الرئيسية / صفحات الثقافة / حين نفضتِ يدك من عشائك/ بسام المسلّم

حين نفضتِ يدك من عشائك/ بسام المسلّم

 

 

(إلى الجميلة، الشابة أبداً، توتشه البيرق)

يسألني والدكِ، لمَ أصرّ على الكتابة إليكِ مع يقيني بأنكِ لن تجيبيني؛ أجيبكِ: إنّي إذ أخاطبكِ يتكثفُ لديّ حضوركِ، فأجدُ من الورق رائحتكِ، أبصرُ بين ذرّات الحبر سوادَ عينيكِ، وألقى حسّكِ في صريف القلم. لا يهمّني اليوم ألاّ تجيبيني. إنّي في الكتابة إليكِ أشعر أنّي أحدّثكِ، وهذا يكفيني.

عبر نافذتي، أرى أباكِ الآن على أرجوحتك الأثيرة في فناء البيت. قدماه مستقرّتان على العشب الأخضر. ظهره إليّ، ووجهه إلى الأفق الأرجواني من آثار الشمس على السحب. خلّابٌ هو غروبُ فرانكفورت في نوفمبر، وأليمٌ بقدر ما يذكرنا بجلستكِ المعتادة على أرجوحتك قبل المغيب.

ستظلّين أبداً جميلة، لا ينال منكِ الزمن ولا النسيان. هذه الأرض التي يشوّهها عدم الاكتراث ستذكركِ دوماً، العالمُ بأسره لن ينساكِ، وستبقى المدينة التي أحببتِها تروي الحكاية، ليلة خرجتِ من جامعتك، شُعاعَ نورٍ يشقّ أشجار الغابة المظلمة نحو المطعم الصغير.

تأخركِ عن موعد رجوعكِ، شاغلني وأبوكِ. لا أنسى إبرةً حارقة نغزتني، فتقتْ قلبي من الداخل ولسعت باطن صدري، كهربتني، كطلْقة حامية، تماماً قبل أن يضجّ الهاتف بالرنين. وكانت المكالمة التي روّعتنا من مستشفى أوفنباخ. هرعنا إليكِ. شرطيتان واقفتان عند باب غرفة العناية الفائقة أبلغانا بتعرّضك لأذى لم تثبت ملابساته. الطاقم الطبيّ سمح لنا بمعاينتكِ من وراء الزجاج، مثل أميرة نائمة، تتكالب على ذراعكِ النحيل إبر السائل الوريدي، تنغرس عميقاً في عروقكِ، والكمامة بين خصلات شعرك المنثور على وجهك. كم آذوكِ يا عصفورتي.

بكيتُ إلى الفجر أنظر إليكِ، حتى ربتت الممرضة على كتفي: “عودي إلى المنزل. سأتصل بكما فور إفاقتها. أعدكِ”.

لكننا لم نتلقَّ اتصالاً. وبعد أربعة أيامٍ قضينا أنهرها بقربكِ، طرقتِ الفتاتان البيتَ مساءً. عانقاني عند عتبة الباب. أدخلتهما وجلستا خائفتين. مسحتُ دموعهما بيدي. أبوكِ شجّعهما. وأخيراً، تكلّمتا، إحداهما تكمل عبارة صاحبتها، وأخبرتانا بما حدثَ قبل تلقينا المكالمة المروّعة.

ليلتها كانتا أمام دورة المياه في ماكدونالدز لمّا اعترضهما شبّانٌ ثلاثة. حاولتا المرور فسدّوا طريقهما. شدّوا شعر إحداهما وقرصوا الأخرى. استغاثتا من أذية. أعناق مرتادي المطعم استطالتْ تلتفتُ نحوهما، تخثرت لقماتهم في أفواههم، تجمّدت وارمةً مثل مناطيدٍ تحت الخدود. السكون خيّم لحظة لم تدم، رجعت الرؤوس منحنيةً على طاولاتها، واصلت مضغها كالمواشي تلوك العشب في المرعى، شفاهم ملطخة بالكاتشب، تطبق على الأعواد وتشخر. صخبتْ ضحكاتهم، غطّتِ استنجاد الفتاتين.

وهنالك عصفورتي كنتِ الوحيدة، نجمةً في السواد، الملاكَ الحارس، والحَوارية التي لم ترضخ لغواية التجاهل ودناءة اللامبالاة. نفضتِ يدك من عشائك. مسحتِ بالمنديل ثغرك. نهضتِ من كرسيّك تدفعينه بباطني ركبتيك، توجّهتِ إليهم، اقتحمتِ المشهد، وأمام الفتاتين انتصبتِ، حلتِ بين الفريقين، وجهكِ إلى الشبّان، عيناك في عينيّ أكبرهم جثة:

“افسح الطريق”

التفتَ لصاحبيه يتهكّم. ارتدّ إليك:

“حشرة. ابتعدي وإلاّ..”

أشرعتِ جناحيكِ تمنعانه، تشبّثتِ الفتاتان بقميصك خلف ظهرك. اقترب منكِ بوجهه. تلفظ بذاءةً. أزكمتكِ أنفاسه. لم تتزحزحي. ذراعاكِ مشرعتان، سياجٌ أخضر وشّاه البنفسج. عوى عالياً. عمّال المطعم تجمّعوا حولكم. مديرهم صرفهم. وبّخ المتحرشين:

“غادروا أرجوكم”

شتم الضخمُ المديرَ معكِ، ضحك تابعاه.

