الرئيسية / صفحات العالم / خطران على سوريا

خطران على سوريا


زياد حداد

يمكن الدخول إلى الموضوع السوري، أزمةً وأفقاً ونتائج، من زاوية لبنانية ضيقة ضيق الحارات في الأسواق القديمة، أو من زاوية عربية ترسمها المصالح والأطماع، أو من زاوية إسرائيلية تشيد بالهدوء الذي كان سائداً وتخشى المجهول الآتي، كما من زاوية إيرانية محكومة بالنظر من خلال استراتيجيا الهيمنة والتفاوض اللاحق مع الغرب، أو من زاوية تركية تحلم بالنفوذ الناعم، أو من زاوية غربية حلمت طويلاً بالتقارب شبه المجاني مع الأسد الذي لم يمنحها أكثر من بعض الهدوء في العراق. لكن الزاوية الأصح لمقاربة الموضوع السوري هي الزاوية السورية تحديداً. كل ما سوى ذلك، من وجهة النظر الفكرية والأخلاقية، نفاق وانتهازية.

الزاوية السورية تعني بالضبط وضع الشعب السوري في صدارة الأوليات، وبناء عليه وعلى النزاهة الفكرية والأخلاقية ينبغي أن تبنى المواقف. يعني هذا الترتيب للأولويات أن المواقف في السياسة الخارجية (وليست المعارضة السورية بأقل وطنية أو حرصاً على المصالح السورية والعربية من النظام المستقوي بإرث مديد من الدعاوة الفارغة) ليست ما ينبغي أن يوضع في الميزان، إذ أنه لا يحق لأحد أن يعلي من شأن القضايا الخارجية على حساب سوريا نفسها. إنها عودة سوريا إلى سوريا، لكنها ليست انحساراً. في هذا المعنى، يمكن المرء أن يقيس شرعية المخاوف مثلما يمكنه أن يقدّر خطورة التدخل الخارجي الذي يلوح وكأن لا مفر منه، وأن يقترح مداخل للحد من ضرره.

هل من شرعية للمخاوف؟

يثير البعض غبار المخاوف كي يبرر ترك الحكم يوغل في الدم مهلة أطول. غير أن الوقت الممنوح للحكم لمحاولة اخماد نار الثورة ضده قد نفد منذ أمد بعيد، ولم يعِ من يصدر الأوامر أن الثورة ليست في بؤرة أو أكثر كي يمكن إطفاؤها، بل هي عمّت كل مدن سوريا، بما في ذلك دمشق القديمة وبعض نواحي حلب. مشكلة الثورة أنها محض نداء متعطش للحرية ولنهاية زمن المخابرات الذي دخلته سوريا منذ نحو خمسين عاماً. وكان ماكيافيلي قد لاحظ أن الحرية إن دخلت قلب مدينة فلا يمكن إسكات ندائها إلا بتدمير المدينة. هل في وسع الأسد أن يدمر سوريا بأكملها كي يظل حاكماً على الركام؟

يكرر ذلك البعض مخاوفه من الإسلاميين، كما من الفتنة والحرب الأهلية، ومن دمار الدولة الأسدية ومنجزاتها. لكنه لا يسأل عما قد يفيد الوقت ولا الدم السائل أنهاراً في درء هذه الأخطار. كما لا يسأل عمّن يثور: إن كان ثوار سوريا هؤلاء نصف الشعب فقط، على ما يريد البعض أن يوحي، وكلهم إسلاميون، فإن على الحكم الأسدي أن ينهار لأنه يحكم بالإعدام على نصف شعبه. وإن لم يكونوا إسلاميين، فممّن الخوف؟ وإن كانت الحرب الأهلية خطراً جاثماً على سوريا وأقلياتها اليوم، بعد أن لم يكن كذلك في تاريخها كله، فمَن الملوم سوى مَن اعتاش على بث الفرقة وتغذية الأحقاد، وهل يفيد منحه المزيد من الوقت شيئاً في معالجة هذا الخطر؟ وإن كانت الدولة الأسدية قد أنجزت شيئاً، كما يدّعي المنافحون عنها، فهل هو كرامة السوري الفرد أم العدالة في حقه أم الرفاهية والعمل الموفور في دولة كانت تصدّر مليون عامل إلى لبنان حيث تُنتهك حقوقهم تحت سمع الجيش السوري ومخابراته من دون رادع؟ هل تقاس المنجزات بالأوتوسترادات وبحجم صور الرئيس وباعتمادات أجهزة المخابرات؟ ربما لا ينبغي للمرء أن يسأل عن حقيقة هذه المخاوف، بل عن مشروعيتها. حتى لئن صحّت، فالملوم عليها نظام حكم من دون شريك ومن دون خوف من مساءلة عقوداً طويلة ومن دون اعتبار لحقّ الشعب عليه، وهو تالياً ليس المخوّل حتماً إصلاحها.

