الرئيسية / صفحات الثقافة / حين يتحول المثقف إلى مؤيد للسلطة

حين يتحول المثقف إلى مؤيد للسلطة


عمار ديوب

غريب أمر بعض المثقفين، فأن يقول رأيه في ما يحدث في سوريا، وأنّه مؤيد للسلطة فيها، وهناك مؤامرة ضد الدولة السورية، فهذا من حقه، فهو قد حدّد موقفه، أمّا أن يشن حملة شعواء في “السفير” على المثقفين العرب المؤيدين للثورة السورية ويعتبر كلامهم رأياً وكلامه وقائعَ، فهو يتحول بحقٍ إلى “شبيح” عربي، أي يصبح تكفيرياً وقاتلاً ويوسع الكتاب ضرباً مبرحاً ويحاول بكلماته “هراواته وبنادقه” إخافة كل معارض ومنتفض وثائر. ما هكذا تكون الثقافة، ثم من قال لك يا سيد محمد الأسعد ان مهمة المثقف متابعة الوقائع وملاحقتها وإعطاء الرأي عنها. أقول لك وأنا في قلب دمشق، يكفينا من المثقفين العرب، بيانات مؤيدة للدولة المدنية العلمانية ومندّدة بأشكال القمع اللامتناهية التي تنتهجها السلطة ضد الشعب، ولا نطلب منهم أكثر من ذلك، ولك ولكل الآخذين برأيك أن يقدموا آراءهم وأن يكتبوا ما يشاؤون في مديح السلطة السورية وفي توضيح المؤامرة الامبريالية الخليجية على سوريا، لأن من يكذّب رأيك أو يصدقه، هو ما يفعله الشعب السوري الآن وغداً، ولكن لا تقل اأنّ رأيك مدعم بالوقائع، لأن رأيكوللأسف يتجاهل كليّة الوقائع، ويركز على وقائع منتقاة لخدمة سياسة محدّدة، هي تشويه سمعة الثورة السورية، فتصير لديك عصابات مسلحة، وهي رواية السلطة ذاتها، وليست من الحقيقة بشيء. لا يا سيد محمد، ليس ما يحدث في سوريا مؤامرة خارجية، بل هي ثورة شعبية جاءت في سياق ثورة الشعوب العربية ضد الديكتاتورية والفقر وطلباً لحياة أفضل، وإذا أسقطوا هناك ديكتاتورياتهم، فإنّ الشعب السوري يستهدف كل سياسات النظام السوري، لأن هذا النظام لم يعتمد الحل السياسي منذ ولادته؛ فقد جاء بانقلاب عسكري وبمكاسب شعبية من الحكومة السابقة عليه، وألغى أي رقابة على مؤسسات الدولة، وصارت حكراً لمجموعات محدّدة في السلطة والمتحالفين معها، وليس في سوريا أي تمثيل هامشي للشعب، ولذلك بدء ثورته لإسقاطها. نعم، الآن دخل النظام السوري، أسوأ أزمة يتعرض لها في تاريخه ومنذ بداية السبعينيات، فقد فشلت سياسته الخارجية بالكامل وهو تقريباً محاصرٌ خارجياً، وفي الداخل هناك ثورة شعبية عارمة، عمّت كل البلاد، مع ضعفها في بعض المدن والبلدات وستدخلها لاحقاً الثورة. وذلك إن لم ينتبه النظام الذي تحبذه، ويُقدم على خطواتٍ ليست إصلاحية كما لا يزال البعض يقول، كأن يحذف المادة الثامنة من الدستور أو أن يضحي ببعض الرؤوس الأمنية والعسكرية، أو يتحدث عن مؤتمر للإصلاح، أقول لا: إن عليه أن يعمل على تغيير شامل لمؤسسات الدولة، والبدء بتشكيل دولة مدنية حديثة، وإلا فسيبقى شعار إسقاط النظام الشعار المركزي، إلى حين إسقاطه. مصالح متصارعة هل هذا يعني أننا لا نرى المؤامرات الخارجية والمشاريع الأميركية؟ لا بالتأكيد، هناك مؤامرات خارجية بالفعل وهي قديمة، وكان النظام السوري منخرطاً في اتفاقيات دولية حققت له مصالحه في المحيط الإقليمي والعالمي، وهي بالطبع ليست مؤامرات، ولكنها تعبير عن مصالح دولية متصارعة، وهذا حال كل دول العالم. دون شكٍ، عين الدول العظمى على سوريا، وهناك من يهيئ نفسه لمصالح مستقبلية فيها، ولكن ما يمنع تحقيق المصالح الأميركية مثلاً في سوريا وما يسمح بها، هو مقدار التحول الديموقراطي ومكاسب الشعب الاقتصادية والسياسية؛ فإن كان هناك تحولٌ هش فسيكون هناك تدخل أكبر، وإن كان هناك تحولٌ عميقٌ ودخولٌ للشعبِ في تقرير مصائر الدولة فستكون هناك قيود كثيرة على ذلك التدخل. نشير إلى أن التدخل الأميركي في سورية سيكون أكبر بأضعاف إن بقيت السلطة ديكتاتورية وخاصة بعد الأشهر الأخيرة، ثم وأنت المتغني بالمقاومة، ألم تجد أن مقاومات لبنان، القديمة والجديدة، ما كان لها أن تكون بكل تلك العظمة لولا وجود الحريات العامة في لبنان. أريد القول هنا، ليس مناخ الثورات العربية ضد المقاومة، بل سيكون مؤيداً لها بالضرورة، ولذلك، تحاول أميركا وغير أميركا الدخول على خط الثورات، ومن المعيب بمثقف هام، أن يجرّم الشعب العربي وثوراته المتلاحقة من دولة لأخرى. يا أخي، لا يشذّ النظام السوري، في تعامله مع الشعب عن بقية الدول العربية، وربما يكون الأسوأ في ذلك، ثم كان بإمكانك توجيه رسائلك للنظام السوري وأن تنصحه بالإصلاح العنيف والصادم كما فعل أصدقاؤه الأتراك، مع أنني لا أوافق على تلك العلاقة التركية السورية لأنها لم تأخذ مصالح الشعب السوري، في موضوع احتلال تركيا للواء إسكندرون أو موضوع المياه. لننتقل إلى موضوع آخر: تعلم كما يعلم كل مثقف عربي، أن شرط الثقافة الإبداعية هو الحريات العامة والشخصية، فهي أس الحياة الطبيعية للأفراد، وبغيابها تنغلق الأبواب أمام المثقفين وتعاق عملية الإبداع لديهم. لكن لو كنت بالفعل تدافع عن كرامة المثقف، وأنّه يعكس ضمير الأمة وضرورة تأمين شروط الإبداع له بدلا من شروط التهجير و”التطفيش”، لأنصفت شعب سوريا ومثقفيها والمثقفين العرب المنتقدين للسلطة السورية، ولقلت: إن شرط الرأي الصحيح والمعلومة الصحيحة، أن يكون للإعلام الداخلي والعربي والعالمي الحرية المطلقة في تغطية الأخبار والوقائع والثورة السورية، ولو تحقّق ذلك، لأرحت النظام ذاته من كثير من الفظائع المرتكبة، ولسار بطريق الحل السياسي، وذلك على وقع قوّة المظاهرات الاعتصامات والإضرابات، ولوفر على نفسه عناء المواجهة مع الشعب الثائر. نعم ما يحدث قي سوريا ثورة حقيقية، والقنوات التلفزيونية، العربية والأجنبية، تقدم الكثير من المعطيات السليمة، وقد يكون بعضها ملفقا وكاذبا وهذا أمر طبيعي جداً، وقد يكون هناك تركيز على بعض الوقائع أو الهتافات أو التحليلات أو غير ذلك، ولكن كل ذلك لا يغيّر من حقيقة ساطعة، بأن أغلب ما ينشر هنا وهناك في الإعلام العربي والعالمي صحيح بالكامل، أمّا ما يقوله الإعلام السوري، فيكاد يكون كاذبا بالمطلق. لنقرأ جميعاً عبارة الأستاذ محمد هذه “وأخيرا… هل مر أحد من فقهاء الحرية التي لا تتحقق إلا برفع العلم الإسرائيلي في العواصم العربية…” ونسأل: ألا يتجاهل السيد محمد أن الثورتين التونسية والمصرية، نجحتا ضد نظامين يقيمان علاقات مع دولة ذلك العلم! فعن أي شيء يتحدث هذا الرجل، إذاً؟ إن الثورات العربية، كما يبدو، من خلال متابعاتنا المستمرة، تنحو بالضد من تلك الدولة، وربما ستكون هناك إعادة نظر باتفاقية كامب ديفيد نفسها، وليس باتفاقية الغاز بين مصر و”إسرائيل” فقط. لكن بكل الأحوال، هي ثورات مناهضة للدولة الإسرائيلية، أمّا الأنظمة التي تُشاد الآن فيها، فستتم دراستها لاحقاً، أي أن جزءا من النظام القديم، هو ضمن النظام الجديد، وهذه مشكلة قد تؤدي لتوجهات ليست ضد الدولة الإسرائيلية. لكننا على ثقة بأن التوجه العام للثورات العربية هو ضد الدولة الإسرائيلية وضد علمها وضد كل الأنظمة المستبدة القديمة والتي قد تستحدث. مهمة المثقف وكي لا يستمر الأستاذ محمد الأسعد، في توجيه أسلحته نحو الأهداف الخاطئة، آمل منه، أن يعفينا من متابعة روابط المؤامرات والعصابات الموجودة في مقاله، وأن يتابع هو التلفزة العربية والأجنبية، طيلة أيام الأسبوع وخاصة أيام الجمع السورية، ليفهم ما يحدث في سوريا، وأن يقرأ بإمعانٍ وتأن مقالات المثقفين السوريين وبياناتهم وبيانات المعارضة في الداخل بصفة خاصة، فربما يهتدي لمعطياتٍ ورأيٍ سديد، مع تشديدنا على حقه بأن يقول ما يريد عن الثورة السورية والنظام السوري. بوضوح أقول، ليست مهمة المثقف، أن ينحاز لقوة سياسية معينة، سواء أكانت السلطة أم المعارضة، لكن يجب أن يحقق الشرط الأول لها والماثل في أنّه ضمير الأمة ومشغولٌ بمشاكلها وموضوعي في تحليلاته ومنحازٌ للأغلبية الشعبية المستغَلة. ما يحدث في العالم العربي، هو ربما لأول مرة، سيساعد هذه الأمة على لملمة جراحها وبناء دولتها المدنية الحديثة على امتداد ليس الوطن السوري، بل على كامل تراب الوطن العربي. هذا ما نأمله، وهذا ما يستشهد الآلاف من أجله.

السفير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

39 + = 46

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

دعد حداد: مرآة أنثوية متشظية في عقود الخراب السوري/ مازن أكثم سليمان

    ■ إن أي فعلٍ تأويلي متمعنٍ ينبغي أن يقلب مستويات القراءة تقليبا مستمرا، ...