الرئيسية / صفحات العالم / خطاب جديد لا جديد فيه

خطاب جديد لا جديد فيه

 


مركز الجزيرة للدراسات

لم يكد خطاب الرئيس بشار الأسد يوم 20 يونيو/حزيران ينتهي حتى انطلقت مظاهرات معارضة للنظام في مناطق متعددة من سوريا، داعية إلى التغيير وإسقاط النظام. وكان هذا بمثابة تصويت سلبي مبكر على الخطاب. ولم تكن المظاهرات المعارضة وحدها هي ما قلّلت من شأن الخطاب والخطيب، بل أيضا غمغمات سُمعت هنا وهناك من أوساط ليست معارضة للنظام، كانت تأمل أن يسجل الخطاب نقلة نوعية في التعامل مع الأزمة الوطنية التي تعصف بالبلاد منذ نحو 100 يوم. ومزيج من شعور الإحباط والاستغراب تملّك ناطقين دوليين متعددين أيضا.

وكتقدير عام بدا الخطاب فاترا، خاليا من أية مبادرة مهمة كان من شأنها أن ترتفع إلى مستوى تاريخية اللحظة السورية، وتسهم في تغيير البيئة السياسية في البلد، بما يُمكِّن النظام قبل غيره من استعادة زمام الأمور أو جانب منها.

خطاب جديد لا جديد فيه

تفاعلات وأصداء

مسارات محتملة

لم يحمل الخطاب جديدا أساسيا، سواء على مستوى التشخيص أو مستوى المعالجات. صحيح أن الرئيس لم يُطل كثيرا عند حديثه عن “المؤامرة” التي شبهها بـ”الجراثيم”، لكنه اعتبرها أمرا مسلّمًا به. ثم مضى إلى الكلام عن مكونات ثلاثة لما يجري في البلد: أصحاب حاجات، ومخربين، وأصحاب فكر تكفيري. وإذ قال: إنه التقى بكثير من أصحاب الحاجات، وأقام معهم “حوارا وطنيا”، فقد رأى أنه لا حل سياسي مع حَمَلة السلاح المخربين الذين “فوجئ” حين عرف أن عددهم يتجاوز 64 ألفا. وهو ما ينطبق أيضا على أصحاب الفكر التكفيري الذي قال عنهم: “إننا سبق أن خبرناهم”، في إحالة مرجحة إلى الإخوان المسلمين السوريين، ومواجهتهم مع النظام في مطلع ثمانينيات القرن العشرين.

هذا التشخيص يضيع الجوهر السياسي للأزمة السورية، وهو تقادم النظام السياسي وتحوله إلى ما يشبه ثوبا ضيقا، خانقا لسوريا بسكانها الذين يقاربون اليوم خمسة وعشرين مليونا. والأهم أن هذا التشخيص لا يؤسس إلا لمعالجات اقتصادية تلبي مطالب “أصحاب الحاجات”، ولمعالجات أمنية تقمع “المخربين والتكفيريين”، فيما تُستبعد منه المعالجات السياسية الضرورية.

الكلام عن حوار وطني، بل عن لجنة تتحاور مع أناس غير معلومين لوضع أسس وآليات للحوار، الذي سينطلق بعدها دون أن يكون واضحا أين وكيف ومتى، لا يعني المضي في معالجة سياسية، بل هو أقرب إلى هروب منها. ومثل ذلك ينطبق على الكلام عن قوانين مفترضة للأحزاب وللإعلام وللانتخابات. الشيء المشترك بين هذه التوجهات هو أن النظام يجعل من نفسه المرجع السياسي والقانوني لما تتضمنه من إجراءات “إصلاحية”، وأنه هو من يشكل اللجان، وهو من يحدد المطلوب منها، وهو من يُعرِّف “سقف الوطن” الذي يفترض أن تجري تحته، الأمر الذي يعني أن (الإصلاحات) المفترضة لابد أنها تشبه النظام. لكن كيف تكون إصلاحية إذن؟ الواقع أنها لا تعدو كونها محاولات لإعادة إنتاج النظام ذاته تحت عناوين ومظاهر أخرى.

