الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رفيق شامي / خواطر في الثورة السورية: ملاحظات على أطراف نمط جديد من الثورات

خواطر في الثورة السورية: ملاحظات على أطراف نمط جديد من الثورات

رفيق شامي

مهداة إلى أطفال درعا .

الحلقة الأولى

كيف ولماذا إنطلقت ثورة  الشعوب العربية كما إنطلقت؟ وما هي أسباب مناعتها ضد مطبات خبيثة كل منها كان كافيا ليدق عنقها أو ليخنقها في بحر من الدماء؟ وكيف إنتصرت اول ثورة شعبية في التاريخ دون قيادة أو شخصية مركزية أو حزب تقوده كوادر متمرسة في النضال الثوري المحترف؟

يحتاج كل سؤال من هذه الأسئلة بالتأكيد لجهد السنين من البحث الفلسفي، النفسي، السياسي والميداني. وهذا بالطبع يحتاج لسنين وسينجز مجلدات ستكون من أهم ما كتب باللغة العربية.

هذه المساهمة تعتمد طريقا آخرا. هي محاولة رسم لوحة للثورة بأحجار فسيفساء صغيرة تكمل بمجموعها صورة لا بأس بها للذي حصل وتحاول طرق باب المستقبل لإستقراء الذي سيحصل.

لذلك فهذه الأسطر ما هي إلا محاولة للنقاش كمواكبة متواضعة من المنفى لبطولة أذهلت العالم بأسره وبدأت بشجاعة أول خطوة فعلية لدخول العرب في حضارة العصر الحديث، دخولهم كفاعل لا مفعول بهم.

الثورة المذهلة للشعوب العربية تتطلب من كل منا أن ينتقل متقدما معها وإلا بقي على ناصية الطريق. وعلينا أن نمعن التفكير بكل ما تعلمناه وبكل ما أملته تربيتنا علينا لأن نصفه عشائري والنصف الآخر مهلهل بين ثقافات نسخت وبين تراث نحمله. التفكير الحر مغامرة لا ضمان لشاطئ الأمان فيها، لكنه على اي حال يثمر أكثر من تكرار المسلمات وإعادة المضمون من أساليب فهذا يصل إلى حد الإجترار ولا ينفع حتى في أزمنة عادية ناهيك عن لحظات الثورة.

سأحاول إلقاء نظرة على كل ما يحيط بهذه الثورة وسأكتب هذه الخواطر أيضا بأسلوب جديد لم أستعمله في حياتي. فهي أول مقالة أكتبها دون إغلاق نهايتها. سأكتب فقراتها بتسلسل يرافق خبرتي اليومية التي أجنيها مرافقا الثورة السورية بالذات والأدبيات والأخبار الصادرة منها وعنها. ولكل قارئ وقارئة الحق بالمشاركة وذلك بطرح أسئلة ونقد بشكل موضوعي وسأجيب على ذلك، حتى ولو كان علي أن أراجع لا بل أتراجع عما قلته في حلقة سابقة إن أرشدني قارئ إلى فكرة وخاطرة أصوب وستحمل هذه الفكرة بالطبع إسم من ساهم بها . لكني لا أدين لأي أحد بالجواب، إذا شعرت أن المراد هو المديح أو المهاترة والمزايدة، فوقتي ووقت القراء أثمن من ذلك. وكل ما  يبدو لي أنه يقدم النقاش خطوة نحو الأمام سأنشره في الدفعة التالية من الخواطر، إذ أن الحوار المثمرهو ما تتوخاه هذه المساهمة.

يحيي كاتب هذه الأسطر أي نسخ وإعادة طباعة هذه الخواطر في أية صحيفة، طبعا بأمانة مهنية مع الإشارة إلى المصدر، لكنه لا يعترف على اية منها إنما على الأصل الذي ينشر دوما في صفحات سورية.

1- المفاجأة

فاجأت الشعوب العربية أصدقاءها وأعداءها بثورة فريدة من نوعها. فهذه الشعوب بدت – ولنصف قرن – وكأنها خرجت من التاريخ، تقتات من فتات طاولة قاهريها وترضى بتصنيفها كرعية تحت إمرة راعيها الذي كان يذبح منها من يشاء ويقسو ويلطف بمعاملته كما يشاء. حتى أكثر الناس حبا للوطن كاد اليأس يخنقه وهو يرى تردي الثقافة والسياسة والأخلاق الإجتماعية، ولا أعجب كثيرا لإستسلام من ناضل بالأمس وإنهياره، لكني أحتقر أغانية في جوقة المرتزقة.

الثورة العربية كانت مفاجأة لها سبب موضوعي تاريخي. نعم، عرف العالم منذ بداية الطغيان هبات وإنتفاضات فردية وجماعية، بطولات ليس أولها ثورات العبيد ولا كان آخرها إنتفاضات لا حصر لها ضد الديكتاتورية في كل أنحاء العالم خاصة في البلاد العربية (من إنتفاضات عديدة في السعودية إلى إنتفاضات الشعب الفلسطيني) وأمريكا اللاتينية. قمعت هذه الإنتفاضات بدموية وبإطباق إعلامي محكم الصمت، ومسحت آثارها إلا من ذهن الذاكرة الشعبية التي لا تنسى شيئا.

طغيان الأنظمة العربية كان من نوع خاص وفريد وقد حلله كثير من الكتاب بذكاء ودقة. ما الخصه هنا هو فقط محاولة إعطاء صورة لهذا الوضع الغير طبيعي الذي ساد لعقود طويلة ستسمى يوما بالعقود المظلمة. البلاد تحررت من الإستعمار القديم لكن قبل أن ينسحب آخر جندي من أي بلد عربي كان وكلائه قد وضعوا ايديهم على أغلب مرافق الحياة السياسية والإقتصادية وليس هناك بلد عربي واحد يستطيع البرهان على عكس ذلك…

لاحت بوادر تعد بتطور ديمقراطي في سوريا، لبنان وتونس والعراق كما وراديكالية في اليمن الجنوبي لكن سرعان ما سحقت الإنقلابات العسكرية آخر أمل في سوريا والعراق وتونس، وهزت حرب أهلية لمدة 15 سنة أسس المجتمع اللبناني كما سقط اليمن الجنوبي، هذا البلد الصغير الفقير، تحت تأثير السوفييت والعشائرية. حين دب الخلاف الأخير بعد إحتضار الثورة شهر الأخ والصهر والعم سلاحهم في المكتب السياسي ضد أخ وصهر وعم من قبيلة ثانية. ماركس ولينين ذابوا في تلك اللحظة خجلا.

ومن هنا ترى أن كل النهضة التي تلت تعثرت رغم بوادر مشجعة جدا. فإذا أخذنا سوريا مثلا وبوادر مبشرة بالخير كما في سوريا بين سنتي 1954، بعد إسقاط الديكتاتور السفاح الشيشكلي، وحتى الوحدة مع مصرفي العام 1958. في تلك السنة  قُتِلَ حلم الشعب السوري بالحرية والديمقراطية والذي حصل عليه الشعب بعد نضال مرير ضد الديكتاتورية العسكرية من الزعيم إلى الحناوي إلى الشيشكلي، قتل هذا الحلم بذريعة الخوف من الشيوعية (بنائب واحد ستاليني) وأسرع الحكام دون العودة لشعوبهم في أمر مصيري كالوحدة العربية وصمموا مسخا لهذا الحلم الرائع عن الوحدة العربية الذي لا يزال يخالج قلوب وعقول العرب منذ بدء التجزئة الإستعمارية فأتى نظام ناصر الإستبدادي ليسحق تحت حجة أمن الوطن ليس إسرائيل بل أنفاس الشعب السوري. حل الأحزاب ومنع كل الصحف والمجلات، لاحق أولا الشيوعيين ثم الإخوان والقوميين وإنتهى بتعذيب تلاميذ مدارس وعمال المصانع بوحشية لا يتقنها سوى الجبان. وهو وزبانيته وأولها المجرم عبد الحميد السراج كانوا أول من مهد الطريق للإنفصاليين.

هذه الثورة التي إنتصرت في بلدين هي من نوع جديد وفريد. ليس هناك كادر محترف ولا قيادة مركزية ولا حتى أحزاب أطلقت شرارة الثورة، بل هي إنطلقت من قلوب وعقول الناس المقهورة وذهبت خطوة فخطوة تتلمس طريقها على عكس ثورات السياسيين المحترفين الذين كانوا يعرفون كل شيء حتى قبل إطلاق الرصاصة الأولى، وهم بأغلبهم ثوار صادقين بالفعل لكنهم لم يخبروا الواقع لا في منفاهم ولا في سجونهم، ولذلك ما أن إنتصروا على أعدائهم – غالبا بسهولة كما في فرنسا وروسيا القيصرية – حتى بنوا سلطة من نفس طينة السلطة التي دحروها وفي الغالب مع نفس البيروقراطيين ونفس العقلية (وهذه سآتي عليها فيما بعد وهي من أكثر المطبات خطرا على الثورة). هذا كان جزاء التاريخ لهم. تنبأ بعض الأذكياء بالتأكيد وحذروا بعد لحظات من إندلاع تلك الثورات، من خيانة الثورة بعد أن لمسوا بحسهم المرهف إمتداد الأيدي القذرة إلى أرفع المناصب وأكثرها حساسية على مرأى من الجميع والإلتفاف السري على منجزات الثورة، قالوا وبكل شجاعة أن الثورة ستفشل لأنها لا تزال في نفس إطار المجتمع القديم وعقليته، وقضى الكثير من هؤلاء الأنبياء حتفهم عقابا لجرأتهم، وفشلت الثورة بعد فترة قصرت أو طالت.

…ثوريوا تونس ومصر  يتعلمون كل يوم، يسقطون في مطبات لينهضوا مجددا، يخطأون يعيدون التجربة ليصلحوا الأخطاء. هذه سنة الحياة والثورة هي أجمل وجه للحياة.

2- مدنية الثوار المدنيين وهمجية النظام المدجج بسلاح الغرب

أتابع يوميا كل ما تصل إليه يدي من معلومات عن تطور الوضع في سوريا وأعجب لهذا الشعب العريق المتمدن والمسالم بعكس نظام القمع الوحشي الذي يرقص طربا فوق أجساد الأبطال المكبلين على الأرض. لم ار بحياتي أبشع من هذه اللقطات التلفزيونية، بكيت غيظا. اين وصل بنا هؤلاء الحكام؟ هل فقدوا آخر ذرة خجل إنساني؟ كيف يسمحون بذلك؟ كيف يطلقون الرصاص على أطفال سوريين.

لهذه اللحظات في أيار 2011 لا يزال الشعب صابرا على كل دناءة النظام ودمويته. إلى هذا اليوم والثوار يصفقون بأيديهم العارية منادين أسماء الله والوطن والحرية. وأنا لا أعتقد أن التاريخ سيرحم هذا النظام الذي لم يقدم سوى الذل والهوان والفقر والخوف لمدة 40 سنة.

لست أدري ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بالقادم لكن النظام يتحمل المسؤولية الكاملة عن كل ما حصل وسيحصل من دمار وسفك دماء فلقد أضاع ألف فرصة يوميا ليعود عن رعونته ويقدم للشعب دليلا واحدا على صدق نيته بالتغيير. لو جرى ذلك لما نهض واحد ليعترض معرضا حياته للخطر.

وما الذي تفتق ذهنه أخيرا عنه؟ حصار المدن وتجويعها وذلها؟ هذه جريمة إبادة ضد الإنسانية سواء رضيت الأمم المتحدة أم لم ترض.

وماذا بعد هذا؟ لم يبق إلا خيارين أن يفتش الشعب أو حكامه عن بلد آخر فيرحل. فإذا لم تقنع الملايين الثائرة هذه الأنظمة سياسيا وببطولة أنها لا تريدها فأضعف الإيمان وبعيدا عن السياسة فقط من وجهة نظر عملية الأسهل أن يرحل النظام ويريح الشعب.

3-خصوصية تعد بالجنة وتنتج جهنم

المنطقة تربض فوق أكبر ثروات العالم وهذا يجعلها منبع قوة ورخاء لا مثيل له لشعوب المنطقة وبإمكانه أن يحولها في ظرف عقدين من الزمن إلى منطقة حضارية ثقافية صناعية يحسب حسابها في العالم. كل هذا كان حلما بريئا إن لم نقل طفوليا. الواقع كان غير هذا.

كل خيرات المنطقة (من بترول إلى غاز إلى فلذات) تحولت كمصدر طاقة منهوبة رخيص للإمبريالية وسوق إستهلاك خيالية يستعيد تجار الغرب كل ما دفعوه وزيادة عنه بحيث ترزح بعض دولنا تحت ديون للغرب، وهكذا كان مصير دول عديدة في العالم الثالث تصدر نحاسها ومعادنها الثمينة (ذهب فضة، يورانيوم، كوبالت، نحاس، قصدير إلخ) وأخشابها وتوابلها النادرة وتصبح بعد عشر سنوات مديونة للغرب بأضعاف ما كانت مديونة به قبل أن تصدر غرام واحد من منتجاتها. ولذلك لم يشعر المستعمرون القدم والجدد بأي عذاب لضميرهم عند إجهاض أية محاولة للحد من سرقاتهم. ولم يتركوا وسيلة سوزاء إنقلابات أو إغتيالات ومؤامرات إلا وقاموا بها ليضمنوا سيلانا مستمرا لدم الصناعة البترولي بأرخص ما يمكن، ولذا أحبطت ايضا كل المحاولات الرامية لتحرير بترول المنطقة من التبعية (وكان أهمهما محاولة الشعب الإيراني بقيادة محمد مصدق وكذلك إجهاض التجربة الجزائرية وغيرها). لكن هذه التبعية كانت في حالة العرب ايضا من نوع فريد، فالعرب رغم تأخرهم وتوقفهم عن المساهمة الفعالة في الحضارة وضعفهم وتهالكهم أمام الغرب كانوا بثرواتهم الخيالية يمتلكون رغم كل التبذير رأسمال إحتياطي ضخم يسيل له لعاب بنوك الغرب وصناعتها، ولذلك تساهل لا بل خنع الغرب لكل متطلبات أعتى الأنظمة رجعية (كالسعودية) ودموية ( سوريا، العراق، اليمن وتونس) وهبل وتهريج لا حدود له (القذافي، السادات ومبارك). هذه العلاقة الحميمة للغرب مع الديكتاتورية العربية جثمت على صدور الشعوب العربية ثقيلة كالرصاص. لا مفر لهم منها ولا ساند لهم. وهذا ما عاشه المنفيون العرب، فكل منفي تشيكي أو أمريكي لاتيني أو صيني كان يحظى بإهتمام وتعاضد يزيد كثيرا عن وزن حركته بينما كنا نعيش كمنفيين عرب بنفس الوقت تعامي شبه تام، حتى في الأوساط اليسارية الأوروربية المتطرفة، عن كل شجون الشعوب العربية. لا بل ساهمت الدول الأوروبية في مضايقة ومنع نشاطات المعارضة العربية. ووصل إنفصام الشخصية إلى حد مذهل، أن السوفييت (وهم لم يختلفوا حتى لحظة إنهيارهم عن الغرب بشيء في مسألة بسط السيطرة أو التكالب على الوصول إلى نفط وأسواق العرب)  مثلا كانوا على إرتباط وثيق بنظامي ناصر والبعث رغم تعذيب هذين النظامين بوحشية للشيوعيين العرب في مصر وسوريا والعراق. وماذا عن حرية وديمقراطية الغرب ودفاعه عن حقوق الإنسان من الصين إلى جنوب إفريقيا؟ موقف الغرب الذي يدعي حمل هذه الشعارات عاليا كان مخجلا وكان ولا يزال يعلم بمدى الظلم اللاحق بمواطني البلدان العربية المرتبطة إلى حد العمالة معه. من هذا كله وبإختصار شديد يتبين مدى صعوبة أي إنتفاضة ضد الأنظمة العربية. فالغرب والسوفييت (والروس لاحقا) لم يخجلوا حتى في التعاون مع الديكتاتورية وتدريب أجهزة قمعها ولا قصروا في ملاحقة مناضلي الحرية العرب. ولا حتى موساد توقف عن إمداد المخابرات العربية بيد العون. ومن هنا يصدق القول أن البترول بدوره الحالي جهنم أرضي يحرق بسعير نيرانه الشعوب العربية.

4-من عجائبيات الثورة

لا اقصد بالعجائبية شعوذة بإسم قديسين أو أولياء يستغل فيها أحد الأرذال جهل (مايعتقدونه إيمانا وتقوى) ضعفاء نفوس، إنما  أصف حالة لا يصدقها عقل: الثورات تقوض كثير من القوانين التي تعلمناها وتنسف أغلب البديهيات. هذه الثورة الجديدة قلبت ميزان الصياد والطريدة حتى ولو بدت الصور أولا وكأنها تثبت أن لا شيء قد تغير. لكنه تغير منذ اليوم الذي نزع فيه المتظاهرون الخوف الذي تربينا عليه من قلوبهم، صاروا هم اسياد الشارع ينزلون إليه رغم المنع الذي قد يكلفهم حياتهم. وسيأتي اليوم في سوريا الذي ترتعد فيه أوصال رجال المخابرات والأمن خوفا من عقاب الجماهير ويولون هربا من إنتقامهم كما عشناه في تونس ومصر واليمن.

لكن حتى اليوم تدل بعض التطورات على قلب القواعد رأسا على عقب. لأشرح ذلك، سأقوم بمقارنة بسيطة. كانت المخابرات والأمن وكل الأجهزة القمعية تحتاج حتى مطلع آذار 2011  لـثماني وأربعين ساعة ساعة لتشل الأحزاب المعارضة لأشهر. منذ أيام الوحدة مع مصر كانت حملة الإعتقالات تسير بسرعة سيارات الجيب. القوائم والعناوين جاهزة في اليد وبعد اقل من يومين يكون الجزء الأكبر من قيادات أحزاب المعارضة المعروفين والمكشوفين في السجن، والباقي من الأعضاء يولي الأدبار باحثا بشق النفس عن مخبأ إلا خالد بكداش الذي ما فتأ يسحب نفسه كالشعرة من العجين وينادي بعد ايام من موسكو الشعب السوري بالصمود.

بعد حملة الإعتقالات هذه لا تلبث حركة الأحزاب المعارضة مع كل مفكريها وبنيتها أن تتساقط كورق كرتون مبلل.

لا يستطيع الأمن السيطرة على الثورة اليوم وهي بدون أحزاب ولا قيادة معينة ولا حتى بعد أشهر ولا تفيده إعتقالاته وتعذيبه الوحشي بل يزيد هذا أجيج الثورة ويرتفع سقف مطالبها وأهدافها. هل هذا عجيب كفاية؟ هذا هو أحد منابع قوة الثورة الحديثة. الأمن فقد رشده في تونس ومصر واليمن وبدأت في سوريا ملامح فقد رشد المخابرات بالوصول إلى الإعتقالات العشوائية والكذب العلني على النفس بحيث يتخبط رئيس الجمهورية بين كلمته وأمنه الإجرامي. اليس من المذهل أن يُسْقِط الثوار الشجعان وهم العزل من اية خبرة إعلامية أو مخابراتية كل كذب وسائل إعلام النظام الخبيثة (مثلا بإدعاء أن صور التعذيب الوحشي في البيضاء منتجة سينمائيا في العراق…خلال أيام وبشجاعة لا توصف ومهنية عالية يحطم أبناء الثورة هذه الكذبة) وكل خطط خبراء القمع السوريين والأجانب وبسرعة لا تتجاوز النهار الواحد ( مثل ذاك الشيخ المدسوس في درعا ليهاجم إخوتنا الدروز فجأة ويختفي). أليس هذا بالأعجب من عجب؟

طبعا تيسر وسائل الإعلام الحديثة عمل الثوار لكن ذكاء المجموعة الثورية  ( وهو ما سأعالجه في فقرة خاصة من هذه المقالة الأولى) في التعامل مع هذه الوسائل هو السبب الأول لإنتصار الثوار.

5-كيف فصل النظام ببراعة من فلسطين ثوب عثمان

وجد النظام الصهيوني الإسرائيلي في الديكتاتورية العربية أفضل شريك لمشاريعه الإستيطانية، والديكتاتورية العربية بدورها كانت ستخترع إسرائيل لولا سبقتها الإمبريالية إلى ذلك. فكل شيء صار يؤجل بإسم تحرير فلسطين، واليوم بعد مرور 63 سنة على النكبة يستطيع أي محلل موضوعي أن يقوم بجرد حساب يتبين منه أن قضية فلسطين تقهقرت برعاية الدول العربية من سيء إلى أسوأ، وأن الأنظمة العربية قتلت من الفلسطينيين أكثر من إسرائيل وان هذه الأنظمة عاجزة حتى ولو أرادت أن تقارع إسرائيل وهي بالأصل لا تريد أية مقارعة. واليوم لا يصدق اي مواطن عربي أن نظامه سيحرر شبرا من فلسطين. مرارة القناعة هذه ستساعد على إنفجار الغيظ الشعبي في وجه انظمته الكاذبة.

لكن إستغلال إسم فلسطين لقهر الشعب العربي لعب دورا كبيرا في شلل الشعوب العربية. خاصة وفي الدرجة الأولى في سوريا. فهذا البلد المجاور لفلسطين عرف منذ النكبة موجة شعبية وطنية شريفة مؤازرة لفلسطين. وركبت الأنظمة الديكتاتورية هذه الموجة لتحولها لمسخ كما هي حال كل ما لمسته يد الديكتاتورية. صار كل إنقلاب في سوريا سواء مولته شركة بترول أو مخابرات بريطانية أو أمريكية يزعق في أول بياناته أنه لم يقم بما قام به إلا لتحرير فلسطين. مهزلة مبكية.

في سوريا وضعت كل الأحزاب الحاكمة والمحكومة فلسطين على رايتها وحتى الأمن السوري فتح فرع لمخابراته دعاه – ويا لسخرية الدهر – فرع فلسطين وعذب في هذا الفرع اشرف السوريين والفلسطينيين.

وللحق والموضوعيةعلينا الإقرار بأن النظام السوري نجح منذ عهد الأب الأسد ايما نجاح في إزدواجية تقارب إنفصام الشخصية ولكنه سوقها بكل خبث وذكاء فصارالنظام يلاحق ويقتل وينفي الفلسطينيين ويسمي نفسه بنفس الوقت “قلعة للتحدي” وهذا النظام لم يلعب ولا حتى دور “بسطة تحدي” (البسطة في العامية الدمشقية قطعة من الخشب أو القماش يبسط البائع عليها بضاعته وقد يحملها معه مناديا في الأحياء). يقول البعض أن الحكم البعثي السوري يكذب ويصدق كذبته سواء في التحرير الوطني أو في هذيانه عن الإشتراكية، هذا صحيح ولكن هذا ليس غريب كغرابة تصديق كتاب ومفكرين كذبات هذا النظام المتوالية.

لا زلت أذكر لليوم كيف حاول أحد ممثلي “الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين” بماركسية عرجاء عن الحلقة الرئيسية والحلقة الفرعية للصراع في الشرق، يصل في نهايتها للمقولة أن التحالف مع حافظ الأسد واجب مرحليا لتصل الجبهة لأهدافها الستراتيجية. لا لم يكن المناضل حشاشا، بل كان في منتهى الوعي وبأخلاق يظهر الزفت معها ناصعا كالثلج، كان يصول ويجول ودماء الشهداء في تل الزعتر لم تجف بعد، وفشل في برهانه على صحة ركوع “نايف حواتمة” امام الأسد، فأخرج كساحر مهترئ ورقة الديمقراطية المركزية من جيبه، أي أن الأعضاء “الصغار” عليهم إغلاق فمهم تجاه ما تأمره القيادة المركزية. كانت الأمسية مقرفة. واقرف منها ذاك الماركسي الذي أصبح فيما بعد صاحب شركة إستيراد وتصدير في روما.

فعلا الكل يعلم ان النظام السوري لا يعنيه تحرير شبر من فلسطين ويهللون له. ثم يأتونك بعد عشرات السنين ليقولوا لك بصوت خافت أن الحق معك وكأننا هنا في منافسة تلفزيونية لربح جائزة في برنامج “مين معه حق أكثر” التهريجي ولسنا اما ضياع فرص تاريخية في لبنان وسوريا وفلسطين وهدر أرواح بريئة وشريفة.

لو كان الأمر توقف عند نايف حواتمة لقلنا، هذا رجل أعمته السلطة ويريد أن يحافظ على بقاء مجموعته الصغيرة لذلك إختار من وجهة نظره الإنتهازية العور بدل العمى. لكن ماذا عن المثقفين والمفكرين والشعراء الفلسطينيين الذين حاك النظام بهم وبقضيتهم ثوب عثمانه؟

كيف تعامى المثقفون الفلسطينيون عن كل هذا الكذب وعن ضمان هدوء الحدود السورية في مواجهة إسرائيل ( إلى حد مدح إسرائيل له) ومنع أي فلسطيني تحت طائلة عقوبة الإعدام من التسلل عبر الحدود السورية ليقوم بعمليات فدائية؟ لو أن مسألة الخديعة توقفت عند حدود التعامي عن الظلم الذي لحق بشعبنا السوري، المؤيد لتحريرفلسطين، لما كان تأثير هذا الموقف أكثر من ألم يلم بكل سوري شريف وهو محاصر بصمت إعلامي عالمي. لكن المثقفين الفلسطينين إشتركوا في قذارة اللعبة وإدعوا كذبا أن النظام السوري يساهم في المقاومة وفي تحرير فلسطين. زاروه جيوشا جرارة وشتموا معارضته وغنوا له بينما كان عشاق فلسطين يئنون تحت سياط العذاب. انا هنا لست بمعرض تشهير لكي أذكر إسم فلان وعلتان، فهم كأشخاص لا يهمني أمرهم بقدر قشرة بصلة، ما يهمني هو مساهمة أهم قطاع بين مثقفي العرب في مساعدة النظام السوري في حياكته لثوب عثمان. هذا الموقف خطأ تاريخي وسيأتي اليوم الذي يعي فيه جيل فلسطيني ثوري مقدار الألم الذي الحقه مثل هؤلاء المثقفين بأشرف مثقفي سوريا وسيحاسبون مثقفيهم بكفاية.

لكن ما يلفت النظر وهو مقدمة للآتي أن كل شعارات الثورة في سوريا من شمالها إلى جنوبها لم تذكر فلسطين بكلمة. وأنا أعتقد أن هذا دليل أن الثورة تريد أولا حرية أبناء سوريا المكبلين وتعلم أن هذا أول خطوة لتعاضد حقيقي مع فلسطين وأنها ثانيا ترفض إستغلال إسم فلسطين الذي مضغته أفواه السلطة العربية حتى الملل.

6- ذكاء المجموعة الثورية

ما يلفت النظر في الثورة العربية هو فرادة ذكاء من نوع جديد، سأسميه ذكاء   المجموعة الثورية. تعود جذور هذا الذكاء إلى عصور ما قبل الإنسان ولا تزال آثارها واضحة حتى اليوم في أسراب الطيور والأسماك، لكنها هناك تظهر بشكلها البدائي بهدف واحد هو الحفاظ على البقاء. هنا في مجتمع إنساني معقد في القرن الواحد والعشرين يرتقي ذكاء المجموعة الثورية إلى أرفع أنماط الفكر الإنساني. فبهذا الذكاء وحده وليس بالشجاعة تسيطر المجموعة أثناء ثورتها ليس فقط على كيانها وتستطيع به عزل المستفزين والمندسين من قبل السلطة (ومن قبلها فقط) وتحد من أذاهم وأذى إنفلات مجرمين يحاولون إستغلال اللحظة الثورية لمصالحهم الدنيئة، بل تحاول المجموعة وبوعي راقي الحفاظ على أهداف جمهور الثورة وهذا من ارقى ما وصل الإنسان اليه: ان يدافع وهو معرض للموت عن هدف مستقبلي للجماهير. هكذا تفكير بالمستقبل يميز اساسا الإنسان عن الحيوان، لكن شكله الأرقى لم تنجزه حتى الآن في تاريخ الإنسانية سوى الثورات العربية. ففي غياب حزب موجه لكل هذه الإنتفاضات المعقدة لا تكفي الشجاعة والبطولة، التي أبداها كل طفل ورجل وإمرأة خرجت في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا إلى الشارع. لأن هذه الشجاعة وحدها كانت ستؤدي إلى الإستشهاد وليس لإستمرارية الثورة التي دوخت بتصاعدها أجهزة المخابرات والأمن ومستشاريهم.

لا تستطيع أية قيادة مهما كانت عبقرية ان تجدد يوميا تكتيكها وحركتها لمواجهة ما يتفتق عنه ذهن الظلاميين ومرتزقتهم وأسلحتهم. هل هناك تصرف عبقري يفوق شعارات أهل تونس الحبيبة ومصر العزيزة بما فيها فكاهة وروح مرحة لم تقدمها ثورة في التاريخ؟ هذا هو ذكاء المجموعة الثورية بالضبط. ومن هو المثقف السوري الذي يتجرأ على القول أنه يملك قولا أكثر ذكاء ضد الطائفية من:  “واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد”. كنت لا أملك نفسي وأبكي طربا وفخرا بهؤلاء الشجعان عباقرة الثورة السورية. الرصاص ينهمر على الأبرياء وهؤلاء ينادون بدناياها سلمية، سلمية… يا ماهر وياجبان..بعات جنودك عالجولان… خاين يللي بيقتل شعبو لا منريدو ولا منحبو… بدنا حرية لا سنية ولا علوية… من اللادقية لحوران..الشعب السوري ما بينهان.. الله … سوريا … حرية وبس،  نادت الجماهير الذكية ردا على شعار المخابرات “الله… سورية…  بشار وبس”. ( بس بالعامية السورية بمعنى: فقط، أو بمعنى: لا شيء آخر غير ما سبق عده)

الثورة وذكاء المجموعة فيها أجاب على التفرقة بتلاحم شعبي وحتى جغرافي لم تعرفه سوريا من قبل أن يرتفع إسم درعا عاليا كأنشودة للشجعان في تلكلخ، القامشلي، بانياس، حمص، دوما وداريا ومئات المناطق والمدن والقرى السورية.

أمثلة لا حصر لها وعمل دؤوب كل دقيقة في الميدان الذي كان يتحول خلال ثواني لساحة معركة دموية تطرح أسئلة جديدة وعسيرة كالموت. الشر وطلقات النار يأتيان دوما من جهة واحدة وتتوجه إلى هدف واحد وهو صدر شجاع أزاح أمله الخوف من جوفه…يمد يده بسلمية محاولا الإرتقاء عن الوحشية التي يشده إليها النظام. واليد الممتدة كل يوم تحتاج لشجاعة أكثر من هؤلاء الجبناء الذي رقصوا فوق أجساد ملقية ومكبلة على الأرض في البيضاء.

هذا هو الذكاء الإستثنائي لمجموعة الثورة…

لا اريد ان يأتيني أي مثقف مشعوذ ويدل بإصبعه الثخين كخيارة هولندية إلى أخطاء وهفوات الثورة الجماعية فأصفعه بملايين القرارات الخاطئة والفساد والإعدامات الذي قام بها القائد الأوحد ستالين ونظيره ماوتسي دونغ وغيرهم من محترفي الثورة بالرضاعة. الثورة لا يقوم بها ملائكة، وهذا بحد ذاته مربك لإحتكاك الأجنحة الدائم وعرقلة السير وقبل كل شيء للخطر المحيط بالملائكة أن يأتي مربي حمام بموهبة إلهية ( بالعامية الدمشقية حميماتي أو كشاش حمام) يعرف سر طربها فيصفر لها ويبعدها عن ميدان المعركة ويترك الشعب أعزلا في مواجهة الطغيان.

الثورة السورية من صنع إنسان سوريا المقهور والذي يتحول مع ايام الثورة من رعية ترتعد خوفا مطأطأة الرأس إلى مواطن مرفوع الجبهة عالي الصوت شجاع.

