الرئيسية / صفحات العالم / دراسة عن تركيبة السلطة العلوية في سورية

دراسة عن تركيبة السلطة العلوية في سورية


سامي الفرج

عناوين الدراسة

الخلافات وصلت إلى القصر الرئاسي وتشغل الطائفة العلوية الحاكمة وحلفاءها السنة

اختلافات النخبة العلوية الحاكمة وحلفائها تمهد لانشقاق في صفوف القوات المسلحة السورية

سقوط النظام خسارة استراتيجية للطائفة العلوية وهذا سبب شراسة وحداتها العسكرية في قمع الاحتجاجات

حافظ الأسد أقام علاقات المصاهرة على أسس عسكرية وأمنية وسياسية وتجارية اقتصادية

تجميد «العميد مناف طلاس» وهو ابن وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس لفشله في إخراج أهالي مدينته «الرستن» من صفوف الثوار

الجسم الهائل من مجندي الخدمة الإلزامية وقوات الاحتياط يمثل اليوم «البطن الرخوة» للنظام السوري ولقواته المسلحة

منذ 1970 حجزت %85 من مقاعد الدراسة في «الكلية العسكرية بحمص» وباقي الكليات والمعاهد العسكرية لأبناء الطائفة العلوية والدروز

رأى رئيس مركز الكويت للدراسات الاستراتيجية د.سامي الفرج ان مصير النظام السوري، وما لن يقبل الشعب السوري بغيره، هو اما سيناريو الخروج الآمن في الاحتمال الأفضل، أو سيناريو ان يقاتل حتى النهاية في الاحتمال الأسوأ.

هذه الرؤية هي خلاصة لتحليل استراتيجي تنشره «الوطن» في حلقات متتالية أجراها د.الفرج تحت عنوان القوات السورية المسلحة آخر أمل لنظام الأسد: تحليل لمدى واقعية سيناريو تنقسم فيه القوات المسلحة السورية وتشل ثم تنهار وان يسببب ذلك انهيار النظام السوري.

ويبدأ د.الفرج دراسته بالتعرف على العوامل التي تمكننا من الاجابة على السؤال الذي حمل عنوانها وهو: هل من الممكن للحركة الاحتجاجية السورية ان تتطور في مواجهتها للقوات المسلحة السورية بحيث تصل بهذه القوات الى درجة الانقسام ثم الشلل عن الحركة ثم الانهيار، وأن يؤدي هذا الى انهيار النظام السوري؟

وتبين هذه العوامل عبر التدليل على ان القوات المسلحة السورية ما هي الا مرآة تعكس حالة انقسام المجتمع السوري الذي تسود فيه أقليات تمثل %26 من سكانه على الأغلبية العظمى منه والتي تمثل الـ %74 الباقية.

ويشير د.الفرج الى ان حماقة النظام في عدم قبول مطالب الحركة الاحتجاجية المبدئية في الاصلاح، قد أدى الى تفشي حالة العصيان المدني المحدود ضده، وأن النظام بجهله وغطرسته انما ساهم في توسعة رقعة العصيان هذا ضده عددا ومساحة باستخدامه المفرط للقوة، والتي بدورها أصبحت تدك اسفينا في الشروخ والانقسامات التي تطبع المجتمع السوري بحيث زادتها اتساعا، وزادت بالنتيجة القوات المسلحة الممثلة لهذا المجتمع المنقسم انقساما.

و يضيف د.الفرج ان نبرة التحدي والتصميم التي أبدتها الحركة الاحتجاجية السورية في التظاهر السلمي، وفي رفض الطائفية، ورفض التدخل الدولي، التي أدت الى تزايد أعداد الشعب السوري في المناطق التي قادت هذه الحركة الاحتجاجية، وفي المناطق التي انضمت اليها بحيث أصبحت ممثلة لقطاع واسع من الشعب السوري بكل فئاته وطوائفه، قد تبلورت بصورة فاعلة ومؤثرة بحيث ساعدت تدريجيا على ادخال روح اليأس والاحباط الى جسم المؤسسة العسكرية السورية، حتى تلك الفرق والوحدات التي يعتبرها النظام السوري محسومة الولاء له، بحيث أوصلتها الى قناعة بأن مهمة قمع الانتفاضة السلمية للشعب السوري ماعادت مهمة عسكرية ممكنة التنفيذ.

وكذلك خلق قدرة مؤثرة على الأرض في الحركة الاحتجاجية ذاتها للتفاوض مع ضباط وقادة من الرتب المتوسطة والعليا ووحداتهم للانضمام اليها، وفي نفس الوقت قدرة تفاوضية حقيقية للمجلس الوطني السوري الممثل للحركة الاحتجاجية مع المجموعة الدولية لكي تزيد وتيرة وضغط الدبلوماسية الارغامية الدولية لكي تصل الحركة الاحتجاجية السورية الى أهدافها.

و يشير د.الفرج الى بدء تحركات ضاغطة من الدول المؤثرة اقليميا ودوليا بهدف العمل فعلا: أولا لحماية الشعب السوري من نظامه كما في المثال الليبي، وثانيا تمكين الشعب السوري من حيازة قدرات فاعلة على الأرض ليس فقط لحماية نفسه، وانما لتنظيم وتنسيق وزيادة جهوده لافشال وسائل القمع لدى النظام السوري، وزيادة حدة ورقعة الاحتجاج ضده، وبالنتيجة الاسراع في ايصال القوات المسلحة السورية الى القناعة بان مهمتها في قمع الشعب السوري ما عادت ممكنة التنفيذ.

ليصل الى نتيجة مؤداها ان المشهد النهائي لهذه التراجيديا المحزنة للنظام في سورية يلفظ أنفاسه الأخيره! وهذه الحلقة الثالثة من الدراسة:

ان هذا السرد الموجز لتاريخ قفز الطائفية العلوية على الحكم والذي سنبين كيف حدث عسكريا فيما بعد، يعطينا حجم الخسارة الاستراتيجية التي سوف تصيب الطائفة العلوية بسقوط النظام السوري.كما أنه يعطينا توقعا أكيدا لمدى الشراسة التي يجب ان نتوقعها من الوحدات العسكرية السورية العلوية الموالية تماما للنظام السوري وهي تقاوم الحركة الاحتجاجية السورية في كل أصقاع سورية.نقول هذا عن واقع ما يحصل في الثورات التاريخية بغض النظر عما يحلم به البعض من تعايش سلمي لا تشوبه شائبه فيما بعد.لا ننفي ان هذه قد تكون السياسة الجديدة للثورة السورية بعد اسقاط النظام، ولكن ليس بالنسبة للبعض ممن وضع تصوراً ونفذ سياسة السيطرة العلوية، وبالتحديد العائلية، على مقدرات سورية السياسية والاقتصادية والعسكرية لفترة 45 عاما منذ انقلاب «العقيد صلاح جديد» حتى اليوم.وما على المرء سوى ان ينظر الى تجديد العمل بـ «قانون الغدر» بمصر، وهو القانون الذي يعود لفترة «ثورة يوليو 1952»، والأعمال الانتقامية في ليبيا ضد من ساعد في بناء نظام سيطرة عائلة القذافي على ليبيا ودافع عنه، حتى يتبين له واقعية ما نتوقع.

ومع ذلك فيجب ان يطرح المرء الجانب الآخر للمعادلة العلوية وهو الصراع العلوي/العلوي الذي كان موجودا دائما، والذي تبلور أخيرا في رفض زعامات علوية وأعداد كثيرة من الشباب العلوي، بل وحتى قيادات علوية عسكرية كبرى ممارسات النظام السوري الحالية بحق شعبه.وهنالك أيضا «اعلان الشباب العلوي» المندد بسياسة النظام.ونذكر كما نضيف الى هذه المواقف الشجاعة انضمام زعامات علوية الى المجالس الوطنية الأربعة التي شكلت حتى الآن، والتي انتهت بالمجلس الخامس وهو «المجلس الوطني السوري» الذي أعلن في تركيا في 2 أكتوبر 2011.

وأخيرا وليس آخرا تنحي وزير الدفاع السوري «الجنرال علي حبيب محمود» من منصبه الذي يشغله منذ 2009 في بداية حملة القمع العسكرية للنظام ضد شعبه وهو ضابط علوي رفيع ومحترف، وحامل لأعلى الأوسمة العسكرية السورية عن أدائه في ساحات القتال دفاعا عن وطنه.لا شك ان ما قام به الجنرال علي حبيب يمثل أعلى درجات التمرد على قرار السلطة السياسية السورية، ولكن الذي حمى الجنرال هو أنه ينحدر من عائلة علوية عريقة وغنية.

