنهيار النظام وفقدانه لهيبته يغري ليس فقط مغامرين بل اشرار متمرسين كانوا ينتظرون فرصتهم فتراهم يسرقون حتى خبز الشعب المحاصر وحتى أدوية تبرع بها كرماء من كل أنحاء العالم وتراهم يتسابقون بإنتهازية لكل من يدفع ليصبحوا “رجاله”. هؤلاء هم أخطر اعداء الثورة الذين يحرفون مسيرة الثورة سواء علموا أم لم يعلموا سواء تعمدوا أم لم يتعمدوا لتفقد قاعدتها وحاضنتها الإجتماعية الشعبية نتيجة هكذا أعمال إجرامية. هؤلاء الأشرار لا يقتصر فعلهم التخريبي على السرقة فقط، لأني كنت ساعتها سأسميهم لصوص، بل تتعدى ذلك إلى القيام بأعمال وحشية من إغتصاب وقطع رؤوس وإنتهاك حرمة الطفولة باستغلال براءة الأطفال ودفعهم للقيام بأعمال مشينة إستعراضية امام عدسة تلفزيون لا يريد أصحابها أن يروا في الثورة سوى إنحرافها كذاك الطفل الصغير الذي دفعه إسلامويون للتدخين وحمل الكلاشينكوف أمام مصورين ولقنوه بغباء واضح ما عليه ان يقوله..(أنظر نقدي لهذا العمل الشائن: من يحمي الأطفال من هذه الأيدي القذرة: نداء مستعجل قبل أن يفوت الأوان 7نشرته صفحات سورية في 9 أبريل 2013 ).

ترى الثورة تجذب كتابا وفنانين ومفكرين عالميين فيتعاطفوا معها وكم يؤثر منظر مفكر في الثمانين من عمره يكاد لا يستطيع السير، لكنه يتحمل البرد ليذهب في مسيرة تعاضدا مع الشعب السوري، ترى حاملة جائزة نوبل تضع إسمها بكل محبة في قائمة مؤيدي الثورة السورية من أجل الحرية وترى أطفالا يقومون بمسيرة تعاضدا مع الأطفال السوريين. هذا كله من منجزات الثورة السورية الإنسانية العظيمة. وبنفس الوقت ترى الثورة قد جذبت كل مجرمي الدنيا ليزينوا بلباس موضة أسود جديد وأحذية عسكرية جديدة ومن ماركة واحدة انيقة وكأن الثورة مهرجان موضة ويرتدون كلهم قبعات تخفي وجوههم النحسة وكأنهم يريدون سرقة بنك في فيلم بوليسي. لكن وللأسف ليس ما يقومون به فيلم بل هو واقع أليم وما يسرقوه أغلى واشرف من كل بنوك العالم، إنه دم شهداء قضوا  بشجاعة لا مثيل لها أو ببراءة الإيمان بطيابة قلب الناس وتفاني قديسين ليحيا الجيل القادم بحرية وليس ليأتي غرباء من الشيشان والعراق وبلاد الواق واق ليتحكموا بهذا الشعب الذي إنتفض ضد حكامه الغاشمين، ليس ليأتي هؤلاء الرعاع بظلام القرون الوسطى مجهزين بالكترونيات وأسلحة حديثة من القرن الواحد والعشرين.

هؤلاء الجهاديون لا يملكون خلقا يؤهلهم ان يكونوا جديرين بالثورة. لا يملكون حتى أدنى مستوى للأخلاق يمنعهم عن تعذيب سوريين في المناطق المحررة، أو يمنعهم عن إختطاف ثوريات وثوريين واصدقاء عظيمين للثورة كالأب اليسوعي باولو دالوليو الذي ذهب ليصالح فرقا تنازعت والذي ذهب وحيدا دون سلاح. هل يوجد في الكون أحقر من مسلحين يأسرون رجلا مسالما قدم إليهم ليحقق سلاما في المدينة؟ يقال أنهم قتلوه ويقال انهم سلموه للمخابرات السورية. وكلا الأمرين حقير.

ما تعلمه هؤلاء واتقنوه هو القتل والموت، لكن الثورة دفاع عن الحياة. البندقية لا تكفي كبرهان على ثورية، فكل حقير يمكنه إمتلاكها. الثورية تعني الإنصهار قلبيا وعقليا مع الشعب المحروم ونسيان النفس أينما كان موضعنا. الثورية خيرة كقلب هذا الشعب، الثورية إحترام للآخر ونظافة قلب ويد ولسان.

ما يسعدني سقوط قناع داعش وتبيان عمالتها لإيران ومخابرات النظام. هذا لا استبعده نظرا لما تجمع لدي من معلومات تصب كلها في هذا الإتجاه. لكن ما يؤسفني هو سطحية وغباء فكر بعض معارضينا السياسي. هؤلاء الذين بدأوا الآن بالتهليل للقضاء على داعش وكانوا إلى الأمس يحذروننا من نقدها. كنت سأدعوا مثل هذا التصرف إنتهازية لولا انهم وقبل أن يلتقطوا أنفاسهم يحيون “النصرة” ويحذرون من نقد الجهاديين لمجرد رفعهم علم اسود وتكبيرهم على الطالع والنازل وتكفيرهم لكل خصم بكرم والدعوة لعقد محاكم شرعية تفض في أمور الثورة. هؤلاء الجهاديون الذين تساقطوا 1100 سنة للوراء ليعودوا “للمبايعة” ونسيوا أن سوريا جمهورية في القرن الواحد والعشرين. كل هذا يذكرني بداعش. وكم أدهش لمن سمى نفسه علمانيا وراح يهدأ الخواطر حول “جبهة النصرة”. ما الذي تعلمتوه ياسادة؟ ان يُسقِطُ النظام ورقة من أوراق لعبه بعد كشفها هو أقل الإيمان ولم يخطط لغير ذلك من البدء، لكن هل نكون قد تعلمنا شيئا إن أغلقنا بابا على داعش ليفتح آخرون عشرة ابواب بأسماء رنانة تعود للقرن السابع او الثامن؟ لا، ابداً.

الثورة قامت ليس لتطيح بسوريا ومجتمعها، بل فقط بنظام قهر شعبها واستعبده.

الثورة قامت لتؤسس مجتمعا سوريا ديمقراطيا ترتكز كل قوانينه على قدسية الحرية وإحترام المواطن.

الثورة قامت ليس لتتسلط طائفة وتحكم بشرعها بل لتزول الطوائف ونعود كسوريين للوطن سوريا كعرب، كشركس، كأكراد، كأرمن، كآراميين آشوريين أو حتى لأصغر إثنية سورية لنعود كمسلمين ومسيحيين ويهود وبهائيين ويزيديين وعلمانيين دون أن يرفع أحد انفه تجاه الآخر.

الثورة قامت لتؤسس مجتمعاً سورياً حراً تتساوى فيه المرأة مع الرجل.

الثورة قامت لتنهي الخوف وتحذف كلمة مخابرات من الوجود.

الثورة قامت لتحرر الكلمة والفن من كل قيد ومراقبة.

الثورة قامت لتعطي الأطفال غدا مشرقا لهم كل الحق فيه.

الثورة قامت لتحرر رغيف الخبز من العبودية.

قد يقول احد القراء: كل هذا بديهي. لا يا أخي، تعقد وضع البلد خلال  السنين المنصرمة وصار علينا مراجعة الحساب وسؤال كل من يدعي أنه مع الثورة إذا كان يوافق على كل هذه النقاط أم انه يريد سوريا لا مكان لها في قلوب وعقول ملايين السوريين ولذلك فهو مجبر على إقحام ما يريد بناؤه بقوة السلاح وهنا عدائيته الواضحة للثورة فهو يريد ليس إنجاح  الثورة بل حذف سوريا من الوجود، لأن هكذا فكر ديني متزمت سيؤدي لا محالة إلى تفتيت سوريا وسيؤدي لحرب أهلية طويلة الأمد، وهي ستكون ساعتها فعلا حرب أهلية يشارك فيها فصائل من الشعب ضد فصائل أخرى كما حدث في إسبانيا ولبنان وبلدان أخرى. ومثل هذه الحرب ستخرب الزرع والضرع ولن تترك حجرا على حجر لا في بنياننا ولا في أنفسنا. لذلك علينا الآن ونحن نرى كيف تتلاشى داعش وتختفي كما ظهرت أن نتساءل هل علينا بعد كل هذه التضحيات أن نصبر بعد على مجموعات تريد تقويض سوريا وتحويلها لإمارة في عالم وهمي، لمجرد إمتلاكها للسلاح؟

لست ضد التكبير لكني ضد اسلمة الصراع وحرف أهداف الثورة بإثقال شعاراتها بالدين. الدين لله والوطن للجميع…واحد، واحد، واحد، الشعب السوري واحد. والإسلام بريء من إستخدامه لأغراض تسلطية سياسية.

إذا لم نتفق على البديهيات، على الحد الأدنى لبناء معارضة صلبة، فكيف لنا ان نتفق على البنيان المعقد للمجتمع فيما بعد. المثل الشعبي الذكي يقول: شرط بالحقلة ولا نزاع في البيدر.

هؤلاء الذين يرفضون ليس المعارضة فحسب، يرفضون حتى علم سوريا  لا بل سوريا عن بكرة أبيها لأنهم يريدونها إقليم من أقاليم أمتهم الإسلامية.

هؤلاء ليسوا حلا لمصيبة لبشعب السوري بنظامه بل هم جزء مكمل لها. وهذا ما على المعارضة أن تفهمه وتصر عليه كحد أدنى لكل تحالفاتها.

– يتبع –

رفيق شامي

كانون الثاني 2014

خاص – صفحات سورية –

أي نشر أو اعادة نشر لهذا المقال يجب الاشارة فيه إلى المصدر: صفحات سورية

كل الحقوق محفوظ للكاتب ولصفحات سورية.

يحيي كاتب هذه الأسطر أي نسخ وإعادة طباعة هذه الخواطر في أية صحيفة، طبعا بأمانة مهنية مع الإشارة إلى المصدر، لكنه لا يعترف على اية منها إنما على الأصل الذي ينشر دوما في صفحات سورية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...