عبد الوهاب عزاويمراجعات كتب

“داكن” منذر مصري: الخفة المُسْكِرة أمام امتحان الزمن

 

عبد الوهاب عزاوي

يعيد الشاعر منذر مصري نشر ديوان “داكن” بالتعاون مع “دار أرواد”، بعد منع طويل من وزارة الثقافة، وهو يحوي القصيدة الإشكالية “ساقا الشهوة” التي كانت سبباً في إعدام الديوان حرقاً عام 1989. يفتتحه بردّ على سؤال لماذا لم يخرج منذر مصري من سوريا: “تسألُني: كيف أتيت؟…/ أُجيب:/ آثارُ مخالب وأظلاف/ نقاط دمٍ تخثَّرت على الحجارة/ أوصالُ أطفالٍ/ قُطِّعت وأُلقيت/عند المفارق/ خلف هذا مضيت/ بقدَمَين/ عمياوَين”، “أتظنُّ أنّي أخاف الموت/ انظُر/ إنَّه يرتع في حديقتي/ يقضم ورودي/ ويلعق دم أشجاري”.

يكتب منذر بصوت خافت وعميق، يجعل من الشعر وسيلة لإعادة تأثيث العالم، وترتيب فوضاه على مهل، بعباراتٍ قصيرة وطازجة، تهز اليقينيات بتواضع، وهذا ما يجعله علامة فارقة في “جيل السبعينات” مع التحفظ عن هذا المصطلح، باعتباره حالة لم تفقد طزاجتها أو حضورها في الشعر السوري: “كلاّ لا أعرف ماذا تُسمّى/ باللغة العربية الفصحى/ السحابةُ العابرة/ ولا حتّى/ السحابةُ الماطرة./…/ لكنّي في حياتي المبدَّدة/ وبعينَيَّ الخطّاءتين/ رأيتُ مطراً يتساقط/ من سماءٍ صافية/ وأعمدةً من الشمس/ تهطل على الأرض/ من فَتَحاتِ/ دِيَمٍ/ سوداء”.

يسير في أرض الشعر كعرّافٍ يفقد يقينه بدوره. يتعامل مع الشعر بخفة، وبسلاسة توحي بالسهولة، لكنها لا تفقد تلك الطعنة الماهرة. إنه يختبر الحياة شعرياً، يتنفس الشعر، ويهذي لنفسه أولاً: “في مقدوري أن أتحدَّث لكَ عن العالم/ أعرف جميع النعوت الدارجة/ وأعرف أخرى لم تُستعمَل بعد/ لكنّي لن أفعل/ بالرغم من طلبك./…/ ما أسهل أن أقول لكَ/ إنّي رجلٌ ذو رؤيا/ وأن أتنبأَ بهذا وذاك/ منَ الأحداث/ فقد اضطررتُ لذلك يوماً/ وعرفتُ/ وأنا مغمض العينَين/ كيف أُصيبُ/ الدائرةَ الحمراء من الهدف/ لكنّي لن أفعل/ رغم أنّي أسمع/ صراخَك”.

تحضر عبثية ما يجري في سوريا في نصوص منذر مصري، في النهايات المفاجئة، وفي النسق الغرائبي، حتى أن النص يبدو كجزء من حوار طويل. إنه يورط القارئ بلطف. إنه نبوءات وجودية مخاتلة لهذا الخراب، لهذه البشرية المطحونة بشرطٍ عبثي: “ما زال إذن كلُّ شيءٍ أمامي/ كما كان/ وكما سيبقى دائماً/ وكلُّ ما يجب عليَّ هو/ أن أُكمِلَ هذه الخطوةَ الأخيرة/ التي تقوم بها قدمايَ الآن/ دون أن أبالي غداً سوى أن أُكمِلَ/ الخطوةَ الأخيرةَ/ التالية”.

لا يفقد الشاعر قدرته على الرؤيا، على الأمل العصي، وغير المبرر أحياناً، احتفاء ببقايا الحياة على زاوية الفم: “مفتوحاً على مصراعيه/ أو مغلقاً بحجارةٍ صمّاء/ ذلكَ الأفق/ لكنَّهُ/ ما زالَ إذَن”. لا يتخلى عن عادة تذكر الأصدقاء والحديث عنهم ومعهم في شعره، وهو صاحب تجربة خاصة في كتاب “منذر مصري وشركاه” ولعله من أكثر الشعراء السوريين إهداءً لنصوصه. يحضر محمد سيدة، رياض صالح حسين، خورخي. ل. بورخيس، هو شي منه، وتوفيق الصايغ وسواهم. يحضرون كندماء، وكشركاء في الحكاية التي لا تنتهي. من ذلك نص مهدى إلى رياض صالح حسين: “أُحبّ هذه الأغنية/ تأتي بشفاهٍ زائغة/ وعيونٍ مغمضة/ وتذهب بعيونٍ زائغة/ وشفاهٍ مغمضة”.