هل المخاوف حقيقية؟

لا يعلم أحد بالضبط حجم “الإخوان المسلمين” أو الجماعات المتطرفة في الداخل السوري، حيث كان هؤلاء ملزمين التخفي منذ ثلاثين عاماً. ما كان مسموحاً ظهوره بالطبع هو الجماعات التي يحرّكها النظام كالدمى حين يشاء. لكن المعلوم في الضرورة هو حجم الشباب من المجتمع السوري، الذي هو من أفتى المجتمعات العربية. يعني ذلك أن لا مناص من التوجه، في سوريا، نحو مجتمع يمنح مساحة أكبر للشبيبة والنفس الجديد والتفكير الحر والفردي، ونحو نشاط اقتصادي واجتماعي أكبر للمرأة، ونحو اتصال أكبر بالعصر وأدواته وأفكاره ومساحاته الافتراضية وتفاعله اليوم مع أرجاء المعمورة. يعني ذلك أن الطريق، وإن لم تكن معبّدة بالورد، لا يسعها أن تنتهي على الطريقة الإيرانية، أي بسرقة الملالي للثورة. ولا يمكن “الإخوان” تالياً أن يحكموا من دون توكيد استعدادهم التخلي السلمي عن السلطة وفقاً لنظام سياسي ديموقراطي ضابط الكل. معاندة “الإخوان” لهذا الواقع ستؤدي، بعد سقوط الأسد، إلى سقوطهم بخاصة اثر انتهاء موجة التعاطف معهم كمقموعين. كما لا يسع المتطرفين، أياً يكن عددهم، الحكم باسم معاداة المسيحيين أو الدروز أو العلويين. إن دعم المجتمع العربي والدولي شرط لنجاح الثورة، وهذا الدعم سينقلب في حال استعداد أي حاكم جديد للسير في خطة بناء أحقاد جديدة وتنفيذ مجازر جديدة. يظل ذلك كله مشروطاً بسلمية الثورة، ذلك أن المثال الليبي يدل، إلى جانب النجاح في قتل القذافي، على المساحة التي يتركها العمل المسلح للمتطرفين و”القاعديين”.

في هذا الإطار، يبدو نشاط ما بات يسمّى “الجيش السوري الحر” أخطر ما يجري في سوريا، فليس فقط مجهولاً ارتباط هذا الجيش بقيادة سياسية محددة أو التزامه العام الثورة وتوجهاتها (على ما أشار إليه زميلنا ياسين الحاج صالح في مقالته في “الحياة”، في 19 تشرين الثاني)،  بل إن بعض ما يذاع عن عملياته يثير أسئلة قاسية، إذ هل تفيد هذه العمليات الشعب السوري أو تحمي مدنه وبلداته، أم أنها قد لا تعدو، في أحسن الأحوال، كونها انتقاماً يبيح لجيش الأسد الرد عليه بفظاعة، وقد تصير وسيلة تبيح لنظام الأسد التهويل وقلب صورة الثورة التي يتعاطف معها الناس ويتردد صداها في قلوبهم ونفوسهم؟ مثل هذا النشاط كمثل ما يذاع عن بعض عمليات الزعران والمجرمين من قتل طائفي في مدن كحمص، وهو إن صح، عمل إجرامي ينبغي للتنسيقيات والمجلس الوطني دعوة المتظاهرين إلى تخصيص جمعة لرفضه حصراً.

إن عسكرة الثورة هي الخطر الوحيد الفعلي المحدق بسوريا اليوم، وما قد يكون من مصلحة جهات كثيرة، تقف على شفا نقيض في الصراع الدائر. لكن درء هذا الخطر يستوجب اقتراحات وخطوات أفعل من مجرد الاستنكار، أو من منح الأسد وقتاً إضافياً للقضاء على ما يعتبرها “بؤراً ثورية”. درؤه يستوجب تقديم بديل يحظى بدعم شعبي واسع ويحمي السوريين حقيقةً ويؤمّن لهم انتصاراً يليق بتضحياتهم الهائلة. هذا البديل لا يسعه في حال من الأحوال أن يكون التدخل الأجنبي العسكري أو إنشاء مناطق عازلة أو إقامة حظر جوي، على ما يدعو البعض إليه.

التدخل الذكي

لا التدخل العسكري

لا يمكن إنشاء منطقة عازلة أو حظر جوي من دون القيام بعمليات عسكرية ضد الجيش السوري. على رغم أنه أمر مستبعد، بالنظر إلى موازين القوى الإقليمية وإلى رغبة الجميع في تفادي حرب شاملة، فإن الدعوة إلى مثل هذا الأمر ينبغي أن تشكل خطاً أحمر للمعارضة السورية. ذلك أن أي عملية عسكرية أجنبية ضد الجيش، تمنح نظام الأسد ذريعة للرد بوحشية، كما تمنحه تفوقاً أخلاقياً وسياسياً كونه ليس الطرف الذي يستدعي مستعمراً جديداً إلى الأراضي أو الأجواء السورية. كما أن من شأن تدمير قدرات الجيش السوري أن ينعكس ضعفاً شاملاً في قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية كما الخارجية، والحالة العراقية في هذا الخصوص بالغة الدلالة. ثم إن الفائدة من التدخل العسكري، إن لم يكن احتلالاً تاماً ومباشراً، ضئيلة للغاية. فالحظر الجوي أو القصف الصاروخي لم يُسقط يوماً نظاماً بمفرده، إذ لا يوقّع حاكم ورقة هزيمته أمام رأس صاروخي بل أمام مفاوض، على ما قال احد العسكريين.

