الرئيسية / صفحات الكتب / مراجعات كتب / “داخل سوريا” غريب يقصّ حكايتنا فكيف نكتشف ذاتنا في حكايته؟/ يارا بدر

“داخل سوريا” غريب يقصّ حكايتنا فكيف نكتشف ذاتنا في حكايته؟/ يارا بدر

 

 

عنون الصحافي الأمريكي ريز إرليخ مؤلفه الجديد بعنوان: «داخل سوريا، قصة الحرب الأهليّة وما على العالم أن يَتوقّع»، الأمر الذي سيستفّز الكثير من المعارضين السوريين، نظراً لتحفّظهم على تعريف ما يجري في سوريا بكونه «حربا أهليّة»، والتأكيد على كونها انتفاضة شعبيّة حاولت تشكيل ثورة شعبيّة ضدّ نظام سياسي أمني حاكم، لكنها وقعت في فخ العسكرة واللعبة الدوليّة.

يشي العنوان- من وجهة نظر السوريين- بانحياز المؤلف إلى زاوية رؤية للأمور على حساب أخرى، إلاّ أنّ تقديم نعوم تشومسكي للكتاب لا بُدّ سيُثير اهتمام الكثيرين، ويُعدّل من حدّة الأحكام الأوليّة للكتاب الصادر بالعربية عن «الدار العربية للعلوم ناشرون» في بيروت مؤخراً 2015 بقرابة 350 صفحة من القطع الكبير.

عندما يقرأ الغريب حكايتنا: ملاحظات على الكتابة

بعد عقودٍ مُنعَ فيها السوريون من قصّ حكاياتهم الخاصة، حين تقارب هذه الحكايات حواف السياسة والدين والمجتمع، إلاّ بما يتوافق والتوجهّات الرسميّة، وتخوّف فيها غربيون كُثر من القيام بالفعل ذاته، فيفقدون قدرة الدخول إلى سوريا، تفجّرت بعد آذار/مارس 2011 ثورة الكتابة عن سوريا، وهي ظاهرة لحظناها بعد التدخّل الأمريكي في العراق وعقب ظاهرة «داعش» وفي محاولة اكتشاف «الأيديولوجيات الإسلاميّة» بعد 11 أيلول/سبتمبر.

وفق النسق المُتبع، يُقلّب صحافي زار المنطقة صفحات دفاتره القديمة، يُعيد البحث عن ملاحظاته التي كتبها أثناء زيارات قام بها، يُعيد تجديد شبكة معارفه، ويقدّم كتاباً عن سوريا. هذا ما فعله إرليخ، في كتابه البحثي، الذي استغرق صفحاته المئة الأولى- تقريباً- في سرد تاريخي لما جرى في البلاد منذ الحرب العالمية الأولى تقريباً، موقعها، أثرها وتأثّرها، ومن هم أبرز الفاعلين في الحدث سوريين أو غربيين.

يتميّز كتاب إرليخ بتصالحه مع هويته كغريب، هو بالتأكيد ليس مُستشرقاً كلاسيكياً، فهو واعٍ لأثر الاستشراق ومؤلفات المُستشرقين في صياغة الحكاية العربية، وهو المتوقّع من مؤّلف كتاب قدّم له تشومسكي صديق المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد صاحب نظرية «الاستشراق»، حتّى أنّه يقولها صراحة في الفصل الثالث «اتفاقيات وثورات واستقلال 1919-1946» حين يتابع الحديث عن الذي بدأه في الفصل الثاني من كتابه «لورانس السوريين» فيقول عن عرض صانع أسطورة «لورانس العرب» لويل توماس الاستعراضي: «لم يشرح توماس قط علاقة رقصة الحُجب السبعة المُثيرة بالثورة العربية الكبرى. ولكن هذه الرقصة وغيرها من المشاهد التي لا علاقة لها بموضوع الثورة، شقّت طريقها بذكاء لتشكّل صورة نمطيّة للعرب والمسلمين في الغرب، وكان لهذه الصورة أثر طويل الأمد على نظرة الأمريكيين إلى سوريا، بل وإلى كل المنطقة. إذ روّج توماس للورانس بصفته المنقذ الأبيض للشرق الأوسط».

