صفحات العالم

خطاب الأسد.. خيبة ثالثة


حسين علي الحمداني

هل حمل الخطاب الثالث للرئيس بشار الأسد لهجة جديدة؟ أم أنه استكمال للخطابات السابقة؟ حاولت جهد الإمكان أن أستشف الجديد فيه لكنني عجزت – كما عجز غيري من الذين تابعوا الخطاب الذي كنا نتأمل أن يحمل ما هو جديد أو ما يسمى بالإصلاح – وخاب مسعانا في إيجاد رائحة من الإصلاح في الخطاب الثالث الذي لم يختلف كثيرا عن سابقيه.

وخيبة الأمل هذه لم تصبني وحدي بل أصابت رجل الشارع السوري وهو يرى موجات التصفيق في البرلمان لكل كلمة يقولها «الريس» أو يفكر في قولها، فما زالت الدبابات في الشوارع، وما زال المهجرون في معسكرات اللاجئين، وما زالت الماكينة الإعلامية السورية الرسمية تعزف معزوفة «المندسين والمؤامرة والإرهابيين» وحتى الخطاب الذي ربما يكون الأخير لبشار الأسد كان يحمل ضبابية كبيرة في التعامل مع الأحداث في سوريا، وظل ينظر للمتظاهرين على أنهم يجب أن يلقوا السلاح ويحاسبوا على جرائمهم! فمن الذي يحمل السلاح يا ترى؟ هل سمعتم بمظاهرات شعبية يحملون فيها أسلحة؟ اللهم إلا إذا اعتبر الأسد اللافتات المرفوعة هي الأسلحة! أو نظر للمطالب الشعبية على أنها أسلحة يجب تسليمها!

خطاب الأسد كرس مفهوم الدولة الأمنية المستبدة، الدولة التي تتعامل مع الشعب على أنه «متآمر»، وبالتالي ترجح كفة الحل الأمني على الحلول الأخرى المطروحة والتي ربما تكون في فترة من الفترات بالمتناول ويمكن تحقيق شيء ما من خلالها. لكن ترجيح الحلول الأمنية، ينسف بالتأكيد ما تبقى من الثقة بين الشعب والنظام، وهذه الثقة من الصعب استرجاعها، أو بصريح العبارة من الصعب أن تكون ثمة علاقة إيجابية بين الشعب والنظام بعد المعاناة الكبيرة للشعب السوري، خاصة أن الخطاب صنف الشعب السوري المنتفض إلى ثلاثة مكونات اعتبرها الأسد مسؤولة عما يحدث في الشارع السوري؛ أولها أصحاب حاجة لهم مطالب مشروعة، من دون أن يحدد حجم هؤلاء ونسبتهم في المجتمع السوري ومدنه وقراه، وثانيها المطلوبون للعدالة والذين يزيد عددهم على 64 ألف شخص وهو ما يعادل خمس فرق عسكرية حسب تعبيره، وهذا العدد الذي أطلقة يريد من خلاله إعطاء صورة عن «الفوضى والتخريب» ولكن لم يسأل نفسه هل هؤلاء مطلوبون للعدالة قبل الأحداث أو بعدها؟ وطبعا هنالك فرق كبير جدا بين أن تكون مطلوبا قبل أحداث سوريا ومظاهراتها أو بعدها، لأنه بعد الأحداث بات كل الشعب مطلوبا للعدالة وفق مفهومها لدى السلطة السورية.

أما الصنف الثالث فهم أصحاب الفكر المتطرف والتكفيري الذين اعتبرهم الأخطر في كل ما يجري في سوريا. وهذه التصنيفات للمجتمع السوري يراد من خلالها خلط الأوراق وربما العزف على وتر الشقاق بين مكونات الشعب، والأسد يعرف ديموغرافية سكان سوريا قبل غيره، وبالتالي تعامل مع هذه التركيبة مرة أخرى برؤية أمنية بحتة كعادته.

نعود للخطاب الذي لم يتناول القضايا المطروحة في الشارع السوري والتي أكدها الأسد بأنها أكثر من ألف ومائة قضية استمع إليها شخصيا ولكن ما فائدة الاستماع دون البحث عن الحلول المطلوبة؟ هل يكفي أن يقول الرئيس «فهمتكم» أو «إني أعي»، وكيف يمكن أن تكون تعددية حزبية في سوريا والمادة الثامنة ما زالت تتسيد المشهد السياسي السوري لتجعل البعث في المقدمة دون سواه من الأحزاب؟ وكل ما قدمه بشار الأسد في خطابه الثالث هو مزيد من الوعود الإصلاحية، هذه الوعود التي ظل الشعب السوري يسمعها منذ سنوات طويلة.

ولم ينس بشار الأسد أن يؤكد أن سوريا يجب أن تعطي دروسا للآخرين في الديمقراطية، ولا أدري طبيعة الديمقراطية التي من الممكن أن تكون موجودة في سوريا في ظل نظام قائم على حزب واحد منذ أربعة عقود، وكيف يمكن أن تتحقق هذه الديمقراطية وسط تزايد حالات القمع والتهجير التي شكلت علامة بارزة في المشهد السوري.

الشرق الأوسط

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى