خذ حصّتك من دمنا

 


زين الشامي

بعد نجاح الثورة التونسية ومن ثم المصرية، ومن ثم انطلاق تحركات احتجاجية في دول عربية أخرى، كنا في سورية متشائمين جداً من إمكانية حصولها بسبب الصمت المطبق الذي بدا عليه المشهد الشعبي قبل أكثر من شهر من الآن، وخلال ذلك حاولنا فهم الأسباب التي تمنعنا كسوريين من الخروج إلى الشوارع للاحتجاج على أوضاعنا الصعبة والقاسية التي نرزح تحتها منذ نحو نصف قرن، فتبين معنا أن تاريخ القمع الطويل والموغل في الحياة السورية قد يكون أحد الأسباب، وقلنا أيضاً ان التركيبة الطائفية والاثنية العرقية للمجتمع السوري على عكس المجتمعين المصري والتونسي، قد تكون سبباً آخر تعيق حصول تحركات شعبية مناهضة للنظام.

لكن رغم كل ذلك، رغم وطأة القمع وتاريخيته، ورغم التركيبة المجتمعية المكسرة، فقد خرج السوريون إلى الشوارع، ويوماً إثر يوم صرنا نرى أعداداً أكبر من السابق تقرر حسم خياراتها ورهاناتها والخروج للاحتجاج، مثل كرة الثلج تماماً.

لكن ما مصير ذلك كله، وهل يمكن ان تنتصر ثورة السوريين مثلما انتصر أشقاؤهم التونسيون والمصريون؟

في البداية لا نعتقد أن الشعب السوري سوف يتراجع في احتاجاجاته السلمية، طالما رأى بأم عينه كيف أن النظام صار يقدم التنازل تلو الآخر، وكيف بدأ الإعلام السوري يعترف رويداً رويداً بوجود شيء اسمه احتجاجات ومطالب محقة للشعب.

هذا سيدفع السوريين أكثر نحو التقدم خطوة إضافية كل يوم. من ناحية ثانية فإن النجاحات التي تحققت في كل من مصر وتونس تعطي دفعاً معنوياً كبيراً للشبان السوريين للاستمرار حتى تحقيق كل مطالبهم. ومن ناحية أخرى، لم يعد الشعب السوري يصدق كل ما يقوله النظام، لقد رأى بأم عينه أن وسائل الإعلام الرسمية كانت تكذب في كل شيء، أو مثلما قال الشاعر الراحل ممدوح عدوان «هذا إعلام يكذب حتى في نشرة الطقس».

الشعب السوري أيضا شبع ومل من الشعارات الجوفاء والهرطقات والأكاذيب الكبيرة واليومية عن الممانعة والتصدي والصمود. الشعب السوري اليوم يريد لغة رسمية أقل تواضعاً وأكثر صدقاً، تنزل لمستوى احتياجاته المعيشية المتزايدة، تخاطب نزوعه إلى الحرية والكرامة، وهذا شيء يفتقده منذ عقود طويلة. أيضاً فإن السوريين اختنقوا وأصابهم الفساد المستشري في كل مفاصل الدولة بالاختناق والعطب، وقد عرفوا بعد أكثر من عشرة أعوام من وعود الإصلاح أن ليس هناك حل للفساد، لا بل إن الفساد صار طريقة حياة يومية لمعظمهم رغمـــاً عن إراداتهم.

الشعب السوري يريد انتخابات حرة ونزيهة يعبر بها عن صوته ويختار برلمانه الحقيقي ورؤساءه وممثليه في كل مكان اسوة بكل الدول المتقدمة أو حتى اسوة ببعض الدول الآسيوية والافريقية التي قطعت أشواطاً مهمة على طريق الديموقراطية فيما بقيت سورية مكانها رغم كل الحديث عن الإصلاح.

ثمة من يعتقد أن النظام سيلجأ لعنف وبطش أكثر وأكبر مما سبق فيما لو شعر أنه مهدد وأن مستقبله وبقاءه أصبح صعباً ومهدداً، لكن لا بد من القول أن مسار ثورة السوريين منذ الخامس عشر من مارس الماضي يؤكد أن الشعب هو من يقود التغيير وأن النظام وحده يحدد ثمن وطريقة التغيير، ولا يختلف وضع سورية عما حصل في تونس ومصر أو ما سيحصل لاحقاً في اليمن وأمكنة أخرى رغم حالة الاستعصاء التي تواجه بعض الثورات العربية.

إن «الثمن» الذي يدفعه أي شعب من الشعوب العربية لتحقيق ثورته، ليس هو عدد الشهداء والجرحى ولا قيمة الخسائر الاقتصادية والمادية، بل إن الثمن الأكبر والمكلف هو الهزيمة نفسها في حال فشل الثورة. لذلك غالباً ما يخبرنا التاريخ أن الثورات وفيما لو كانت شعبية حقيقية، كانت تنجح بسبب عدم استعداد الشعوب للعودة إلى الوراء، إلى الخوف والقمع والفساد، بعد أن ذاقوا طعم الخروج إلى الشوارع والهتاف بحرية وقيام النظام بتقديم تنازل تلو الآخر لصالحهم.

من ناحية ثانية، فإنّ اندلاع الثورات يعني في ما يعنيه، أن الشعوب ثارت أصلاً لتتخلص من دفع الأثمان الباهظة المترتبة عن صمتها وقبولها للنظام الجائر والفاسد، من قمع وتعذيب وفساد وغياب للعدل والحريات والمساواة. فكيف ستتوقف إذا لم تنجز ثورتها أو لم تتخلص من كل ذلك؟

أول ما يمكن قوله في مجرى حركة الاحتجاجات في سورية أن نظام حزب «البعث» خسر جولاته كلها ويتبين ذلك من خلال الحل الأمني الذي اعتمده وتصعيده أعمال القمع الدموي، ثم فشله لاحقاً في جر المحتجين إلى فخ العنف الذي كان وفيما لو نجح، سيعطيه مشروعية قانونية وشعبية في ممارسة القمع الدموي والبطش بحجة الحفاظ على الأمن والوحدة الوطنية. ثم فشل نظام «البعث» في ما ذهب إليه من بث مخاوف عن «الفتنة الطائفية» والترهيب بها. السوريون من كل الطوائف والأعراق أثبتوا وعياً وطنياً مميزاً يستحق التقدير والوقوف عنده.

ومن علائم فشله وكدليل على غياب الشعبية لهذا النظام، فإنه لجأ إلى «عصابات» و«شبيحة» مجرمين لقمع المحتجين السلميين، ما شكل فضيحة دولية وعربية وداخلية جعلت الكثير من السوريين المترددين ينضمون إلى حركة الاحتجاجات مبكراً بدل الانتظار والتفرج والمراهنة على وعود النظام.

هذا النظام لجأ أيضاً إلى قطع الكهرباء والماء والانترنت وكل وسائل الاتصال وحتى الخبز عن القرى والمدن التي شهدت احتجاجات شعبية، كل ذلك مثل أخطاء قاتلة ساعدت المحتجين أكثر مما أحبطتهم أو ردعتهم.

لمعرفة من سينتصر في سورية، لا بد من القول ان الخوف الآن يسري في عروق النظام العاجز عن فهم احتياجات شعبه، وليس الشعب السوري الذي كسر حاجز الخوف وخرج إلى الشوارع ولن يعود حتى تتحقق أحلامه وتطلعاته في الحرية والكرامة. إنها قوانين التاريخ. فخذ أيها النظام «حصتك من دمنا وانصرف».

كاتب سوري

الراي

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...