لكن هل يكفي الوعي بذاته؟ أو حتى محاولة نقد قراءات الآخرين لتقديم قراءة أكثر موضوعيّة؟ يبدو أنّ السؤال شغل إرليخ كثيراً، خاصّة أنّه صحافي وليس مستشرقاً يستكشف المنطقة، فعلى سبيل المثال وخلال حديثه في الصفحات ما بين (80-86) نجده يُطلق على ما حدث في سوريا صفة «الحرب السورية الأهليّة منذ 2011 ويعود ليعرّف ما حدث بكونه ثورة 2011.

كصحافي قام إرليخ بعمل جيد، لكن كباحث يؤخذ عليه الكثير من الأخطاء التي لا يهتم الآخرون بها، لكنها كما فعل توماس تثبّت الصورة النمطيّة للعرب والمسلمين، فهو على سبيل المثال يُعرّف «الدروز» بكونهم (مجموعة عرقية ودينية متميّزة انفصلت عن الطائفة الشيعية قبل أكثر من ألف سنة) ص26 علماً بأنّ الدروز ليسوا مجموعة عرقيّة أو قوميّة مستقلة في سوريا، هذه ليست المُغالطة التاريخيّة – المعرفيّة الوحيدة، ففي مكان آخر يقول في سرده لأحداث حماة في ثمانينيات القرن الماضي: (لم تنضم أي من المدن الأخرى إلى حماة خلال تلك الثورة) ص83 في حين أنّ حلب لم تكن مجرّد نقطة انطلاق للأحداث، كما أشار المؤلف في حديثه عن هجوم من وصفهم بـ»متشددين إسلاميين» على مدرسة المدفعيّة، بل كان لها نصيب في كل ما لحق بالإخوان المسلمين ومن ناصروهم ومن اشتبه بتأييدهم، وإن كانت نسب الضحايا أقل بالتأكيد من المجزرة التي وقعت في حماة ويُقدّر ضحاياها ما بين (10-40) ألف سوري. الأبرز أنّ إرليخ يُصرّح بأنّ الهجوم على مدرسة المدفعيّة: (أدى إلى مقتل 83 طالباً عسكرياً من الطائفة العلوية)، في حين تشير مصادر أخرى إلى أنه (وقعت مجزرة مدرسة المدفعية في حلب في يوم السبت 16 حزيران/ يونيو 1979، وأسفرت عن مقتل 50 إلى 82 طالباً من طلاب المدرسة معظمهم من الطائفة العلوية، كما جرح حوالي 54 طالباً حسب الرواية الرسمية، ووفقًا لرواية «الطليعة المقاتلة» التي ذكرها أبو مصعب السوري (عمر عبد الحكيم) في كتابه «الثورة الإسلامية الجهادية في سوريا»، قٌتل 250 ضابطاً)، وفي حين لم نستطع التأكد من دقّة هذه المعلومات، فإنّ «إرليخ» ربما استقى معرفته اليقينيّة بأنّ هويّة الضحايا الدينيّة جميعاً من الطائفة العلوية وبمعلومات أخرى عن تلك الأحداث من أن الصحافي الوحيد الذي سُمح له بدخول مدينة «حماة» بعد انتهاء عمليات السلطات السورية العسكرية هو «روبرت فيسك»، الذي تعرّف إليه السوريون بشكلٍ أفضل بعد تقرير أثار جدلاً واسعاً حول مصداقيته كصحافي وحياده المهني عن أعمال عنف ارتكبتها الحكومة السورية في مدينة «داريا» راح ضحيتها أكثر من 200 شخص، حسب المعارضين، في آب/أغسطس 2012.

لكن وفي المقابل يقترح إرليخ مصطلحاً بديلاً لـ«ثورات الربيع العربي» في الإشارة إلى ما عرفته المنطقة العربية منذ 2011 وحتى اليوم وهو «حركات التغيير الجذري» الأمر الذي يبدو أكثر انصافاً ودقّة في وصف حقيقة ما حدث ويحدث.

