الرئيسية / صفحات سورية / “داعش” ومنطق “اللادولة”/ عماد مفرح مصطفى

“داعش” ومنطق “اللادولة”/ عماد مفرح مصطفى

 

 

يعيد البعض، السبب الرئيسي في محاربة حكومات المنطقة لـ»داعش»، إلى مقاربة منطق الدولة، التي تمثلها تلك الحكومات، في مواجهة منطق «اللادولة» التي تمثلها «داعش»، كتنظيم «معولم»، مؤلف من مقاتلين عابرين للحدود، يفتقدون في علاقتهم بالمنطقة، الأسس والمقومات المكونة لأي دولة من الدول، سوى ما يتعلق بحب السلطة وسلطانها.

هذه المقاربة، وإن كانت صحيحة في بعض جوانبها، المتعلّقة بعدم تجانس المقومات في «دويلة» «داعش»، من «شعب» و»سلطة» و»إقليم»، إلا أنها لا تجانب الصواب، حين يتعلق الأمر بمحاولة التنظيم الإرهابي إعادة تقسيم الفئات الاجتماعية وتعميق الفوارق بينها، وفق صيغ طائفية وغير طائفية، بين مهيمنين وخاضعين، ذلك أن هذا التقسيم يدفع باتجاه نشوء «النصاب السلطوي» المستقل عن المجتمع، وهو الشرط الضروري لانبثاق منظومة «الدولة» وربما ديمومتها.

صحيح أن ثمة تشابهاً بين أسس المنظومة الفكرية لدى «داعش» والمجتمعات «البدائية»، التي توائم شروط حياتها مع ظروف «اللادولة»، في لفظ واستخراج مبرر وجودها وجعله «خارجاً« عن حيز التداول؛ «القتال باسم الله وتحت رايته». غير أن هذا المنطق يتنافى ويضمحل، أمام تعميق وتكريس «داعش» للانفصال بين السياسي والاجتماعي؛ أي الانفصال الذي يتضمن إمكانية تمظهر جماعة معينة، في صورة سلطة سياسية مطلقة، تتخذ شكل «الدولة» للحفاظ على مصالحها ونفوذها.

«داعش»، هنا والآن، كأي منظومة أيديولوجية في منطقتنا، يتداخل في بنية «دويلته»، والأفكار المحيطة بها، عوامل ومقومات متناقضة ترتبط بمفاهيم «الدولة واللادولة»، لكنها تقدم على معالجة هذا التناقض، بزيادة مستويات العنف والترهيب، وتصديره إلى المجتمع الذي يحتله على شكل حدود دموية قاتلة.

بهذا المنطق، لا تكون «دويلة داعش» إفرازاً لوعي «الأمة»، بقدر ما تكون أحد مفرزات الوجدان السياسي، المأزوم والمحتقن، وأداة استيلاب لا حدود لها، تأتي كسلطة أيديولوجية عنيفة من خارج المجتمع وتبتلعه، شبيهة بدول الاستبداد التي لفظتها، بعد أن شهدت مسارات الغبن باسم «القومية العربية»، ذلك التحول المريب إلى فاشية «طائفية» تضفي بتناقضات جديدة على المشهدين السوري والعراقي.

لكن إشكالية تلك المقاربة بين منظومة «اللادولة» و»الدولة»، التي يدعي التنظيم المتطرف تأسيسها، لا تكمن في حدود «الفاشية الطائفية» واحتكامها إلى نوازع التشفي والانتقام، بل في منطق تجاوزها لكل الحدود السياسية والاجتماعية في المنطقة، متحولة بذلك إلى كيان يحكمها منطق «اللادولة»، حيث يتنافى في مكنونها، عوامل الأمن والاستقرار لسكانها وساكنيها، نظراً لتلك الاستراتيجية القائمة على التوسعية، واستمرارية الحروب والغزوات إلى ما لا نهاية. وبذلك تحمل تلك «الدويلة» بذرة فنائها في ذاتها، على اعتبار أن غاية أية «دولة» هي تحقيق السلم والأمن لمواطنيها، بعد نقلهم من حالة «الطبيعة»؛ أي حالة «الحرب والصراع» إلى حالة «المجتمع والمدينة»، على حد تعبير «توماس هوبز».

والحال هذه، فإن جذور الأزمة في المنطقة، لا تعالج بتأسيس دول جديدة، وقد تكاثرت أزمات المنطقة بسبب الدول الوليدة، كإسرائيل، والدولة «الإسلامية» في إيران، بل إن المعالجة تقتضي، التغيير في بنية الثقافة السياسية لدى دول المنطقة، وتحديد علاقة الدين بمجمل تلك البنى، حتى يتمكن الناس من خلالها العيش كأحرار في دول حديثة ومتحررة، لا كرعايا مسلوبين في دول دينية «ثيوقراطية» مغلقة.

المستقبل

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...