الرئيسية / صفحات مميزة / خمسة سنوات على الثورة السورية –مقالات وتحليلات-
Syrian civilians and activists hold a banner reading in Arabic "Long live Syria, down with Assad" during an anti-regime demonstration in the rebel-controlled side of Aleppo, on March 4, 2016. For the first time in years, hundreds of Syrians across the country took advantage of a nearly week-long ceasefire to resume anti-government protests under the slogan "The Revolution Continues." Waving the tricolour flag that has become the emblem of Syria's uprising, demonstrators in opposition-held areas of Aleppo, Damascus, Daraa, and Homs called for the downfall of Bashar al-Assad's regime. / AFP / KARAM AL-MASRI (Photo credit should read KARAM AL-MASRI/AFP/Getty Images)

خمسة سنوات على الثورة السورية –مقالات وتحليلات-

5 سنوات من الثورة السورية… روح لم تنطفئ (ملف)
تدخل الثورة السورية عامها السادس في أجواء توحي بأنه سيكون مصيرياً في مستقبل هذا البلد وشعبه. 5 سنوات قضت على كثير من مقومات سورية، بشراً وحجراً، لكنها لم تطفئ ثورة السوريين. يرصد “العربي الجديد” ما دُمر وما صمد من المجتمع السوري، وقواه الحية، واقتصاده، وما أخرجه لنا السوريون من إبداع وفنون تعرضت كغيرها من حيوات هذا الشعب للتصحير والإبادة خلال أربعة عقود من حكم نظام البعث.
خمس سنوات على الثورة السورية.. مقدمات وأجواء وتحولات/ سلامة كيلة
التباسات الثورة السورية كثيرة، وسوء الفهم هو الذي طالها، ولا زال الأمر ملتبساً ومشوّشاً، وربما أكثر من ذلك، حيث يصطف اليسار العالمي إلى جانب النظام، وتقف القوى الإمبريالية معه، أو تناور لمصلحته، وهكذا الدول الإقليمية. لهذا، لا بد من تحديد السياق التاريخي الذي انفجرت فيه، والظروف التي أحاطت بها، حيث ليس من الممكن فهمها من دون فهم ذلك كله. وبالتالي، لا يمكن فهم المسار الذي اتخذته، والواقع الذي وصلت إليه من دون ذلك. ولا شك في أن كل الثورات العربية تأثرت بالظروف العالمية والمحلية، وأصلاً كانت نتاج بعضها. لكن، كان الأمر أكثر تعقيداً في سورية.
الأزمة المالية العالمية في 2008
شكّل انفجار الأزمة المالية في سبتمبر/ أيلول سنة 2008 نقطة تحوّل عالمي، فهي ليست أزمة مالية عابرة، خصوصاً وأن النمط الرأسمالي بات يخضع لسيطرة الطغم المالية، بعد أن أصبح “اقتصاد المضاربة” هو الأساس في الاقتصاد الرأسمالي، فقد أصبحت أسواق الأسهم والمديونية والمضاربة على النفط والسلع والعملة، وسيادة “الاستثمار قصير الأجل”، هي السمات الطاغية في النمط الرأسمالي، وهذا ما جعله اقتصاداً أزموياً (أو مأزوماً)، نتيجة الآثار التي يتركها هذا النمط من النشاط الاقتصادي على بنية الرأسمالية، ما يسمح بنشوء “الفقاعات”، نتيجة التراكم التضخمي المتسارع.
“كل الثورات العربية تأثرت بالظروف العالمية والمحلية، وأصلاً كانت نتاج بعضها. لكن، كان الأمر أكثر تعقيداً في سورية”
لقد أظهر انفجار الأزمة تلك مدى التعقيد الذي باتت تعيشه الرأسمالية، ومدى الضعف الذي بات يحكمها. لأن سيادة الاقتصاد المالي على الاقتصاد الرأسمالي يؤدي إلى احتلالات كبيرة، ليس من الممكن ضبطها، بالضبط بفعل التراكم التضخمي الذي ينتج عن اقتصاد المضاربة والديون والاستثمارات قصيرة الأجل. وإذا كانت الأزمات الرأسمالية السابقة تجد حلاً لها، وكانت أزماتٍ ناتجةً عن مشكلات فيض الإنتاج، فإن الأزمة الراهنة التي أتت نتيجة “فيض الأرباح” لا يبدو أن هناك إمكانية لحلها. هذا ما ظهر بعد سنوات من الأزمة، وظهر أن احتمالات تكرارها كبيرة وحتمية. وإذا كانت قد أصابت الاقتصاد الأميركي، فقد أثّرت في مجمل الاقتصاد الرأسمالي. وبالتالي، يمكن القول إن هذا الاقتصاد بات معرّضاً لأزماتٍ مستمرة، متكرّرة، وربما تكون أسوأ من الأزمة السابقة.
وتعيش أوروبا أزمة ديون “دول الجنوب” (اليونان وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال)، وهي مهدّدة بانهيار كبير كذلك نتيجة احتمالات عجز تلك الدول عن سداد ديونها. وبات الحل يقوم على فرض سياسة تقشّفٍ، تلقي ملايين العمال والموظفين والفلاحين في الفقر. وكذلك تعيش بلدان أوروبا الشرقية أزمات كبيرة نتيجة الإفقار الذي تعمم فيها.
هذا الوضع يعني أن النمط الرأسمالي ككل مأزوم، وأن الرأسمالية باتت عاجزةً عن حل أزمته، لأنها تتعلق بتضخم مرضي في القطاع المالي. ولضرورة تحقيق التراكم المتصاعد والمتضخم، يجب نهب المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الرأسمالية نفسها. وهذا ما يجعل الانفجارات الاجتماعية وتفجّر الصراع الطبقي ممكناً، بل حتمياً. لقد بات العالم “على صفيح ساخن”، وباتت احتمالات الثورة كبيرة، ليس في منطقة واحدة فقط، ولا في الأطراف فحسب، بل حتى في البلدان الرأسمالية نفسها. إذن، تشهد الرأسمالية أزمةً عميقةً لا حل لها، وما قامت به الطغم الرأسمالية هو السعي إلى إدارتها، حيث يجري تأخير حدوثها أو تخفيف آثارها. ليبدو العالم على أبواب ثوراتٍ كبيرةٍ، نتيجة ذلك، ونتيجة السياسة التي تستخدمها الرأسمالية، ليس من أجل حل الأزمة، بل من أجل زيادة التراكم المالي عبر الديون والنهب والمضاربات، والتي تتمثل في سياسة التقشف، وخصخصة “كل شيء”، بما يلقي كل العبء على الشعوب.
ولا شك في أن انفجار الثورات العربية كان نتيجة تلك الأزمة، بعد مسار من الانهيار الاقتصادي، بدأ من سبعينات القرن العشرين، وهدف إلى نهب “القطاع العام”، والمجتمع، وتحكّم الطغم الإمبريالية ورأسمالية مافياوية محلياً. وهي حالةٌ، يمكن أن تحدث في بلدان أخرى، في حال حدوث أزمات جديدة. هذا الوضع هو الذي كان يجعل الرأسمالية قلقة، وتخاف الانفجارات الاجتماعية. في المقابل، هي عاجزة عن تخفيف نهبها، لأن الطابع التضخمي للتراكم المالي يفرض زيادة النهب، وليس تخفيفه. لهذا وجدنا أن سياسة توسيع الخصخصة وزيادة الأسعار والضرائب والنهب زادت بعد الثورات، على الرغم من أن الفقر والبطالة والتهميش كانت كلها في أساس هذه الثورات.
ولا شك في أن انفجار الثورات العربية كان يؤشّر إلى الأخطار التي باتت تحيق بالرأسمالية. لقد أشّرت إلى آثار الأزمة التي لا حل لها، وبالتالي، إلى إمكانية انتشارها عالمياً.
ثانياً: التوضُّع الجديد لأميركا
ضربت الأزمة أميركا بالأساس، فهي مركز التراكم المالي، وحيث تظهر هيمنة الطغم المالية. وإذا كان واضحاً أن أميركا تعيش أزمة منذ سبعينات القرن العشرين، كان يجري تحديدها في ثلاث عناصر: العجز في الميزان التجاري، حيث باتت تستورد أكثر مما تصدر، والعجز في الميزانية، حيث باتت تنفق أكثر من مدخولها كدولة، وتراكم المديونية بشكل كبير. إذا كان واضحاً ذلك، فقد ظهرت أزمة الاقتصاد عبر حالات الإفلاس المستمرة، ومن ثم تمركز الشركات، وتزايد دور المال، بعد أن تضخّم التراكم المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي. وهو ما دفع بعد انهيار الاشتراكية إلى محاولة السيطرة المباشرة على العالم عبر الحروب. وعلى الرغم من احتلالها أفغانستان والعراق، وتوسيع قواعدها في العالم، لم تمنع انفجار الأزمة سنة 2008. فقد أصبحت أميركا المثال على هيمنة المال على الرأسمال، وهذا ما ظهر في انفجار أزمة الرهن العقاري التي أوضحت تضخم القروض، من دون ضمانات كافية.
“النمط الرأسمالي ككل مأزوم، وأن الرأسمالية باتت عاجزةً عن حل أزمته، لأنها تتعلق بتضخم مرضي في القطاع المالي. ولضرورة تحقيق التراكم المتصاعد والمتضخم، يجب نهب المجتمعات، بما في ذلك المجتمعات الرأسمالية نفسها”
كان واضحاً أن تجاوز الأزمة ليس ممكناً، وأن ما هو ممكن هو إدارتها، مع توقّع حدوث أزمات أخرى، فالفقاعات كثيرة، ويمكن، في كل لحظة، حدوث ما يؤدي إلى انفجارها. ولقد أدت الأزمة إلى كشف ضعف القدرة المالية للدولة الأميركية، بعد أن باتت المديونية تساوي الدخل القومي. وهو ما فرض إعادة النظر في كل الوضعية التي عملت على أساسها الإدارات الأميركية، منذ انهيار الاشتراكية، حيث سعت أميركا إلى مدّ سيطرتها، لكي تشمل العالم، من أجل التحكم بالنفط والأسواق والمواقع الإستراتيجية، وضمان تنافس لا متكافئ مع الرأسماليات الأخرى، يصبّ في مصلحتها، لتعديل كلية وضعها الاقتصادي. لقد سعت لكي يكون العالم أحادي القطب، ومتحكماً به، بلا منافسين. وهي السياسة التي بدأت بالحرب على العراق سنة 1991، وامتدت إلى سنة 2008، حيث انفجرت الأزمة.
أدى الفشل في حل الأزمة، ومن ثم العمل على إدارتها، إلى تغيير كبير في المنظور الأميركي للعالم. لم تعد تعتقد أن في مقدورها السيطرة وفرض أحادية القطب، حيث فرضت الأزمة تقليص ميزانية الجيش، وتخفيض عديده. وبالتالي، بات عليها أن تعيد النظر في توضعها العالمي بما تسمح به قدراتها، وعلى أساس ما تعتقد أنه أولوية لها. لهذا، أقرّت إستراتيجيةً تنطلق من أن أولويتها هي منطقة آسيا والمحيط الهادي (الباسيفيك)، لأنها اعتبرت أن الخطر الممكن ربما يأتي من الصين، التي تتقدّم بشكل لافت، ولقد باتت القوة الثانية على الصعيد الاقتصادي. مما جعلها تمركز قواتها هناك، وتوصلت، أخيراً، إلى عقد شراكة إستراتيجية مع عدد من دول المنطقة.
كانت هذه الإستراتيجية تبعدها عن “الشرق الأوسط”، ما دامت قد نقلت أولويتها، من دون أن تكون بلدان الخليج العربي (وبضمنها العراق) مشمولة بذلك، حيث ظلت تخضع لمبدأ كارتر الذي يعتبرها جزءاً من الأمن القومي الأميركي. بالتالي، قرّرت الإدارة الأميركية سياسة “انسحاب تدريجي”. وضمن هذه الوضعية، باتت تسعى إلى بناء تحالفاتٍ جديدة على ضوء الخوف من “الخطر الصيني”. وهنا، باتت معنية بتطوير علاقاتها مع روسيا، وأيضاً مع إيران، على الرغم من الخلافات التي كانت لا زالت قائمة معها، والتي لا زال بعضها قائماً.
ما يمكن قوله هنا هو أن إستراتيجية بوش الإبن قُبرت، وتراجع الاهتمام بالمنطقة العربية نسبياً، وبات منظورها لا مبالياً بشكلٍ ما. كل ذلك بمعنى التمسك بالسيطرة على الدول، كما كان الأمر في السابق. بالتالي، تراجع اهتمامها بالسيطرة عليها، على الرغم من أن تراجعها لم يكن سريعاً، وليس بدون تدخلات.
ثالثا: تموضع النظام
كانت سياسة بوش الإبن تدفع النظام السوري إلى الخلاف معها، حيث كان الهدف هو تغيير النظام وفرض نظام “طوائفي” تحكمه “السنّة”. ولهذا، ظهر أنه جزء من محور “مناهض” لأميركا، وهو ما أسمي محور “الممانعة”، وضم تركيا وقطر وإيران والنظام في مقابل المحور الاعتدال الذي كان بقيادة السعودية، وبدعم أميركي. ولقد أظهر اغتيال رفيق الحريري هذا التناقض بين المحورين، وأظهر أن أميركا تريد تغيير النظام، على الرغم من سعي “رجال الأعمال الجدد” المشكّلين من العائلة وروابطها (الأسد، مخلوف، شاليش) إلى فتح الخطوط معها، وتحقيق التفاهم الضروري لاستمرار النظام.
ظهر سنة 2005 أن أميركا والسعودية يعملان من أجل تغيير النظام، مستفيدين من مقتل رفيق الحريري، الذي أفضى إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، وتصاعد الضغط الدولي عليه. لكن، فشل التغيير، وأفضت الأزمة المالية إلى نجاح باراك أوباما، الذي أتى بسياسة جديدة، قامت على التهدئة في “الشرق الأوسط”، والانسحاب من العراق، وتجاوز الصراع الذي كان يبدو أنه ضد الإسلام.
وإذا كان النظام يتمترس خلف “محور الممانعة” المتشكل من تركيا وقطر وإيران، فقد سارع إلى التجاوب مع سياسة أوباما الجديدة. لهذا، أخذت تتطور العلاقة بين البلدين خلال سنة 2009 وسنة 2010، إلى الحدّ الذي جعل سفير النظام في واشنطن، عماد مصطفى، يعبّر عن فرحه للتطور الذي شهدته العلاقة بين البلدين. انتهى اهتمام أميركا بسورية، لهذا جرى التخلي عن سياسة بوش الإبن، وهو ما سمح بإعادة العلاقات وتطورها بشكل سريع.
مع السعودية التي كانت أكثر تأثراً باغتيال “صديقها” الحريري، فقد شهدت سنة 2010 أيضاً تحسناً في العلاقات خلال مؤتمر القمة العربي في الكويت. فقد التقى الملك عبدالله بن عبد العزيز بشار الأسد، وعطف عليه، وقرّر دعم سورية مالياً. طبعاً، لم تكن إيران المتحكم بالنظام الأساسي حينها، بل كانت كل من تركيا وقطر الدولتين الأكثر تأثيراً على النظام. ويبدو أن السعودية كانت تعرف أنها قادرة على جذب النظام إلى جانبها، بعد أن أخذ الخلاف مع قطر يتصاعد.
في هذا الوضع، يكون النظام قد حسّن علاقاته الدولية والعربية (كانت روسيا خارج المعادلة حينها)، وأخذ يرتب وضعه على أساس علاقات جيدة مع أميركا التي كان طموح المافيا الجديدة تطوير العلاقات معها منذ البدء، ومع السعودية التي ظلت حليفاً للنظام منذ أيام حافظ الأسد، ولم يخرّبها سوى قتل رفيق الحريري. وبالتالي، استقبل النظام سنة 2011 وهو في وضع مريح خارجياً. وكان محور الممانعة يتلاشى، في مواجهة تلاشي المحور الآخر.
“إذا كانت المرحلة الأولى من الثورة قد شهدت تدخلاً إقليمياً لوقفها، وصدّ موجة الثورات التي امتدت من تونس إلى سورية، فقد بات مطلوباً في المرحلة الثانية أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً “مبهراً” في العنف والوحشية، يخيف شعوب العالم المتحفّزة للثورة”
بهذا، لم يكن النظام حين بدأت الثورة في تناقض مع أميركا ولا مع السعودية، وكان في علاقات “حميمة” مع كل من تركيا وقطر، وعلاقات ثابتة مع إيران. وبالتالي، كان يتكسر الحصار الذي فرضته أميركا حوله منذ سنة 2005، وينفتح على العالم، محسّناً من وضعه وتموضعه. وكان يعتبر أن وضعه “الطبيعي” أن يكون في علاقة جيدة مع أميركا، القوة المسيطرة عالمياً، والتي جهد، منذ ما بعد احتلال العراق، إلى تأسيس علاقة وثيقة معها. بالضبط، لأن نشاط المافيا الاقتصادي الذي يتحقق خارج سورية من الأموال التي تنهبها منها، يجب أن يجد ظروفاً مناسبة، لا أن يقع تحت بند العقوبات الأميركية، كما حدث منذ سنة 2005 واستمر إلى سنة 2010.
رابعاً: تتالي الثورات العربية
إذا كانت الرأسمالية تعيش أزمة عميقة، واحتقاناً قابلاً للتفجّر. وكانت أميركا نتيجة أزمتها قد أخذت تنسحب من الشرق الأوسط، ومن ثم كان النظام السوري قد أعاد ترتيب علاقاته العربية والدولية. فإن نشوء الثورات وامتدادها من تونس إلى مصر واليمن والبحرين وليبيا ثم سورية، وانتشار الحراك في الجزائر والمغرب وعُمان والأردن والعراق، قد أوجد حالةً من الخوف لدى دول إقليمية مثل السعودية وحتى إيران، ودولية مثل روسيا وخصوصاً أميركا. فالحالة تخيف نتيجة هذا الامتداد السريع، والذي يعني أن الثورات من الممكن أن تتوسّع في عالم يعيش أزمة عميقة، وأطراف نهبت خلال العقود السابقة بشكل مشابه.
باتت أزمة الرأسمالية التي تفجرت في المركز تلقي بظلالها في الأطراف، وهذا ما يجعل انفجار الثورات العربية مؤشراً على خطر قادم، خطر توسّع الثورات إلى بلدان أخرى، مهيأة للثورة، بعد أن نهبت وأُفقرت وهُمّشت. وأيضاً، كان امتدادها العربي يخيف دولاً، مثل السعودية، من انتقال الثورة إليها، نتيجة وجود ظروف اقتصادية اجتماعية (البطالة والفقر والتهميش) مشابهة.
هذا ما يوضّح طبيعة التعامل المختلف بين الثورات الأولى (تونس ومصر) والوسطى (اليمن والبحرين) والأخيرة (ليبيا، وخصوصاً سورية). فقد عملت الإدارة الأميركية على تحقيق تغيير سريع في كل من تونس ومصر، من أجل إنهاء الثورات بسرعة، حتى وإنْ كان ذلك على حساب إبعاد الرئيس. كان الهدف هنا هو منع تفاقم الثورة، وإنهائها قبل أن تمتدّ إلى بلدان أخرى. لقد أرادت “إطفاء الحريق” بالسرعة الممكنة، لكي لا يتوسّع إلى بلدان أخرى. حدثت هذه المحاولة في البحرين، حيث سحقت قوات “درع الجزيرة” السعودية الاحتجاجات، وفي اليمن عبر “المبادرة الخليجية”. وفي ليبيا، تقرَّر تدخل حلف الأطلسي عبر الطيران. لكن، يبدو أن الأمر بات بحاجة إلى شكل آخر، بعد أن استمرت الثورة في سورية، وباتت تهدد النظام، حيث يبدو أن أميركا كانت تعتقد أن النظام قادر على سحق الثورة.
أصبح مطلوباً وقف المدّ الثوري في سورية، وقف هذه الموجة التي كانت لا زالت تتوسع عبر الحراك في العراق والأردن والمغرب، واستمرار الثورة في اليمن، على الرغم من محاولات الالتفاف السعودية. بات الهدف وقف المدّ الذي انطلق من تونس، لكي لا يتوسع إلى بلدان أخرى، وكانت السعودية مهيأة لذلك، نتيجة انتشار البطالة والفقر والتهميش، وبالتالي، باتت هي المعنية أكثر في وقف هذا المدّ. باتت معنية بوقف الثورة في سورية وسحقها، هذه كانت أولويتها، وأساس سياستها منذ 15/ 3/ 2011. فالخطر بات ليس إيران، كما كان يروَّج، ولا تحالف النظام مع إيران كما كان يُكرَّر، بل الثورة. وعلى أساس ذلك، بنت سياستها التي قامت على مساعدة النظام في افشال الثورة. هذه نقطة مهمة، بغض النظر عن كل التصريحات التي كانت تُطلق، على الرغم من أن الموقف السعودي في السنة الأولى لم يكن واضحاً، أو داعماً للمعارضة السورية، حدث ذلك فقط نهاية سنة 2012، بعد أن صدرت مبادئ جنيف1، وجرى ترتيب المعارضة الخارجية، بما يجعلها توافق على تلك المبادئ، ومن ثم جرى تحويل “الملف السوري” من قطر إلى السعودية. وتغيّر نحو دعم بعض أطراف المعارضة بعد التدخل العسكري الإيراني، عبر حزب الله ثم مباشرة. لكن، في كل الأحوال، كان الهدف السعودي منع انتصارها عبر التزام السياسة التي قرّرها النظام، بإظهار أن الثورة “حراك سنّي”، ومجموعات سلفية إرهابية. فكان دورها تحويل ثورة الشعب إلى حراك سنّي، والكتائب المسلحة إلى مجموعات أصولية.
تطور الأمر مع استمرار الثورة، وتصاعد وحشية السلطة، وإدخالها المجموعات الأصولية طرفاً في الصراع، لتأكيد خطابها المسبق، لكن لتخريب بيئة الثورة، واختراق هذه البيئة عبر تلك المجموعات. وأيضاً استخدام كل أنواع الأسلحة ضد الشعب، والإيغال في القتل والتدمير. فقد بات منذ سنة 2013 ودخول قوى إيران الصراع ضد الشعب، أن أميركا خصوصاً، وكل الرأسمالية التي تخاف الثورات، باتت معنيةً بتحويل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً لكل شعوب العالم المفقرة والمضطهَدة، والتي تتحفز للثورة، بما يردعها. كانت الرأسمالية بحاجة إلى مثال، مثال كيف أن كل تمرُّد على النظم والرأسمالية يقود إلى مجزرة.
“كان الوضع في سورية يشي باحتمالات الثورة. لكن، لم يكن الاحتقان قد تراكم بما يسمح بكسر حاجز خوفٍ بني على العنف والوحشية. لهذا، ساعدت الثورات العربية في تفجرّها. ونتيجة هذا الوضع، استمر توسعها عاماً كاملاً، لكي تصل إلى معظم سورية، أي من درعا إلى حلب”
ربما هذا هو ما دفع أميركا لتسهيل دور داعش والنصرة في خدمة النظام، ومن ثم لتدخلها بحجة “الحرب ضد داعش”، حيث توسعت بعد هذا التدخل. حيث بدا أن الصراع هو “ضد الإرهاب”، أي “ضد داعش”، وليس صراع شعب ضد نظام من أجل الحرية والعيش الكريم. كل ما بات يركّز عليه الإعلام الغربي هو أن الثورات تقود إلى الفوضى، هذه الفوضى التي تستغل من المجموعات الأصولية، ويتحوّل الصراع إلى “حرب أهلية” و”صراع طائفي”، وعمليات قتل وتدمير وحشية. على الرغم من أن ذلك كله هو “من صنع” النظام والقوى الإمبريالية والدول الإقليمية (السعودية خصوصا، ومن ثم قطر وتركيا).
لهذا، نجد أن الإعلام وخطاب النظام بات ينطلق من أن سورية مثال جيد على كيف أن التمرّد يفضي إلى القتل والتدمير والتهجير، لكي يقول إن قبول الوضع القائم، على الرغم من كل سوئه، أفضل من التمرُّد عليه.
إذا كانت المرحلة الأولى من الثورة قد شهدت تدخلاً إقليمياً لوقفها، وصدّ موجة الثورات التي امتدت من تونس إلى سورية، فقد بات مطلوباً في المرحلة الثانية أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً “مبهراً” في العنف والوحشية، يخيف شعوب العالم المتحفّزة للثورة، نتيجة أزمة الرأسمالية، وميلها إلى زيادة إفقار الشعوب، ودفعها إلى البطالة والتهميش. كان عمق أزمة الرأسمالية يفرض أن ينشأ مثال على نتائج كل تمرُّد عليها، مثال وحشي، يهدف إلى ردع الشعوب عن الثورة. إذن، هو مثال “مصنوع”، ككل أفلام هوليود. خصوصاً وأن الرأسمالية مضطرة لأن تزيد في نهبها واستغلالها وإفقارها الشعوب، نتيجة طابعها الذي يتسم بالمضاربة.
بالتالي، ما يجري في سورية هو من صنع متعدّد، على الرغم من كل “التناقض” الذي يبدو بين الأطراف المتدخلة في الصراع، فلم تكن مشكلة أميركا هي “الخلاف” مع النظام (على الرغم من أن الخلاف كان قد انتهى كما أشرنا)، بل كان في الخوف من الثورة. وأيضاً، لم تكن مشكلة السعودية علاقة النظام بإيران (كانت العلاقة قد عادت إلى “طبيعتها”) بل كانت في الخوف من امتداد الثورة إليها. وهكذا إيران وروسيا ودول أخرى ظلت تدعم النظام، علناً أو خفية. تمركز كل الهجوم على الثورة إذن، من كل الأطراف التي رأت في الثورات خطراً عليها، في عالم متفجّر وثوري. وهذا الرد هو نتاج الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية، ورد الدول التي نهبت شعوبها وأفقرتها، فقد كانت هناك ضرورة لـ “اطفاء الحريق”، وتحويل نتائجه إلى مثالٍ على ما يمكن أن يفضي إليه كل تمرّد أو ثورة.
خامساَ: طبيعة بنية النظام
كل ما أشرت إليه يتعلق بالوضع الدولي وعلاقة النظام الدولية، والذي كان يؤشّر إلى أن الهدف الرأسمالي كان “إطفاء الحريق”، وأن أميركا كانت تنسحب من “الشرق الأوسط”، على الرغم من أنها باتت معنية بتحويل الثورات إلى مجزرة، وأن النظام السوري كان قد استعاد علاقاته مع أميركا والسعودية، بعد أن كانتا في صدام معه. الآن، لا بد من تلمّس بنية النظام الذي كان يسعى إلى التكيف مع أميركا والرأسمالية، على الرغم من أنه كان مهدداً بالإسقاط من تلك الدول، قبل أن يركن إلى علاقاتٍ جيدة معها. وبالتالي، لماذا كان وضع سورية مشابهاً لأوضاع البلدان التي حدثت ثورات فيها؟
إذا كان النظام “تنموياً”، وكان “القطاع العام هو أساس الاقتصاد، فقد أخذت الأمور تتغير منذ سنة 1991، حيث صدر المرسوم رقم 10 الذي يتعلق بالسير في طريق توسيع دور القطاع الخاص، وتحقيق الانفتاح الاقتصادي. ربما توقفت هذه السياسة نهاية سنة 1996، بعد مرض حافظ الأسد، لكنه عاد بقوة بعد استلام بشار الأسد، حيث ظهر أن الفئات التي نهبت “القطاع العام”، طوال السنوات السابقة، خصوصاً آل مخلوف (خال بشار الأسد) وشاليش (أولاد عمته)، قد تقدّمت، لكي تفرض منظورها الاقتصادي، وتصبح الفئة المسيطرة، ليس في الاقتصاد فقط، بل في الدولة كذلك. فتسرّع في تحقيق الانفتاح الاقتصادي عبر “اقتصاد الصدمة” الذي اكتمل سنة 2007. وقد حدث خلال ذلك تحويل في بنية الاقتصاد، حيث انهارت الزراعة، نتيجة ارتفاع أسعار المازوت والبذور والأسمدة، وحدثت هجرة كبيرة من أهم المناطق الزراعية (منطقة الجزيرة)، كما جرت خصخصة المشاريع الناجحة في “القطاع العام”، وترك المشاريع الأخرى في حالة “موت سريري”، وأدى الانفتاح إلى انهيار صناعات أساسية، مثل النسيج والصناعات الغذائية والأدوية. وتشكّل اقتصاد يقوم على الخدمات والعقارات (بالتشارك مع الرأسمال الخليجي)، وأصبح الاستيراد السمة التي تحكم التجارة بعد تراجع الصادرات، واستيراد السلع التي كانت تنتج محلياً. بالتالي، تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد ريعي، تتحكم به فئة مافياوية عائلية (آل الأسد ومخلوف وشاليش) مع شركاء آخرين، بالتحالف مع البورجوازية التقليدية في دمشق وحلب. وهذا هو التحالف الطبقي الذي بات يحكم سورية بشكل مباشر منذ سنة 2007، وهو التحالف الذي بات يتحكم بنسبة 60 إلى 70% من الاقتصاد (والعائلة كانت تتحكم بنسبة 30%). ليظهر تمركز الثروة بيد أقليةٍ حاكمة، كانت تصدّر أرباحها إلى الخارج، من أجل الاستثمار في الخليج أو تركيا أو أوروبا الشرقية.
في المقابل، ونتيجة تحويل وضع الاقتصاد وتراجع فرص العمل لدى خريجي الجامعات، وصلت نسبة البطالة إلى 30/33% من القوى العاملة. وعلى الرغم من تصاعد أسعار السلع، نتيجة اللبرلة والتحوّل نحو الاستيراد، ظلت الأجور ثابتةً، أو ازدادت بشكل هامشي. فقد باتت أجور “القطاع العام” هزيلة، وكانت أجور القطاع الخاص أهزل، سوى التي تتعلق بالتقنيات الحديثة. لهذا، وحسب دراسةٍ أجريت سنة 2010، كان الحد الأدنى الضروري فيما يتعلق بالأجور هو 620 دولار (31 ألف ليرة)، بينما كان الحد الأدنى القائم هو 140 دولار (6000 ليرة)، ومتوسط الدخل هو 220 دولار (11 ألف ليرة). ولا شك أن هذا يظهر الفارق الكبير بين الضرورة والقائم، ويوضح مستوى الفقر الذي بات يحكم قطاعاً كبيراً من الشعب. وهذا طال العمال وموظفي الدولة وكثيرين من موظفي القطاع الخاص. وكان التشكّل الاقتصادي المشار إليه، وضعف القدرة الشرائية، يفضي إلى تراجع وضع فئات وسطى من المهنيين، الأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين والأساتذة، وانهيار وضع تجار متوسطين، مقابل استفادة فئة من كل هذه الفئات باتت تشكّل جزءاً من التحالف الطبقي الحالكم.
“أميركا لا تعتبر نفسها معنية بالسيطرة على سورية، هي تريد العراق. لهذا، لا تعمل في سورية من أجل منافسة روسيا، بل من أجل مساعدتها على السيطرة”
بهذا، باتت فئات فلاحية وعمالية، ومن الفئات الوسطى كبيرة العدد مفقرة، في اقتصاد كان يتحوّل إلى الريعية، ويمركز الثروة بيد أقلية، ويجمّد الأجور في وقتٍ كانت تشهد الأسعار، السلع والخدمات، ارتفاعاً كبيراً، ولا يسمح باستيعاب العمالة التي تدخل السوق سنوياً. لا شك في أن هذا الوضع هو وضع كل البلدان العربية التي شهدت ثوراتٍ وتحركات شعبية، ووضع كثير من بلدان الأطراف.
ربما كان الاختلاف يتمثل، أولاً، في تأخر انتصار اللبرلة (2007)، وثانياً طبيعة السلطة كدكتاتورية شمولية، واجهت معارضيها بوحشية، طوال سنوات حكمها، سواء بالسجن الطويل أو التدمير، كما حدث في حماة سنة 1982. وهيمنته على النقابات والاتحادات، وتفكيكه الأحزاب وتهميشها، وتدمير السياسة في المجتمع. لهذا، كانت ردود الفعل على التحولات الليبرالية ضعيفة، وربما لم تأخذ مداها، حيث بدأت الثورات العربية في 17/12/ 2010. ففي مصر، بدأت اللبرلة، منذ أواسط سبعينات القرن العشرين، وتصاعدت في تسعيناته. وفي تونس، بدأت اللبرلة كذلك منذ السبعينات. وكذلك في المغرب، وفي الثمانينات في الجزائر. وتأخر اللبرلة، مع عنف السلطة، لم يكن يسمح بحراكٍ احتجاجيّ جدي قبيل الثورات العربية، لتأتي الثورات نفسها عنصراً مفجّراً للثورة.
خلاصة
كان الوضع في سورية يشي باحتمالات الثورة. لكن، لم يكن الاحتقان قد تراكم بما يسمح بكسر حاجز خوفٍ بني على العنف والوحشية. لهذا، ساعدت الثورات العربية في تفجرّها. ونتيجة هذا الوضع، استمر توسعها عاماً كاملاً، لكي تصل إلى معظم سورية، أي من درعا إلى حلب. وتطورت مواجهتها من عنفٍ إلى عنف أشدّ، حيث كان واضحاً أن النظام يريد الحسم العسكري فقط. وكانت طبيعة تكوينه تجعله يسير في هذا الطريق، حيث لا بد للمافيا الحاكمة، وللعائلة التي فهمت أن سورية ملكية خاصة لها، أن لا تقبل “الحل الوسط”، بل أن تسعى إلى الحسم، مهما كان العنف الضروري لذلك، والأساليب التي يمكن استخدامها من أجل الوصول إلى ذلك. ومن ذلك إطلاق “جهاديين” من السجون، لكي تشكّل تنظيمات أصولية إرهابية.
وكان الخوف من انتشار الثورات أكثر قد دفع نظم إقليمية لكي تشتغل على إعاقتها ووقفها. ودفع الطغم الإمبريالية إلى أن تدفع، مستفيدة من وحشية النظام ودخول القوى الأصولية وتدخل دول إقليمية، نحو أن تتحوّل الثورة إلى مجزرة، لكي تكون مثالاً يخيف شعوب العالم من كل ثورة. باتت سورية، إذن، مركز وقف الثورات وتحويلها إلى مجزرة. لهذا، تدخلت كل القوى، الإمبريالية والإقليمية، من أجل إجهاض الثورة وتحقيق ذلك. كانت هذه هي المسألة الأهم بالنسبة للرأسمالية عموماً، وهي الضرورة التي يجب أن تردع الشعوب، في عالمٍ مقبل على الثورات، نتيجة الأزمة العميقة التي تعيشها الرأسمالية.
وإذا كان يُفهم ما جرى في سورية، انطلاقاً من المنظور الذي حكم اليسار في الحرب الباردة، حيث باتت أميركا هي التي تفتعل الصراع في سورية عبر “مؤامرة”، فإن فهم استراتيجية أميركا ما بعد الأزمة يمكن أن تلقي الضوء على دورها ومواقفها. ولقد أشرت إلى أن العلاقة الأميركية السورية عادت “إلى طبيعتها” سنة 2010، والى انسحاب أميركي من المنطقة، فإن الموقف الأميركي كان مربكاً في السنة الأولى من الثورة، لكنه لم يكن يسمح بتدخل دول “حليفة”، مثل تركيا وقطر في الصراع، ومن ثم تفاهم مع روسيا على الحل، وبات يدعم الدور الروسي لرعاية مرحلة انتقالية (كما صرّح باراك أوباما بداية سنة 2012). وحين تدخلت إيران، ولم يستطع الروس تحقيق الحل، جاء تدخلهم غير المباشر أولاً، ثم بشكل مباشر. لكن، من أجل محاربة داعش (كما قالت). ولا شك في أنها شاركت في توسيع دور المجموعات الأصولية، داعش والنصرة، وضبطت ما يمكن أن يرسل من سلاح للكتائب المسلحة، ودعمت الدور السعودي في الأسلمة والسيطرة على المسلحين. بمعنى أن الموقف الأميركي تطوّر من محاولة تحقيق حل روسي ينهي الثورة، إلى دعم تفاقم الصراعات وتحويلها إلى صراعاتٍ طائفية وأهلية، وإرهابية. وما أرادته، هنا، كما أشرنا قبلاً، هو تحويل الثورة إلى مجزرة. لكنها لا زالت تعمل على أن تكون روسيا راعية الحل، والمسيطرة على سورية. على الرغم من الخلافات والاحتكاكات التي تظهر أحياناً، وعلى الرغم من الغباء الروسي الذي يفشل الوصول إلى حلول، فأميركا لا تعتبر نفسها معنية بالسيطرة على سورية، هي تريد العراق. لهذا، لا تعمل في سورية من أجل منافسة روسيا، بل من أجل مساعدتها على السيطرة.
العربي الجديد
لكي تُستعاد الثورة/ سلامة كيلة
أنعشت التظاهرات التي جرت في الأيام الماضية، في مدن سورية عديدة، الأمل بالثورة، وأبانت عن حيويتها، بعد سنتين من الصراع المسلح، والعنف الوحشي من النظام، وأدوار المجموعات السلفية “الجهادية” التي أكملت سياسة النظام لحشر الثورة بين “عدوين”، لإنهاكها وتخريبها، ومن ثم إظهار أن الأمر يتعلق بصراع بين النظام وداعميه مع هؤلاء “الجهاديين”. وبالتالي، لكي تخرج الثورة من معادلة الصراع، وتُدفن.
أبانت التظاهرات عن حيويةٍ لافتةٍ، وهمّةٍ على الاستمرار بلا كلل. لكن ظهر أن أمراً ينغّص، حيث عملت جبهة النصرة، من خلال جيش الفتح، بتخريب التظاهرة في إدلب، الأمر الذي أدى إلى عدم خروجها في الأسبوع التالي. تكرّر الأمر الجمعة الفائتة في معرّة النعمان، حيث خرّبت جبهة النصرة التظاهرة. ولم تكتفِ بذلك، حيث هاجمت ليل السبت الأحد الفرقة 13، وقتلت عناصر منها واعتقلت آخرين، وسيطرت على مكاتبها، ليظهر أنها ضد الثورة، لهذا تمنع التظاهرات وترفض عَلَمها، لتكريس العلم الأسود، كما أنها بدأت من جديد في سياسة قضم الكتائب المسلحة التي تقاتل النظام، بعد أن أوهمت، خلال الفترة الماضية، أنها تقاتل النظام.
لم ينتبه أحد إلى نقل النظام عناصر “النصرة” من درعا ومن مخيم اليرموك إلى إدلب، بل جرى غض النظر عن كل وسائل الدعم التي قامت بها “النصرة” لمصلحة داعش في مراحل هزيمتها. ولا إلى ما قال أبو محمد الجولاني، في مقابلته الأخيرة، حيث أوضح أن لا خلاف فقهي وفي التوجّه مع داعش. الآن، يجب فهم أن ما بدأ هو ما كان محدّداً لدور جبهة النصرة التي ظهرت أنها ضد داعش، وقيل إنها تضم سوريين، على الرغم من أن قيادتها والمتحكّمين بها هم ليسوا سوريين، وأيضاً مشكوك بهم كما في داعش. وأظن أن هذا القَسْم بين داعش والنصرة كان له هدف عملي، ربما سيظهر الآن. حيث ستقوم “النصرة” بالدور الذي قامت به داعش، فتفرض سيطرتها على كل مناطق الشمال الغربي السوري، وحتى ريف حماة وحمص. وبهذا، ينتهي الجيش الحر هناك، ويخرج من قصف الطيران الروسي وطيران النظام، ليستعاد ببساطة إلى “حظيرة” النظام.
بعد الهدنة، يبدو أنه جاء دور جبهة النصرة، لكي تقوم بما قامت به داعش. لهذا، لا بد، أولاً، من أن تدين كل أطراف المعارضة التي غطت على جبهة النصرة وامتدحتها، معتبرةً أنها جزء من الثورة، الجبهة وترفع الغطاء عنها، وإلا يجب أن تُدان هي من الشعب، لأنها تغطي على قوة إرهابية، تخدم النظام. لقد استرسل العديد من “قيادات” المعارضة في كيل المديح للجبهة، والدفاع عنها، وتبرير جرائمها، وعلى هؤلاء أن يعلنوا موقفاً واضحاً الآن، وإلا سيوضعون مع الجبهة الإرهابية، ويسجّل أنهم أسهموا في تخريب الثورة، بدعم قوى أتت لتخريبها. أعرف الجهل الذي يحكم هؤلاء، والغباء الذي يلفهم، لكن الآن، وبسرعة، يجب كشف الغطاء عن جبهة النصرة، قبل أن تكمل مخططها، فتأكل الثورة المسلحة، وتدمر الحراك الشعبي الذي عاد من جديد.
من جهة أخرى، يجب كشف كل الدول التي تدّعي أنها من “أصدقاء الشعب السوري”، وتقوم بدعم الجبهة وتمويلها، وحمايتها سياسياً، فقد حظيت الجبهة بتمويل ودعم من دول ورجال أعمال، وجرى تظهيرها في إعلامها. هذه الدول هي ليست مع الثورة السورية، وربما تريد، الآن، طمس الحراك الشعبي الجديد. لكن، يجب أن تُكشَف، لأنها تسهم كذلك في تخريب الثورة، ولقد كانت كذلك منذ البدء، فهي تريد تدمير المسار الثوري العربي، ودفنه في سورية، على الرغم من كل تصريحاتها وخطاباتها.
جبهة النصرة هي الجزء الثاني من المسلسل نفسه، هكذا بالضبط. لم يعد ما يفرض الإخفاء، بعد أن نهضت الثورة من جديد، بشبابها وعَلَمها، وبكل الحماسة التي ظهرت. بالتالي، لكي تُستعاد الثورة يجب إنهاء النصرة، ولا شك في أن القوى المقاتلة الموجودة قادرة على ذلك، أو سيكون من يرفض خائناً للشعب وللثورة. وبالتأكيد، سوف يكنسها الشعب، كما فعل في معرّة النعمان.
العربي الجديد

تساؤلات الصراع السوري بعد سنواته الخمس/ أكرم البني
هي خمسة أعوام مضت منذ انطلاق الحراك السلمي المطالب بالتغيير الديموقراطي، وهو مشهد خراب وضحايا ومشردين يدمي القلوب نتيجة عنف منفلت لم يقف عند حدود. وهي تساؤلات يثيرها السوريون بلوعة وألم في محاولة لفهم ما جرى، ومعرفة الأسباب التي أوصلتهم إلى ما هم فيه.
لماذا غاب الوجه السياسي للصراع وبدا خيار العنف كأنه قدر لا مهرب منه، هل يعود الأمر إلى طبيعة النظام الحاكم وإدمانه خيار القوة والقمع لفرض سيطرته وتقصده تالياً تشويه طابع الحراك السلمي وجره إلى ميدان السلاح؟! أم ثمة أخطاء ارتكبتها قوى التغيير سهلت الانزلاق نحو العسكرة، ربطاً بغلبة ردود الفعل الشعبية العفوية وضعف المعارضة السياسية واندفاعها للرهان على تحقيق انتصار سريع تيمناً بما حصل في تونس ومصر، أو عبر تدخل خارجي حاسم كالمثال الليبي؟! أم يعود السبب إلى تنامي دور القوى الجهادية التي وجدت في مناخ الصراع السوري فرصة سانحة لوضع أجندتها موضع التنفيذ؟! أم إلى تقدم مصالح اقليمية وعالمية يهمها تسعير العنف الداخلي وجر البلاد إلى أتون حرب أهلية تستنزف طاقاتها وتجعلها عبرة لكل شعب يتطلع لنيل حقوقه؟! أم ربما يكمن الجواب الصحيح في العوامل السابقة كافة، تحدوها سيادة ثقافة تستند الى إيديولوجيات «مقدسة» تعمم روح الإلغاء وتنكر حق الاختلاف وتبيح تلقائياً ممارسة العنف ضد الرأي الآخر لإقصاء دوره في السياسة وفي الحياة.
وحين تفوق ردود أفعال النظام العنيفة توقعات الناس البسطاء الذين نهضوا يطالبون بحقوقهم في الحرية والكرامة، فماذا عن توقعات المعارضة السياسية التي خبرته جيداً، وما درجة المسؤولية التي تتحملها في استسلامها المبكر للتحولات التي جرت نحو العسكرة والتغني بالدور المتنامي لحملة السلاح؟! وتالياً ألا يصح اعتبار العفوية الشعبية التي وقعت في فخ العسكرة، هي ذاتها التي تقوم اليوم بمراجعة ما حدث لتبرز من جديد أهمية النضال السلمي في تحصيل حقوقها، والدليل استثمار الهدوء النسبي الذي تخلفه الهدنة القائمة على هشاشتها، لإحياء التظاهرات السلمية والشعارات الوطنية، الأمر الذي فاجأ الجميع، وأربك ليس النظام فقط، وإنما أيضاً الجماعات الاسلاموية المسلحة التي لجأت لاعتقال وتغييب الناشطين الذين يشجعون هذا الخيار؟!
ثمة تساؤلات ترجو إجابات لتفسير هذا الــتدهور الوطني وانتقال الصراع السوري من مجــــرد ثورة محلية بين المطالبين بالتغيير وحـــماة الوضع القائم إلى مسرح للتدخلات الــخارجية. هل يتعلق الأمر بموقع سورية الاستراتيجي، الى جوار إسرائيل ومنابع النفط، ما جعلها ميداناً لصراعات لا تنتهي على الهيمنة والنفوذ؟! أم بانتمائها إلى محور نفوذ، واستهدافها بتناغم أو تواطؤ دولي تقصد تغذية الصراعات فيها وإطـــالة أمدها لإشغال قوى هذا المحور وإنهاك مقدرات بلد نما دوره الإقليمي وتضخم وغدا مؤثراً على أهم الملفات الشائكة في المنطقة؟! أم بسبب استسهال أطراف الصـراع الداخلي استجرار المساندة والدعم الخارجيين، بداية بغرض تسريع الحسم، ثم لتعزيز الحضور وتعديل توازنات القوى وتعويض ما استنزفته سنوات الصراع؟!
وأيضاً ثمة تساؤلات لا تزال تشغل بال السوريين ليس فقط إن كان الخارج قد اكتفى بهذا لخراب وباتت مصالحه تتطلب اليوم إخماد هذه البؤرة من التوتر، بل حول أسباب التطور الغريب للتيارات الاسلاموية المتطرفة، كتنظيم داعش وأشباهه، والتي اقتحمت المشهد السوري وفرضت حضورها وأجندتها بسرعة لافتة؟ هل السبب لأنها بالفعل صنيعة غربية أميركية؟ أم كونها أداة خلقتها تركيا لتحسين أوراقها ومحاصرة الطموح القومي الكردي؟ أم هي سلاح استخدمه النظام السوري وإيران لإثارة الفوبيا الغربية من الجهادية المتشددة وتشجيع القبول بهما كأهون الشرور؟ أم الأمر يتعلق بضعف المعارضة السياسية وتشتتها وعجز قوى التغيير الوطنية عموماً عن كسب ثقة الناس والتقاط زمام المبادرة لقيادة مسار التحول الديموقراطي؟ أم بتفاقم الصراع المذهبي البغيض في المنطقة مع انسداد أفق السياسة وتقدم منطق القوة والغلبة متوسلاً ما يسمى المظلومية السنية؟!
وإذا كان أمراً مفسراً أن يفضي تردي حياة المسلمين وتعرضهم للتمييز والحرمان كما لنزعات الاستفزاز والاستخفاف الطائفيين، الى اتساع الفئات المهمشة والمحتقنة مذهبياً، وتوفير تربة خصبة تمد الجهاديين بأسباب النمو والتجدد، فهل يصح الاستسلام لهذا الواقع المريض؟! وكيف يمكن لأكثرية مظلومة قومية كانت أم دينية، أن تنتصر لحقوقها وتسترد دورها في المشاركة وقيادة المجتمع إن غرقت في خصوصيتها، ولم تتنطح للدفاع عن مصالح الناس العامة، وعن أوطان ديموقراطية تضمن للجميع حقوقهم من دون تمييز؟!
بديهي أن طول أمد الصراع ووجهه العنيف أفرغا من أحشاء المجتمع أسوأ مظاهر التفكك والحقد والبغضاء، لكن هل ساهم الحقد يوماً في بناء الأمم وخلاص الشعوب؟ أولم يكن التنابذ والإقصاء من أهم أسباب انحدار القيم الأخلاقية وتسويغ مختلف أساليب الفتك والتنكيل ودفع المجتمعات إلى انهيارات عامة ومروعة؟!
والبديهي أيضاً أن تداعيات ثورات الربيع العربي وثمارها لا تقتصر على الوجه السياسي ومجرد تغيير أنظمة الحكم القائمة، وإنما امتدت لتؤسس وعياً جديداً وتبدلات في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والفكرية والأخلاقية، لعل أهمها إدراك الشعوب لمسؤوليتها الجسيمة في دوام الوصاية والاستبداد وأن ما من سبب يجب أن يؤجل مواجهتهما وإعلان قطيعة نهائية مع منظومة القهر والخوف والتمييز.
والحال، إن استمرار هذا الخراب وما يشبه حرب الجميع على الجميع، وانحسار حراك الناس والتفافها حول شعارات الحرية والعدالة والكرامة، لا يلغي مشروعية خيار التغيير الديموقراطي، تاريخياً وسياسياً وأخلاقياً، بل يؤكده مظهراً المعوقات والصعوبات التي تعترضه، وتنوع الأعداء الذين وقفوا ويقفون بالمرصاد لمنع السوريين من نيل حقوقهم، وليس في طرح ما سبق من تساؤلات سوى محاولة للتمعن بما جرى واستخلاص الدروس والعبر، عساها تنأى بخيار الخلاص والتغيير بعيداً من الأخطاء التي دفع ثمنها باهظاً.
الحياة

هذه الثورة وهي تستهل عامها السادس/ بدر الدين عرودكي
ما إن توقف القصف الروسي في المناطق التي لا تسيطر عليها ميليشيات النظام الأسدي وحلفاؤه الإيرانيون وذراعهم اللبنانية، وشعر السوريون لأول مرة منذ خمس سنوات بابتعاد القتل والتدمير ولو إلى حين، حتى خرجوا متظاهرين في نيف ومائة موقع حاملين علم الاستقلال، علم الثورة، ومنادين بمطالبهم أيام الثورة الأولى: الحرية، والكرامة، وإسقاط النظام.
وكما قمَعَ النظامُ الأسدي المظاهرات الأولى، حاولت «جبهة النصرة» أن تقمع المظاهرات الأخيرة وأن ترفع أعلامها وأن تعتقل المتظاهرين. حاولت، لكنها لم تنجح كل النجاح. فالمظاهرات استمرت، ثم ما لبث أهل معرة النعمان أن هاجموا مقرها وحرروا سجناءهم منه.
دلالتان بليغتان: أولاهما، أنَّ إنكار النظام الأسدي طوال السنوات الماضية وجودَ ثورةٍ ضده مع كل محاولاته كسر وقهر إرادة السوريين لم يتمكن من إخماد جذوة هذه الثورة وهذه الإرادة التي استعادت تعبيرها السلمي الواضح والصريح عما تريد تحقيقه. وثانيتهما، أن استماتة النظام في استثمار الجماعات المتطرفة واستغلال قدراتها كي يدرج نفسه ضمن معسكر المقاتلين ضد الإرهاب بدا وهو يبوء بالفشل داخلياً حين نبذ السوريون كل الرايات وحملوا علم الثورة، ويواجه العجز خارجياً حين لم يُعَبِّرُ أحدٌ في المجتمع الدولي، بمن فيهم حماته أو حلفاؤه، عن قناعته بهذا الزعم.
وعلى أن هاتين الدلالتين لم تكونا على موعد مع المراقبين الذين سبق لهم أن اعتبروا الثورة السورية في عداد المنسيات، فإنه لم يكن أيضاً مجرد صدفة بروزهما بقوة عشية بدء المفاوضات بين النظام الأسدي والمعارضة التي حدَّد جدول أعمالها التوافق الروسي الأمريكي وفرضها على الطرفين بمعزل عن أوروبا وعن المعنيين أنفسهم. مفاوضات تأتي في نهاية مرحلة عقدت خلالها عدة مؤتمرات في جنيف وفي فيينا تمهيداً لاستصدار القرار 2254 بها عن مجلس الأمن بالإجماع. دخلت روسيا مع موافقة أمريكية تامة بأسطولها الجوي والبحري والصاروخي من أجل تعديل ميزان القوى تمهيداً لهذه المفاوضات وللحل الذي يجب الوصول إليه بنهايتها. ولم تكن الأهداف المعلنة من هذا التدخل إلا لخلط الأوراق تمهيداً لتحقيق هذا الهدف الخفي الذي أخذت معالمه بالظهور مع إعلان الانسحاب الروسي الجزئي (الذي بدا مفاجئاً) من سوريا على النحو المذكور.
ما كان من الممكن الوصول إلى هذه المحطة الأولى والتي لن تكون الأخيرة على درب الآلام السوري لولا تضافر عوامل عديدة، شديدة التداخل، على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، طوال هذه السنوات الخمس. محلياً، انتهى النظام الأسدي رغم كل ما بذله من محاولات وحصل عليه من دعم إلى فقدان كل قدرة على المبادرة العسكرية بعد أن استبعد منذ البداية إمكان أيّ مبادرة سياسية، في حين لم تتوصل مختلف الهيئات والمجالس التي طمحت إلى تمثيل هذه الثورة، السياسية منها والعسكرية، إلى أن تتوحد من حول مشروع سياسي شامل يستجيب لمطالب الثورة وتطلعاتها من ناحية، وتفرضه بوصفه البديل الوحيد عن النظام الأسدي من ناحية أخرى.
وعلى الصعيد الإقليمي، انتهت كلّ من إيران وذراعها اللبنانية ومرتزقتها من أفغانستان والعراق إلى الفشل في تحقيق أي مكسب حاسم على الأرض يمكن أن تحصد به ما جاءت من أجله، في حين لم تتمكن القوى الإقليمية الأخرى، وخصوصاً التركية والسعودية والقطرية، من الحركة إلا ضمن وفي إطار ما تتيحه لها ارتباطاتها السياسية والاستراتيجية والقانونية على الصعيد الدولي. أما دولياً، فلم تفلح المؤتمرات التي عقدها الكبار في جنيف الأول والثاني، ولا ما حاولته الجامعة العربية بالتعاون مع الأمم المتحدة في أن تثني النظام الأسدي عما عقد العزم عليه منذ اليوم الأول للثورة والذي لخصه هذا الشعار : «الأسد أو لا أحد».
ولأسباب لا علاقة لها بشخص الأسد أو بطبيعة نظامه، وقفت روسيا إلى جانب النظام الأسدي وإيران في ظل وبالتوازي مع تواطئها الخفي مع الإدارة الأمريكية الذي سينكشف فيما بعد توافقاً. وهو توافق تجلى للمرة الأولى واضحاً إثر الاستنفار العسكري الذي أعلنته الإدارة الأمريكية بسبب استخدام النظام الأسدي للسلاح الكيمياوي، والذي ألغته ما إن اقترح الروس أن يتمَّ تسليم المخزون السوري من هذا السلاح بلا شروط!
على هذا النحو بدا الوضع وكأنه يستجيب لما تريده القوتان الروسية والأمريكية، على ما بينهما من اختلاف في المصالح والغايات. هكذا، لم يستيقظ ضمير المجتمع الدولي ما دامت مصالحه لم تُمَسَّ من قريب أو بعيد وما دام السوريون يقتلون أو يسجنون أو تدمر بيوتهم أو يهاجرون بالملايين إلى دول الجوار. لكنهم ما إن عبروا البحر بمئات الألوف مغامرين بأرواحهم نحو أوروبا وطالت العمليات الإرهابية التي حققها تنظيم الدولة قلب باريس حتى هرعت الدول الأوروبية إلى قرع ناقوس الخطر. فهبت حكوماتها تحاول وقف هذا الغزو غير المسبوق وتقاسم أعبائه ثم معالجة أسبابه بصورة أو بأخرى وهو الأمر الذي لم تكن من قبل مجمعة على طريقته لاسيما وأن الولايات المتحدة وروسيا قد احتكرتا الإشراف على القضية السورية وعلى العمل على حلها بما يستجيب أولاً وبقدر الإمكان لمصالحهما ثم لمصالح أوروبا، وفي غياب، وبمعزل عن صاحب القضية الأساس:الشعب السوري.
تسارع إيقاع العمل ووتيرته في المجال الدبلوماسي والسياسي والعسكري. تواجد روسي عسكري منذ الثلاثين من أيلول/سبتمبر الماضي لتغيير ميزان القوى على الأرض، واجتماعات فيينا المتوالية لإعداد الحل السياسي وتهيئة طرفيه، النظام والمعارضة، ثم قرار مجلس الأمن 2254 الذي وضع خطة العمل بإجماع أعضائه، وأخيراً اجتماعات جنيف.
في ضوء ما تفرضه هذه الوقائع اليوم، وأمام قرار دولي بإنهاء «الأزمة السورية»، لا تبدو إمكانات المناورة أو الخيارات كثيرة بين يدي طرفي المفاوضات التي بدأت. ولن يكون لأي ضرب من التذاكي أو الحماقة يصدر عن أحدهما من دور سوى أن يرتدّ صفعة أو إلغاء.
ومن الممكن بهذا الصدد التساؤل عما إذا كان الإعلان المفاجئ عن الانسحاب الروسي (الجزئي) من سوريا صفعة أريد بها تذكير النظام الأسدي بالحدود التي عليه أن يلتزم البقاء ضمنها!
ذلك أن قوتي الطرفين على مائدة المفوضات غير متساويتيْن.
فالنظام الأسدي لا يملك إلا «شرعية» رسمية وشكلية أُريدَ لها الاستمرار على الصعيد الدولي بانتظار ما سيأتي؛ بينما تنحصر قوته العسكرية في المرتزقة والميليشيات الخارجية التي تدعمه. كما أنه فقد مع بدء هذه المفاوضات الدعم السياسي الذي كانت تحظى به مواقفه من قبل إيران وروسيا خاصة بما أن الحلَّ السياسي الذي بات قراراً أمريكياً روسياً لن يستجيب بالضرورة لما أراد ولا يزال يريد أن يفرضه على السوريين.
أما قوى المعارضة التي اتحدت بعد أن جمعت لأول مرة فصائل سياسية وعسكرية فاعلة على الأرض ضمن الهيئة العليا للمفاوضات، فهي تملك شرعية وليدة وغضة لاشك، إلا أنها قابلة للاتساع والرسوخ بمقدار ما ستثبت خلال هذه المفاوضات كفاءتها وقدرتها على حشد الشعب السوري الثائر وراءها لا من خلال تمسكها بالمبادئ التي خرج من أجلها ودفع ولا يزال يدفع الثمن باهظاً من أجل تحقيقها فحسب، بل كذلك بقدرتها على المناورة السياسية مستفيدة من مواضع الضعف العديدة لدى خصمها.
لن يكون من السهل التغلب أو القفز على ما قرره راعيا المفاوضات. لكن سيكون من الصعب على هذيْن الأخيريْن أن يفرضا ما يريدانه ولاسيما حين يخرج الشعب السوري مرة أخرى ليعلن تمسكه بما يطالب به ممثلوه بعد أن اكتسبوا الشرعية الحقيقية على مائدة المفاوضات.
٭ كاتب سوري
القدس العربي
سنوات غيّرت وجوه السوريين/ أيمن الشوفي *
وجوه السوريين تغيّرت بعد آذار 2011، صارت ملامحها أكثر تحفّزاً وهي تقترح مساءلاتٍ خاطفة كلّما تبدّل لون البلاد، وازدادت أصبغتها كثافةً، وزاد معها عبث الدول بمصير سوريا المتكوّر عاجزاً تحت ظلّه.. وهذا استطالَ من جَدَلٍ دوليٍّ أعمى لم يَقُد إلا لموت الخطوات، خطوات السوريين المنقسمة بين معارِضةٍ للنظام أو مواليةٍ له.
خمس سنوات رَصدت فيها وجوه الناس يقيناً لا يجيء. فلا النظام سقط، ولا عادت قبضته محكمة على عنق البلاد، والحراك الذي صار ثورة، سرعان ما غدا نزاعاً مسلّحاً بين الجيش النظامي والجيش الحرّ، ثم حرباً تسوسها قوى إقليميّة ودولية. جاء كثير من “المجاهدين” (أو “المعارضين”) من خارج الحدود، كما جاء المقاتلون “الموالون” من خارج الحدود أيضاً. العسكرة هضمت المجتمع، فإن لم تكن مسلّحة، كانت سياسية. صار الانقسام وعكةً وجدانيّة لا شفاء منها، ووجوه السوريين تراقبه بعيونٍ مبتلّة، تكاد تكذّب غباشَ المشهد المتدلّي بوحشية أمامها.
في بورصة الانقسام والتقسيم
توغّل السوريون داخل عتمة الأعوام الماضية من دون انتباه، جذبهم الانقسام السياسي والعسكري إلى لجّته، ثم تلظّوا منه تحت الفيء الواهي لمؤتمراتٍ دولية خدّرتهم وحسب. لم تأتهم بأي حلّ، بل أنبتت لهم المزيد من الخوف، وهم على حالهم وقد أعياهم هذا القهر، فنصّب معظمهم أنفسهم متفرجين على القتال فوق أرضهم، قتال يحمل في شكله الرتيب معنى الانقسام وهواجسه أيضاً. الحواجز العسكرية انتشرت مثل مرض “الجُدري” فوق بشرة البلاد. كلُّ حاجزٍ يدين بعقيدة صاحبه، حواجز النظام تقطف الشباب للخدمة الإلزامية أو الاحتياطية، وتتربّص بأسماء المطلوبين السياسيين. حواجز “داعش” و”النصرة” تطالع خانة القيد على البطاقة الشخصية، تبحث عن دين حاملها، ثم تبحث في نواياه وما إن كان متعاوناً مع النظام أم لا. حواجز أخرى تمارس الخطف أو تمتهن التهريب وتفتح جيبها على وسعهِ لترتشي، وهذا في مناطق سيطرة النظام كما في خارجها.
بات الخلاص الفردي صومعة يلجأ إليها أغلب السوريين الذين لم تشدّهم البندقية صوب ميليشياتٍ بأسمائها المعروفة ليجنوا من وراء اللحاق بها دخولاً شهريّة بائسة تشبه بؤسهم أو تزيد عنه. ثم ازداد اليقين بأن من يدير السياسة الدولية يريد استدامة هذه الحرب. الجميع تقاسم هذا اليقين خلال هذا العام والعام الماضي على الأقل، من دون أن تهدأ الهواجس المتنازَعة. ظلّت مدارات الانقسام تنْصب فخاخها للجميع، وتوقع بهم. ظلّ الانقسام قائماً في منتصف الطريق. استمر المعارضون يصفون الثورة السورية بالثورة اليتيمة حين أشاحَ العالم بوجهه عنها، وتركها حائرة تقارع خطوب الغيب، والموالون استمروا يتمسّكون بنظرية المؤامرة الكونية على نظامهم، يرددونها في مجالسهم، ويناقشون معها الفساد. ينتظرون أيضاً شهر نيسان ليقصدوا صناديق الاقتراع فينتخبوا برلمانهم، وكأن دمار السنوات الماضية لا يخصّهم بشيء، وكأنه لم يقع على أرضهم من أصله.
التأقلم وجدان الجيوب الخاوية
تَحِفُّ السنوات وهي تمرّ بالوجوه أيضاً، تترك شحوباً إضافياً وتمضي، فحراك آذار/ مارس 2011 صار مناسبة تحتفل بها مواقع التواصل الاجتماعي فقط. صفحات المعارضين على موقع التواصل الشهير “فيسبوك” عكفت هذا العام، كما غيره من الأعوام، تسترجع أصل الحدث، تذكيرٌ رمزي لا أكثر. فيما يحتكرُ الواقع الحقيقةَ لنفسه، فيتصارع على أطرافها الممسكون بالأرض، لا يعنيهم الهذر الالكتروني للداعمين لهم، فأغلبهم صار خارج البلاد، والكلام عندهم كثير، وفيه استسهالٌ للفعل أو دَرْءٌ له، حتى أن الشأن العام للسوريين لم يعد يعني أحداً من المتقاتلين بشيء. جيوب الناس لا تعنيهم، وقد أفزعها التضخم بصلافته القاسية، وأفرغها من محتوياتها، وهو يجرجرها إلى عتبات أسعار صرفٍ لم تهجع منذ سنوات، منذ كان سعر صرف الدولار 48 ليرة في آذار/ مارس 2011، ثم صار 425 ليرة في الشهر نفسه من العام الحالي، بذلك تكون تكاليف الحياة قد ارتفعت أقل قليلا من عشرة أضعاف خلال خمس سنوات.
الفقراء ازدادوا عدداً ويقيناً بأنهم فانون في تلك المعادلة، لم تعد الحياة تحمل إليهم أيَّ لغطٍ يؤرقهم، يعقلون فقرهم ويتوكلون. فيما واظبت قاعدة الطبقة الوسطى الواسعة على تهالكها، منقادةً عنوةً إلى خط الفقر الأعلى (صار منذ بداية هذا العام 25 ألف ليرة للفرد الواحد شهرياً) مخدّرةً بالتهامه التدريجي لها، عاجزةً عن نفي هويته عنها، فاستعار الناس مهناً لم يألفوها من قبل، وأضافوها إلى عملهم الأساسي علّهم يَرْتِقون بها دخولهم. أو أن نزالهم المضني مع الحياة جعلهم يقصدون لبنان للعمل هناك، حيث أجورهم تُحتسب بالدولار، فلا يهتمون إن انخفضت قيمة الليرة أم ارتفعت في بلدهم الأم، يرسلون عرقهم في حوالاتٍ شهرية تصل إلى أسرهم عبر شركات التحويل.
آخرون نهروا السلع الغالية عن سلة استهلاكهم (كيلو اللحمة تجاوز هذا العام السبع دولارات) ولم يقربوها منذ زمن. وتلك سلعٌ أساسية، لكن من الصعب استخلاصها من بين أسنان التضخم، اضطرّوا اللجوء إلى منظومة غذاءٍ نشويّة وغير مكلفة، يكررونها غالباً بلا تأففٍ معلن، ينظرون إلى غيرهم ممن يموتون جوعاً في أصقاعٍ بعيدة عنهم في سوريا، ثم يحمدون الغيب لأنهم لم يموتوا بعد.
موسمان من البرد والهجرة
خارج العاصمة دمشق، يُدبّج الناس خدعاً تلزمهم للبقاء داخل أخدود الحياة الضيّق، تشبه ألعاب الخفّة داخل “سيرك”. يخلطون منذ عامين زيت المحركات التالف (بلغ سعر الليتر منه هذا العام 250 ليرة) مع مادة المازوت لتمديد أجل دفئهم. لا يكترثون لمآل صحّتهم في تلك اللعبة، يتحمّلون مرارة السعال والهواء المشبع بأبخرة الكربون لئلّا يبردوا وأطفالهم، فالسلطة توزّع عليهم محروقات التدفئة بالقطارة، حتى أنهم تعاركوا مع الطبيعة لأجل تدفئة جلودهم. لم يوفّروا السنديان المعمّر في جنوب سوريا، ولا في الأرياف الغربية لحماه، وإدلب، وحمص، ثم استسلموا لتجارٍ يحتكرون قطع الأخشاب الحرجيّة، صاروا يشترونها بأسعارٍ تضاعفت خلال العامين الماضيين، وما يزيد شقاءَ حواسهم هو غياب الكهرباء عن يومياتهم منذ ثلاث سنوات لأكثر من نصف عدد ساعات النهار.
جاهروا بالرحيل، المعارضون والموالون على السواء. في صيف العام الماضي كما في صيف العام الذي سبقه. تخففوا من أحمال مواقفهم، فالهجرة طمست الفروقات الحادة بينهم، كلاهما صار خارج أثير الوطن الشحيح، كلاهما صار خارج حسابات الأرض أيضاً. هاجروا يبحثون عن يقينٍ وجودي لا يطوّح بالحياة أمام أعينهم، اعتقدوه ينتظرهم في القارة العجوز فهرعوا إليها، تركوا يباس الحياة هنا، بالمئات رحلوا ثم بالآلاف، وآخر موجات هجرتهم كانت مطلع العام الحالي، حين حثّوا خطواتهم قبل أن تفرض تركيا “الفيزا” على دخول السوريين إلى أراضيها.
تعاقب شهر آذار/ مارس خمس مرّات على حياة السوريين، واليقظة العفوية التي فجرّت الحراك الأول فيه لم تعد موجودة، بعدما اقتادتها القوى الفاعلة في السياسة الدوليّة إلى مواضعٍ حرجة. لم يعد السوريون يجدون في ذاك الشهر بديهيّات الربيع، الأرجح بأنه تحرر من أحماله الصعبة هو الآخر، كأنه صار معنيّاً بالهجرة النهائية من “روزنامة” التقويم التي تحفظ ميلاد الشتات السوري جيداً.
* صحافي من سوريا
السفير العربي

سوريّة الثائرين إلى الأبد/ ياسر الزيات
يكتبها البعض بالتّاء المربوطة، والآخرون يكتبونها “سوريا” وهذه تُقرأ سورْيَا أو سورِيّا. أما “سوريّة” فقد تعني اسم البلد؛ وقد تعني صفة هي المقابل المؤنّث لكلمة “سوريّ”؛ وقد تعني، أخيراً، الشّيء الّذي ستتحدّث عنه هذه السّطور: معنى سوريا أو الانتماء إليها أو الولاء لها، أن تكون سوريّاً.
تعاني سوريا منذ تأسيسها من هشاشة المعنى، فهي بقايا ولايات عربيّة عثمانيّة لم تلبث بعد استقلالها أن حكمها الانتداب الفرنسيّ، والّذي حيّره أمر “سوريا” هذه بعد أن سلّم “لبنان الكبير” إلى من طالبوا به، فقسّمها اعتباطاً إلى دمشق وحلب وجبل علويّين وجبل دروز. وهكذا كانت أوّل تجربة وطنيّة دخلها السّوريّون في تاريخهم القصير “الثّورة السّوريّة الكبرى” التي رفضت ذلك التّقسيم، فوضعت بذلك الحجر الأساس لـ”السّوريّة” وللوطن السّوريّ الذي تعترف به الأمم المتّحدة اليوم. غير أنّ العروبة فرضت نفسها مرّة أخرى، ليس كاستقلال عن الأتراك هذه المرّة بل استكمالاً لمسيرة “رفض التّقسيم” وحنيناً إلى “الأمّة العربيّة الواحدة”، وبعد دوّامات إقليميّة داخت بها سوريا، بين “حلف بغداد” و”الحلف الناصريّ”، انتهى بها الأمر إلى قبضة حزب “البعث العربيّ الاشتراكيّ”، وأخيراً إلى قبضة حافظ الأسد، “باني سوريا الحديثة” كما سمّى نفسه. كانت هذه التّجربة التّاريخيّة الثّانية التي أسّست لمعنى سوريا، “سوريا الأسد”، والتي شهدت أواخر السّبعينات ثورة انتهت بالكثير من المجازر والمعتقلات والمنافي مطلع الثّمانينات، لتكون نهاية المقاومة الوطنيّة للحكم البعثيّ. ثمّ لم يتغيّر شيء في معنى “سوريا” سوى تغيّر الأسد، فأصبحت سوريا في العقد الجديد شابّة، نيوليبراليّة، بلا رطانة قوميّة وبلا زيّ مدرسيّ عسكريّ، وبقي الشّعار الوطنيّ الأبرز “بالرّوح بالدّم نفديك يا”..
ثم كانت الثّورة السّوريّة وولد معها أمل معنى جديد على أرضيّة الرّبيع العربيّ، سرعان ما أمسى حزناً عارماً يجتاح العروبة من المحيط إلى الخليج. ولأوّل مرّة أصبح وجود سوريا نفسه محلّ جدل كبير.
لكن يخطئ من يظنّ الثّورة السّوريّة مهزومة أو منتهية. يخطئ سياسيّاً ومعرفيّاً.
ربّما ينبع حسّ الهزيمة من سجن لحظة ما، فالّذين يعتبرون الثّورة هي المظاهرات السّلميّة فقط نفضوا أياديهم منها منذ سنوات. ولعلّ معظمنا نحن مؤيّدي الثّورة السّوريّة، حتى بمعناها السّياسيّ والعسكريّ الأوسع، ما زلنا سجناء لحظة الانتصار الوشيك عام 2011، تلك الّتي جرّعتنا آمالاً كاذبة ثمّ أودت بنا إلى قعر الإحباط والتّشاؤم. تحتاج الثّورة اليوم إلى استكمال التخلّص من وهم الثّورة السّريعة والمشوار القصير، وإلى التّصالح مع الثّمن المؤلم الذي دفعته وتدفعه، مع عدم الركون لما دون العدالة، وأخيراً إلى إنتاج وعي جديد يسائل الوعي القديم، يستوعب المتغيّرات الكبرى التي دخلتها القضيّة ويبحث عن الممكنات السّياسيّة اليوم، وأهمّها الخبرة الكبيرة التي تراكمت والحرّيّة الواسعة التي يحظى بها سوريّو الشتات، وكلتاهما حبلى بالسياسة.
واليوم، حيث لا يمكن الكلام عن “السّوريّة” دون الكلام عن “الشّتات السّوريّ” و”السلفيّة الجهاديّة”، العمودَين الآخرَين لتجربة السّوريّين المعاصرين بالإضافة إلى الحرب، ما تزال الثّورة مستمرّة، وما تزال السّياسة ممكنة، وما تزال الثّقافة سلاح الإعمار الشّامل. أمّا اللّجوء فليس كارثة إنسانيّة فقط كما تصوّره المنظّمات الإغاثيّة، ولا هو قضيّة أمنيّة فقط كما تصوّره قوى اليمين بين لبنان وبريطانيا، بل هو أيضاً حالة سياسيّة، وبالنّسبة للنّاشطين هو استراحة مستحيلة من الثّورة الّتي هي أشقّ ما حدث لهم. وأمّا الجهاديّون فلن يتصالح السّوريّون مع وجودهم، ولن ينسَوا ما صنعوه بهم، وستبقى المناطق المحرّرة أخصب أرض للبناء السّياسيّ والكفاح الثقافيّ ضدّ هؤلاء.
النّاس كائنات سياسيّة، وهذا يصحّ في أبناء الثّورات أكثر من غيرهم، فالثّورة في نهاية الأمر طلب على السّياسة، كما أنّ اللّجوء طلب على الكرامة، ولا يتشابه الأسد واليمينيّون والجهاديّون في شيء كما يتشابهون في خنق السّياسة واحتكار الكرامة.
لقد حرّرت الثّورة سوريا من “الأبد” الحاكم، وفتحت للسّوريّين باب تاريخهم على مصراعيه، ومنحت بلادهم أشدّ المعاني الوطنيّة تماسكاً منذ تأسيسها، ورغم الثّمن الدمويّ الباهظ جدّاً، تمكّنت من كسر الطوق المعرفيّ الذي فرضته عليهم “سوريا الأسد”، ودخل من بعدها الشّأنُ العامُّ حيّزَ التّداول بين أوسع رقعة من المواطنين السّوريّين على الإطلاق، وخرج الدّاخل السّوريّ بأعلى صوت في تاريخه ليعلن نهاية “مملكة الصمت” إلى الأبد، وتكاثرت مئات الجرائد والمجلّات والمواقع ومراكز الأبحاث، فضلاً عن مئات آلاف المدوّنات وصفحات الفێسبوك وقنوات اليوتيوب، معظمها تخرّج من مدرسة الثّورة وكلّها يتابع “الشّأن السّوريّ” ويتحدّث فيه، وصار حتّى النّظام مضطرّاً لمخاطبه جمهوره بأدوات إعلاميّة تشبه أدوات الثّورة السّوريّة، مع تضعضع كبير في سرديّته وتبعثر شديد في مراكز السّلطة الإعلاميّة التي كانت لديه، في مقابل تضعضع وتبعثر من نوع آخر لدى الثّورة السّوريّة، المتفوّقة تماماً على عدوّها الأوّل، وهو تفوّق ستساعدنا السنوات القادمة على رؤيته بوضوح.
وعدا التّاريخ، فتحت الثّورة على سوريا أيضاً باب “التّأريخ”، وهو حقل معرفيّ شديد الضحالة فيها، ولقد فرضت الثّورة على المؤرّخين مقاربات جديدة يصعب ألّا تكون لصالحها بالمجمل. فلئن قال الواقع الدّوليّ كلمته الظّالمة في حقّ الثّورة، فهي ستبقى أوّل حرب في التّاريخ تحظى بهذا الكمّ المهول من “الدّاتا”، المكتوب منها والمصوّر، ولن يحتاج المؤرّخ الكثير كي ينصفها ويكرمها كما تستحقّ. لذا إذا صحّت مقولة “التّاريخ يكتبه المنتصر”، فإنّ الأرجح أن تكون الثّورة السّوريّة هي المنتصر في أعين المؤرّخين، الّذين لن يجدوا ما يدافعون به عن رئيس انتهى عهده بـ”داعش” وبـ”أكبر كارثة إنسانيّة منذ الحرب العالميّة الثّانية”.
المدن

الثورات السوريّة المتنوّعة/ كنان قوجه
في البدء كان التناقض مجرّداً وبسيطاً، شعار أنصار النظام السوري “الله سوريا بشار وبس”، يقابله شعار “الله سوريا حرية وبس” الذي هتف به متظاهرون. ومع إزاحة ماهو مشترك بين الشعارين، يبقى لنا بشار والحرية كطرفي نقيض، يمثل كل منهما، مطلباً لجماعتين سوريتين على شفا التصادم والاحتراب. ولكن إذا كان “بشار” شخصاً محسوساً ومعرّفاً، مما يسهّل على فريقه التوحد والاندماج ضمن تراتبية تنتهي عنده كرأس لها، فقد كانت “الحرية” مفهوماً فضفاضاً، يحتمل تأويلات شتى، ويعكس تباينات وخلافات ستتعزز طوال فترة المنازلة، وانتقالها من طور السلمية إلى العسكرة، وتغيّر معادلة محكومين في مواجهة حاكم، إلى حكّام صغار في مواجهة بعضهم البعض من جهة، وكل منهم في مواجهة الحاكم الأساسي من جهة أخرى. كانت الرغبة بإسقاط النظام هي فقط ما يوحد المحكومين المتمردين، ويفرقهم كل ما دون ذلك، وقد حاولت قوى الثورة في بداية الحراك الشعبي، تأجيل استحقاق الاختلاف، عبر طرح شعارات عامة، يصعب رفضها، كشعار “الشعب السوري واحد”، والترويج أن مستقبل سورية سيقرره شعبها عبر صندوق الاقتراع، وكانت النوايا صادقة، ولكنها لم تكن كافية. فالثورة السورية وخلافاً للتونسية والمصرية، فشلت في الحسم السريع، وبالتالي في تدوير مشكلات العقد الاجتماعي السوري الجديد، لمرحلة ما بعد إسقاط النظام، بل أضحت مطالَبة بحل الخلافات والتشابكات المزمنة في وعي السوريين، ومسؤولة بنظر خصومها عن التفجر العنيف لبعضها!.
ولكن بعض أهل الثورة أصروا على المكابرة، والزعم أن سبب هذه المشاكل وعلّة وجودها هو النظام، وستنتهي بزواله، غير أن عجز أي قوة ثورية وازنة عن طرح خطاب وطني جامع، يوحد السوريين، مع وجود قوة عسكرية تحميه، أو حتى قبوله كمرجعية من قبل التشكيلات المقاتلة، كان جليّاً. فالأسلمة والخطاب الجهادي كانا أضمن للكتائب المقاتلة، سواء من حيث جذب التمويل، أو استقطاب العناصر. والخطاب الإسلامي الحماسي، لم يكن ليشكل عامل إجماع وطني في بلد متعدد الملل والأهواء.
وإذْ يصحُّ القول، بأنّ الثورة بريئة من خلق هذه المشاكل، فالحق أيضاً، أنها لم تكن كلها من اختراع النظام، بل هي بشكل من الأشكال، نتاج التركة العثمانية وما تلاها. ويشخص حازم صاغية وطأتها على الدولة السورية الناشئة من الاستقلال عن الفرنسيين، كاتباً: “الجمع بين دمشق وحلب، وبين المدن والأرياف، وبين المدنيين والعسكريين، وبين العرب السنة والأقليات الدينية أو المذهبية أو الإثنية، بدا من قبيل جمع الماء إلى النار، وكان يحفّ بالتناقضات هذه جميعاً، ضغط العشائر الثقيل إلى الحياة المدينية الناشئة”.
وإذ كان النظام، لم يخترع هذه المشاكل، غير أنّه عمل عبر عقود حكمه على تجذيرها، واللعب عليها كمصدر تخويف للسوريين من بعضهم البعض. فمع تدمير شبكات الأمان الاجتماعي، ومؤسّسات امتصاص الصدمات، من أحزاب ونقابات ووجاهات محلية وصحافة حقيقية، بقي وحده الطرف القادر على إدارة النزاعات واللعب بالتوازنات، بل ونقل تلك السياسة للإقليم، وخصوصاً إلى لبنان.
وهكذا سار في المظاهرات الأولى سوريون جنباً إلى جنب، بأحلام مختلفة، فالبعض كان يرى النظام مذهبياً ويريد حكم الأكثرية، والبعض يراه قومياً ويريد حقوقه القومية، والبعض يريد علمانية حقيقية لا شكلانية.
وإذا كانت المظاهرات تحت ذات العلم في البداية، فتدريجياً وبالتوازي مع العسكرة، ظهر علم الاستقلال كتمايز لجمهور الثورة عن جمهور النظام، لتعقبه رايات إسلامية، تمايز أنفسها عن الخطاب الوطني، فأعلام صفراء تبرز مطالب قومية كردية. وأمتد الأمر للمصطلح أيضاً، فمن ثورة مقابل أزمة، إلى الجهاد في بلاد الشام إلى “روج أفا”.
العربي الجديد

الجزيرة” تتذكر حمص بالاهازيج الثورية/ وليد بركسية
استذكرت قناة “الجزيرة” الإخبارية، مساء الأربعاء، انطلاقة “ثورة الكرامة” في عاصمة الثورة حمص، منذ البدايات الأولى للثورة العام 2011 حتى دخول قوات النظام إلى المدينة وبسط سيطرتها على مناطق واسعة منها بالقوة، وذلك في فيلم درب الحرية، الوثائقي الثاني عن المدينة الذي تنتجه القناة ويحمل الأسم نفسه، خلال عام واحد.
وخلافاً للفيلم الأول الذي كان أقرب إلى سرد تاريخي تلقيني ممل، بنت “الجزيرة” فيلمها الجديد بحيوية حول الأغنيات الثورية الشعبية التي شهدتها ساحات حمص الثائرة منذ 2011، وأغانيها الأخرى التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي وأصبحت ذات رمزية خاصة لدى السوريين، كأنها حنين إلى الماضي الجميل السلمي الذي قتله العنف.
والحال أن صرخات الحرية الأولى في حمص تحولت إلى نقطة أيقونية في مسار الثورة لتضبط كل عام مع ذكرى 15 آذار بوصلة الطريق الجديد، وهتافات الشعب السوري في مظاهراته الأخيرة التي عاد بها للشوارع إثر اتفاق الهدنة في البلاد، وتعيد إلى العالم ذات التراث الثوري النبيل البعيد عن العنف الذي طبع سوريا بصورة قاتمة طوال السنوات الماضية. ويعيد الفيلم على هذا الأساس الاعتبار إلى حمص التي صدرت هذه الطريقة الاحتفالية في التظاهر لسائر أنحاء البلاد.
كل أغنية في الفيلم تختصر مرحلة معينة يتم الحديث عنها بشكل توثيقي مبسط مع صور أرشيفية ومقاطع الفيديو المأخوذة عموماً من توثيق الناشطين عبر السوشيال ميديا، ولقاءات مصغرة مع مختصين في الشأن السوري أو ناشطين من حمص أبرزهم هادي العبدالله وعبد الباسط الساروت الشهير بلقب منشد الثورة.
أغاني الفيلم الأساسية مأخوذة من قصائد شعبية حمصية، وتم إعادة تلحين بعضها بشكل خاص للقناة ومنها استمد الفيلم روحه العامة، فتتكرر الهتافات الحماسية التي تثير عواطف خاصة لدى المتابع: “حرة وعزيزة هالبلد تكبر معاليها، ما همها جور العدا ولا هابت الإجرام، مع كل دم انسكب أجيال تحييها، شوفوا حمص يا ناس، فيها الوفا قوام”.
تتوالى الأغنيات: “سكابا يا دموع العين سكابا، على شهدا سوريا وشبابها” و”رح نتظاهر كل يوم حتى نسقطك يا بشار” و”يلي بيقتل شعبو خاين”، وبين كل أغنية والأخرى قفزة زمنية فمن جمعة الكرامة الأولى إلى إضراب الكرامة الذي باتت حمص به صاحبة أطول إضراب في تاريخ البلاد، إلى خروج أحياء المدينة واحداً تلو الآخر عن سيطرة النظام بما في ذلك الأحياء الغنية والفقيرة دون تمييز طبقي.
أفرد الفيلم مساحة لعرض الانتهاكات ضد حقوق الإنسان التي ارتكبها في حمص، وتحديداً موضوع الاعتداءات الجنسية والمجازر الطائفية وأساليب التعذيب في مراكز الاعتقال التعسفي، وكلها كانت أسباباً في رفع السلاح في وجه النظام للدفاع عن النفس، وبداية تشكيل الجيش الحر. وتبرز هنا أغنية “نحن الضباط الأحرار” التي عرضها الفيلم بصوت جمال القاروط أحد مقاتلي الجيش الحر الذين قتلوا في اجتياح النظام للمدينة في شباط/ فبراير 2012.
ربما لا يقدم الفيلم جديداً يذكر من ناحية المعلومات التاريخية التي يعرفها الجميع، لكن الطريقة التي يتم تقديم المعلومات عبرها، تبدو مبتكرة، خصوصاً وأن تنفيذها يأتي ناجحاً بحرفية ودقة عالية، من دون إغراق في اللعب على وتر العواطف بشكل رخيص، خصوصاً أن أغنيات الفيلم بحد ذاتها عاطفية ومؤثرة، وبهذا لا يتجه الفيلم نحو البروباغندا بل يحتفظ بمسار متوازن بين التعليق الصوتي وبقية مكونات الفيلم البصرية تحديداً.
دخول قوات النظام لحي بابا عمرو بشكل دموي عنيف، تزامن مع الذكرى الثلاثين لمجزرة حماة التي قام بها نظام حافظ الأسد في الثمانينيات. والمفارقة التي يبرزها الفيلم هي أن المدة الزمنية التي استغرقها اقتحام بابا عمرو هي ذات المدة التي لزمت حافظ الأسد لاقتحام حماة، الشقيقة الأزلية تاريخياً وجغرافياً لحمص.
لهذا، لم تكن الأغنية الأخيرة في الفيلم من ساحات حمص، بل من ساحات حماة مع مقاطع وصور تمزج بين المدينتين والعمليات العسكرية القديمة والحديثة فيهما: “يلا نهتف سوا وننادي حرية، تحية من حماة لحمص العدية، تحية من حماة لرجال الأسود، بالخالدية رجال ما تهاب البارودة، وبابا عمر الرجال ما تهاب المنية”.
المدن
في معنى ذاك الانفجار الكبير/ ماجد كيالي
يبدو مصطلح «الانفجار» أكثر تمثيلاً للحوادث السورية منذ خمسة أعوام، أي منذ اندلاع ثورة السوريين، في منتصف الشهر الثالث من 2011. فالأمر لم يعد يقتصر على الصراع بين النظام والشعب، أو غالبية الشعب، ومن الخطأ النظر إليه على هذا النحو فقط، إذ لم نعد إزاء ثورة خالصة، كما أن الثورة ذاتها لم تعد تحتفظ ببراءتها الأولى.
هكذا تم تخليق طبقات أخرى في حلبة الصراع في سورية، وعليها، وضمن ذلك يأتي الصراع بين الدول الفاعلة إقليمياً، لا سيما إيران وتركيا، والصراع بين الدول الكبرى، بخاصة روسيا والولايات المتحدة، وفوق هاتين الطبقتين المؤثرتين جداً ثمة الفرصة التي وجدتها المنظمات «الجهادية» المتطرفة، لا سيما «داعش» و»جبهة النصرة»، وأخواتهما، التي لا تُحسَب، ولا تَحسِب نفسها، على ثورة السوريين، من دون أن ننسى المداخلات المتضاربة لبعض الدول العربية، في هذا الاتجاه أو ذاك.
وكانت الثورة حافظت على زخمها في العامين الأول والثاني، في فعالياتها الشعبية، وخطاباتها المتعلقة بالحرية والمساواة والديموقراطية، لكن هذا المسار شهد تراجعاً أو خبوّاً ملحوظاً في ما بعد لمصلحة الجماعات المسلحة، لا سيما بعد تعمّد النظام البطش بالمناطق الشعبية الحاضنة للثورة، بقصفها بالبراميل المتفجرة وبفرض الحصار المشدد عليها، لتدفيع سكانها أثماناً باهظة، وإجبارهم على الخضوع أو الرحيل. ومعلوم أن هذا الأمر تفاقم مع تعمّد الجماعات المسلحة، التي تتغطّى بالإسلام السياسي، إزاحة الناشطين المدنيين، و«الجيش الحر» أيضاً، من المشهد العام، لا سيما بعد فرضها هيمنتها على المناطق الخارجة عن سلطة النظام.
والمشكلة في هذا الوضع أن «المناطق المحررة» لم تثبت نموذجها كبديل للنظام، بسبب ممارســات هذه الجماعات، التي عملت أيضاً على احتلال، أو تغيير، هوية الثورة، وإزاحة خطاباتها، الأولية والجمعية، الوطنية والديموقراطية.
فوق كل ذلك فمصطلح الانفجار يفيد بأن مرحلة من تاريخ سورية المطموس، أو من تاريخ السوريين المحجوب، باتت مفتوحة على مصراعيها لبناء إجماعات جديدة، أو وطنية سورية جديدة، بعدما بات السـوريون يقفون إزاء أنفسهم، ويكتشفون بعضهم البعض، على اختلافاتهم وتعدديتهم، الدينية والاثنية، وبعد أن كانت الوطنية محصورة في الولاء والخضوع لنظام يعتبر سورية هذه خاصته أو ملكيته.
مع كل ذلك، أي مع وجود مشكلات أخرى، وطبقات صراعية أخرى، ضمنها الدخول الروسي الفجّ على خط الصراع (وهو ما تم سحبه مؤخراً)، فالثورة تبقى بمثابة المعلم أو المحرض الأساسي في الانفجار السوري، على رغم فقدانها براءتها الأولى، وعيوبها ونواقصها، لأنها أول تجربة يعبّر فيها السوريون عن أنفسهم، ويطلعون فيها إلى الضوء، لامتلاك الفضاء العام، وأول مرة يفكّون عقدة ألسنتهم ويسمعون أصواتهم، ويكسرون مقولة «سورية الأسد» وإلى الأبد، ويتحررون من الخوف، ويشهرون توقهم للحرية والكرامة.