وفي الآونة الأخيرة تدور بعض الأخبار ان الكثير من العائلات العلوية النافذة في سورية تفكر في ماذا سيكون مصيرها بعد الاطاحة بنظام الأسد، ولذلك فان هنالك شائعات ان البعض منها قد اتصل بالمعارضة للحصول على تطمينات على مصيرها في فترة ما بعد الأسد.وفي ظننا ان قادة الحركة الاحتجاجية لاشك يمارسون دبلوماسية سرية لطمأنة هذه القوى العائلية العلوية المتنفذة ان باستطاعتها ان تنقلب على نظام الأسد، وأن يكون لها دور في مستقبل سورية (نقودي، 9 أغسطس 2011).

وهنالك رأي أوردته صحيفة «معاريف» الاسرائيليه في 10 أغسطس 2011 ومفاده ان الخلاف داخل البيت العلوي وصل الى أشده داخل القصر الجمهوري بين جناحين: جناح يخطط للقيام بانقلاب على نظام الأسد ويتزعمه وزير الدفاع علي حبيب، وجناح آخر ينادي بوقف عمليات القمع البشعة ضد المتظاهرين.وفي رأي آخر أشارت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الاسرائيلية الى ان خلافا نشب بين قادة الفرق الميدانية ورئاسة الأركان السورية سببه ان القادة الكبار في رئاسة الأركان كانوا مشغولين أكثر بالخلاف فيما بينهم أكثر مما كانوا مهتمين بقمع الانتفاضة الشعبية (syrianrevolution.org، 10 August 2011).

ولكن قد يعتقد البعض ان هذا الخلاف داخل البيت العلوي هو أمر جديد.هو أمر حقيقة جديد منذ وصول الجنرال حافظ الأسد الى الحكم، ولكنه ليس بأمر جديد قبل ذلك.فلقد مرت سورية بفترة طويلة من الانقلابات والانقلابات المضادة وكان للعلويين دور فيها.واذا استعدنا ماقلناه أعلاه فان انقلاب 1966 كان بقيادة العقيد صلاح جديد وبعضوية حافظ الأسد وضباط علويين آخرين غيره.ولكن بانقلاب حافظ الأسد على صلاح جديد انتهت تلك السلسلة من الانقلابات، وتوحدت الطائفة العلوية على هدفها الاستراتيجي وهو حكم سورية، وأن لا يترك هذا الحكم للأغلبية السنية لأنها (أي الطائفة العلوية) تحمل خوفا تاريخيا من عودة «الاضطهاد السني» لها ان ترك الحكم للأغلبية السنية.

هنالك عامل آخر يجب ان نتطرق له مما يفرق الطائفة العلوية ذاتها، وهو تركيز مقاليد السلطة الحقيقية في يد عائلة الأسد وأقاربهم من نفس العشيرة وحتى الفرع من نفس القبيلة العلوية لو أمكن.فالمشكلة حتى في نظر الكثير من العلويين خاصة ذوي النفوذ والجاه، وكبار موظفي الدولة من مدنيين وعسكريين هو ان النظام ولو بدا علويا فانه عائلي أكثر.وفي هذا الشأن نشير الى ان الطائفة العلوية تنقسم الى أربع قبائل وتنحدر عائلة الأسد من قبيلة «المطاوره» وبالتحديد من فرع «النميلطيه» من هذه القبيلة.وعند وصول حافظ الأسد للحكم قام بتعبئة الأجهزة العسكرية والاستخبارية والأمنية بأبناء عشيرته (المرجع السابق R.Bhalla).واذا نظرنا اليوم مثلا الى من يقوم بوظيفة قائد الحرس الجمهوري فهو أخو الرئيس «الجنرال ماهر الأسد».أما رئيس«جهاز الأمن الرئاسي» فهو «الجنرال ذو الهمه شاليش» وهو ابن عم الرئيس الأسد(BBC reported in Peoples Forum، 2 May 2011).كما ان باقي الأجهزة المهمة يحتلها أناس آخرون قريبون من الرئيس بحكم قرابة الدم من عائلة أم الرئيس، أو المصاهرة كالجنرال «آصف شوكت» نائب وزير الدفاع الحالي، ونائب رئيس الأركان سابقا، والحاكم المطلق السابق في لبنان وقت الوجود السوري هناك.

