الرئيسية / صفحات سورية / “داعش” بين جراهام وأوباما/ د. طيب تيزيني

“داعش” بين جراهام وأوباما/ د. طيب تيزيني

 

 

طالعنا الإعلام العالمي بخبر نرى أنه قد يكون خبر الظرف الراهن الأول، ومفاده أن السيناتور عضو الحزب الجمهوري في الولايات المتحدة الأميركية جراهام، صرّح بصيغة التحذير من أن تسونامي داعشياً سيجتاح أميركا. وفي السياق نفسه، وجه نقداً لأوباما، منتقداً استراتيجيته التي يتبعها على صعيد الشرق الأوسط. وقد جرى تناقل هذا الخبر من قبل وسائل الإعلام يوم الثامن عشر من هذا الشهر، يونيو. أما أن يكون ذلك الخبر بمثابة الأول في الإعلام العالمي الراهن، فكذلك بصفته إنذاراً خطيراً للبشرية كلها، وهذا لم يعد يحتمل شكاً.

وذلك ما كنّا قد لفتْنا الانتباه إليه في مرحلة مبكّرة من هذا العام، وذلك هنا في صحيفة «الاتحاد» الإماراتية، وفي المؤتمر الذي انعقد في بيروت في الشهر الثالث من هذا العام. ونود أن نلفت نظر السيناتور الأميركي إلى أن التحذير الذي أطلقه من تفاقم خطر «داعش» وقدومه إلى الولايات المتحدة الأميركية، إنما هو أمر جدّي مُفعم بالجِدية، ولكن هذه الأخيرة يمكن تصنيفها ضمن «خانة الجدّية الهزلية الكارثية»! فلقد كان على السيناتور إياه أن يضع «تنبّؤه» في مكانه المناسب من التاريخ العالمي، وخصوصاً منه الغربي والشرقي الحديث، وإذ ذاك، سيكتشف السيناتور أن داعشاً إنما هو -في أساس الموقف- ضحية قيدتْ ودُفعت إلى موقع القاتل. وهذا هو «العسل الُمر» بعينه.

لقد جاء النظام الرأسمالي الأوروبي الحديث وخصوصاً في مرحلته الاستعمارية، بمثابة نهوض عالمي غير مسبوق، بقدر ما كان قد أخذ يعبّر عن وجوده في «بلاد الشرق المُحصّن بالاستبداد الشرقي»، على حد توصيف الحركة الاستشراقية الغربية لهذا الشرق، في حينه، وأنتج فتوحاً لا عهد للعالم بمثيلها، وقادت هذه الأخيرة إلى تعميم المقولة العظمى، التي أطلقها أحد صُنّاع الاستشراق، وهي «الشرق شرق، والغرب غرب، ولا يلتقيان» وكان ذلك حقاً، حيث اكتشف المعنيون «استبداد الشرق» حين التقوا به عبر المدافع والراجمات التي استخدموها في سبيل فتحه وتحويله إلى سوق للبيع والشراء، بهدف تحويله إلى مستهلك لا يشبع.

وجاء نُقّاد ذلك السوق وذلك النظام الرأسمالي الأوروبي الحديث، لينبّهوا إلى ما أصبح واضحاً فظيعاً كل الفظاعة: لقد نبّهوا بني جلدتهم والآخرين فيما وراء حدودهم من الشرقيين وغيرهم. لقد قالوا مع ماركس: «كلما ارتفعت قيمة الأشياء، هبطت قيمة الإنسان!» وهكذا، بدأ تاريخ الغرب الحديث بالسّير إلى «عالم الأشياء والتشيُّؤ والاغتراب وسحق الذات»، ولم يطلْ الأمر، حتى جاء في عصرنا هذا منْ رفع عَلَم الموت، حين عبّر عن الموقف قائلاً: إن العولمة هي «السوق المطلقة»!

كان ذلك كله بمثابة خريطة طريق تقود إلى «المال والسلعة- رب المال والسلعة» بحيث أصبح لقاء الغرب مع الشرق (هنا العربي) عبارة عن لقاء بين مَنْ يملك ويستهلك، ومَنْ لا يملك ولا يستهلك، وهنا يصبح من مقتضيات الأمور أن يعرف السيناتور جراهام أن الأمور بجذورها وأسبابها ومقتضياتها، وهذا يعني أن الرئيس أوباما حين وضع يده على «حاضر» خطر «داعش»، فإنما غاب عنه هو ما أفضى إلى «داعش» في الشرق كما في الغرب. «غداً» استباحة ذاتية الإنسان وحقوقه، وتسليط أساطين الاستبداد والفساد والإفساد عليه، وحيث يصبح هذا العقل في موقع الفعل التاريخي التحريري، ننتظر أمراً آخر.

الاتحاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...