لأجل كل ذلك تستحق أن يطلق عليها تسمية ثورة، ولا يقلل من ذلك عدم استطاعتها احتلال المشهد العام الظاهر، وذلك لأنها أخرجت السوريين من الصندوق المغلق إلى مسرح التاريخ، ولأنها تتوخّى إسقاط واحد من أكثر الأنظمة دموية وفساداً واستبداداً في العالم، فإذا لم تكن هذه ثورة فما هي الثورة إذن؟
والحال، فإنه في التجارب التاريخية العالمية لا يمكن الحديث إلا عن ثورة سياسية، أو عن ثورات الحرية، ذلك أن الثورات ذات الطابع الفكري أو العلمي أو التكنولوجي أو التي تسعى إلى تغييرات في طبيعة التركيبة الطبقية للمجتمع تحتاج إلى عقود من الزمن، وتتم بطريقة تدريجية سلمية وإن تخللتها لحظات عنيفة، بهذا القدر أو ذاك. فالثورات غير السياسية لا تتم بالعنف وحده، ولا بالطرق الانقلابية القسرية، وهذا ما يؤكده مؤرخو الثورات من اريك هوبزباوم (في كتابة عصر الثورات) إلى هنه ارنت (في كتابيها في الثورة وفي العنف) وكرين برنتن (في كتابه تشريح الثورات). وكل المزاعم التي هي غير ذلك نتاج أفكار رغبوية، أو نتاج أيديولوجيات، لأن الواقع لم يثبت ذلك. فكرين برنتن في كتابه المذكور، والذي شرّح فيه الثورات الأربع الإنكليزية والأميركية والفرنسية والروسية، يؤكد أن الثورات تحدث تغييراً سياسياً لكن الأوضاع، حتى مع التغيير السياسي، تعود إلى الخلف ليحدث التغيير بطريقة تدريجية وطبيعية، فيما تؤكد أرنت أن الحرية هي الهدف الأساس لأية ثورة.
بكلام آخر، فإن ما تواجهه الثورة السورية من تحديات وتعقيدات، وما تعانيه من نواقص ومشكـــلات وانحرافات، لا يقلل من أهميتها في أنها فتـــحت تاريخاً جديداً ليس للسوريين فحسب، وإنمـــــا في المشرق العربي برمته، هذا على رغم أثمانها الباهظة، وغير المسبوقة، والأهوال التي اختبــــرها السوريون. في الواقع فما واجهته ثورة السوريين ليس غريباً، ولا فريداً، إذ سبق أن واجهتـــه معظم ثورات القرنين 19 و20. فالثورة الفــرنسية (1789)، مثلاً، كانت واجهت، أيضاً، تكالب الامبراطوريات الأوروبية، وقوى الإقطاع، التي جهدت لإعادة الملكية إلى فرنسا وقتها، كمـــا واجهت الردّة، أو النكوص، من الملكية إلى الامبراطورية مع نابليون بونابرت، بيد أنها على رغـــم كل ذلك رسّخت فكرتي الحرية والمساواة، أي أنهــا على رغم فشلها حينذاك، انتصرت على المستوى التاريخي، إذ نقلت إشعاعها إلى محيطها الأوروبي والعالمي. ثم إن فرنسا تغيرت ولم يعد بالإمكان العودة إلى الخلف، حتى مع نابليون الأول والثالث وحتى مع عودة الملكية.
ثمة مؤشرات تفيد بأن السوريين لم ييأسوا، على رغم الأهوال والكوارث التي عاشوها، وهذا يتمثل في محاولتهم إعادة الاعتبار لثورتهم، ولخطاباتها الأولى، ولطابعها الشعبي، بعد أن تم فرض حالة من وقف القتل والقصف. هذا ما حدث في التظاهرات الشعبية التي شهدتها مختلف مناطق سورية، في الأيام الماضية، وفي نبذ الجماعات المتطرفة والرايات السوداء، ورفع علم الثورة. عد خمسة أعوام يبدو هذا كأنه بمثابة عودة الروح، أو كأن الثورة تستعيد هويتها وعافيتها.
الحياة

الثورة السورية في عامها السادس.. المشكلات والتحديات/ ماجد كيالي
توضيحات أولية
المشكلات والتعقيدات
المخاطر والتحديات
تدخل الثورة السورية عامها السادس، والمشكلة أن هذه الثورة المدهشة والتي باتت تعرف بأنها الأكثر كلفة بين ثورات “الربيع العربي”، مازالت تواجه مزيدا من التعقيدات والصعوبات والتدخلات الدولية والإقليمية التي تتوخى تصفيتها أو حرفها أو السيطرة على التداعيات الناجمة عنها.
هكذا فقد بات بديهيا أن التحليلات المتعلقة بمآلات الوضع السوري أضحت غالبا مشوبة بشحنات من المرارة والقلق وربما الإحباط، إذ لا بد أن نتذكر هنا بأننا نتحدث عن نظام يقصف شعبه بالبراميل المتفجرة وبالصواريخ، كما لابد أن نتذكر أن هذا النظام استعان بحليفيه الروسي والإيراني مع ميلشياته الطائفية اللبنانية والعراقية، حيث شارك الجميع في قتل السوريين وتدمير عمرانهم، وقد نجم عن كل ذلك تشريد أكثر من نصف السوريين في الداخل والخارج، وحرمانهم من ممتلكاتهم ومن مصادر رزقهم، مع حوالي نصف مليون شهيد ومفقود، وآلاف القتلى في المعتقلات، وعشرات آلاف السجناء، فضلا عن الحصار المشدد على بعض المناطق.
توضيحات أولية
وقبل الحديث عن المشكلات والتحديات التي تواجهها هذه الثورة داخليا وخارجيا، وعلى صعيد بناها وخطاباتها وأشكال عملها، لا بد من تقديم التوضيحات الآتية:
أولا،لم تكن ثورة السوريين على النظام الذي حكمهم قرابة نصف قرن، خيارا بين مجموعة خيارات متاحة، فالثورات تنجم عنها-في أغلب الأحوال- كلف باهظة في الأرواح والممتلكات، وهي تحصل لكسر الاستعصاء الذي تشكله النظم الاستبدادية التي تعيق التطور السياسي والثقافي والاقتصادي والاجتماعي في البلد المعني، أي أن الثورات سلمية أو مسلحة أو بين هذا وذاك، هي حالة اضطرارية وعفوية، وكلفتها تتأتى من قوة السلطة المهيمنة، وبقدر عنادها ومقاومتها للتغيير، ما يفيد أن الطريق الأنسب والأسلم للتطور هو طريق التغيير السلمي والديمقراطي والطبيعي، إن كان متاحا بالطبع.
ثانيا، تأتي الثورات بشكل مفاجئ وعلى شكل انفجارات لا يمكن هندستها أو تنظيمها أو التحكم بتداعياتها أو مآلاتها، كما لا توجد مسطرة معينة لها، وهي لا تأتي بحسب الرغبات.
وتبعا لكل ذلك فقد تنجح وقد تفشل، وربما تنجح جزئيا، كما أنها قد تنحرف أو يجري التلاعب بها، علما أن التنظير للثورات في فترة ما قبل القرن العشرين، أتى بعد حدوثها، أما الفكرة “اللينينية” عن الثورات فقد ظلت بمثابة فكرة نظرية أو تحليلية، وتستند إلى التراث الثوري للشعوب التي سلكت هذا الطريق، رغم أنها أنتجت نظريتها الخاصة في هذا المجال، مع ذلك فإن الواقع ومعطياته شيء والكتب أو النظريات شيء آخر؛ مع كل الاحترام لنظريات العمل الثوري.
ثالثا، إن الوقوف مع ثورة ما هو وقوف مع حركة التاريخ، مع الشعب، مع الضحايا، مع المظلومين، وهو انحياز لقيم الحرية والكرامة والعدالة، أي أنه موقف منطقي وسياسي وأخلاقي، هذا مع إدراكنا ما للثورات وما عليها، أي أن ذلك لا يعفيها من النقد القاسي، لخطاباتها وبناها وأشكال عملها، بل إن هذا العمل بالذات هو من صلب العملية الثورية ذاتها.
رابعا، فيما يخص الثورة السورية فهي أول تجربة سياسية للسوريين، وتأتي من دون صلة بتجربة حزبية سابقة، بل هي أول تجربة من نوعها في تاريخ المجتمعات في هذه المنطقة للصعود إلى حلبة التاريخ، ومن هنا تكمن أهميتها، مع معرفة الأثمان الباهظة المدفوعة.
إزاء ذلك يفترض إدراك أن هذه الأثمان وهذا الخراب إنما تتحمل مسؤوليتهما الأنظمة الاستبدادية السائدة، لأنها تقاوم التغيير، ولأنها أصلا تريد تأبيد حالة التخلف والاستعباد والاستبداد في المنطقة، وفقا للشعار المشين: “سوريا الأسد إلى الأبد” مثلا. ومن الأصل فإن هذه الأنظمة (جمهورية أو ملكية)، هي المسؤولة عن اندلاع الثورات أو الانفجارات المجتمعية بسبب تسلطها وجبروتها وإعاقتها قيام دولة المواطنين والمؤسسات والقانون.
المشكلات والتعقيدات
في نقاش حال سوريا اليوم لا يمكن التكهن بشكل يقيني بالتداعيات والمآلات، إذ لا يبدو أن ثمة في الأفق ما يحمل على الاعتقاد باقتراب الخلاص، فالأوضاع الدولية تعاند السوريين، ولا تتجاوب مع الحد الأدنى لمطالبهم، والأوضاع العربية والإقليمية لا تساعدهم على نحو مناسب، بل إن بعض الأطراف وجدت في هذه الثورة فرصتها لفرض ذاتها كفاعل إقليمي من خلال التلاعب بالثورة وفرض مسارات أو خطابات معينة عليها، كما حصل في الدخول الروسي المباشر على خط الصراع في سوريا وعليها.
والمشكلة أيضا، أن الأوضاع على الصعيد الداخلي، أي وضع الثورة ذاتها، وقدرتها على التحكم بأحوالها، وعلاقتها بمجتمعها، لا تبدو أفضل حالا، لا بالنسبة للقوى السياسية المدنية ولا بالنسبة للجماعات العسكرية.
بالمحصلة نحن أمام واقع معقد مفاده أننا إزاء صراع مديد ومفتوح، وأنه لا النظام ولا المعارضة باستطاعة أي منهما حسم الأمر، وأن سوريا باتت ساحة للصراعات الإقليمية والدولية، وأن وزن السوريين في حسم هذا الصراع بات أقل من السابق، في حين باتت اليد الطولى في إطالة أمد الصراع أو حسمه أو التحكم بنتائجه بيد الدول الكبرى، (روسيا والولايات المتحدة الامريكية، ولاسيما ان كلمة الفصل لهذه الأخيرة.
بيد أن كل هذه الاستنتاجات لا ينبغي أن تصرف الانتباه عن أن الأحوال لن تعود إلى السابق، وأن الثورة السورية -على علاتها- أنهت إلى الأبد، فكرة “سوريا الأسد”، بكسرها الانسداد الحاصل في تاريخ سوريا، وهذا شيء ليس بالقليل، وغير مسبوق، بالنسبة للشعب السوري، ومجتمعات هذه المنطقة.
لكن القول بأن هذا هو واقع الثورة السورية، وأنه ما كان يمكن توقعها على نحو أفضل، لا يعني أن الأمور تسير على ما يرام، ولا التزام التغطية على أخطائها، أو نواقصها، فهذه الثورة انطوت على مفاجآت خطيرة، أولها، عجز الطبقة السياسية السائدة عن إنتاج قيادة، أو أقله مرجعية قيادية، مدنية وعسكرية، فحتى الآن لم تنجح في إنتاج كيان سياسي يعبر عن السوريين ويجمعهم من حوله، وهذا يشمل تشرذم جماعات المعارضة العسكرية التي لا يجمع بينها جامع، ناهيك عن الفجوة بينها وبين الإطار السياسي (المجلس الوطني ثم الائتلاف الوطني)، مع ملاحظة أن تقدما مهما حصل في تشكيل الهيئة التفاوضية مؤخرا.
وثانيها، عدم محافظة كيانات الثورة السياسية والعسكرية على خطابات الحرية والديموقراطية والكرامة التي صدرتها في بداياتها، ما أضر بصدقيتها إزاء العالم وإزاء شعبها.
وثالثها، يتمثل في حجم التدخلات الخارجية المضرة بالثورة، والحديث هنا بالطبع لا يجري عن التدخل لصالح النظام من قبل روسيا وإيران وحزب الله وداعش (تنظيم الدولة الإسلامية) وعصائب الحق وكتائب أبو الفضل العباس ونظام المالكي، فهم جزء من آلة النظام السوري، وإنما عن التدخل المتأتي من الأطراف الداعمة لهذه الثورة، والتي اشتغلت بشكل متضارب، وبحسب مصالحها، ووفق حساباتها، ما أربك الثورة وزجها في معارك غير محسوبة، استنزفتها وأضعفتها.
وبديهي أن المسؤولية هنا لا تقع فقط على عاتق الدول المعنية فقط، إذ ثمة قسط من المسؤولية يقع على عاتق أطراف المعارضة ذاتها، لأنها سكتت عن هذه التلاعبات والتدخلات عن غير وجه حق، ولأنها كانت في أحيان كثيرة مطية لها.
ورابعها، يتعلق بمدى الهشاشة والتفكك اللتين بدا عليهما المجتمع السوري حين ظهر على شكل جماعات سكانية متباعدة ومتفرقة على أسس هوياتية قبلية وطائفية ومذهبية وإثنية ومناطقية وعشائرية، يكاد لا يجمعها جامع، فضلا عن أن بعض هذه الجماعات -التي تنظر إلى ذاتها بمنظور أقلياتي- بدت وكأنها لا تبالي بما يجري، أو كأنها سلمت لاعتبارها سوريا بمثابة مكان للإقامة وليس وطنا يضم كل السوريين.
المخاطر والتحديات
في الواقع، فإن هذه المفاجآت ربما لم تكن متوقعة على هذا النحو، وإلى هذه الدرجة، لكنها مع استطالة عمر الثورة، ولدت مخاطر وتحديات كثيرة، خارجية وداخلية. أولها، أن القوى الخارجية الدولية والإقليمية -لاسيما الأميركية والروسية ثم الإيرانية والتركية- باتت أكثر تأثيرا بالنسبة لتقرير مستقبل سوريا، خاصة بسبب زيادة اعتماد الثورة على الدعم الخارجي المالي والتسليحي، وغياب بعدها الشعبي، وضعف تنظيمها لذاتها.
وثانيها، أن النظام استطاع بمساعدة حلفائه إخراج أغلبية المجتمع السوري من معادلة الصراع، بتدميره البيئات الشعبية الحاضنة للثورة، وبتشريده ملايين السوريين.
وثالثها، أن الثورة السورية مازالت بحاجة لقيادة، وبحاجة لتوضيح أو تأكيد خطاباتها المتعلقة بالحرية والديمقراطية. ورابعها، أن النظام وحلفاءه استطاعوا حرف الأنظار عن طابع الثورة السورية بوصفها ثورة ضد نظام الاستبداد والفساد، وتوجيه أنظار العالم إلى نواح أخرى، ضمنها ما يسمى الحرب ضد الإرهاب، ووقف تدفق اللاجئين إلى أوروبا، وتأمين المساعدات التموينية والطبية للمناطق المحاصرة.
وخامسها، يكمن في تعنّت النظام، مع روح الإنكار التي تتملكه، حيث ما زال يتصرف -رغم كل ما جرى- على اعتبار أن هذه “سوريا الأسد إلى الأبد”، أو كأنها بمثابة ملكية عقارية خاصة، ليس بها مواطنون، أو كأن هؤلاء مجرد مقيمين لا حقوق لهم.
وسادسها، يتعلق بحلفاء النظام، خاصة إيران وروسيا اللتين تريان أن أي تغيير في سوريا سيكون بمثابة نهاية لنفوذهما فيها، وخاصة على ضوء تورطهما عسكريا في دعم النظام القائم ضد غالبية شعبه. وسابعها، يرتبط بما يريده ما يعرف بـ “أصدقاء الشعب السوري”، فنحن هنا أيضا إزاء مصالح وسياسات ورؤى متضاربة، لا تسهم في حسم الوضع، في دعم الثورة أو التسهيل عليها.
وثامنها، ناجم عن الجماعات الإسلامية الجهادية المتطرفة، التي لا تحسب ذاتها على الثورة، لا سيما “داعش” (تنظيم الدولة الإسلامية) و”جبهة النصرة”، إذ أن انحسار هذه الجماعات سيرتبط بمدى التزام جميع الأطراف بوقف هذه اللعبة، ومدى الصرامة في وضع حد لمصادر تمويلها وإمدادها، وعدم التسهيل لها.
وتاسعها، يكمن في معالجة أو تصويب أوضاع المناطق المحررة، فهذه التجربة لاقت إخفاقا كبيرا، إذ لم تنجح في إدارة أحوالها، ولا في التسهيل على الثورة، فضلا عن أنها خسرت في الصراع على النموذج مع النظام. ومع معرفتنا بعدم علاقة المعارضة بهذه المناطق التي باتت بمثابة إقطاعات لجماعات عسكرية، فإن مسؤوليتها تكمن في عدم نقد هذه الظاهرة وسكوتها عنها، لكسب رضى القوى المهيمنة.
ثمة إذن صعوبات ونواقص ومخاطر وتحديات جمة تواجه ثورة السوريين، وهذا قدر سوريا وموقعها الجيوبولوتيكي كبوابة للمشرق العربي، وفي تأثيراتها على مستقبل الوجود الإسرائيلي.
مع كل ذلك، فإن هذه الثورة فتحت تاريخا جديدا في المنطقة بغض النظر عن مآلاتها، ولنلاحظ في هذا السياق -مثلا- أن الثورة الفرنسية -الأشهر عالميا- فشلت أولا، إذ بدأت بغرض إنهاء الملكية لكنها انتهت إلى امبرطورية الجنرال نابليون، بحيث احتاجت فرنسا إلى ثورة 1848، ثم إلى كومونة باريس 1871 (حكومة بلدية ثورية)، أي إلى نحو قرن لإحداث التغيير، مع ملاحظة استهدافها من الدول أو الإمبراطوريات المجاورة.
لكن ما يلفت الانتباه أن هذه الثورة -رغم فشلها- استطاعت نقل إشعاعها إلى العالم، وصنعت التاريخ أكثر من سابقتها الثورة الأميركية (1776) التي نجحت، وذلك بحسب تعبير حنا أرندت (كتاب في الثورة) وأريك هوبزباوم (كتاب عصر الثورات). مع ذلك سنبقى على أمل بخلاص السوريين.
الجزيرة نت
سورية: خمس سنوات من القتل والتدمير والاعتقال بالأرقام
لبنى سالم
خمس سنوات مرّت على الصرخة الأولى التي أطلقها السوريون في وجه النظام الذي يحكم سورية منذ أكثر من 45 عاماً، هذه الثورة التي أطلقها السوريون في آذار/ مارس عام 2011 طلباً للحرية والكرامة، دفعوا في سبيلها ولا يزالون ثمناً باهظاً.