وهنالك أيضا «محمد ناصف خيربك» الذي يشغل منصب «نائب رئيس الجمهوريه للشؤون الأمنية»، الذي ينتمي لقبيلة «الكلبيه» العلوية، وله علاقة مصاهرة بعائلة الأسد.ومن جهة أخرى فيجدر ان نذكر ان الرئيس الراحل حافظ الأسد لم يقم علاقات المصاهرة على أسس عسكرية وأمنية وسياسية فقط، وانما تجارية اقتصادية أيضا.فعلى سبيل المثال لجأ الرئيس الراحل الى العائلات العلوية الغنية كعائلة «مخلوف» من أجل اختراق المعارضة السنية التجارية التقليدية لحكم الأسد.ومن ثم من الممكن تفسير استقالة «الجنرال علي حبيب» على انها وقفة تحدي ضد الرئيس كونه هو أيضا ضابط محترف ومن أسرة علوية قوية تأثرت من سياسة الأسد القمعية بحيث أصبح الجنرال على قائمة عقوبات الأمم المتحدة.

وعلى الرغم من كل هذه الترتيبات لتركيز السلطة في عائلة الأسد كلما أمكن، فان الخطر الأكبر على النظام جاء يوما من داخل العائلة ذاتها.وفي هذا السياق يذكرنا ر.بهاللا بأول انقلاب على الرئيس الراحل حافظ الأسد بعد اصابته بأول أزمة قلبية عام 1983.هذا الانقلاب شنه ضده أقرب الناس اليه وهو أخوه الأصغر «رفعت» يؤيده بعض القادة العسكريين الكبار.ولولا تدخل أم الرئيس «ناعسه مخلوف» في الوصول الى حل وسط يذهب فيه «رفعت» الى المنفى الاختياري في الخارج، لكان هذا الأخير قد تمت تصفيته جسديا.ونود ان نضيف أخيرا ان النخبة الحاكمة السورية لا تستهين أبدا بأي خطأ أمني يرتكبه أقرب المقربين لها (ولو كان ابنها كما كان حال «رفعت الأسد») وفي الآونة الأخيرة تم تجميد «العميد مناف طلاس» وهو ابن وزير الدفاع الأسبق «الجنرال مصطفى طلاس السني والحليف الأساسي لحافظ الأسد، وقائد لواء الجرس الجمهوري 105 بسبب فشله في اخراج أهالي مدينته «الرستن» من صفوف الثوار، وفشله كذلك في ثني جنود «الرستن» المنشقين من محاربة الجيش السوري في فترة نهاية سبتمبر-بداية أكتوبر 2011.ولقد تعرض لنفس مصير التجميد «العميد طلال مخلوف» العلوي قائد اللواء 2 بالحرس الجمهوري لنفس التقاعس المضر أمنيا بالنظام (المندسة السورية، 4 اكتوبر 2011).

اذن ما الذي نستخلصه من كل هذا؟ ان الخلافات وقد وصلت الى القصر الرئاسي، وأصبحت تشغل الطائفة العلوية الحاكمة وحلفاءها السنة، وأن الظروف باتت بعد ذلك مواتية لحدوث انشقاق في صفوف القوات المسلحة السورية ليس بسبب المقاومة المدنية المتصاعدة، وانما لأن النخبة العلوية الحاكمة وحلفاءها ما عادت موحدة كفاية لمقاومة الحركة الاحتجاجية المدنية.