كيف يُعيد الآخر ترتيب الحكاية:

كتاب سلس، سهل في واقع الأمر لأي سوري وربما عربي، لكل من تلتبس عليه أحداث «الثورة السورية الكبرى» وتعاقبات مرحلة «الانقلابات» في سوريا، وحتى تشابك العلاقات السورية الخارجية مع دول الجوار، وانعكاسات هذه التشابكات على ساحتها الداخلية. فالكتاب أوّلاً وأخيراً ليس مكتوباً لنا نحن أهل البلد، بل للجمهور الغربي، المهتم بالقراءة، بحثاً عن المعرفة، بغاية توكيد تفوّق الأوروبي حضارياً، في كلا الامرين هي فرصة مهمة لإخبار ذاك الآخر المشغول بروتين حياته الطبيعية عن ذاك البلد الصغير الذي نهض بفضل عوامل كثيرة من أهمّها موقعه الجيوسياسي، كان العامل ذاته من أبرز أسباب سقوط البلد في فخ الحرب الوحشيّة.

في كتاب إرليخ الكثير من الملاحظات التي يمكننا الاستفادة منها، فهو يقارن بشكل سريع ومُختصر بين ثورة (1925) والأيام الأولى من ثورة (2011) فيقول: (في الحالتين نهض الشباب ضدّ الأنظمة السياسية القائمة متحدّين آراء كبرائهم، في كلا الثورتين انضمّت النخبة الاقتصادية إلى جانب السلطات الحاكمة، وفي الحالتين أيضاً لجأت الحكومة إلى محاولة تقسيم الثوّار من ناحية، بينما كانت من ناحية أخرى تقمع ثورتهم بوحشيّة مُستخدمة أحدث الأسلحة المتوفرة لديها) ويُضيف في مكانٍ آخر: (إنّ المدن التي ساندت ثوّار عام 1925 بقوّة هي نفسها ساندت ثوّار 2011 فكان الميدان معقل لكلتا الثورتين ومدينة حماة)، من دون أن يفوّت فرصة الإشارة إلى كون حماة مدينة محافظة ومتدينة حين ساندت ثوّار 2011.

المؤلم حقيقة أنّ ثوّار 1925 استطاعوا رفع شعار «الدين لله والوطن للجميع» في ثورتهم، في حين أنّ ثوّار 2011 لم يستطيعوا رفع شعار يطالب بأكثر من الدولة المدنية التي تتسع للجميع وحتى اليوم يحاول الجميع سحق هذا الشعار والمنادين به.

هل نريد التعلّم من ملاحظات الآخرين؟ هل سنتوقف لنفكر قليلاً بما سماه المؤلف «الاندفاع العربي» حين نختار أن نصدّق وعوداً جوفاء من أصدقاء دوليين وهميين؟ّ أم سنفشل كما فشلنا في تجنّب سياسة «فرّق تسد» التي مارستها قوى خارجية وداخلية بقوّة خلال أربع سنوات منذ آذار/مارس 2011 وحتى اليوم، وحتى قبل هذا التاريخ بعقود كما يُشير إرليخ؟ هل نستسيغ تكرار الوقوع في الخطأ ذاته، أم نهوى البقاء في الحُفرْ؟! والسؤال الأهم هل سنسمو فوق شعور الولاء للقبيلة أو الجماعة العرقية أو الدينية إلى شعور المواطنة والدولة الحديثة؟!

يختتم إرليخ مؤلفه بالتأكيد على أنّ الحرب في سوريا ستنتهي، مغرقاً هذا التأكيد بالحديث عن «طائف لبنان». بالتأكيد ستنتهي الحرب، وبالتأكيد قد يصل أو ربما وصل الألم والتعب بالسوريين إلى الحد الذي يرتضون فيه طائفاً جدياً أو سايكس- بيكو أكثر سوءاً، لكن يا صديقي هل هذا سقف مصالح المجتمع الدولي حقاً؟ أو لعلهم يبتغون تدميراً شاملاً لا نهوض بعده؟.

القدس العربي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة حوارات مختارة مع روائيات وروائيين/ هاشم شفيق

      ليس ثمة من شغف أخاذ في الحياة الروائية، وفي عالم المُتخيَّل، أكثر ...