الرئيسية / كتاب الانتفاضة / رزان زيتونة / دمشق: الأحياء محرّرة لكنها محاصرة وقلب المدينة بيد النظام

دمشق: الأحياء محرّرة لكنها محاصرة وقلب المدينة بيد النظام


رزان زيتونة

                      الجيش يُطارد أشباحاً ويعتدي على النازحين

تجري يوميًا عشرات المداهمات العشوائية وحملات التمشيط في مدينة دمشق. جنود بسلاحهم الكامل ينفذون عمليات اقتحام وتفتيش دقيق لأحياء بكاملها. كلمة جنود لا تعني بالضرورة أنهم من عناصر الجيش، الشبيحة وعناصر الأمن أصبحوا يرتدون الزي العسكري ويخرجون إلى مهامهم اليومية بالعتاد الكامل.

والبحث في تلك الجولات، ليس بالضرورة عن مطلوبين بعينهم. في الكثير من الأحيان يتبادر للذهن أنهم يطاردون أشباحًا. يحاولون التأكد أن قلب العاصمة لايزال “محايدًا” على الأقل. فلا مكان للتوهم بأنه لايزال في قبضتهم. سقوط قذيفة في حديقة المدفع بأبو رمانة، أو الهجوم على حاجز “الشويكة” في شارع خالد بن الولد مرتين متتاليتين في ظرف شهر، وأصوات القصف التي أصبحت الضجة الوحيدة في سماء دمشق. ذلك كلّه يجعل من المستبعد سيطرتهم على مركز المدينة رغم المتاريس والحواجز التي تزداد عددا وعدة كل يوم.

لكن يبقى الأكثر وضاعة وتشبيحًا في حملات المداهمة والتمشيط، تلك التي بدأت مؤخرًا تستهدف نازحي بعض الريف الدمشقي. هؤلاء كانوا دائمًا هدفًا سهلاً للحواجز في المدينة. الاعتقال أو منع حرية الحركة على الهوية أصبح أمرًا شائعًا بالنسبة لهم. ابن دوما أو حرستا على سبيل المثال يتجنب المرور على الحواجز حتى لو كان من غير المطلوبين.

 معظم مناطق الريف، خاصة الشرقي منه، أصبحت مناطق محررة من الداخل لكنها محاصرة وتخضع لقصف يومي مجنون لا يوفر مظهرًا من مظاهرة الحياة فيها. معظم السكان نزحوا إلى أرياف أخرى أقل تعرضًا للعنف. قلة قليلة من ميسوري الحال لجأت إلى مركز دمشق. عائلات عدة تربطها صلة قرابة تستأجر منزلاً واحدًا غالبًا ما يكون معظم سكانه من النساء والأطفال.

هؤلاء أصبحوا هدفًا جديدًا لطاردي الأشباح في دمشق ممن يقضون أيامًا لتمشيط حارة تلو الأخرى بيتًا بيتًا. طلب عقود الآجار والهويات الشخصية. وأي عائلة يكون سجلها المدني في إحدى مدن الريف الثائر تلك، تطرد إلى الشارع، من غير إنذار، وبغض النظر إن كانت قد دفعت مقدمًا أجرة المنزل ثلاثة أو ستة أشهر – كما يشترط معظم المالكين، ورغم أن العقود مصدقة أصولاً في المحافظة.

يبدو الأمر عبثيًا إلى حد بعيد. قد يطال حارة دون أخرى أو حيًا دون آخر، من غير أي تبرير منطقي. ومن ناحية أخرى، طالما لم تصدر أوامر بعدم تسجيل العقود بأسماء النازحين من تلك الأرياف، سيبقى توافدهم إلى قلب العاصمة مستمرًا على الوتيرة نفسها. الخيارات محدودة للغاية بعد امتداد المعارك إلى معظم المحيط الدمشقي. ناهيك عن أحياء برزة والقابون وسواها.

إما أن طاردي الأشباح باتوا عاطلين عن العمل بعد أن ضاقت دائرة تحركهم حول العاصمة، أو أنها مجرد رغبة في التشفي بالمدن الثائرة-شبه المحررة- المنكوبة، عبر إذلال أهلها ومحاولة اقتلاعهم مرة تلو الأخرى. وهم ينبتون من جديد بلا توقف. خاصة وأن تربة دمشق أصبحت جاهزة للفصل القادم. كلما علت السواتر والحواجز طابقًا جديدًا، يتأكد أن مثله حفر في قبر طاردي الأشباح.

موقع لبنان الآن

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...