الرئيسية / كتاب الانتفاضة / بدر الدين شنن / دفاعاً عن الرايات الوطنية

دفاعاً عن الرايات الوطنية


بدر الدين شنن

ليس بغير دلالة مثيرة للمخاوف ، أن ترفع أطراف من المعارضة في تظاهراتها العلم الوطني السوري القديم ، الذي يمثل النضال من أجل الاستقلال وإجلاء المستعمر الفرنسي عن الوطن عام 1946 ، بديلاً عن العلم الوطني الحالي . وهنا يمكن القول ، أنه ربما هناك ، من لم يذهب برفع العلم الوطني السابق ، لاسيما البسطاء من المشاركين في تلك التظاهرات ، أكثر من إعلان تمايزه عن النظام القائم ، ورفض كل ما يتعلق بمضامينه ورموزه . لكن ” النوايا الحسنة ” لدى البعض ، لا تحجب حقيقة الأمر طويلاً ، ولا تحول دون انكشاف هذه الظاهرة ، التي سرعان ما اتضحت للكثيرين ، أن الذي ، قرر ، ورفع العلم الوطني السابق متعمداً ، كان يرمي إلى أشياء مستبطنة أخرى ، هي على مستوى مخطط متكامل ، صار هذا العلم جزءاً منه ، أو على الأصح صار رمزاً له . ثم ما لبث الأمر أن ظهر أكثر وضوحاً ، أنه كان ا ستنساخاً عن مخطط طبقته المعارضة الليبية في صراعها مع نظام العقيد القذافي .

هذا الاستنساخ الذي حصل ، لم يدرس بالعمق جيداً لدى البعض ، ولم تتوازن في تطبيقاته معادلة التوق إلى الحرية والحرص على الوطن ، ولم ’تقيم بشفافية التجربة الليبية ذاتها لدى بعض آخر ، تلك التجربة التي سلكت فيها العارضة الليبية مخططاً تبين أنه مفخخ ” للتخلص ” من القذافي ” بأي ثمن ” . وذلك بدلالة اختطاف حركة المعارضة ” الثورة ” من قبل مجموعات إسلامية إرهابية مسلحة ، وهيمنة أميركا وحلف الناتو على ليبيا وثرواتها ، وبدلالة ما قدمته ليبيا وطناً وشعباً في هذا الصدد من ثمن ، بلغ أكثر من مئة ألف قتيل ومئات آلاف الجرحى والمشوهين والمشردين ، وأكثر من أربعمائة مليار دولار ، لإعادة بناء وتعويض ما دمره حلف الناتو باسم حماية المدنيين من بنى تحتية واقتصادية وعسكرية ومدنية ، وبدلالة أن المحصلة لذاك المخطط ، أن الشعب الليبي لم يبلغ الحرية التي كان يبغيها في صراعه مع نظام القذافي ، وأن ما تحقق ليس أكثر من عملية ا ستبدال هيمنة الاستبداد بهيمنة الدول الغربية الاستعمارية ، مع اختراق الملكية الوطنية للثروة البترولية والسيادة الوطنية وارتهان الجيو سياسية الليبية لمخططات العولمة الإمبريالية .

وفيما يخص العلم الوطني ، لم ترفع ما سميت في البداية بالثورة الليبية علم الاستقلال الوطني بديلاً للعلم الذي كان في عهد العقيد القذافي ، حباً واحتراماً لعلم الاستقلال . بل كان تمايزاً أساء له . فعلم الاستقلال الليبي يحمل قيمه النوعية المتناقضة مع ما استخدم من أجله في عهد ” الثورة ” فهو يرمز إلى المقاومة الوطنية عبر التاريخ المعاصر من أجل التحرر الوطني والاستقلال ، بينما استخدم مؤخراً ليظلل صراعات على السلطة أعادت الاحتلال والهيمنة الاستعمارية إلى البلاد ، ومن ثم لتغطية تدمير حلف الناتو للوطن الليبي . وفضلاً عن ذلك ، فإن ما يمكن تفسيره من عملية رفع علم الاستقلال بديلاً عن العلم الوطني في عهد القذافي ، هو القطع مع ما كان يرمز إليه هذا العلم من بعد قومي ، لأنه كان علم اتحاد الجمهوريات العربية ، الذي كان يضم كل من سوريا ومصر وليبيا ، والذي حافظت عليه ليبيا بعد انفراط عقد الاتحاد العربي المذكور ، بعد توقيع الرئيس المصري السابق أنور السادات معاهدة كامب ديفيد مع إ سرائيل وانسحاب مصر من الصراع العربي الاسرائيلي . ولايمكن في هذا السياق إلاّ أن ’يؤخذ مأخذ الجد ما يدور الآن في الإعلام الدولي ، حول أن هناك خطوات تطبيع يجري الإعداد لها بين ليبيا ما بعد القذاقي وإسرائيل .