ووفقاً لأرقام حصل عليها “العربي الجديد”، من الشبكة السورية لحقوق الإنسان، للفترة بين آذار/ مارس 2011 وآذار/ مارس 2016، قُتل نحو 200 ألف مدني سوري بنيران الأطراف المتحاربة المختلفة، أكثر من 21 ألفاً منهم كانوا أطفالاً، و21 ألفاً آخرين من النساء.
وتعددت أشكال الموت التي طا,لت أرواح السوريين خلال السنوات الخمس الماضية؛ أكثر من 12 ألفاً لفظوا أنفاسهم الأخيرة، ولم يسمع نجداتهم إلا الجلاد الذي تسبب بموتهم، بعد حفلات التعذيب المستمرة في مراكز الاعتقال والسجون.
كما فقد 900 إنسان حياته قبل أن يجد أحدهم لقمة تنقذه من الموت جوعاً، وأكثر من 500 صحافي وإعلامي ومصوّر دفعوا أرواحهم في سبيل نقل الحقيقة للعالم، لم يستطع واحدهم التمييز بين الجلاد والضحية، وأكثر من 600 من الكوادر الطبية رفضوا أن يديروا ظهرهم للجرحى والمرضى وقرروا البقاء في سورية لتأدية عملهم الإنساني، فقدوا أرواحهم هناك.
إلى ذلك، تم الزج بـ 125 ألف معتقل في السجون والمعتقلات بسبب آرائهم ونشاطاتهم السياسية، أو حتى من دون تهم.
خمس سنوات تغير فيها وجه سورية، دُمّرت آثارها ومعالمها الحضارية، وخسرت أكثر من 4 آلاف مدرسة ومركز تربوي، وأكثر من ألفي مسجد و78 كنيسة.
الثورة مستمرة
عبسي سميسم
بدأت تظهر أصوات لشخصيات من المعارضة السورية القريبة من التيارات الإسلامية تحذر من مفاعيل سلبية للتظاهرات التي عمّت أرجاء سورية لمجرد الشعور بالأمان الجزئي من قبل المواطنين السوريين عقب اتفاق وقف الأعمال العدائية في سورية. تبرر تلك الأصوات مخاوفها من أن يتم اعتبار عودة التظاهرات السلمية ميلاداً جديداً للثورة ينسف الفترة المسلحة منها ويعتبرها خطأً جسيماً، ما يعطي المبرر لأعداء الثورة بإعادة الجميع لبيت الطاعة. كما يعلّل أصحاب هذا الرأي مخاوفهم من التظاهرات بالخوف على المتظاهرين ويحذرون من استهدافهم بسبب هشاشة الهدنة، في الوقت الذي يرون فيه أن معركة المعارضين مع النظام هي معركة وجودية ولا يحسمها إلا السلاح.
يبدو أن من يرى في عودة التظاهرات تهديداً ونسفاً للمرحلة العسكرية قد نسي أن المرحلة العسكرية قد بدأت كحاجة لحماية المتظاهرين، وأن الثورة في أساسها هي ثورة سلمية مطلبها الحرية والخلاص من الاستبداد، وأن أول من ساهم في تحويلها لحالة العسكرة وفق الحالة التي وصلت إليها هو النظام الذي بدأ يروج منذ الأيام الأولى لعصابات مسلحة إرهابية، ومن ثم ساهم في صناعة بعض التنظيمات المسلحة المتطرفة لتحاربه باسم الثورة كونها المبرر الوحيد لاستمراره كنظام يحارب الإرهاب والتطرف.
إن التظاهرات هي الفعل الأكثر تأثيراً في نظام مستبد كنظام الأسد لأنها التعبير الحضاري الأرقى للخلاص منه، كما أنها الفعل الأكثر تأثيراً في أي استبداد آخر نشأ حتى في مناطق سيطرة المعارضة، وهو ما تم رصده بالفعل من خلال ردات فعل جبهة النصرة ومثيلاتها من التنظيمات التي تسعى لإقامة نظام إقصائي مستبد وتستهدف التظاهرات التي خرجت أخيراً في المدن والبلدات السورية مستعيدة المطالب الحقيقية للثورة والتي خرجت من أجلها، لتكون المفارقة أن تأخذ تلك التنظيمات دور النظام في قمع تظاهرات لم تخرج ضدها وإنما ضد النظام.
إن عودة التظاهرات وخروجها من مناطق الدمار هذه المرة وليس من المساجد هي بمثابة عودة الروح للثورة السورية، وهي إثبات على أن الشعب السوري لا يزال حياً ومصراً على الخلاص من الاستبداد بكل أشكاله، وتكذيب لرواية النظام ومن يؤيده من أنها “ثورة مساجد”.
تظاهرات “الشعب يريد إسقاط النظام”: استعادة روح الثورة السورية
عبسي سميسم
بعد حوالي خمس سنوات على انطلاق الثورة السورية في 15 مارس/آذار 2011 وسيطرة التظاهرات المطالبة بإسقاط النظام على المشهد في البلاد لأشهر طويلة، أعادت التظاهرات التي بدأت منذ أول من أمس، الخميس، وتصاعدت أمس الجمعة، في أبرز مناطق سيطرة المعارضة، رسم المشهد نفسه، مستعيدة روح الثورة وشعاراتها.
وخرج آلاف المواطنين السوريين، يومي أمس الجمعة وأول أمس الخميس، بتظاهرات كبيرة في مختلف المدن السورية، مستعيدين الشعارات الأولى للثورة السورية، ومستغلّين الأمان النسبي، الذي حققته الهدنة في بعض المناطق. ولعلّ أبرز ما استعادته روحية أمس، هو عودة الشعار الأبرز والأشدّ تأثيراً على النظام: “الشعب يريد إسقاط النظام”، ليطغى اللون الأخضر (لون علم الثورة) من جديد في ساحات التظاهر وللتأكيد على استمرارية الثورة.
” في محافظة حلب، شهدت مدن وبلدات أعزاز والأتارب وعنجارة، في ريف حلب، وحي باب الحديد، بمدينة حلب، تظاهرات كبيرة، ردّد المشاركون فيها شعارات الثورة السورية السلمية، التي انطلقت في العام 2011. كما شهدت مدينة معرة النعمان وبلدة معرة حرمة، بريف إدلب، تظاهرة كبيرة. وشهدت مدن وبلدات جرجناز وسراقب وتفتناز ومعرة حرمة، في ريف إدلب، تظاهرات مماثلة.
أما في محافظة حمص، وسط البلاد، فقد خرجت تظاهرة كبيرة في حي الوعر الواقع غرب المدينة، كما خرجت تظاهرات مماثلة في مدينتي الرستن والتلبيسة، بريف حمص الشمالي. وفي ريف دمشق، نظمّت تظاهرات في مدن وبلدات دوما وسقبا ويلدا ودير العصافير وعين ترما. وفي ريف درعا، خرجت تظاهرات مماثلة في مدن وبلدات الحراك واليادودة وبصرى الشام ونوى وغيرها. كما شهدت بلدة يلدا، في جنوب دمشق، ودوما وجوبر، في غوطة دمشق الشرقية، تظاهرات حاشدة، متضامنة مع التظاهرات التي خرجت في حلب وريفها وفي درعا والكثير من المناطق.
وأكد ناشطون أن يوم أمس، الجمعة، شهد الكم الأكبر من التظاهرات التي أعادت ليوم الجمعة ألقه بعد توقف لسنين عن التظاهر، مبيّنين أن “هذه التظاهرات أكدت أن الثورة مستمرة ولم تمت، وهي قادرة على تجاوز كل المشروعات الدخيلة التي تحاول دفع سورية إلى التقسيم”. مع العلم أن التظاهرات تزامنت مع محاولات مستمرة من قوات النظام ومليشيات موالية وبإسناد من الطيران الروسي، عبر إكمالهم القصف، لتغيير موازين القوى ميدانياً على الرغم من الهدنة المعلنة.
” وشدّد الناشط خالد بيطار، من جنوب دمشق، على أن “تظاهرة يلدا كانت مفاجئة، حتى للقائمين عليها”، مبيناً أن أهالي يلدا تجمّعوا أمام دوار السياسية في البلدة، وتنوّعت اللافتات التي تم رفعها بالتظاهرة، وأكدت أن راية علم الثورة هي من يمثل ثوار جنوب دمشق، موجهين رسائلهم لكل من النظام وروسيا وإيران وتنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وحزب الله و”وحدات حماية الشعب” الكردية، بأن “الثورة لم تنتهِ”.
وفي جنوب دمشق، رفع المتظاهرون لافتة بعنوان “لا تنازل عن مبادئ الثورة، من إسقاط النظام وأركانه، وتفكيك أجهزة القمع، وخروج كافة القوات الأجنبية، والحفاظ على وحدة سورية وهويتها”. أما اللافتة الأهم فكُتب عليها “الشعب يريد إسقاط النظام”، وهي اللافتة التي عادت بكثافة إلى ساحات المدن السورية منذ أيام.
أما التظاهرة الأبرز، فكانت في مدينة كفرنبل، في ريف إدلب، التي اشتهرت بتظاهراتها ولافتاتها الساخرة منذ بداية الثورة، إذ خرج، أمس، آلاف المواطنين فيها بتظاهرة حاشدة أعادت للمدينة ألقها. وكشف الناشط الإعلامي نبيل عبيد، لـ”العربي الجديد”، أن “عدد المتظاهرين قد تجاوز خمسة آلاف متظاهر، فيما رفعت لافتات تطالب بإسقاط النظام وبالتوحّد لمواجهته، مثل: الجيش الحر عز وأمل، وفرقتكم قتلتنا، وأمام هذا الشعب ليس لك عن الرحيل بديلاً”.

” كفرنبل… الرمز الباسِم للثورة السورية
كفرنبل ــ أنس الكردي
ما إن تطأ قدمك مدينة كفرنبل التابعة لمنطقة معرة النعمان في ريف إدلب الجنوبي الغربي، والتي تستريح غربها على بعد 13 كيلومتراً، حتى تشعر بنبض الثورة السورية، وترى أعلام الاستقلال ذات المستطيلات الثلاثة الأفقية المتوازية الملونة من الأعلى حتى الأسفل بالأخضر والأبيض والأسود.
أجمل ما في المدينة اختفاء المظاهر المسلحة فيها، فثمة قرار غير مكتوب عمدت من خلاله كتائب “الجيش السوري الحر” والفصائل الإسلامية على أن تكون مقراتها خارج المدينة. وعلى الرغم من السيطرة غير المباشرة لـ”جبهة النصرة” على كفرنبل، لكن يجري التصرف على مبدأ ألا “يتدخّل أحد بالآخر”، إذ قد تتجوّل فيها يوماً كاملاً من دون أن تلحظ أي مظاهر لـ”الجبهة”.
على العكس من ذلك، تملأ الصور الكاريكاتيرية المعبّرة والرسومات التي أعطت للبلدة شهرتها خصوصاً في الأشهر الأولى للثورة السورية، جدران المدينة، ويُسخّر أبناء البلدة أقلامهم لنقد التعامل الدولي مع ما يحصل في الداخل السوري، أو النقد الذاتي للساحة السورية، أو السخرية من تعامل النظام السوري مع الثورة والقرارات التي يصدرها في المناطق التي يسيطر عليها، كأن تشاهد على أحد الجدران مثلاً جنوداً للنظام يتدافعون للهرب وراء بعضهم، فيما يكتب نص توضيح يجري فيه الكاتب حواراً بين ضابطين للنظام يسأل الأول: “أنا هربان من حوران، أنت وين هربان”، فيجيب الآخر “إدلب”.
أكثر من ذلك، تُزيّن أعلام “الجيش السوري الحر” معظم المحال والمؤسسات التي تدخلها، يضاف إلى ذلك ما اشتهرت فيه المدينة على مدار خمس سنوات وهي اللافتات التي ترفعها وتتناول الواقع السوري بسخرية عالية عقب كل صلاة جمعة. ويُركّز أبناء المدينة على الجوانب السلمية في كتاباتهم في غالب الأحيان، كأن تشاهد على مبنى خزان الكهرباء مثلاً دائرة مُسوّرة بعلم الثورة السورية تتوسطها الآية التالية: “لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين”.
ولا يقتصر تعبير أبناء البلدة عن همومهم ومشاكلهم على اللافتات والصور التي تنتقد الواقع السياسي، بل يدخل ذلك في حياتهم اليومية، فقد تُفاجَأ عند دخولك إلى أحد المحال لشراء سلعة ما بهذه اللافتة: “نحن في المنزل يرجى عدم إزعاج الجيران بالسؤال عن المنزل”، فيما تشاهد الضحكة تزّين معظم الوجوه التي تلتقيها، على الرغم من أن القبضات اللاسلكية لا تهدأ وهي تشير إلى تحليق الطيران الحربي في الأجواء.
تحليق الطيران الحربي في السماء قد يعني مشاهد هروب جماعية وحوادث نتيجة السرعة، فالقصف لا يستثني كبيراً ولا صغيراً، وللمدينة تجارب عديدة مع مجازر الطيران الحربي، لكنّك على العكس من ذلك، ترى مشهداً طبيعياً في المدينة، محال تجارية مفتوحة، طلاب وطالبات ذاهبون إلى المدارس، مشاجرات كلامية بين سائق وراكب، شاحنات تحمّل بضائع، شركات الكهرباء تُصلح الأعطال وغيرها من المظاهر اليومية، فيما يبدو كأن القصف قد تحوّل إلى مشهد طبيعي لا أكثر، فيغيب الخوف وتحضر الحياة.
تتميّز مدينة كفرنبل ببيوتها الريفية، اذ إن معظم المنازل أفقية بتباعد صغير فيما بينها، تتألف من طابق واحد فقط مع السطح، وأمامه حديقة صغيرة، وأشجار تحيط بالبيت، كما توجد بساتين عديدة تفصل بين البيت والآخر في بعض الأحياء.
عندما يخيم الليل على كفرنبل، تقلّ حركة المارة كثيراً، ويبدو المشهد مريباً بعض الشيء: طرقات خالية ومظلمة، في حين أن البيوت تعيش على مولدات كهربائية لا تغطي الحاجة. داخل أحد المنازل الريفية الذي يحيط به الشجر من كافة الجوانب، ويمتاز من الداخل بتجهيزه على الطراز العربي، يستقبلنا أبو طارق ليحدّثنا عن بدايات الثورة السورية، إذ يقول إن “مدينة كفرنبل من أوائل المدن التي خرجت في تظاهرات، والتي نسّقت على مستوى المحافظة، ودخلها الجيش بأعداد كبيرة بآلياته ومدرعاته ودباباته، وهي نقطة ارتكاز جبل الزاوية بشكل عام، والريف الحموي بشكل خاص”.
يضيف أبو طارق: “تمركز الجيش (التابع للنظام) في كفرنبل وريفها في أكثر من نقطة، وكانت مهمته قمع التظاهرات، يلحق الأشخاص على متن “بي أم بي”، حيث يقصف بشكل عشوائي، وزاد إلحاح الشعب على التظاهر من نقمة النظام”.
ينقل أبو طارق حديث أحد الضباط، عندما قال في إحدى التظاهرات إن “مهمتي هي قتل المتظاهرين، لدي 400 عنصر مسؤول عنهم، وأنا أسأل من ضباط الأمن، لماذا لم أوقف المظاهرات، مهمتي إطفاء الحراك الثوري، لا أستطيع أن أقف وأنتم تخرجون في تظاهرات”. ويضيف: “استمر الضابط في القمع، جاء ضابط آخر أشرس قليلاً ومن ثم تغيّر، واستمر الجيش نحو سنة وشهر في كفرنبل، وعاث فساداً في الأرض، وعندما تابعنا في التظاهر أصبح يُداهم البيوت، ويعتقل ناشطين بناءً على معلومات المخبرين، بقينا خارج المدينة نحو سنة وشهر، وعندما يدخل أحد إلى منزله خلسة، يطوق الجيش الحارة ويتم اعتقاله”.
في منطقة الأحراش، نصب أبو طارق وآخرون خيماً، واستمروا قرابة العام. في إحدى المرات اشتبه الجيش بناشطين في هذه الأماكن، فأطلق النار على 35 شخصاً بين رجل وامرأة، وهؤلاء لم يكن لهم علاقة بما يجري.
وعن تحوّل الثورة إلى العمل المسلّح بعد نحو ستة أشهر، يقول أبو طارق: “على مستوى سورية كلها، كانت هناك بعض المعارك في درعا وحمص، فقررنا تحويل العمل إلى مسلح وإخراج الجيش من هنا. بقي العمل سبعة أيام متواصلة في كفرنبل، وتم تحرير المدينة وأسر ما يقارب من 75 عسكرياً بين ضابط وعسكري وقتل نحو 400 عنصر، والاستيلاء على العتاد العسكري”.
وبين اليوم والأمس، يلفت أبو طارق إلى أن “المعركة كانت بأبسط مقومات السلاح، بندقية، رشاش، قاذف آر بي جي، وهو أقوى سلاح كان بحوزتنا في ذلك الوقت، اعتمدنا حرب شوارع لا تحتاج إلى معدات ثقيلة وعتاد، على الرغم من أن جيش النظام كان يستخدمها، والذي كان لمجرد وجود شخص مسلح في أي مبنى يقصفه بشكل كامل، إلى أن اضطر الجيش في حاس وكفروم للانسحاب خشية الهجوم، فانسحب إلى وادي الضيف وتمركز هناك حتى تحريره في وقت لاحق”.
العربي الجديد
تظاهرات الثورة السورية… 5 سنوات قتلٍ والهتاف يتحدّى الصاروخ
عبسي سميسم
كشفت التظاهرات التي عمّت المدن السورية خلال الأيام الماضية، أنّ النظام السوري ومليشياته والدعم الإيراني والروسي له، على مدى سنوات، فشل في قتل الثورة السورية، في وقت كان فيه حتى أنصارُ الثورة وأبناؤها قد صدقوا أنها قُتلت، لكن ما أن فُتحت لها نافذة للهواء حتى خرجت لتصرخ بأعلى صوتها “الشعب يريد إسقاط النظام”، ولتصدح أغاني الثورة وشعاراتها في شوارع وسماء سورية علّها تصمّ آذان المهاجمين القتلة، وتُخفت أصوات طائراتهم.
وتمثل التظاهرات السلمية التي شهدتها العديد من المدن السورية يوم الجمعة الماضي، ردّ اعتبار لهذا الأسلوب في الكفاح والذي توارى خلال السنوات الماضية نتيجة تصاعد العنف والعمليات العسكرية.
ورغم أن التظاهرات السلمية لم تنقطع تماماً خلال تلك السنوات، وظلت مناطق كثيرة تشهد تظاهرات بين الفينة والأخرى، سواء للاحتجاج على جرائم النظام والمطالبة بحماية الأهداف المدنية، أم كتعبير عن رفض بعض سلوكيات فصائل في المعارضة السورية المسلحة، إلا أن الزخم الذي كانت عليه تظاهرات الجمعة أعاد الأشهر الأولى للثورة السورية، التي كان أبطالها الناشطين والفئات الشعبية المختلفة. هؤلاء الذين غاب، أو تراجع دورهم خلال الفترات التالية، واستقر غالبيتهم لاجئين في تركيا أو أوروبا، بخلاف من قتل منهم أو ما زال في سجون النظام.
ويشير التنظيم والتنسيق الجيد الذي كانت عليه التظاهرات في عموم المحافظات السورية، إلى أن دور هؤلاء الناشطين، وربما الأجيال الجديدة منهم، لم يضمر كلياً، وما زال هناك ما يمكنهم القيام به، على الرغم من تصاعد دور الفصائل المسلحة، وتصدرها المشهد في الساحة السورية.
ويرى متفائلون أن تواصل ونمو هذه التظاهرات سيعيدها مجدداً، لتصبح جزءاً أصيلاً من النضال الثوري السوري، ويعيد للثورة وجهها الحضاري السلمي، المطالب بالحرية والديمقراطية، بعدما دأب النظام وأعوانه على مدى سنوات على تشويه صورتها.
وقد تكون عودة التظاهرات قد فاجأت الكثير من المتابعين للشأن السوري قبل أن تفاجئ النظام الذي اعتقد بأنه استطاع إخمادها للأبد. إلا أن الناشطين الذين نظموا التظاهرات في الداخل السوري يتوقعون أن يكون زخمها في الفترات اللاحقة أكبر في حال شعور الناس بأمان نسبي من قصف الطيران. ويعتبرون أن تظاهرات الجمعة الماضية لم تكن إلا تعبيراً عن حيوية الشعب السوري الذي لايزال مصمماً على إسقاط النظام رغم كل المآسي التي يعيشها، خصوصاً أن التظاهرات هذه المرة لم تخرج من الجوامع، وإنما خرجت من بين أنقاض البيوت التي دمرتها طائرات النظام وحليفته روسيا.
ومن مدينة كفرنبل في ريف إدلب، التي كانت رمزاً للتظاهرات السلمية منذ بداية الثورة، التقت “العربي الجديد” مدير المكتب الإعلامي في مدينة كفر نبل، رائد الفارس، الذي يدير حالياً مجموعة من النشاطات المدنية في المدينة منها “راديو فرش” المحلي.
وقال الفارس إنه على الرغم من أننا نعلم بأن وقف إطلاق النار الذي تم الاتفاق عليه كان هشاً، وغير مضمون، ورغم علمنا أن النظام والروس قد يخرقونه ويقصفون بأيه لحظة، كونهما طرفا لا يمكن الوثوق به، إلا أننا أردنا أن تكون رسالة للعالم الذي دأب على التنكر لثورتنا، ولطالما حاول تعمية العيون عنها بوصفها إرهاباً، والقول إن حرب النظام معنا مشروعة لأنه يقاتل الإرهاب.
وعن الرسالة التي تريد توجيهها التظاهرات التي خرجت، قال الفارس إن الرسالة مفادها بأنه في عام 2011 قامت ثورة في سورية، انتفض شعب ينشد الحرية والكرامة ولو قليلا منهما، وأن دكتاتوراً يدعى بشار الأسد قتل ونكل واعتقل وشرد هذا الشعب، فانتفض أحرارٌ وحملوا السلاح ليدافعوا عن الشعب وثورته، موضحاً أنه حق مشروعٌ أن تدفع عن شعبك وأهلك القتل بكل الوسائل.
وبين الفارس أنه في ظل ما سمّاه العالم حرباً نريد للعالم أن يفهم أن شعبنا بعد خمس سنين من القتل، لم ينته أو يتحول عن مطالبه وأنه مازال موجوداً، لقد خبا صوته مع ارتفاع صوت الرصاص، وتحت برك الدم، حيث لم يكن موجوداً سوى الفقاعات الهوائية التي تخرج من أفواه ملأها الدم الذي سفكه الأسد وأعوانه، وعند أول فرصة عندما ارتفع الرأس فوق منسوب الدم، لم تكن الأولوية لشهيق يملأ الرئتين بالأكسجين، بل كانت صرخة أننا ما زلنا أحياء، وأن الشعب الذي بدأ ثورته بمطلب الحرية والكرامة ما زال على قيد الحياة.
ورفض الفارس تسمية ما حصل بأنه عودة الروح للثورة، لأنه يرى أن الروح كانت وما زالت موجودة في الثورة والشعب، بل هي مراحل قد تخبو الشعلة وقد تتوهج، ولكنها أبداً لم ولن تنطفئ.
وعن التنسيق بين المحافظات والمناطق لإخراج التظاهرات بالطريقة التي خرجت بها، قال الفارس إنه “لم يتم التنسيق على مستوى المحافظات، وإنما كان هناك تنسيق بين جميع الفعاليات الموجودة في ريف إدلب”. ورأى أن الجمعة 4 آذار 2016 كانت صرخة الحياة.
وأضاف الفارس “التقينا في مدينة معرة النعمان وتحدثنا مطولاً وأنشأنا غرفة مشتركة على تطبيق “واتس آب” التي تم من خلالها متابعة التنسيق على مستوى منطقتنا والمناطق المجاورة، ولكن كان هناك إحساس عام بأن الكل يعمل على أن تخرج تظاهرات في كل المناطق السورية”.
وعن رؤيته لسير التظاهرة وهل توقع خروج هذا الحشد الكبير في ظل الظرف الحالي والخذلان الدولي للقضية السورية، قال الفارس “أنا واثق أن عدد المتظاهرين كان يمكن أن يكون أكثر من ذلك بكثير إلا أن هناك مواطنين لا يزالون يخافون غدر النظام وقصف التظاهرة”.
وعما يمكن البناء عليه من هذه التظاهرات في المرحلة الحالية، وإمكانية استمرارها وتوسعها، قال الفارس “لا أتصور أن تتوسع التظاهرات كما في السابق بسبب الظروف المأساوية التي تعيشها الناس فهي بحاجة لن تأخذ شهيقاً أولاً”.
وكانت التظاهرة التي شهدتها كل من مدينتي كفرنبل ومعرة النعمان من أكبر التظاهرات التي خرجت يوم الجمعة الماضية؛ فمدينة كفرنبل اشتهرت بلافتاتها التي كانت تعبر عن مواقف سياسية بطريقة ساخرة أو عن مواقف معينة من كل ما له علاقة بالثورة داخلياً ودولياً، والتي كان يكتبها المكتب الإعلامي في المدينة، وبعدد من اللغات كالإنجليزية والروسية. كما اشتهرت برسوم الكاريكاتير التي كانت ترفع في التظاهرات تعبيراً عن وجهة نظر أهل المدينة من خلال الرسم، إذ كان المكتب الإعلامي يستقبل أفكاراً للرسومات واللوحات من أهالي البلد ويقوم بتنفيذها المكتب الإعلامي.
وتمثل عودة التظاهرات إلى معظم ساحات المدن السورية في مناطق سيطرة المعارضة رسالة مزدوجة إلى النظام، والتنظيمات الشمولية التي تسعى إلى فرض استبداد آخر في مناطق المعارضة، بأن الثورة ما تزال حية، وأن الشعب السوري لا يزال على مطالبه بإسقاط كل أنواع الاستبداد.
العربي الجديد

ناشطون صحافيون بسورية..6 أعوام من الموت في سبيل التغطية/ تحقيق – نبيل شوفان
منذ 6 أعوام، وهاتف حسين الجلبي، مدير مركز توثيق الانتهاكات الصحافية، يتلقى اتصالات من قبل أهالي وزملاء لناشطين صحافيين في سورية، يبلغونه عن حالة وفاة أو اعتقال أو اختطاف جديدة في صفوف من يحاولون نقل وتوثيق وقائع الثورة الجارية في أربع عشرة محافظة سورية إلى وسائل الإعلام المحلية والعالمية.
لكن حرص بعض وسائل الإعلام تلك على استمرار عملها، أكثر من اهتمامها بمصير الناشط الإعلامي الذي يعمل لديها، أكثر ما يقلق الجلبي، إذ قد يغامر الصحافي الناشط أو مؤسسته، بحياته من أجل خبر قد يكتب نهايته.
تجارب الناشطين مع “الفرنسية”
في عام 2013، بدأ باسل الطويل، العمل مع وكالة الأنباء الفرنسية من داخل حمص المحاصرة رافدا الوكالة العالمية على مدى عام كامل بالصور والأخبار النوعية، وعن تجربته يقول باسل لـ”العربي الجديد”: “كانت ناجحة ومفيدة، الوكالة لم تمل ولم تكل من إعطائي التعليمات والملاحظات وتوجيهي للعمل باحترافية عالية”.
وباسل هو أول من أطلق صفحة عدسة شاب حمصي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وهي صفحة حصدت مئات آلاف الإعجابات من السوريين والغربيين لتصبح تجربة فريدة كررها من بعده عشرات المصورين المحترفين والناشطين، لكن النهاية وبعد أن تم عقد اتفاق بين الفصائل المسلحة والنظام برعاية الأمم المتحدة اضطر باسل للخروج من مدينته مرغما، ثم خرج من بلده بعد أن خسر أرضه وبيته وكاد يخسر مستقبله، لكن وكالة فرانس برس ساعدته أخيرا بالسفر إلى باريس ليكمل دراسته في جامعة السوربون.
أما زكريا عبد الكافي، وهو مصور صحافي يعمل أيضا مع وكالة الأنباء الفرنسية، فقد خضع لدورة تدريبية للناشطين في الداخل في عام 2012 لمدة عشرين يوما، لكنه وعلى الرغم من اتخاذه احتياطات الأمن والسلامة، خسر عينه في إحدى تغطياته المعارك الدائرة في إدلب، غير أن الوكالة ساعدته ونقلته إلى باريس لعلاجه.
يؤكد عبد الكافي، أن الوكالة زودتهم بتعاليم السلامة، وسترة واقية وخوذة وقد حمته السترة أكثر من مرة، ويقول لـ”العربي الجديد:”في معظم الحالات نخرج على مسؤوليتنا، أثناء المعارك قد لا يستطيع المقاتلون أو الجيش الحر حمايتنا”.
في هذا الصدد يقول حسن مروة، مدير المراسلين الميدانيين في وكالة الأنباء الفرنسية بباريس لـ”العربي الجديد”: “بالنسبة للمصورين الذين يعملون في مناطق مثل سورية، تعمل الوكالة على تزويدهم بسترة واقية وخوذة، وفي حالة تعرضهم لإصابة أثناء العمل، تحاول الوكالة، تغطية النفقات الطبية والمساعدة في إجراءات الفيزا في حال ذهابهم لتلقي العلاج في أوروبا”.
ويؤكد أن الوكالة تفضل سلامة العاملين معها على المخاطرة من أجل سبق صحافي قائلا:”الوكالة دائماً تؤكد للمصورين عدم المغامرة بحياتهم في مناطق التماس، كما نشجعهم على تفادي الخطر”.
اقرأ أيضا: العالم السري للمتفجرات[2\7]..سر تفضيل داعش لمادة C4 في سورية
ملهم بركات من حلم الصحافي إلى الموت
بحسب ما وثقه معد التحقيق، تبقى تجربة باسل وزكريا استثناء إذا ما قورنت بغيرها، إذ لقي 237 ناشطا صحافيا مصرعهم، منذ انطلاق الثورة السورية في عام 2011، معظم هؤلاء سوريون، العديد منهم لم يحصلوا على تعويضات، لأسباب متعددة أهمها يرجع إلى عملهم بنظام القطعة (عدا حالتين نادرتين لصحافيين وثقهما معد التحقيق) رغم أن أكثر من نصفهم قضى أو قتل أو اغتيل أثناء قيامه بعمله، حسب إحصائية قام بها المركز السوري لتوثيق انتهاكات الحريات الصحافية لـ”العربي الجديد”.
من بين هؤلاء الضحايا، المصور ملهم بركات، الذي قضى أثناء توثيقه إحدى المعارك في ريف حلب، وبحسب زميل لملهم، فإن “أهله لا يملكون أي إثبات أو عقد عمل وهي مشكلة عانى منها أهل ملهم الذين يرفضون الحديث للإعلام”.
يضيف زميل ملهم، وهو مصور يعمل مع وكالة الأسوشييتد برس، فضّل عدم ذكر اسمه لـ”العربي الجديد”: “نصحته ألا يعمل دون عقد يضمن له حقوقه ولكن عمر ملهم (15 عاما) جعله مندفعا، كان ملهم قربانا لزملائه، اندفاعه ورغبته الجارفة بالعمل لوكالة إخبارية عالمية قتلته”.
يؤكد زميل ملهم ومقربون منه، عمله لصالح وكالة رويترز، ما دفع “العربي الجديد”، للتواصل مع مدير تحرير وكالة أنباء رويترز في لندن، ستيفن إدلر.
يؤكد إدلر لـ”العربي الجديد”، إنه يعرف ملهم بركات وقد عمل معهم على نظام القطعة (فري لانس)، وأن وفاته كانت خبرا مروعا بالنسبة للوكالة. وتابع إدلر: “جميعنا في وكالة رويترز نشعر بحزن عميق لخسارته، ملهم كان من بين عشرات الصحافيين الذين تفانوا في عملهم أثناء تغطيتهم للحرب السورية، إن قصته واحدة من أهم القصص في العالم، واحدة من أخطر القصص التي نقلها ملهم نفسه ذات يوم. بسبب ملهم عمقنا معنى التزامنا تجاه سلامة وأمان الصحافيين والمراسلين لدى الوكالة، خصوصا في مناطق الخطر بجميع أنحاء العالم”.
لتحديد التزامات الأمان والسلامة التي قامت بها وكالة رويترز بعد وفاة ملهم، تواصل معد التحقيق مع المتحدثة باسم رويترز هيذر كاربنتر التي قالت: “إن سلامة الصحافيين هي أهمية قصوى لرويترز، ويتم ذلك من خلال، توفير معدات السلامة، ويمكن أن تشمل المعدات الشخصية كالسترات الواقية من الرصاص والخوذ والنظارات التي تحمي العينين من الشظايا وتقديم المشورة من خلال دورات تدريبية، كلما كان ذلك ممكنا”.
وتابعت “نقوم بتقديم ما سبق للصحافيين الذين يعملون معنا على نظام القطعة (فري لانس) كأي مراسل معتمد لدينا في جميع أنحاء العالم. عقدنا شراكات دائمة مع عدة منظمات لمعايير السلامة الدولية وحماية الصحافيين المستقلين الذين يعملون تحت الخطر. أصبحنا مستعدين للتأقلم مع المتغيرات بسرعة كبيرة، بإرادة وتحد كبيرين، أمام أية مخاطر يواجهها الصحافيون لدينا لاتخاذ الإجراءات المناسبة فورا”.
الموت في سبيل التغطية
لا تقتصر المخاطر التي تهدد حياة الناشطين الصحافيين على من يعملون مع وكالات الأنباء العالمية، إذ وثق معد التحقيق حالة ناشط صحافي، عمل لصالح شبكة الاتحاد برس الإخبارية السورية المحلية، قدم المراسل، استقالته بسبب عدم قدرته على متابعة عمله مراسلاً، بعد الإصابة التي تعرض لها قبل أشهر، أثناء تصويره المعارك في ريف إدلب، ويرى المراسل بحسب شهادة أدلى بها إلى معد التحقيق أن الشبكة تخلّت عنه بعد الإصابة، ولم تقدم له العلاج اللازم ولم يحصل على أي تعويض منها، وهو أمر نفته الشبكة المذكورة، قائلة إنها قدمت التعويض الفوري اللازم للمراسل، واعتنت به أثناء وجوده في تركيا.
وينصح أستاذ العلوم السياسية في جامعة باريس خطار أبو دياب، الناشطين الصحافيين بالتواصل مع نادي الصحافيين العرب ونادي الصحافيين المستعربين للحصول على المساعدة التوعية اللازمة قائلا “على الناشطين الصحافيين تشكيل نواة منظمة للتواصل مع المنظمات والهيئات التي تستطيع مساعدتهم كي ينظموا عملهم”. ويذكر الخبير في الشؤون الصحافية العربية بأن عمل هؤلاء هو نضال أكثر منه مهنة، وحياتهم معرضة للخطر دائما.
لا حلول أو أدوات تحمي الناشطين
خلال 6 أعوام لم ينجح الناشطون الصحافيون في سورية، في تنظيم أنفسهم بمؤسسات تنظم عملهم أو تحميهم قانونيا في ظل تهديدات من كل الأطراف تعترض عملهم الإعلامي وفقا لما رصده معد التحقيق.
ويعرج أبو دياب على محاولات السوريين لإنشاء رابطة أو منظمة تجمعهم كان آخرها المجلس الوطني للإعلام والصحافة والفنون، يقول الدكتور خطار “أعرف ناشطا وصل باريس منذ عام ونصف العام ساعدته دار الصحافيين في مدينة باريس، ثم وبالتزامن مع المنحة المقدمة من قطر للسوريين في فرنسا تم قبوله في جامعة السوربون، ولكن رغم كل هذه المحاولات والبوادر الطيبة، فإنها لا ترقى إلى درجة احتواء جميع زملائه”.
ويرى الصحافي السوري مؤيد أبازيد المسؤول عن المراسلين في الهيئة السورية للإعلام، بحكم عمله وتدريبه لعدد منهم عبر الإنترنت أنهم أصبحوا هدفا للاغتيالات، قائلا “هؤلاء نجحوا في إثارة قضية الحصار الذي تتعرض له مضايا مؤخرا على سبيل المثال، ولولا المكتب الإعلامي في البلدة ما كان وصل صوت المحاصرين”.
وعلى الرغم من نجاحاتهم، فالناشط الصحافي، في حال إصابته، لا تشفع له مهنته الجديدة، كما يقول أبازيد، متابعا حتى المنظمات الدولية التي دعمت أغلب الناشطين الصحافيين السوريين، ممن خرجوا من سورية، دائما ما تعتذر لناشطي الداخل خوفا من شراء السلاح أو خوفا من توجههم الإيديولوجي.
العربي الجديد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...