الرئيسية / صفحات سورية / دريد لحام زار لاجئي غزة ونسي لاجئي بلاده ومديرة التلفزيون اعتبرتهم سياحا يزورون اقاربهم!

دريد لحام زار لاجئي غزة ونسي لاجئي بلاده ومديرة التلفزيون اعتبرتهم سياحا يزورون اقاربهم!

 


محمد منصور

أحرجت قناة (الجزيرة) النجم السوري دريد لحام، حين أظهرت لقطات له أثناء زيارته لغزة تحت الحصار، للتذكير بغيابه المخجل عن زيارة مخيمات اللاجئين السوريين في تركيا، وعلى مقربة من الحدود السورية.. في الوقت الذي قامت به الممثلة الأمريكية انجلينا جولي بزيارتها، والوقوف على الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعانيها هؤلاء.. وكانت هذه الزيارة بالطبع، مناسبة دفعت العديد من المحطات الفضائية في العالم، كي تهرع إلى مخيمات السوريين، لتواكب سفيرة النوايا الحسنة، وتلتقط الرسالة الإنسانية التي تحملها سفيرة النوايا الحسنة!.

هذه الاستعانة بصور الأرشيف التلفزيوني من سجل المواقف القومية للفنان دريد لحام، تنعش الذاكرة حقاً… وتؤكد لكل من صارت هذه المواقف بالنسبة لهم شعاراً انتقائياً، أنهم لم يعد بالإمكان خداع أحد، وأن الفنان الحقيقي تظهر الأزمات معدنه الأصيل، وتبلور موقفه النبيل.. فإما يلمس الناس صدقه في كل المواقف، وإما تحشره الأزمة في الزاوية الضيقة التي تنال من مكانته عند أصدقائه ومحبيه قبل المتربصين به.. لأن المسألة هنا ليست تصيداً في الماء العكر، بل هي موقف يصعب تبريره والدفاع عنه!

زيارات صلة رحم!

اللاجئون السوريون إلى تركيا، فراراً من الجيش والاجهزة التي وجهها النظام السوري إلى مناطقهم المشتعلة بالاحتجاجات في جسر الشغور وجبل الزاوية ومعرة النعمان وسواها… لم يعترف بهم الإعلام السوري في البداية. فالسيدة ريم حداد (مديرة التلفزيون السوري التي أقيلت) صرحت للمحطات الفضائية أن هؤلاء ليسوا لاجئين، بل ذهبوا إلى تركيا لزيارة أقاربهم، وربما فاتها أن تستخدم التعبير الاضطراري لمثل هذه الزيارات في العرف الديني أي القول انها: (زيارات صلة رحم)… ولا علاقة لها لا سمح الله باللجوء الذي يشكل فضيحة للمسؤولين!

تصريح أثار سخرية الفضائيات العالمية التي تحدثت إليها أختنا ريم باللغة الإنكليزية، ظانة أنها تتحدث إلى مجموعة من الرفاق البعثيين في دورة محو أمية سياسية.. لكن مذيعي تلك المحطات الشرسين، سخروا منها إلى درجة تشبيهها بوزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف، وإلى درجة أن مذيع سكاي نيوز، قال لها بصيغة افتراضية جارحة: (ماذا لو افترضنا أنك كاذبة) وأتبع فرضيته الصائبة باعتبارها ـ مثلاً ـ تدافع عمن يرتكب الجرائم، وقد تحاسب مثله لأنها ستكون ـ ريم ـ جزءاً منه!

نكات وأكاذيب!

تجاهل الاعلام السوري لقضية اللاجئين السوريين إلى تركيا بداية، ثم محاولته أن يعتم عليها، ثم سعيه لتوجيه الاتهامات المشينة للآلاف المؤلفة منها.. تبقى صورة فريدة من نوعها في تعامل ما يفترض أنه (إعلام وطني) يفترض أن يكون معنياً بها. فعلى قناة (الدنيا) ظهر أحد أبواق النظام ليقول ان هؤلاء يلجأون إلى تركيا، طمعاً بمبلغ العشرين ألف دولار الذي تقدمه تركيا لكل أسرة… لكن استاذ المربعات والدوائر السيد خالد العبود، حاول أن يسكت زميله ويغير الموضوع، خوفاً منه على ما يبدو أن يصدق الشعب السوري هذه الأكذوبة فلا يبقى أحدٌ في سورية.. فهؤلاء يظنون دائماً، أن الناس لا يحركها شيء إلا الدولارات.. لكن مذيع قناة (الدنيا) حول التهمة إلى نكتة.. حين قال: فلنذهب إلى تركيا من أجل دعم الليرة السورية.. نكتة قد يخجل المرء ويشمئز منها، حين يرى صور أولئك اللاجئين وأوضاعهم الإنسانية الصعبة، التي لم تمنع السيد فايز عز الدين في تصريحه لقناة (الجزيرة) من أن يصف هؤلاء بأنهم: عائلات مجرمين وفلول عصابات مسلحة!

الغريب في الأمر.. لا التلفزيون السوري، ولا قناة (الدنيا) تجرأتا على زيارة اللاجئين السوريين في تركيا، وقد تجاوز عددهم العشرة آلاف مواطن، كي تستطلع أوضاعهم، وتجري لقاءات معهم بنفسها بعيداً عن تهويل المحطات المغرضة، وتوصل رسائلهم إلى الوطن الأم عبر ما يفترض أنه (إعلامهم الوطني) فهؤلاء سوريون من طينة أخرى لا يستحقون الحياة من وجهة نظر هذا الإعلام… إنهم ليسوا من حزب (منحبك) ولا من جماعة: (مطرح ما بتدعس وبتدوس نحنا بنوّطي وبنبوس) وربما تعلم إدارة التلفزيون السوري وقناة الدنيا، أنه في مخيمات اللاجئين السوريين، ليس هناك شبيحة يمثلون دور مواطنين كي يقولوا أمام الكاميرات، انهم هربوا من إرهاب الجماعات المسلحة التي روعتهم، وأطلقت النار على الجيش وقتلت عناصر الأمن، وخربت الممتلكات العامة والخاصة.. وربما يدركون أيضاً، أنه لن يسمح لكاميراتهم بأن ترافقها عناصر مخابرات يهددون المتحدثين، ويرغمونهم على أن يقولوا ما يصلح للبث على شاشات الكذب.. ولذلك لم يذهبوا إلى هناك، ولم يكلفوا أنفسهم مشقة السفر، والبعد عن غرف العمليات المتصلة مباشرة بأجهزة الأمن في مكاتب تلك التلفزيونات.. ناهيك عن أنهم يعرفون جيداً، أنهم ـ فيما لو تهوروا وذهبوا ـ فسيرشقون بالحجارة، ويواجهون بالشتائم، وسيعطون اللاجئين فرصة للخروج بتظاهرة تهتف: كاذب… كاذب… كاذب… الإعلام السوري كاذب!

التاريخ إن حكى!

طبعاً الإعلام السوري ليس كاذباً فقط، بل عاجز عن قراءة أبعاد الأزمة، وعن استقراء دلالاتها في سجل التاريخ. هذا التاريخ الذي يقول ان سورية كانت على مر التاريخ، ملاذاً آمناً ومرحباً به للاجئين والهاربين من جحيم الحروب.. فعندما احتل الصليبيبون بيت المقدس هرب مجموعة من المقدسيين وأهالي نابلس، ودخلوا دمشق لاجئين، ليؤسسوا فيها ما عرف بحي الصالحية قبل أكثر من ألف عام.. وعندما حدثت أزمة البلقان والروملي في مطلع القرن العشرين، لجأت مجموعة من أهالي تلك المناطق، وأسسوا في دمشق ما عرف بحي المهاجرين.. وإلى حلب لجأ الأرمن هرباً من المذابح.. وأثناء النكبة استقبلت سورية موجات كبيرة ومتوالية من الأخوة الفلسطينيين، وظلت سورية تفتح ذراعيها للهاربين من الحرب الأهلية اللبنانية على مدى سنوات السبعينيات والثمانينيات، وكانت آخر موجة لجوء للأشقاء اللبنانيين أثناء حرب تموز عام 2006 هربا من آلة القتل الإسرائيلية، وأذكر حينها أن من استقبل هؤلاء ليس النظام الحليف لحزب الله فقط، بل الشعب السوري بكافة أطيافه.. ولن أنسى ما حييت العبارة التي علقت على واجهة مخبز خاص وليس حكومياً في حي المهاجرين كتب عليها: (الخبز مجاناً للأخوة اللبنانيين) وقد رد حزب الله للأسف هذا الجميل للسوريين بتسليم الهاربين من تلكلخ إلى السلطات السورية كي تسومهم القتل والعذاب، وسط إدانة المنظمات الحقوقية لهذا السلوك الذي يتنافى مع كل قيم الجوار، والذي لن ينساه الشعب السوري.

ويستمر مسلسل استقبال اللاجئين، حين فتحت سورية ذراعيها للأخوة العراقيين بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.. ومهما كان الأساس في القرار هو السماح الحكومي، فإن أحداً لا يستطيع أن ينكر أن أخلاق السوريين وحس الاحتضان الاجتماعي الذي لا يعرف التمييز والعنصرية، هو ما كان يشجع على الدوام في أن يجد كل اللاجئين في كل الأزمات، صدراً رحباً يأنسون اليه ويأمنون.

السوريون في ظل هذا النظام صاروا: عزيز قومٍ ذل… ونستطيع أن نتذكر هنا، أنهم لم يعرفوا في تاريخهم الطويل أشكال النزوح واللجوء إلا في ظل هذا النظام.. فعندمنا سقط الجولان بيد الاحتلال عام 1967، وكان المسؤول المباشر عن ذلك هو وزير الدفاع حينها حافظ الأسد، شهدت دمشق وريفها أولى موجات النزوح من الجولان والقنيطرة والأرض السورية المحتلة.. وها نحن اليوم، في ظل نظام بشار الأسد، نرى موجات اللجوء مرة إلى الأردن، قبل أن يبادر النظام إلى إغلاق الحدود، وأخرى إلى لبنان من حدوده الشمالية، قبل أن تتكفل مخابرات الجيش اللبناني بالمهمة، وثالثة إلى تركيا.. قبل أن يخيب أردوغان أمل صديقه فلا يغلق الحدود في وجه هؤلاء الفارين، ولا يعيدهم مكبلين بالأصفاد إلى فروع الأمن وأقبية التعذيب في سورية.. عقاباً على حرصهم على حقهم في الحياة، بدل أن يستسلموا للموت في أرضهم، كي لا يعطوا المحطات المغرضة فرصة تشويه سمعة الوطن.. وكي لا تتحول تلك المخيمات إلى ورقة ضغط دولية على النظام الذي طفش شعبه إلى بلدان الجوار.. وكي لا يتنشق اللاجئون نسيم الحرية والأمان في الأجواء التركية، فيفلت لسانهم بقول الحقيقة.. الحقيقة التي تفيد بان إعلان الإعلام السوري عن أن الجيش قضى على العصابات المسلحة في معرة النعمان وجسر الشغور، لم يطمئن هؤلاء كي يعودوا إلى ديارهم.. لأنهم يعتقدون ان العصابات المسلحة هي تلك التي ينطق التلفزيون السوري وقناة الدنيا باسمها!

ناقد فني من سورية

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...