ما يعني أن المعارضة السورية ، لاسيما التي ترفع علم الاستقلال متابعة منها لخطى المعارضة الليبية في التغيير ، تدفع بالسؤال ، هل ستظلل هي أيضاً بعلم الاستقلال حراكها وتحقيق أهدافها على النسق الليبي الكارثي .. بدءاً من رفع علم الاستقلال .. إلى ا ستدعاء التدخل الخارجي العسكري الأطلسي عبرمجلس الأمن الدولي أو بدونه .. إلى القطيعة مع المشروع القومي .. وصولاً إلى التطبيع مع إسرائيل ومخطط الشرق الأوسط الجديد ؟ ..

=قبل الإجابة على السؤال ، لاغنى عن إعطاء علم الاستقلال السوري حقه ، وذلك حرصاً على رمزيته النبيلة وقيمه وقدسيته . فهذا العلم قاتلت من أجله الثورات السورية الباسلة في مختلف المدن والأرياف السورية . وأهمها ، ثورة الشمال في حلب واسكندرون وانطاكية التي قادها إبراهيم هنانو ، وثورة الشرق في الرقة ودير الزور التي قادها رمضان شلاش ، وثورة الجنوب في حوران والشام التي قادها حسن الخراط والشيخ محمد الأشمر ، وأبرزها الثورة السورية الكبرى في جبل العرب التي قادها سلطان باشا الأطرش . وفي تلك الثورات والكثير من التمردات والتظاهرات قدم خمسون ألف شهيد دماءهم من أجل أن ’يرفع علم الاستقلال معززاً مقدساً ، ومن ثم ليصبح رمزاً للإرادة والوحدة الوطنية لحماية الوطن واستقلاله .

وإزاء ما يحدث الآن من سوء فهم وسوء تصرف يمس رمزية وقيم وطنية عليا ، لابد من بيان ، لماذا ومتى وكيف غاب علم الاستقلال عن سواري الوطن .

والبيان باختصار هو ، عندما قام رئيس الجمهورية السورية الأسبق شكري القوتلي برفع علم الاستقلال على سارية الدولة السورية في 17 نيسان عام 1946 ، قال ” لن ’يرفع فوق هذا العلم إلاّ علم الوحدة العربية ” . وصدق الرئيس القوتلي . وبالفعل عند قيام الجمهورية العربية المتحدة ، التي ضمت سوريا ومصر عام 1958 ، رفع هو بالذات علم دولة الوحدة ، الذي ما زال مرفوعاً حتى الآن . وظل علم الاستقلال رمزاً مقدساً للحرية ولدماء الشهداء وللاستقلال ، وتماهت رمزيته وقيمه بعلم الوحدة العربية . بمعنى أن لاتفاضل من حيث المبدأ والدلالات القيمية بين العلمين . إذ أن علم الاستقلال لم يكن يمثل فئة أو حزباً وإنما يمثل الشعب كله والوطن كله ، وعلم الوحدة الراهن لايمثل فئة أو حزباً ، وبالتالي هو ليس علم النظام ولم يأت به النظام ، فحزب البعث الحاكم له علمه الخاص به منذ تاسيسه في أواسط الأربعينات في القرن الماضي ، وإنما يمثل أيضاً الوطن كله .. والشعب كله .

في عهد الانفصال ( انفصال سوريا عن مصر عام 161 – 1963 ) لحق بعلم الاستقلال اللغط والإساءة . فقد استبدل الانفصاليون علم الوحدة ( العلم الوطني الحالي ) بعلم الاستقلال ، وذلك تعبيراً عن التخلي عن المشروع القومي وعن الوحدة مع مصر ، الأمر الذي ما تزال سوريا تدفع ثنمه غالياً حتى يومنا هذا . وقد جرى في ذاك العهد إساءات مشينة للعلمين . إذ قام انفصاليون متطرفون بتمزيق علم الوحدة ، وقام آخرون من أنصار الوحدة بتمزيق علم الاستقلال .. وذهب الانفصاليون .. وعاد علم الوحدة .

لذا ، فإن استخدام علم الاستقلال ليظلل فئات معارضة تسير على خطى المخطط الليبي للتغيير ، الذي يستدعي التدخل العسكري الخارجي ، ويتطاول على السيادة الوطنية ، ويدمر البنى العسكرية والاقتصادية والسياسية ، ويفسح في المجال لتغلغل وسيطرة التطرف الإسلامي الإرهابي ولعملاء الدول الغربية للهيمنة على البلاد وإلحاقها بمخططات الشرق الأوسط الجديد والتطبيع مع إ سرائيل ، هو امتهان وخيانة للحرية وللاستقلال معاً .