“سأضطر آسفاً إلى استدعاء الشرطة”

أذلةً خرسوا. ارتدعوا متراجعين، كالضباعِ انفضّوا صاغرين عن الفريسة. الضخمُ تعكّزَ غروره، عرجَ إلى الباب يلعق جراحه. خدشتِ بأغصانكِ بالونة كبريائه. قبل خروجه رمقك بنظرة تقطر حقداً، والتفتِ إلى الفتاتين بجانبك، عيناهما تترقرقان امتناناً. “مروا بسلام”. عدتُ مكانكِ تنهين عشاءك.

الشرّ متربّص، بعد لم ينكسر. توارى في الدغل الحالك، بعيني ثعبان يطلّ على عصفورة الروح وراء الزجاج يترصّدها. وإذ خرجتِ، وثبوا لكِ من الظلام، حاوطوكِ في باحة مواقف المركبات، نبحوا حولكِ، تناهشوكِ على مرأى من الناس، تصدّى البعضُ لهم، أبعدوهم عنكِ وكبيرهم يرفع قبضته إليك مكشّراً يتوعّدكِ. لم تخافيه. تقدمت نحوه تتحدين غيّه، ترينه أنكِ لا تخشينه.

وهنالك، عصفورة روحي، كم آلمكِ، لمّا تخلّص الشرُّ من قيده، فلَتَ من الأيدي، تلبَّسَ شيطاناً من جحيمٍ اقترب منكِ غيلةً، باغتكِ في صدغِك بلكمةٍ مجنونة، أو عسى كانت ومضةً من نورٍ برقتْ بين عينيكِ، وأشرعتْ أمامكِ ثقباً أبيض اتّسع في السّواد، وأسفر لكِ معراجاً بلونِ القمر.

على الأرضِ هويتِ، بلا حراك.

وبعد إحدى عشرة ليلةً من غيبوبتك، كنّا وحيديْن في غرفة طبيبكِ حين أتانا يتقلّب. عيوننا تعلقتْ بهِ. استدار وقعد خلف مكتبه، اصفرّ وجهه، وازدرد ريقه:

“تلفٌ دماغيّ”

صمتَ قليلاً. تعرّقَ جبينه، وبصعوبة فتَحَ زرَّ ياقته، لفَظَها صواعق يتلعثم بها لسانه: “أخشى ابنتكم لن تستعيدَ وعيها، أبداً”.

وسكَتَ معه كلُّ شيء، خرستِ الرّعود والصواعق وجلجلةُ المطر، وبقي دبيب عقربة الساعة على الجدار تدور خلف الطبيب، تلدغ قلبي، تحقنه سمّاً ثانيةً تلو أخرى.

مضَتْ ليلتان من عذابٍ وأرق، عدتُ بعدها إلى غرفة الطبيب، وبقي الدكِ خارجها، يصلني منه نشيجٌ يحاول كتمانه. القلم في يدي، والورقة أمامي على مكتب الدكتور، تنتظرُ إمضائي.

غابت شمس فرانكفورت يا ابنتي، الغسقُ يتدرّجُ كحليّاً في السماء. وها هو والدك يخلّف أرجوحتكِ شاغرةً تهتزّ وراءه، متوجهاً إليّ في الداخل.

أتى والدك، هو الآن واقفٌ خلفي. صامتاً يربّتُ على كتفيّ ودموعي تتساقط على الورقة، تماماً كما ربَتَ عليهما قبل أربعة أعوام، حين دخلَ عليّ غرفةَ طبيبك، يمسح وجنتيه بظاهر يده، وقلمي يرتعش بين أصابعي، حتى بالكاد ثبّتُّ رأسه في قلب المربّع الصغير. وامتزجَ ماء عينيّ على السّطر بحبر توقيعي المرتجف، ثم رميتُ بالقلم كأنّي أتبرأ من نفسي ومنه.

فقدتكِ مرّتين، لمّا دخلتِ غيبوبتك وحين سمحتُ لطبيبك أن يرفعَ عنكِ أجهزةً أبقتكِ أياماً على شفير الموت. سامحيني عصفورتي، اغفري لي قراراً يعذّبني، صادقتُ عليه رأفةً بكِ وإشفاقاً عليِك، لترحلي عنّي، في مثل هذا اليوم، قبل ثلاثة أعوام، في عيد ميلادك الثالث والعشرين.

(كاتب كويتي)

عيد الميلاد الأخير

أصيبت توتشة البيرق (1992 – 2014)، الفتاة الألمانية من أصول تركية، بضرب على الرأس إثر محاولتها صدّ شبّان عن التحرّش بفتاتين. الحادثة التي صوّرتها كاميرا مراقبة وجرى نشرها على الإنترنت، دخلت إثرها توتشة في غيبوبة. في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أعلن الفريق الطبّي استحالة إنقاذها، وبعد يومين قرّر والداها إزالة جهاز التنفس الصناعي عنها، في يوم عيد ميلادها الثاني والعشرين.

العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سحر الكلمة/ ريبر يوسف

    فعل ترديد كلمة بعينها على الدوام ولمرّات عديدة خلال اليوم الواحد، ذلك الفعل ...