تاريخ القوات المسلحة السورية كانعكاس للحالة العشائرية والطائفية لسورية

تعود القوات المسلحة السورية بتاريخها الى بداية حقبة الانتداب الفرنسي على سورية ولبنان في عام 1920.في ذلك الوقت أنشأ الفرنسيون قوة عسكرية مشكلة بأكملها من الفرنسيين سميت بـ «القوة الخاصة للهلال الخصيب Troupes Spéciales du Levant».أثناء تلك الفترة أيضا تولت قوة شرطة gendarmerie وطنيه حراسة المناطق الريفية المترامية من سورية وتطبيق القانون فيها، وحماية قوات سلطات الانتداب من هجمات الوطنيين المناوئين لهذه السلطات وذلك بقيادة ضباط فرنسيين.ولكن في الثلاثينات من القرن العشرين أسس الفرنسيون «الأكاديمية العسكرية» في مدينة حمص لتخريج ضباط سوريين، لملء الرتب الدنيا فيما هو أقل من رتبة «رائد».وبدأ هؤلاء الضباط السوريون في اعتلاء المناصب غير القيادية مع اقتراب نسمات الاستقلال، وتراخي القبضة الفرنسية على سورية مع بداية الحرب العالمية الثانية، واحتلال فرنسا ذاتها من قبل القوات النازية عام 1939.ولكن كان هؤلاء الضباط ينحدرون من خلفيات ريفية ومن أقليات دينية هي العلويون والدروز والشيعة والشركس.وبحلول ابريل 1946 رحلت القوة الفرنسية وبقيت العناصر السورية مكونة ما أصبح يعرف بـ «الجيش العربي السوري» الذي وصل عدده 12000 جندي وضابط صف وضابط عند بداية أولى الحروب العربية الاسرائيلية عام 1948 (globalsecurity.org «، Syrian Arab Army»).وتطور الجيش السوري وأصبحت له أفرع جوية وبحرية ودفاع جوي في العهود اللاحقه من عمر النظام السوري.ولكن من أجل ان نبين بصورة أدق ما نعنيه في بحثنا هذا بالقوات المسلحة السورية، والتي نتنبأ بانشقاقها، فاننا نسوق التفصيل التالي عن العمود الفقري للقوات المسلحة، وعن باقي جسم هذه القوات.

تقوم القوات المسلحة السورية اليوم على عمود فقري أساسي يمثله المحترفون العسكريون كأي قوات تستخدم التجنيد الالزامي.يكمل هذا العمود الفقري الجسد الكبير لمجندي الخدمة الالزامية، والذين يأتون من نظام التجنيد الالزامي أو «قانون خدمة العلم لعام 1953» وتعديلاته، والذي يزود القوات المسلحة السورية بأغلب قوتها البشرية.هذا النظام شامل للذكور في المجتمع، ولا يستثنى منه الا النساء والأقلية اليهودية السورية.وتقوم الخدمة الالزامية في سورية على خدمة ثلاثين شهرا في القوات المسحة يتلوها تحويل المكلف الى صفوف الاحتياط ويبقى فيها لمدة ثمانية عشر عاما.كلتا المدتين تعرضتا للتعديل بحسب تفاوت السياسات الدفاعية وتقدير الخطر الخارجي والداخلي في العهود السابقة.وتواجه المكلف بالخدمة الالزامية في سورية ثلاثة خيارات: فهو اما ينخرط في الجيش متطوعا لمدة معينة، أو يبقى قيد الاستدعاء في خدمة الاحتياط لمدة ثمانية عشر عاما كما أسلفنا، واذا اختار الخيار الأول وتبوأ رتبة ضابط صف خلال خدمة الخمس سنوات فانه يجوز له ان يتدرب ليدخل سلك الضباط.

ولقد مثلت حالتا مواجهة الخطر الخارجي، وضعف الامكانات الاقتصادية لسورية المبررين الطبيعيين للاعتماد على «قانون خدمة العلم» لتزويد القوات المسلحة بمجندين وضباط يسندون العمود المحترف لها وبكلفة اقتصادية أقل.ولكن الأوضاع الآن تغيرت، وفي نظرنا فان هذا التوفير في الكلفة الاقتصادية لانشاء قوات مسلحة متطوعة بالكامل يقل كثيرا عن المخاطر السياسية والأمنية لقوات مجندة الزاميا أغلبها من المسلمين السنة في بلد يمثل هؤلاء فيه ثلاثة أرباع السكان تقريبا.وتفسير ذلك ان هذا الجسم الهائل من مجندي الخدمة الالزامية وقوات الاحتياط يمثل اليوم «البطن الرخوة» للنظام السوري ولقواته المسلحة، لكون النظام والقيادة العسكرية لا تثق في ولائهم كثقتها في الأجزاء المتطوعة من القوات المسلحة المنتقاة على أساس التمييز الطائفي خاصة بين أقليات الشعب السوري وأبرزهم الطائفة العلوية.

هنالك أيضا أسباب أخرى غير الفرز الطائفي المتعمد ساهمت جميعا في خلق هذا الهجين غير المتوازن المسمى بالقوات المسلحة السورية.ففي الماضي وعند وصول «حزب البعث» الى الحكم في سورية كان هنالك عرف تمثل في دفع أبناء الطبقات العليا في المجتمع السوري مقابلا ماليا لقاء اعفائهم من الخدمة الالزامية، وبالنتيجة أصبح فقط أبناء من يقل عنهم ثروة من الطبقات دون المتوسطة وكذلك الفقيرة هم الذين يجدون أنفسهم مرغمين على «خدمة العلم».وهذا ربما يكون سببا آخر للتركز غير المتكافئ لأبناء الأقليات الطائفية في القوات المسلحة السورية مقارنة باخوانهم أبناء الأغلبية السنية.ومع ذلك فيجب ان نذكر أيضا سببا جوهريا ثانيا وهو الحالة التعليمية لقطاعات ليست بالقليلة في الشعب السوري في الخمسينات والستينات من القرن العشرين.فقلة التعليم وتفشي الأمية بين قطاعات عريضة في الريف والبادية في فترة الأربعينات والخمسينات من القرن العشرين جعل العمل في القوات المسلحة الذي لم يكن يتطلب جهدا ذهنيا استثنائيا – بسبب الضعف التقني لهذه القوات حينئذ -عاملا جذابا لأبناء الريف والبادية للانخراط في السلك العسكري.ونتيجة لذلك – يقول الخبراء – فان الجندي السوري اكتسب خاصيتين: الأولى هي التأقلم مع شظف العيش، والثانية هي الطاعة العمياء للأوامر حتى لا يفقد وظيفته.ولكن بمرور الوقت أصبح المنخرطون في الخدمة العسكرية من متطوعين ومجندين هم ممن حصل على تعليم لا يقل عن ست سنوات، كما ان تطور القوات المسلحة تكنولوجيا في السبعينات جعلها مدرسة تزود هؤلاء بمهارات فنية وتقنية تساعدهم في سوق العمل عندما يتركون القوات المسلحة، ومن ثم أصبحت المؤسسة العسكرية جاذبة لهذه القطاعات من الشعب.وبتطبيق «قانون خدمة العلم» فان المراقبين المختصين يقولون إنه بحلول عام 1985 أصبحت القوات المسلحة السورية تمثل قطاعا عريضا من الشعب السوري بكل ألوانه وطوائفه (المرجع السابق).

هذا بالنسبة للجسم الكامل للقوات المسلحة السورية، أي المؤسسة العسكرية ككل ومن يخدم فيها أو من يكلف بالخدمة فيها.ولكن اختيار الضباط كان موضوعا آخر. فمنذ انقلاب 1963 فوجئ قائد الانقلاب «الجنرال أمين الحافظ» وهو القائد السني، بالعدد الهائل للطائفة العلوية بين ضباط وجنود القوات المسلحة والذي كان غير متناسب مع نسبة طائفتهم من عدد سكان سورية.وما هي الا ثلاث سنوات أيضا الا وأطيح بالجنرال أمين الحافظ من سدة الحكم في انقلاب قام به «العقيد صلاح جديد» الضابط العلوي، والذي لم يحافظ على سدة الحكم هو بدوره اذ أطيح به في انقلاب شنه «الجنرال حافظ الأسد» في ما سمي بـ «الحركة التصحيحية» عام 1970.قام حافظ الأسد بعد 1970 بارساء دعامة نظام انتقائي لضباط القوات المسلحة السورية لم يشمل الضباط الذين كانوا في الخدمة حينئذ، والذين سلموا مناصب قيادية لا تتناسب مع رتبهم ومؤهلاتهم، وانما المرشحون لسلك الضباط.ومنذئذ أصبح %85 من مقاعد الدراسة في «الكلية العسكرية بحمص» وباقي الكليات والمعاهد العسكرية المماثلة محجوز لأبناء الطائفة العلوية والدروز وبعض أبناء الأقليات الدينية الأخرى، وبقيت نسبة %15 فقط من هذه المقاعد محجوزة لأبناء الطائفة السنية وهي التي تمثل في أرقام الكثير من المختصين في الشأن السوري نسبة %76 من عدد سكان سورية.اما المراكز العليا في الجيش وباقي أفرع القوات المسلحة فظلت في يد العلويين.

وبحلول 1987 كان الجيش السوري ممثلا لنسبة %80 من المؤسسة العسكرية، كما ان تمثيل ضباط الجيش السوري في القيادات العليا للمؤسسة العسكرية هذه كان التمثيل الغالب، وحظي الجيش بأفضل الأسلحة والتجهيزات من باقي أفرع القوات المسلحة.وفي عام 1985 بلغ تعداد الجيش السوري 396000 عسكري (جندي وضابط صف وضابط) تدعمه قوة احتياط تبلغ 300000 (globalsecurity.org المرجع السابق).

وهو الذي يدعو للتساؤل كم أثر هذا على التنمية البشرية لسورية باحتجاز هذا الرقم الكبير للقوات المسلحة؟ وماذا كان مستوى اعتماد مئات الألوف من العسكريين هؤلاء على الخدمة في الجيش السوري كمصدر رزق وحيد لهم؟ اذن ماذا نستخلص من هذا الموجز للتاريخ الطويل للقوات المسلحة السورية منذ تأسيسها حتى اليوم؟ الجواب هو أنها قوات تدخل في تشكيلها وقولبتها بالصورة الفجة والقاسية التي نراها أمام أعيننا على شاشات التلفاز ثلاثة عوامل رئيسية: الانتقاء الطائفي من الأقليات وهو عرف بدأ في عهد الانتداب الفرنسي، وكرسه حكم عائلة الأسد منذ 41 عاما بتأسيسه النخبة العلوية كقائدة للقوات المسلحة والأجهزة الاستخبارية والأمنية.

إن الظروف الاقتصادية رجحت انخراط الطبقات الأضعف اقتصاديا في القوات المسلحة.

ان الظروف الثقافية الاجتماعية رجحت انخراط الأقل ثقافة في القوات المسلحة.

اذن فعندما نتكلم فيما بعد عن مدى واقعية احتمال انشقاق القوات المسلحة السورية فاننا يجب ان نأخذ بعين الاعتبار ان موضوع الانشقاق واضح أمام أعيننا بين طرفين: الطرف الأول هو الطرف المستفيد من الحظوة والأفضلية التي ينعم بها تحت النظام، والطرف الثاني هو الغالبية العظمى التي لا تحصل على أفضلية وانما تعد للقيام بالمهمة الأصعب فقط وهي القيام بالدفاع عن سورية وقت الحرب.اذن الشرخ واضح للعيان، وفي الحقيقة ما كان متوقعا في نظرنا ان يقوم النظام السوري باستخدام هذه القوة الجامحة يهذه الصورة المتهورة، التي ما أنتجت شيئا الا زيادة الفرز الواضح لنا بين الطرفين بصورة أكثر وضوحا.

نظام المعركه للقوات المسلحة السورية في عام 2011: هنالك تقديرات مختلفة للقوات المسلحة السورية خاصة القوات البرية التي يطلق عليها «الجيش العربي السوري»، ولذا سوف نحاول تقديم أرقام مختلفة من أجل رسم صورة أقرب للواقع للقوة العسكرية المنتشرة حاليا في مواجهة الحركة الاحتجاجية السورية.اننا نركز هنا على عديد هذه القوات البرية كمشاة وناقلات مشاة ودبابات فقط لأنها هي التي تقوم بعمليات القمع الحالية.وفي هذا الصدد فاننا لا نتكلم عن العدد الكامل من الفرق أو الوحدات المستقلة الأخرى التي تشكل بمجموعها القوات المسلحة السورية، وانما نركز على تلك الفرق والوحدات التي نعتقد ان لها دور في عمليات الأمن الداخلي التي تقوم بها القوات المسلحة السورية اليوم بحسب ما نستخلص من متابعتنا لهذه العمليات.