7-  الحكم الطائفي ومساعدته المخلصة السلفية

قبل أن ابدأ بهذه الخاطرة أود التأكيد على قناعتي بالفصل المطلق بين الإيمان والدين من جهة والسياسة من جهة أخرى. فلا النظام السوري نظام ديني ولا الإخوان فرقة دينية. كلاهما مجموعة سياسية لا أكثر ولا أقل وأن إيمان الشخص مسألته الشخصية الخاصة التي أحترمها ولاتهمني إطلاقا. ما يهمني هو إستغلال الدين في السياسة وهذا أدى وسيؤدي دوما لكارثة.

لكني ومنذ البدء أؤكد أن الثورة السورية ستخسر كل شهداءها هباء إن وقعت في حبائل دينية. فإما أن تكون سوريا الحرة الأبية دولة ديمقراطية، علمانية يفصل فيها الدين عن الدولة، حرة وبمواطنين فخورين بإنتمائهم لهذا الوطن الجميل، تسود فيها العدالة والمساواة بين كل أفرادها، وإلا فهي ستسقط مجددا في أيدي نظام قهري إستبدادي.

الحكم الطائفي يثير بالطبع بمجرد وجوده شعور بالإحباط والحسد والألم والظلم في أوساط الأغلبية بينما لا يشعر به أفراد أقليات في نفس المجتمع. فالمواطن المسيحي في سوريا مثلا، مُقْصى – بقانون مجحف سيء – عن الحكم وعن المراكز الحساسة في الدولة، لا يبالي بلون طائفة من يحكم. الأمر بالنسبة له سواسية إن حكم سوري سني، درزي أو علوي أو ملحد. ما يهمه ألا يهاجم هذا الحاكم أقليته المسيحية. وأنا أعرف مدى صعوبة شرح شعورالأقلية لأبناء الأغلبية، ليس فقط في سوريا بل في منفاي الألماني. لذلك يتعلم أبناء وبنات الأقليات الصبر تجاه الأغلبية الخاملة نوعا ما تجاه أسئلة تظن أنها لا تعنيها. فمثلا يمدح حتى أكثر المفكرين العرب جذرية ويسارية وتمدنا، حكم عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز لكن كلاهما كان سيئ التصرف للغاية تجاه الأقلية المسيحية، وكذلك كان جمال عبد الناصر وأنورالسادات، كذلك الوهابيين وكل المغاليين من الشيعة، بينما شكري القوتلي السني وحافظ الأسد العلوي لم يكنا للمسيحيين شعورا سلبيا ولا تصرفا تصرفا إضطهاديا تجاه هذه الأقلية لكونها مسيحية. والمجتمع السوري يضم خاصة في مدنه تداخلات وصلات قربى بين الطوائف وأيضا بين افراد الثقافات الأخرى كالأكراد والشركس والآشوريين… إلخ. وهكذا مجتمع لا يخلى من الظلم والذي يمكن لكل من يريد معرفته قراءة التاريخ ليعرف كم من الظلم والذل تعرض له إخوتنا العلويين الأبرياء من كل ما تهموا به عبر التاريخ. كم من جبال الظلم تحمل الدروز والمسيحيين، اليهود واليزيديين وهم سوريون أصلاء لا يختلفون عن جيرتهم السنة إلا بالطريق الذي إختاروه للوصول لله جل جلاله، والطرق المؤدية إليه لا حصر لها كنجوم ليله. اما ان يأتيك وهابي بكذبة بليدة عن وحدانية الطريق فإنما يعني الطريق المرخص عليه في السعودية بإشراف المخابرات الأمريكية.

وهنا بالذات يكمن أحد المطبات القادمة والأكثر خطرا على الثورة السورية ومصيرها ومقدرتها أن تحقق آمال الشعب بأقل عدد ممكن من الضحايا على كل الأطراف وأن تنتقل بالوطن لتصنع منه سوريا حرة أبية ديمقراطية. إنه خطر ركوب السلفيين مجهزين بأموال سعودية ومعلومات مخابراتية قطار الثورة أولا بشكل خجول لأنه إنطلق دونهم ثم بصوت عديم الخجل  الذي يحاول أن يخنق الأصوات الأخرى.

أقول ذلك ليس خوفا على الأقلية المسيحية التي أنتمي إليها فحسب بل خوفا على مستقبل الثورة الذي سقط من أجله وسيسقط شهداء من أروع بنات وأبناء الوطن.

لقيادة جماعة الإخوان المسلمين تاريخ في سوريا يحتوي إلى جانب وجهه الإيجابي وجوها سلبية عديدة وواضحة للعيان، من تحريض عنصري وطائفي وتعامل مع أقذر الرجعيات العربية والمحلية. وفي العقود الأخيرة صارت أغلب فعاليات هذا الحزب – سواء عن دراية خبيثة أو غباء سياسي – إجهاض أي تحرك شعبي يؤمل منه التغيير بإتجاه سوريا حرة أبية لا تعرف الذل لا داخلا ولا خارجا.

الإخوان صمتوا عن الجولان دهرا، لم يشكلوا فرقة ولا رموا بحصة على الجيش الإسرائيلي بل متفجرات على أبناء وطنهم، محرضين لإقتتال طائفي ولبى الديكتاتور حافظ اسد بكل إمتنان طلبهم، فلقد اتته طليعة الإخوان المقاتلة في الوقت المناسب ليحول الدولة االسورية إلى سلطة قبيلة. والإخوان شركاء في جريمة حماة ومسؤولون عن سفك دماء 20-30 الف بريء وهم لليوم لم يقروا بذلك لأنهم إن أقروا فمعنى ذلك أنهم  سيجبرون على محاسبة نفسهم أمام التاريخ، وهذا قد يعيق وصولهم للسلطة. وهم لا يريدون الا الوصول إليها. فترى أحدهم (البيانوني خاصة) يتمختر وكأنه السادات، وكأن له جيوش جرارة ولم يبق لإستلامها للسلطة سوى اسابيع. لا يتفوق عليه في هذا الموقف الطاووسي الفارغ إلا عبدالحليم خدام النووي.

أنا أول من يسامح المخطئ بحقي، لأني أخطأ بإستمرار. وأنا اول من ينادي بالتسامح، والتسامح يفترض شيئا من النسيان، لكنه يصبح هبلا إذا إفترض محي الذاكرة فهكذا تصرف  يشجع الجاني على إعادة جنايته. سواء بالعلاقة الشخصية أوالعامة أو السياسية… كنت أعجب وأنتقد بكل تعاضد ورفاقية تعامي أوساط تقدمية عن كل ماعمله الإخوان ومد اليد لهم بسذاجة مخيفة – وهذا ما ابعد شبه أصدقاء عني فإرتحت منهم – فما كان من الإخوان إلا أن بلعوا اليد والساعد للكتف وصاروا يدمغون كل ما يخرج عن تحالفاتهم بإسلامية رجعية لا مكان فيها لأبناء الأقليات الأخرى من كردية وشركسية وآشورية ودرزية ومسيحية وعلوية، وكأنهم صاروا اسياد الموقفوهم ليسوا في هذه المكانة.

وعندما قوي عضد تحالف المعارضة في الداخل والخارج بشكل بسيط لكنه بدأ يدل على تقلص حجم الإخوان فيه، وهذا كان أكثر مما تسمح به الوهابية، فما كان من الإخوان إلا أن غادروا التحالف بصفاقة، من يتجاهلها بعد ذاك اليوم يستحق أن يربط على محراث. غادروه لينضموا لعبد الحليم خدام النووي فقط لأن هذا والمخابرات السعودية أوهمتهم ان هناك إنقلاب قريب على بشار الأسد. ولا يمكن لأي إخونجي أن يشرح للسوريين سببا آخر لإنسحابهم إلا إذا أراد التهريج.

ولم يأتي الإنقلاب الموعود لأن السلطة الحاكمة باعت كل شيء لترضي السعودية – ولو  مؤقتا – ورضيت السعودية – مؤقتا كما هي حال الأنظمة العربية في علاقاتها مع بعضها – فأعادت عبدها الخدام إلى الظل الذي يكرهه البيانوني.

ثم ماذا عن إلقاء الإخوان أنفسهم بذل أمام نظام الأسد بحجة غزة (وهذه تعلموها من ديكتاتورهم الأسد فالمنبطح يأخذ كثير من صفات مضطهده دون أن يدري، وكأن السلطة السورية في طريقها للمعركة الفاصلة لتحرير فلسطين وهي لم تحرر منذ صيف 1967 شبرا واحدا من الجولان ولا أتت بسيرته). لم تصدر حتى هذه اللحظة كلمة نقد ذاتي أو إعتذار لسقوطه وتراجعه عن معارضة النظام. كل ما حصل – على طريقة الأنظمة العربية – أن بدلوا سعد بأخيه اللعن مسعود. والشقفة بدأ قيادته للحزب باللعب بين أنقرة ودمشق والرياض. هل نتعلم إذا من كل هذا لماذا لا يعتذر الإخوان عن كل ألاعيبهم؟

منذ إندلاع ثورة الشعب السوري ومواقع الإخوان تلمح كذبا انها تقود وتوجه المظاهرات، وهي تكذب علنا وتقدم للسلطة الدموية في دمشق عذرا آخر لذبح المواطنين. حتى ان تركيا – ولمصالحها الإستراتيجية  البحتة – ممثلة بأردوغان، وهو بالتأكيد ليس بالملحد أو المسيحي أو العلوي أو الدرزي، أخرست المنافق الشقفة.

الإخوان المسلمون مصرون بعناد وهابي ومن على منابر السعودية على إجهاض الحركة الثورية ومنذ فترة بدأوا باللعب على الوتر الطائفي. لا أمريكا ولا إسرائيل يريدون إسقاط النظام خوفا من مركز سوريا الحساس ودورها الرهيب فيما لوتحولت لدولة ديمقراطية. فما الذي يريده الأخوان من الطائفية؟ بحر دم ثم يغلقوا أفواههم لقرن؟

لا مكان في سوريا قادمة للتفرقة الدينية كما يخطط لها الإخوان بل إن الدولة الديمقراطية ستكون دولة الجميع وسيكون الدين مسألة شخصية لكل مواطن وليس دين للدولة. وعلى الإخوان المسلمين أن يقفوا بصراحة أمام تاريخهم ويحددوا موقفهم من الدولة السورية الحرة الديمقراطية وموقفهم من المسيحيين وأبناء كل الطوائف كمواطنين بكامل الحقوق.  ولهم ساعتها الحق كل الحق أن يشكلوا تنظيما ديمقراطيا علنيا يوضح امام القضاء ككل الأحزاب برنامجه السياسي ومصدر تمويله، وأنا واثق ساعتها أنه سيحصلون على بضع مقاعد في برلمان ديمقراطي وسأكون اول من يدافع عن حقهم في ذلك ما داموا يحترمون أولى مبادئ الحرية والديمقراطية في المساواة بين البشر بغض النظر عن معتقداتهم.

يتبع

خاص – صفحات سورية –

أي نشر أو اعادة نشر لهذا المقال يجب الاشارة فيه إلى المصدر: صفحات سورية

كل الحقوق محفوظ للكاتب ولصفحات سورية.

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...