ما يدعو إلى الخوف من هكذا تداعيات تتزامن وتترافق مع استخدام علم الاستقلال ، ليس هو مجرد خوف من قبيل الأوهام والتهيؤات ، وإنما هو انعكاس ، ملموس ، ومشاهد ، ومقروء ، لمؤتمرات وتجمعات وتصريحات وأفعال تقوم بها فئات ورموز معارضة متعددة ، لاسيما في الأشهر الأخيرة ، حيث تجري الدعوات علناً على صفحات الجرائد الدولية وشاشات التلفزة العربية وغيرها لعسكرة المعارضة ، ومطالبة الدول الكبرى والمجاورة لسوريا لإرسال السلاح والمجاهدين لدعم المعارضة . ومطالبة مجلس الأمن الدولي ” بتحمل مسؤولياته ” أي بالتدخل في الشأن السوري سياسياً وعسكرياً على غرار ما قام به قي ليبيا ، وبخاصة تصريحات رموز معارضة بارزة مثل ، محمد رحال ، وعبد الحليم خدام ، وربرهان غليون ، ورياض شقفة . واللافت في هذه الرموز أكثر من غيره هو برهان غليون الذي تدرجت مواقفه ، من مطالبة النظام بالحوارمع المعارضة على خلفية ، كما قال في مقابلة مع قناة الجزيرة أول الأحداث ، أن لاخلاف بين المعارضة والنظام حول السياسة الخارجية ، إلى المطالبة بمراقبين دوليين .. إلى المطالبة بممرات إنسانية تفرضها قوى دولية .. إلى تقديمه لوزيرة الخارجية الأميركية ” كلينتون ، ” في لقائهما الأخير في فيينا ، خمس صفحات فولسكاب تتضمن شكل وتفاصيل تصور المجلس الذي يمثله للتدخل العسكري الدولي الذي يريده في سوريا ( جريدة الرأي الكويتية 12 / 12 / 2011 )

.. إلى تصريحاته لجريدة ” وول ستريت جورنال الأميركية ” التي تعهد فيها باستعادة الجولان المحتل من قبل إسرائل بالمفاوضات وقطع العلاقات السورية بالمقاومة اللبنانية والفلسطينية .. إلى تصريحاته مؤخراً في تونس التي قال فيها ” أن النظام السوري سيتم إسقاطه بأي ثمن ” . وذلك دون أي إشارة إلى حجم هذا الثمن ، أو إلى تكاليف تصوره للتدخل العسكري المادية والبشرية ، التي على الشعب السوري أن يدفعها من دماء أبنائه ومقدراته وأقداره لإنجاز هذا التصور العتيد ، الذي دون أدنى ريب سيتجاوز ، حسب عدد السكان ومكونات الشعب السوري وما هية النظام ، سيتجاوز أضعاف مضاعفة لما نتج عن التدخل العسكري الدولي في ليبيا .

وليس بحاجة إلى عناء التوصل إلى قناعة ، إن ما يحدث من تحركات مسلحة ميدانية معارضة في غير مدينة سورية هامة ، يصب في هذا ا تجاه ، ا ستدراج التدخل العسكري الدولي ، وتطبيق الحل الأطلسي الليبي في سوريا . وبذلك تنقلب القيم الوطنية التي يمثلها علم الاستقلال .. من رمز لطرد المحتل إلى رمز لاستجلاب المحتل .. من رمز مؤسس للمشروع القومي وتحطيم حدود سايكس بيكو الاستعمارية في المشرق العربي إلى رمز لتكريس تجزئة الوطن العربي وتمزيق البلدان العربية .. من رمز لشهداء الحرية والاستقلال إلى رمز لتقويض الاستقلال والتلاقي مع المشروع الصهيوني ومشروع الشرق الأوسط الجديد .

يمكن لهذه الفئة أو تلك من المعارضة أن تختار علمها ورموزها الخاصة كما هي العادة لأحزاب عديدة عربية وغير عربية ، الآن وفي المستقبل . لكنها لايحق لها أن تصادر رمزاً وطنياً عاماً بهذا القدر من القيمة والقداسة ، لتستخدمه في عملية جذب الأنصار ، وإضفاء طابع ” وطني ” مسبق لحراكها ، وللتعويض عن عجزها أو امتناعها عن التعبير عن هويتها السياسية والاجتماعية . وتجربة الانفصال تحذر أي كان أن يقول أن علم الاستقلال هو من العهد الاستعماري ، أو أن ’يسقط عن العلم الرسمي الراهن قيمته الوطنية ورمزيته القومية . فتحت علم الاستقلال حقق الشعب السوري جلاء المستعمر الفرنسي عن ارضه وانتزع الحرية ، وتحت هذا العلم خاض الجيش السوري حربه الأولى ضد المنظمات الصهيونية في فلسطين ، وتحت علم الوحدة ( الراهن ) بنت سوريا مع مصر اول دولة عربية وحدوية ، مخترقة قروناً من التخلف والقهر الاستعماري العثماني والغربي الرأسمالي ، ومعبرة عن توق عربي عارم للوحدة وبناء دولة كبرى تمنح العرب حقهم في التحرر وفي تبوأ مكانتهم في ركب الحضارة الإنسانية . وهاتان القيمتان لايحق لأحد الانتقاص منهما ، أو التلاعب بهما ، أو استخدامهما في غير ما تمثله من معاني الحرية والاستقلال والوحدة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...