ولقد أخفق الخطاب والخطيب في تبيين أن ما يجري في البلد الذي يحكمه منذ أحد عشر عاما هو احتجاجات شعبية متسعة تطالب بالحرية والتغيير السياسي. بدا كلام الرئيس بشار أشبه بما يتردد في وسائل الإعلام السورية الرسمية، وهو ما أدى إلى نتيجة مفادها أن ظهوره لم يمثل أهمية مضافة. فمجرد ظهور الرئيس، وقد كان متداولا أنه سيظهر قبل نحو أسبوع من خطابه (الثلاثاء 14يونيو/حزيران)، ثم قبل أربعة أيام (الخميس 16يونيو/حزيران)، يعني توقعات مرتفعة السقف، سارع إلى التبشير بها السفير السوري في واشنطن: عماد مصطفى. وقد أسهم في رفع سقف التوقعات أيضا أن السيد بشار الأسد غاب لما ينوف على شهرين قبل هذا الظهور المتأخر.

فلماذا لم يرتفع الخطاب إلى هذا السقف؟ ولماذا ظهر الرئيس إذن؟ إجابةً على السؤال الأول، يبدو أن بنية النظام السوري غير قادرة على توليد معالجات سياسية أساسية. فلطالما أراد النظام أن يغير كل شيء بشرط أن يبقى كل شيء على ما هو عليه. يغير المظاهر كلها، على أن يبقى الجوهر السياسي: تلاحم السلطة العائلية مع الأجهزة الأمنية ومع الهيمنة على الموارد الوطنية دون تغيير. ولقد كان لافتا في الخطاب الإشارة إلى احتمال القيام بتعديل دستوري يطول المادة الثامنة التي تمنح حزب البعث دور القيادة في الدولة والمجتمع، أو حتى تغيير الدستور بأكمله. ولا يبدو أن الرجل على بينة من أن تغيير الدستور يعني تغيير النظام، وتغييره هو شخصيا. لكن يبدو أن النظام مستعد للتضحية بحزب البعث ولتغيير الدستور بشرط البقاء في السلطة. إن النظام غير قادر على رفع  سقف التوقعات بما يتجاوز ما تضمنه الخطاب من وعود شكلية: لجان ومشاريع قوانين و…”حوار وطني”.

أما عن سبب ظهور الرئيس، فيبدو أن الأمر يندرج ضمن مجموعة من الخطوات التي يبتغي النظام منها استعادة زمام المبادرة دون تنازلات سياسية ذات قيمة. كان معلوما قبل الخطاب ذاته أن اليوم التالي سيشهد “تجمعات شعبية عفوية” موالية للنظام في ساحات المدن. ولقد جرى ذلك فعلا يوم الثلاثاء 21يونيو/حزيران. وتؤكد معلومات متواترة أن موظفي الإدارات الحكومية وشركات خاصة قد أُلزموا بالمشاركة. وأُجبِر سائقو “السرفيس” (حافلات صغيرة، تشكل واسطة النقل الرئيسية داخل دمشق وبينها وبين ضواحيها) على المشاركة عبر مصادرة هوياتهم، وعدم إرجاعها لهم حتى انفضاض التجمعات. ولا ريب أيضا في وجود موالين طوعيين، يصعب تقدير نسبتهم بين المشاركين، ربما بين الثلث والنصف. ولقد كان لافتا البذخ في الإنفاق على هذه التجمعات: أعلام وصور مكلفة، وبالونات، فضلا عن متابعة بكاميرات أجهزة الإعلام الرسمية، والبث المباشر للتجمعات والهتافات. وهو ما يكشف عن بُعد اجتماعي طبقي في الصراع السياسي المحتدم في سوريا اليوم بين موالين ميسورين يدافعون عن الأوضاع القائمة، وبين كثرة تتدهور مقاديرها، تعارض النظام ولا تكف عن الخروج ضده.

ومن الخطوات الأخرى التي يبدو أن الخطاب يندرج ضمنها وتعطيه بعض دلالته إصدار عفو عن الجرائم المرتكبة حتى يوم إلقائه. غير أن الخطاب لم يُشر إلى “عفو” وشيك، وهو ما قد يدل على طابع إعلامي لهذا العفو، الذي يبدو أنه -مثل سابقه في نهاية الشهر الماضي- لا يشمل أكثر المشاركين في الأنشطة الاحتجاجية للانتفاضة.

فإذا كان هذا التقدير الخاص بكون الخطاب عنصرا ضمن مجموعة أوسع من الإجراءات، كان من المحتمل أن نشهد تصعيدا في الإجراءات القمعية لمواجهة الانتفاضة، بدعوى أن “المشروع الإصلاحي” الذي تقدم به النظام، والعفو الذي أصدره لم يجد صدى، وهذا ما يعطي المبرر لاستعمال مزيد من القوة.

تفاعلات وأصداء

عدا مظاهرات احتجاج فورية تلت الخطاب، أصدرت لجان التنسيق المحلية، بيانا قالت فيه: إن الخطاب “لم يقترب من كونه خطاب أزمة وطنية”، وأنه “تعامى” عن حقائق جلية، “أهمها رغبة السوريين وإرادتهم من أجل الانتقال ببلدهم إلى نظام ديمقراطي حر تعددي”.