للتدخل العسكري إذاً كلفة غير مقبولة، غير أن ذلك لا يعني القبول ببقاء النظام الأسدي حاكماً. التضحيات السورية قد فرضت الآن على العرب والعالم وضع سوريا على قائمة الأولويات والتوافق على أن نظام الأسد لن يستمر على ما كانه. حتى القول بضرورة الإصلاحات بات حيلة بلاغية بما أن الإصلاحات ما عادت تعني أصلاً غير إنهاء التوريث الأسدي والاستيلاء العصابي على مقدرات البلاد. من الضروري إذاً للمعارضة السورية ألا تتأخر عن تقديم عرضها للحل ولليوم التالي بحيث تترجم التضحيات والدعم الذي أنتجته إلى معطى سياسي مطروح كثمن لهذه التضحيات لا يقبل التفاوض عليه ولا التنازل.

يمكن هذه المعارضة، وإن تكن متعددة، أن تقدم اقتراحات عملية محددة، إلى جانب دخول الصحافيين إلى كل انحاء سوريا بدل مراقبي الجامعة العربية الذي نعرف في لبنان مدى هشاشة قدرتهم، وذلك لتنظيم عملية وقف العنف ونقل السلطة. من ذلك في طبيعة الحال، السماح للصليب الأحمر الدولي بحرية التجول في الأراضي السورية وتمكينه بموجب اتفاق مع الحكومة القيام بإطلاق سراح المعتقلين من دون انتظار قرار من سلطات الاعتقال، ما دامت لم تصدر أحكام سابقة على الثورة في حقهم، ومنها، مثالاً لا حصراً أيضاً، دعوة شخصيات دينية كبابا روما، والدالاي لاما، وشيخ الأزهر، إلى الحضور إلى المناطق المشتعلة والصلاة فيها.

غير أن بعض أبرز ما يمكن المعارضة الاتفاق عليه هو الاتفاق على عدم اجتثاث حزب البعث، على الطريقة العراقية البشعة، وتقديم أطروحات مكتوبة عن قوانين الإصلاح والمبادئ الدستورية التي يلتزمها جميع أطراف المعارضة من دون استثناء. وحيث أن اختراع الدولاب لا يحتاج إلى تكرار، فإن قوانين حرية التظاهر السلمي وحرية الإعلام وحرية العمل الحزبي وحرية الدين والمعتقد ومبادئ فصل السلطات والتداول السلمي للمناصب وفصل الدين عن الدولة (دون عداء منها تجاهه)، مما لا ينبغي أن يتردد فيه احد، كما لا ينبغي أن تأخذ صياغته، مستوحاةً من تجارب الأمم، وقتاً كثيراً. يمكن مثل هذه الاتفاقات أن تشكّل عرضاً سياسياً مكتوباً تتقدم به المعارضة كثمن مقبول لإنهاء المعركة، مع استمرار الثورة حتى نهاية النظام الأسدي التامة ولكن بأساليب أخرى.

في وقتٍ يلفّ فيه الغموض حقيقة القدرات والنيات التركية، مثلما يلفّ حقيقة المواقف الإيرانية المتضاربة والمتتالية، وفي وقتٍ يلوّح فيه العرب بالتنازل عن حماية النظام السوري من الحنق الغربي، على المعارضة السورية، ولها وحدها أن تأخذ زمام المبادرة. كما على الحكومة اللبنانية، إن كانت حريصة على لبنان وعلى سوريا، أن تدعو هذه المعارضة إلى عقد مؤتمر علني لها في لبنان لإعلان مبادرتها منه، وطناً شقيقاً وأرضاً حاضنة لمستقبل سوريا، مع تقديم ضمانات فعلية لسلامة المشاركين. يبدأ ذلك من الكشف عن حقيقة قضايا خطف المعارضين السوريين في لبنان. هل ينبغي للبنانيين أن ينظّموا ثورة أيضاً، ربما تحت شعار “تبّاً” الذي رفعه عباس بيضون في مقالته الأسبوع الفائت بديلاً من “كفاية” المصرية، كي يتاح لنا أن نحلم بمثل هذا الحرص اللبناني على أن يكون لسوريا وجه مشرق، وضّاح المعالم؟ تبّاً، أيها الشباب اللبناني. هل تكون “تبّاً” الإضافة اللبنانية لشعارات إسقاط النظام في العالم العربي؟

النهار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...