الرئيسية / صفحات الثقافة / دمشق .. كان ياما كان

دمشق .. كان ياما كان


د. نور الله السيّد

قيل إن سفير بريطانيا في دمشق إبان الستينيات من القرن المنصرم قال يوماً بأن دمشق هي أكثر مدن العالم أماناً، فقد كان لك أن تتجول فيها في أي ساعة من النهار أو الليل دون خشية أو خوف من تعرضك لما ينغص عليك تجوالك، زد على ذلك رائحة الياسمين الدمشقي تحملها رطوبة المساء إلى كل أرجاء المدينة، تجعلك تطيل تجوالك وتطيل. باعة الصبار في ليالي الصيف يفترشون أرصفة شوارعها الرئيسية، يحيطون مجالسهم بالحبق، ويدعونك إلى ثرثرة هادئة برفقة كأس شاي ‘خمير’ بعد بضع كلمات تتبادلها معهم عقب استمتاعك بصبارتهم. في أي ساعة من ساعات الليل كان لك أن تتوقف في أي مكان في دمشق لتمضي بعض الوقت، وقتاً لذيذاً يجرك إليه دائماً، يبيح لك القول متحسراً عن دمشق إن غادرتها يوماً: ‘إيه يا شام’.

هذه الدمشق ماتت، فلا أمن اليوم فيها ولا أمان، لا في الليل ولا في النهار، ولا ياسمين ولا رطوبة المساء لتحمله في أي اتجاه، ولا صبارة ولا بائع الصبارة وحبقه المعهود، ولا شايه ‘الخمير’، وأهلها واجمون ماتت في أفواههم حسرات الـ’إيه يا شام’. هاجر من أهلها من هاجر، والتجأ من التجأ، والباقون ينتظرون المجهول. انتظار عمره عشرون شهراً، وقد يمتد لعشرين أخرى وربما أكثر. فملكها أحبها حباً جماً، وقرر ألا يتركها لأهلها، ومن الحب ما قتل! وهي التي ملّكّته نفسها منذ اثنتي عشر سنة متغاضية عن صغر سنه، آملة أن يحقق لها ما كانت تحلم به حينها منذ سبع وثلاثين سنة: كانت تحلم بحرية وكرامة ليس إلا مقابل أن تضمن له الملك دهراً، له ولذريته من بعده. وعندما لم يحقق ملكها الصغير ما كانت تصبو إليه بعد انتظار أكثر من عشر سنوات، انتفضت وانتفضت أطرافها معها مذكرة بما كانت تصبو إليه، فاتهمها بالعقوق وأخذ بتقطيع أطرافها وأوصالها بكل ما أوتي من قوة.

هذه الدمشق ماتت في يوم من الأيام في غابر الزمان، ثم عادت لسابق عهدها في الحياة. احتلها تيمورلنك منذ أكثر من ستة قرون، نكّل بأهلها على مدى ثمانين يوماً، لم يبق فيها لا أخضراً ولا يابساً، مع أنه لم يسمع بالإبراهيمي قتل رجالها واغتصب فتياتها وسفّه مشايختها ومفكريها، وعلى رأسهم ابن مفلح وابن خلدون الشهير الذي كان حينئذ في ضيافتها. يقال إن برج الروس في دمشق سمي كذلك نسبة إلى أكوام الرؤوس التي قطعها تيمورلنك وصنع منها أبراجاً. ولكنه مضى ونسيت دمشق مأساتها، ونسيت هذا التيمورلنك ولم تنس المقصود ببرج الروس، فتيمورلنكها الحالي أعاد لها ذاكرتها.

وقبل تيمورلنك كانت دمشق عاصمة الأمويين، منها انطلقت أكبر الفتوحات في التاريخ العربي الإسلامي، وهي التي جهزت أولى المعارك البحرية العربية، ذات الصواري، التي شارك فيها أبناؤها، مسيحيوها قبل مسلميها في قتال بيزنطة، ومنها انطلقت فتوحات الهند والسند، ويكفيها شرفاً فتح الأندلس. وفيها اشتهر معاوية بن أبي سفيان بحلمه وحنكته تذكرنا بهما شعرته الشهيرة، وبنى دولة ومُلكاً، وزاد أحفاده في الملك ملكاً.

ولكن ملكها الحالي أعاد لها ذكريات تيمورلنك، ظاناً نفسه معاويتها، دهاء وفطنة وذكاء وقوة، وأنه يقود معركة ذات الصواري ضد بيزنطة، بيزنطة الممثلة بأقاليمها: دوما وحرستا وزملكا وحمورية وجوبر وببيلا وتل العصافير وداريا … والميدان والقدم والعسالي والتضامن …، وهو بعض من دمشق وريفها. وسيّر جيوشاً أخرى لمعارك أخرى في بلاد الهند والسند بقرب حمص وحماه ودرعا وإدلب وحلب والرقة ودير الزور ومعرة النعمان… وهو سيّر كل هذه الجيوش لأن أبناء هذه البلاد طالبوا بحريتهم وكرامتهم، فكيف لهم ذلك دون عون بيزنطة والهند والسند وتآمرهم عليه؟ وهو يحتفل بذلك في كل ليلة من ليالي دمشق يعوّضها عن غناء بائعي الصبارة بألعاب نارية طغى صوتها على صوت الرعد، قرر أن تستمر لألف ليلة وليلة تقص شهرزاد على وقعها حكاياها، ولكن شهرزاد أخطأت هذه المرة، فشهريارها هذا لم يكن يبحث عن فتاة يقتلها كل صباح، ولكنه يريد ألا يبقي في دمشقه حجراً على حجر: ‘الأسد أو تدمير البلد’، وقطع كل الشعرات التي تربطه بدمشق.

يقال إن تيمورلنك كان أعـــــرجاً ولكنه كان ثاقـــب النظر، احتل دمشق بالدهاء أكثر منه بالحرب وهو البطاش القاتل الذي حرق حلب مرتين، مرة في الذهاب ومرة في الإياب عائداً إلى سمرقند. ولكن تيمورلنك دمشق الحالي حرق حلب مرة وسيحرقها عند عودته إلى سمرقند. ولكنه لن يعود إليها، لأنه لم يولد فيها، ولن يحرق حلب مرتين، فقد ولد في دمشق وسيدفن فيها . وسيعود كل من مرّ بدمشق مردداً يقتله الحنين: ‘وينك يا شام’، وستعود رطوبة المساء تحمل أريج ياسمينها المنبثق من بين الأنقاض، وستتذكر دمشق تيمورلنكها هذا باعتباره أسوأ من حكمها على مر الأزمان، وسيعود الأمان،… آمين.

‘ استاذ جامعي سوري

القدس العربي

هذه الدمشق ماتت، فلا أمن اليوم فيها ولا أمان، لا في الليل ولا في النهار، ولا ياسمين ولا رطوبة المساء لتحمله في أي اتجاه، ولا صبارة ولا بائع الصبارة وحبقه المعهود، ولا شايه ‘الخمير’، وأهلها واجمون ماتت في أفواههم حسرات الـ’إيه يا شام’. هاجر من أهلها من هاجر، والتجأ من التجأ، والباقون ينتظرون المجهول. انتظار عمره عشرون شهراً، وقد يمتد لعشرين أخرى وربما أكثر. فملكها أحبها حباً جماً، وقرر ألا يتركها لأهلها، ومن الحب ما قتل! وهي التي ملّكّته نفسها منذ اثنتي عشر سنة متغاضية عن صغر سنه، آملة أن يحقق لها ما كانت تحلم به حينها منذ سبع وثلاثين سنة: كانت تحلم بحرية وكرامة ليس إلا مقابل أن تضمن له الملك دهراً، له ولذريته من بعده. وعندما لم يحقق ملكها الصغير ما كانت تصبو إليه بعد انتظار أكثر من عشر سنوات، انتفضت وانتفضت أطرافها معها مذكرة بما كانت تصبو إليه، فاتهمها بالعقوق وأخذ بتقطيع أطرافها وأوصالها بكل ما أوتي من قوة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...