داريا/ سمر يزبك

 

 

هذه المقالة كتبتها قبل الصمت القاهر بأربع سنوات، عندما كانت الكلمات ما تزال مُتاحة:

سيناريو متخيل، لكاميرا واقع.

المكان: داريا، ريف دمشق.

الزمان: 26 آب دخول الفجر في الليل

الحدث: الكاميرا تنتظر جنوداً يفرغون مخازن الرصاص.

البطل: كاميرا

قرابة 300جثة كومبارس

2012-08-28

الفرجة ببلاش!

تفرّج أيها العالم على طبقات الجحيم! تفرّج! الفرصة مؤاتية لتنشيط المخيلة عن عذابات الجحيم المقبلة!

الضوء رمادي.

الكاميرا أعدّت المشهد كاملاً.

تقبض المذيعة على الميكروفون بأصابع دقيقة، تنتهي بطلاء أحمر. أحمر يتشاكل مع لون الشوارع، وغطاء الجثث المتكومة.

لون أحمر يجب التركيز عليه بدقة، أثناء مرور العدسة على جثث ليست مصنوعة من بلاستيك، لتقدم دور كومبارس، جثث كانت تتنفس منذ ساعات، ولكل منها خط حياة، جثث ليست للبشر الفقراء الذين يصطفّون وراء الكاميرات في مسلسلات الإنتاج الضخمة، ويبقون تحت رحمة المنتج، ليحصلوا على تمثيل دور ميت، سيفتح عينيه بعد خروج عين الكاميرا من “الكادر”.

هؤلاء بشر، يتكوّمون هنا، حيث ستتكدس أسراب الذباب فوق جداول الدماء.

المذيعة تتمايل مع العدسة، ثم تشرح للمتفرج، ما الذي حصل حين دخل الفجر الليل.

تقترب من سيارة زرقاء. كانت ستغادر مسرعة لولا بضع طلقات في رأس السائق. الكاميرا لا تبتعد عن الرأس ذي اللون الترابي، هكذا هي الرؤوس البشرية تتماهى مع السكون الأبدي، تحاول تقمص التراب، والإختفاء في فروق اللون. تريد التلاشي بعيداً من عين العدسة. تحتاج المخاتلة.

يقول الرأس المخاتل: دثِّروني… دثِّروني. خطوط الدم الأسود تنسل من الرأس عبر باب السيارة. الباب لا يزال أزرق رغم دكنة الدم، لكن الكاميرا تقترب. خيوط الدم رقيقة وناعمة، تنزلق بهدوء على السطح المعدني، الخطوط الحمراء نفسها تنسلّ من الكاميرا، تستقر في رأس طفلة، هي ليست دماء هنا، فقط فتحة صغيرة سوداء. ثقب واحد يكفي. الطفلة نائمة. الكاميرا تقترب من وجه الجميلة النائمة، وعندما تبتعد عنها لتلتقط رجلاً مستلقياً في الأبدية مع درّاجته، تسحب معها خيوط الدم، حيث مملكة الذباب والديدان، تنتشر أسراباً، وتزحف عبر جيوش جرارة. لكن الجميلة النائمة لن تصحو. ثقب رصاصتها في الرأس، الطلقات مصوّبة الى الرأس دائماً. تتبختر الكاميرا، تتقدم نحو وجه الجميلة النائمة، وتعطي دروساً للناس في تنشيط المخيلة.

الكاميرا غير مستعجلة، “اللوكيشن” جاهز، تحتاج للمرور بطريقتها على كل هذه الأجساد الممزقة، ثم العودة الى عينها السوداء.

في المقبرة يتساوى الهواء. الفرق الضئيل لدخول الفراغ بين ذرات التراب، واجتثاث اللحم البشري من تدوير العظام واستطالاتها. الفرق العدم. لا فرق بين سماء فوق التراب، وسماء تحته، كل السماوات تنقلب على الأجساد. لا وزن هنا للهواء. الأجساد تتطاير بخفة. الأجساد الخائفة المتكورة وراء الشواهد.

المرأة ذات العباءة المرمية بعيون مفتوحة، التي يخرج من رأسها خط أحمر داكن، كانت تفكر قبل لحظة موتها أن لا مأوى في الجنة للنساء سوى الطيران في الفراغ، لم تستند برأسها إلى حجارة الشاهد. كانت تستسلم لغبار المقبرة.

الموتى يتكوّمون فوق الموتى، الجنود لحقوا بالهاربين من الموت إلى المقبرة، فلحق بهم الموت. يموتون هنا مرّات ومرّات، يكسرون طبيعة التوازن الحيوي للمكان. تبعتهم الكاميرا، كان قد بقي القليل منهم، يختبئون بين الشواهد، لكن الكاميرا أصرّت على اللحاق بأسراب الذباب. امرأة جريحة لا تزال على قيد الحياة، تستند برأسها إلى الحجر، تتحدث وتتنهد، تقترب المذيعة، وتحاور المرأة النازفة بصوت ناعم.

في السيناريو المتخيل: تمدّ المذيعة يدها للمرأة، تضع أصابعها فوق الحجر لتحمي رأس المرأة من قسوته، ثم تضرب بأصابعها على الكاميرا، وتصرخ: هذه المرأة تحتاج للإسعاف.

في السيناريو الواقعي: تقترب الكاميرا من وجه المرأة وهي تتحدث بصعوبة، لا تنظر المرأة الى العدسة. عين الكاميرا مثل وجه ميدوزا، من ينظر إليه يصير حجرا، وراء الكاميرا مئة جندي من حجر، ينتظرون عيني تلك المرأة. الجنود كانوا من حجر، يحملون القتلى، ويخلعون أقنعتهم وراء الكاميرا.

في السيناريو المتخيل: يركض الجنود، ويقومون بإسعاف الجرحى، يرفضون اطلاق النار، قلة منهم تطلق النار فقط.

في السيناريو الواقعي: خلف الكاميرا، يظهر في “كادر” آخر: الجنود يركضون وراء القتلى ليقتلوهم مرتين، مرة حين يقتلون، ومرة حين يقومون بتصوير موتهم البطيء. بين الموتين، هناك موت آخر: يقتلونهم حين يفرغون رصاصاتهم في الجثث قرب القبور، لا ينتبه الجنود إلى سرب الذباب المقبل، ولا حتى إلى زحف الجراد من كل الجهات، الجنود مشغولون الآن بالكاميرا، وصنع لقطات، عن حنان فائض يحملون به الأجساد، التي قاموا بتمزيقها قبل الفجر.

الأجساد ليست كتلاً اسمنتية مرمية لتعبئة فراغ الشارع، في الأجساد تتجلى قمة الكمال. حيث التعبير الأبهى لصناعة الجمال، في التضاريس والانثناءات المعدّة للفوران بالحياة، الكاميرا تبدو عدوة للجسد. الكاميرا صُنعت لمغازلة الجسد! هنا تحطم اسطورة الجسد.

الأجساد المرمية بإهمال بين برك الدم، أجساد مرمية بين حائطين ضيّقين، تتكوّر حول نفسها، تخفي جمالاً رمادياً عبر ثقوبها، أجساد مرمية كأوراق في الشوارع، وسط بقع الدم، عائلة تتكوّم بعضها فوق البعض، جسد المرأة المتشح بالسواد، ورأسها الأسود، ظهرها الحنون في الموت، يغطي مساحة بيضاء. الكاميرا تتقدم، المساحة البيضاء ليست خرقة تحت صدر الأم، المساحة البيضاء هي طفلها الذي تدرأ الموت عنه، تحميه بصدرها. الكاميرا تقترب، وتكسر آخر رغبة للأم بدرء الموت عن صغيرها. الأمهات يمتن قبل أولادهن، هذا المنطق الطبيعي، لكن لا منطق هنا. تموت الأم، ويموت الطفل. صدرها قبره الأخير. الكاميرا التي لم تنتبه إلى أن هناك أسراباً من جراد وذباب، صارت تشكل حولها جيشاً من الجنيات الزرقاء الطائرة فوق الأجساد.

الكاميرا تريد الانتقال إلى مشاهد سريعة، “إن سيرت”: جسد مرمي قرب عجلة سيارة لرجل جميل. جسد الرجل ممشوق وصامت. تحوم فوقه الجنيات الزرقاء. لن تلمسه امرأة بعد الآن.

في السيناريو المتخيل: يعرق زجاج الكاميرا، ينزف، تتوقف الآلة عن العمل، وتصاب يد المصوّر بالشلل، ثم يسمع المتفرج صوت نحيب خافت. يخرج من عمق العدسة، ويلقي بنثار زجاج في وجه المذيعة.

الطفلة ذات القميص الأحمر داخل السيارة، تضع يداً فوق يد. هكذا يجلسون في مدارس طلائع البعث. بطنها يرتجف، يرتفع ثم ينخفض. صدرها يتموج. الأخت الأخرى التي تنظر إلى الكاميرا بعينين جامدتين، لا تنظر إليها. أهلها قُتلوا، يتكوّمون قربها في السيارة، لا تزال الجثث مكوّمة الى جانب الطفلتين. الكاميرا تتقدم. والمذيعة تجأر. كانت الطفلة وعائلتها يحاولون الهروب من المقتلة. حين فاجأهم الرصاص. تقترب المذيعة وتسأل. تجيب الطفلة ببضع كلمات متقطعة. تقترب الكاميرا من عيني الطفلة. العينان جامدتان، ثم لقطة على جثث العائلة. الجثث تبكي أيضا بعد الموت. لكن عيني الطفلة الجامدتين أمام الكاميرا، لا تريان دموع الجثث.

لقطة من متفرجة خارج العدسة: أريد مد أصابعي إلى الشاشة، لألمس بطن المذيعة.

هل اختلج رحمها، ولو لثوان؟! ولكن، هل تحمل في أحشائها رحماً؟

السيناريو المتخيل: المذيعة تقترب من الطفلة، تهتز أصابعها، يسوح طلاء الأظافر، ترمي الميكروفون في وجه الجنود الذين يرافقون جولاتها، ويجبرون الأهالي على الإبتسام للعدسة، إلى جانب جثث عائلاتهم، ثم تصرخ، وتحمل الطفلة الصامتة التي تتنفس بصعوبة، وفي اليد الثانية تحمل الطفلة الآخرى، وتهمس بأذنها بضع كلمات رقيقة، وتقول لها: لا بأس يا صغيرتي، لا بأس. ثم تنظر إلى سحنات الجنود، ورجال الأمن، صارخة: ستوب… ستوب… ستوب… وقِّفوا التصوير.. وقِّفوه!

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...