هناك نصوص أخرى باترة، فيها مقاطع قصيرة تكون نصوصاً قائمة في ذاتها ضمن موزاييك منسوج بعناية؛ شيء يذكّرنا بمحمد الماغوط أحياناً: “شيءٌ ما أنضجَني/ أيُّ يأسٍ/ أيُّ شهوة”، أو “رجلٌ ضلّ الطريق مراراً/ فوصل إلى قلبي”. ثمة نصوص أخرى يسيطر فيها السرد الطويل نسبياً، حيث يحاول أن يرسم مشهداً بصرياً يذكّر بلوحات الانطباعيين، مع العلم بأن منذر يمارس الرسم بخفة تشبه كتابته للشعر. لكن وفاءه للشعر أعلى.

يغرق الديوان في تفاصيل الحياة الداخلية؛ ملامح الوجه، الثياب، الكرسي، والمرآة. مسرحٌ متحركٌ يقودك فيه راوٍ يسرد على مهل وقد يستطرد مستخدماً صيغة المخاطب. حتى أنه يجرؤ على القول “يا ليَ من شاعرٍ كئيبٍ/ أبعث على الضجرِ/ أهذر عن أيِّ شيءٍ/ ولا أبالي ما هو/ ولمجردِ تلطيخي وجهَهُ بالسخام/ أحسب أنَّه سيصير في أعين الآخرين/ شعراً”.

لا يفقد تلك الكبرياء الحادة، والاندفاع نحو الخيارات القصووية: “أقفُ أمام المرآة/ وأتحدَّث بصوتٍ/ ليس منخفضاً دائماً/ مع ذلك الرجلِ الذي/ كلَّما نظرتُ إليه/ يطلُّ بوجهِهِ منها/ أمورٌ عديدةٌ كانَ من الأفضل/ لو سألني اللهُ رأيي/ حين قام بصنعها/ من هنا جاءتني تلك الفكرةُ/ المجنونةُ/ بأنَّه/ كما ينبغي عليَّ/ تغيير الشعر/ ينبغي عليَّ أيضاً/ تغيير العالم/ وأنَّهُ يمكنني هذا/ ببعض الكلمات”.

هناك نصوص قليلة في الديوان تحمل نفساً من مرحلة أخرى، نزقاً آخر، نشمّ فيها تلك الروح في مرحلة قديمة، تحديداً تلك الشفوية الطاغية كما نلمسها أحياناً عند رياض صالح حسين. مع ذلك يصر الشاعر على طرح نتاجه القديم أمام امتحان الزمن على عكس معظم الشعراء الذين يعتبرون أنفسهم أعلى من ذواتهم. إنها مغامرة غير سهلة من شاعر مكرّس، أن يقدم قديمه باعتباره جديداً. وينجح. هواجس قديمة لا تزال حادة ومؤلمة ضمن سياقٍ وجودي: “كلاّ…/ ما زِلتُ أرفض العروض السخيَّةَ/ الَّتي تقدِّمها لي/ النوافذُ المفتوحةُ/ وخاصَّةً/ نوافذَ الطوابِقِ العليا/ حتّى وإن سمعتَني/ أصرخ/ وأنا أُمسِك بإحدى دفَّتَيها/ مانعاً نفسي من القفز:…/ (أشجارُ السروِ اليابسة/ ليست سوى أشجارٍ/ من لونٍ آخر)”.

الكتاب مجموعة كتب أو دواوين. خلطة غريبة يظهر في آخرها “منذريوس مصريام”، الذي عُرف عنه “أنّه في أفكاره كان أقرب إلى إنكار أديان زمانه، منه إلى كونه وثنياً. وهو رغم هذا الإنكار نجده متتبّعاً ومستقصياً لكلّ المجادلات والتنبّؤات والشعوذات التي كانت تحدث أو يسمع عنها في مدينته”. منذريوس صدى يخطف خلفاً، في زمن آخر، لكن ملامحه تشبه منذر. نصوص منذريوس تحفل بـ”الثالوث المقدس (الموت والحياة والجنس)”.

يقدم الشاعر في القسم الأخير من الكتاب مونولوغاً طويلاً عن الشعر، الذي يصل بين أزمان وأطوار قديمة وجديدة، ويصل بين الأصيل والدخيل، المنبوذ والمحتفى به، يحتفي بالحياة والموت والشهوة المتوحشة بينهما. مقدمة تحوي الكثير من اللعب، اللعب الذي يبدو جاداً، لكنه يسخر من كل شي، ولكنه يحتفي بالشاعر الحقيقي الذي يجب عليه أن يكون “خالقاً للمعاني”. يغامر منذر مصري بالكتابة عن نفسه، عن نصه الأكثر إشكالية “ساقا الشهوة” الذي مُنع الكتاب بسببه، فيلعب دور الراوي والناقد، حيث مسرحٌ صغير يديره، بطلته الشهوة المقدسة التي تحيي وتميت. الشهوة محرك البشرية، الطاقة الطاغية المتجذرة في اللاوعي، حتى أنه يسأل ببساطة عن خيار روميو في الانتحار، ذلك الحمق الذي “يصنع كلّ العشاق العظام”. فلو هزها ونقل إليها حرارته وشهوته، “لو مارس معها الحب للمرة الأخيرة لتمكن، لا ريب، من إعادتها للحياة”.

النهار

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى