الرئيسية / صفحات الثقافة / خفّة المُشاهد التي لا تُحتَمل، تمارين على صورة ذاتية” معرض لشذا شرف الدين

خفّة المُشاهد التي لا تُحتَمل، تمارين على صورة ذاتية” معرض لشذا شرف الدين


الفنّ في مواجهة العنف

ريّان ماجد

منذ اندلاع الثورة السورية، ومشاهد العنف والموت والأجساد المشوّهة تملأ الشاشات.

“لم أكن أعرف ماذا أفعل بهذا الكمّ من العنف الذي أشاهده، كيف أتعامل معه، كيف أتخطّاه، وأتخطّى شعوري بالعجز حياله؟”. كان الفنّ بالنسبة إلى شذا شرف الدين المخرج الطبيعي لجعل العنف “مُحتملاً”، ولتحويل آثاره المدمِّرة إلى عمل تصنعه هي، تتماهى من خلاله مع معاناة الناس وعذاباتهم وتكون شاهدة على آلامهم.

بدأت شذا مشروعها باستعادة أعمال بعض كبار الفنّانين عبر التاريخ وأيضاً فناني العصر الحديث الذين تناولوا موضوع العنف وصوّروا الحروب والتعذيب. إلى أن وصلت إلى لوحات فرانسيس بايكون، الرسّام الانكليزي، الذي صوّر العنف والبشاعة وغالباً ما تعامل في لوحاته مع الجسد بوصفه كتل لحم أو “حالة نفسيّة” أكثر مما هو شكل خارجي، بحسب شذا. “بايكون كان المفتاح بالنسبة إليّ، لأنه ساعدني على التعبير عمّا يجول في خاطري من خلال صوره”.

شكّلت ثلاثيتا بايكون المرجع الأساسي للجزء الأول من مجموعة شذا شرف الدين، “خفّة المُشاهد التي لا تُحتمل، تمارين على صورة ذاتية”. في ثلاثيته الأولى، رسم وجه صديقه جورج داير، الذي يتكرّر هو نفسه، لكنّه في كلّ مرّة يظهر في وضعية مختلفة. وفي الثلاثية الثانية، رسم “رؤوساً ثلاثة” تشبه في تشويهاتها تلك التي أضافها إلى وجه داير.

أرادت شذا إعادة تصوير مجموعتيّ بايكون على طريقتها.

“كنت أريد إيصال تشوّهات الوجه من دون استعمال الفوتوشوب، وهنا حالفني الحظّ بلقاء المصوّر طلال خوري الذي اقترح العديد من الأفكار. جربّنا تقنيّات عدّة إلى أن اعتمدنا “الألومينيوم” الذي يتم التماري عليه للوجه الذي تلتقطه الكاميرا. مجموعتا بايكون كانتا حاضرتين معنا خلال التصوير. للمجموعة الأولى استطاع جوني الخوري رسم ألوان وجوه بايكون وخطوطها على وجهي. أما في المجموعات الأخرى فلوّنت وجهي بنفسي. كنت أقف أمام لوح من الألومينيوم المطعوج. وجهي الملوّن يتحرّك على هذا اللوح، والكاميرا، لساعات طويلة، تلتقط انعكاساته من زوايا مختلفة. لعب طلال أيضاً على الإضاءة كي يجعلها تشبه لوحات بايكون”.

بالتوازي مع الشقّ التقني هذا، كانت شذا تحاول “استدخال أحاسيس شخصيّات الرسّام الانكليزي وتعابير وجوههم ومحاكاة وضعيتهم”. وقد أرادت “التماس روح بايكون لمعرفة ما أراد قوله عندما رسمهم، والتقرّب أيضاً من الأشخاص المرسومين”، كي تشعر بأحاسيسهم وتحاول التعبير عنها.

بعد ذاك انتقلَت إلى تصوير مجموعتين جديدتين مستندة، هذه المرّة، إلى صور مروّعة رأتها على يوتيوب لوجوه فاقدة ملامحها ولأجساد شوهّها التعذيب: “في هذه المرحلة من العمل قرّرت نقل مشاعري تجاه العنف اليومي التي كنت شاهدة عليه. أردت أن أكون جورج داير الذي يتحوّل وجهه بحسب مشاعره (أو هذا ما أفترض أن بايكون أراد قوله)، وأن أكون أنا الشاهدة على “تحوّلاته” من جهة (بايكون)، وأنا التي “تتحوّل”، من جهة أخرى (داير)”.

إسترجَعَت صورة الطفل الذي عذِّب وأُعيد الى أهله جثّة مدموغة بآثار التعذيب: “تخيّلتُه حيّاً. تساءلت عن إحساسه حين كانوا يحفرون هذه البقع الزرقاء على جسده… وشعرت بالعجز”. لوّنت شذا وجهها وشوّهته، علّها بذلك تجد طريقة لتخفّف عنه الألم. “هي فكرة لا معنى لها سوى أنها محاولة لأقول له إنني رأيته. هي نوع من الاعتراف به وبعذاباته”.

قصص الناس الذين اقتُلعت حناجرهم، وصورة الطفل الذي حمله والده وقد فقد نصف رأسه، كانت حاضرة في ذهنها وحاولت التعبير عنها من خلال هاتين المجموعتين.

كانت حاضرة أيضاً صورة موجعة رأتها لطفل جالس في مشفى ميداني: “لم يتبقّ من وجهه إلاّ عيناه، لأنه فقد باقي ملامحه”. كان جالساً على السرير، منطقة الفمّ كانت عبارة عن ثقب كبير صار امتداداً للرقبة، كانت نظراته زائغة فيما الممرّض يضمّد له جرحاً في رجله. علمت شذا أنه مات بعد أيام.

تضيف: “صورة أخرى مشابهة عالقة في ذهني هي لامرأة كانت ممدّدة على سرير ما، لا تتحرّك. ظننت أنها فارقت الحياة. اقتربت الكاميرا من وجهها، وإذ بعينيها تنظران باتّجاهها، كأنها تقول إنها، بالرغم من التشويه الذي أصابها، ترانا. حاولت تجسيد وجهها ونظرتها وربّما نجحنا أنا وطلال في ذلك”.

كان العمل متعباً بالنسبة لها وللمصوّر: “أخذنا كميّة كبيرة من الصور. كان صعباً التقاط اللحظة والحصول على نتيجة قريبة من ثلاثيتَي بايكون والصور التي رأيتها على يوتيوب. اخترت 33 صورة فقط للعرض”.

رغم أنه كان موجعاً لشذا استرجاع المشاهد المذكورة ورؤية وجهها مشوّهاً، فهي أرادت، في لحظة ما، عدم اختصار آثار العنف على الوجه وتعابيره فقط، بل نقله إلى الجسد كلّه. كانت تريد تلوين جسمها، وتشويهه، لكيّ تشعر من خلال تعريضه للتلوين ومن ثم تصويره، بالاستباحة التي تعاني منها أجسام السوريين وأرواحهم. لكنّها امتنعت عن ذلك، بسبب المجتمع ونظرته إلى الجسم والعري: “لم أنفّذ الفكرة لأنني لا أريد أن يُساء فهم المشروع وأن يؤخذ إلى مكان آخر. الموضوع هو العنف، وكيفية تأطيره وتحويله إلى فنّ كي لا يدمّرنا”، وهو أيضاً “تعبير عمّا تؤول إليه الروح وهي ترى هؤلاء الذين لم يعودوا سوى كتل من لحم ومحاولة للتماثل معهم”، تكتب شذا في نصّها عن المعرض.

شذا شرف الدين (م ١٩٦٤)، لبنان. درست التربية العلاجية في سافيني (سويسرا) ورقص اليوريثمي في همبورغ (ألمانيا) قبل أن تنتقل إلى الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي في ٢٠٠٧. نشرت روايتها الأولى، “فلاش باك”، دار الساقي، بيروت ٢٠١٢. تعيش منذ ٢٠٠٦ في بيروت كفنانة وكاتبة مستقلّة.

غاليري أجيال، بيروت- الافتتاح في 20 تشرين الثاني (نوفمبر)، السادسة مساءً. يستمرّ المعرض لغاية 15  كانون الأول (ديسمبر) 2012.

للمزيد من المعلومات: http://www.agialart.com/exhibition.html

لبنان الآن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...