وهذه اللجان مكونة من ناشطين شباب منخرطين في أنشطة الانتفاضة الميدانية والإعلامية والتنظيمية، وقد أضاف بيانها أن الخطاب “تكريس للأزمة”، ورأى في دعوة “الحوار المزعوم” المضمنة فيه “مجرد محاولة لكسب الوقت على حساب دماء السوريين وتضحياتهم”، قبل أن يضيف: “لا نرى فائدة من أي حوار لا يكون الهدف منه طي صفحة النظام الحالي بصورة سلمية، والتحول نحو سوريا جديدة، دولة ديمقراطية حرة، ولمواطنيها كافة”.

ولم تهتم أطراف المعارضة التقليدية بإصدار موقف من الخطاب، لكن من أتيح لهم التكلم عبر الفضائيات الغربية وتلك الناطقة بالعربية عبّروا عن مواقف متشككة. ولا يبدو أن أية أطراف دولية معنية بالأزمة السورية وجدت شيئا مهما في الخطاب؛ إذ سارع الرئيس التركي، على سبيل المثال، إلى القول: إنه غير كاف. وتبدو مواقف القوى الغربية بمجملها أقرب إلى نفض اليد من النظام ورئيسه منها إلى تلمُّس شيء إيجابي في كلامه.

مسارات محتملة

من المفيد طرح تساؤل عن الحالة الذهنية لمتخذي القرار في النظام اليوم، وتحديدا النواة السياسية-الأمنية، وما إذا كان من المحتمل أنهم يفكرون فعلا بأن هناك مؤامرة دولية ضدهم؟ وأن تركيا وقطر، والقوى الغربية، هي أطراف المؤامرة؟ وأن هناك شركاء داخليين فيها، لا غرض لهم غير انتزاع الحكم؟ من المهم الإجابة على هذه التساؤلات لتقدير احتمالات تطور الأوضاع في البلاد؛ فإذا كانت النواة الصلبة للنظام تعتقد كذلك، وهو ما نرجحه، فمن المحتمل أن تتوسع في التنكيل بحركة الاحتجاج. وقد يكون الخطاب، تاليا، نقطة النهاية في الصفحة الأولى من الأزمة الوطنية السورية، وبداية الصفحة الثانية. ولا يُستبعد أن تجري مواجهة الشارع المحتج بشارع موال مدعوم من الجهات الأمنية ومن “الشبيحة”، وقد كان النظام دوما على مسافة قريبة من هذا الاحتمال. ويبدو أن “بروفة” على هذا الاحتمال جرت في حمص واللاذقية يوم الثلاثاء، 21يونيو/حزيران، بعد الخطاب بيوم واحد، وسقط بسببها قتلى وجرحى.

وكلام الرئيس عن أننا سنعطي دروسا في الديمقراطية، ولا نتقبل دروسا من أحد، وهو موجه للقوى الدولية، ولتركيا بخاصة، يبدو مؤشرا على صدور النظام عن ذهنية “القلعة المحاصرة”، التي قد تنهج نهجا انتحاريا.

وإذا كان مرجحا أن النظام يقترب من استنفاد الوسائل العسكرية في مواجهة الانتفاضة والاحتجاجات المستمرة والمتسعة، وإذا كانت الضغوط الدولية مرشحة للتصاعد بعد تعويل ألمانيا على دور تركي أنشط في مواجهة النظام السوري، وبعد إمهال الأتراك النظام أسبوعا من أجل إصلاحات سياسية ملموسة، فإن ما يخشى منه هو أن تكون الصفحة الثانية في الأزمة السورية هي الحرب الأهلية. إذا سارت الأمور في هذا الاتجاه، فإن مستوى التنكيل بالمدنيين العزل وبالمحتجين المسالمين قد يرتفع، وقد تدخل سوريا في غمار أزمة كيانية لا تهدد مستقبلها السياسي وحده، بل وكيانها الوطني.

هل لا يزال احتمالا واردا أن ينعطف النظام نحو معالجات سياسية أكثر جدية، تستجيب لبعض تطلعات الانتفاضة، ولما تنتظره منه القوى الدولية؟ الاحتمال معدوم أو يكاد؛ فإن المسارات الأمنية والسياسية السالكة في سوريا اليوم ترجح أن يكون الفعل موجها نحو مزيد من الإيغال في القمع والفتك بالبيئات الاجتماعية للحركة الاحتجاجية.

المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...