ينتشر مركز الثقل الأساسي للقوات البرية السورية عادة في قوس في المنطقة المتوسطة بين العاصمة دمشق ومرتفعات الجولان في تشكيل يراد به التصدي لأي تحرك من جانب خصمها التقليدي المحتمل وهو القوات الاسرائيلية، كما تنتشر قوات ذات ثقل تكتيكي أيضا بمحاذاة الحدود اللبنانية والعراقية والسورية أيضا.في منتصف عام 2006 كان عديد هذه القوات في أقل تقدير لها 220000 مائتين وعشرين ألف عسكري موزعين على فيالق، وفرق، وألوية وأفواج مستقلة تحت قيادة رئاسة الأركان السورية.وهنالك تقدير ربما مبالغ فيه يقول بان عديد الجيش السوري لازال عند رقم 396000 عسكري موزعين على ثلاثة فيالق كل منها يضم مابين 6-7 فرق بالاضافة الى وحدات مستقلة.من الممكن ان نضيف هنا أنه في هذا التقدير الموسع للقوات المسلحة السورية فان عديد الفرقة المدرعة السورية هو 8000 عسكري، بينما تضم فرقة المشاة الميكانيكية 11000 عسكري (globalsecurity.org «، Syrian Arab Army»).

وفي هاتين الصورتين الموسعة والمحافظة للقوات المسلحة السورية تقع تحت سلطة رئاسة الأركان مباشرة فرقة الحرس الجمهوري المشاة الميكانيكية، وهي الفرقة الوحيدة المسموح لها بالانتشار في العاصمة دمشق.ومع ذلك فاننا لا نعتقد ان هذه الميزة تقتصر على هذه الفرقة في الظروف الحالية، بل ربما تكون مدعومة بعناصر من فرق أخرى موالية للنظام.وبالاضافة الى فرقة الحرس الجمهوري فان رئاسة الأركان تتصرف أيضا وبصورة مباشرة في نشر واستخدام فرقة النخبة 14 من القوات الخاصة التي ينضوي تحت لوائها كل من الأفواج 1، 2، 3، 4 قوات خاصة، والمنتشرة قرب الحدود اللبنانية ومرتفعات الجولان (R.Bennett، Asia Times، 28 July 2006).

بدا في ذلك الحين ان القوات السورية تعلمت من درس مواجهة 1982 مع اسرائيل فما هو الا عام 1985 حتى بدا تشكيل جديد للقوات المسلحة السورية يظهر للعيان يقسمها الى ثلاثة فيالق كبرى لدى كل منها سلطة استقلالية في التحرك في الميدان عند نشوب مواجهة تقليدية، طبقا لظروف هذه المواجهة.هذه الفيالق الثلاثة هي: الفيلق الأول: وهو فيلق ثقيل مقر قيادته في دمشق ولكنه ينتشر بصورة قوس من درعا على الحدود الأردنية الى الجولان أمام مدينة دمشق، وهو يدير منطقة تحصينات مكثفة من خنادق وحقول ألغام وراجمات قذائف، وصواريخ سطح-سطح قصيرة المدى.

الفيلق الثاني: ينتشر شمال مدينة دمشق ومركز قيادته في الزبداني.

الفيلق الثالث: ومقر قيادته في حلب كما يغطي حماه والحدود التركيه والعراقيه، ومهمته حماية مواقع انتاج الأسلحة غير التقليديه (الكيماوية والبيولوجية)، والصواريخ ومنصات اطلاقها، وساحل المتوسط.

وعند مراجعة هذا التشكيل الرئيسي أعلاه في أغسطس 2010 نرى أنه لم يتغير فيه شيء من حيث بنيته الرئيسية، كثلاثة فيالق رئيسية، متمركزة في المناطق المحددة أعلاه، ومكلفة بالقيام بالمهام ذاتها مع الأخذ بعين الاعتبار أنه دخلت على تسليح الجيش أسلحة جديدة وذلك بفضل اتفاقية للتعاون العسكري مع ايران في عام 2008، يتم بموجبها تمويل ايران لأسلحة متقدمة من روسيا، وقيام الأخيرة ببيع سورية أنظمة تسلح ذات تفوق نوعي على منظومات التسلح التي كانت تبيع سورية في الماضي.

الوطن الكويتية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لعبة الجولان انتهت سوريا… وبدأت إيرانيا/ خيرالله خيرالله

    طرح وزير الاستخبارات الإسرائيلي إسرائيل كاتس قبل أيام فكرة الضغط على الإدارة الأميركية ...