الرئيسية / صفحات سورية / دير الزور: سيرة مدينة سورية في عامين

دير الزور: سيرة مدينة سورية في عامين

 

الشهيد الأول والكتيبة المقاتلة الأولى والانشقاق الأول

دير الزور (سوريا)

تعتبر محافظة دير الزور، وبخاصة ريفها، من أكثر المحافظات السوريّة تسلحاً من الناحيّة الشعبيّة أو العشائريّة؛ حيث توجد فيها أنواع مختلفة من الأسلحة التي زادت، وتنوّعت، خلال الاحتلال الأميركي للعراق في عام 2003؛ إذ كان يُسمح للمتطوعين من أهالي هذه المحافظة، التي تعتبر ثاني أكبر محافظة من حيث المساحة بعد حمص، بالتطوّع للجهاد ضد “الخنازير” الأميركيّة، لدرجة أنّ هناك معركة، جرت داخل الأراضي العراقيّة ضد القوّات الأميركيّة، كان جلّ المقاتلين فيها من “مجاهدي” دير الزور؛ وهي معركة “الفلوجة” الشهيرة؛ بعدما فتح الباب السريّ للتطوّع في المحافظة التي تملك، سوريّا من خلالها، أطول شريط حدوديّ برّي مع العراق، ما جعل القوّات الأميركيّة ترابط على طول تلك الحدود،؛ لمنع تدفق المسلحين وكذلك الأسلحة إلى العراق. وهذا ما سهّل، من جهة أخرى، تهريب السلاح إلى داخل سوريّة، وذلك بالاتفاق مع المفارز الأمنيّة، وحرس الحدود، لقاء نيلها حصّة نقديّة من صفقات السلاح.

عمليات التهريب تلك جعلت السلاح متوافراً للبيع حتى على الأرصفة في محافظة دير الزور، وكان البيع للجمهور علانيّة ولمختلف أنواع الأسلحة، التي كانت تستخدم للصيد والحماية واحتفالات الأعراس؛ فالعرس يختلف من ناحية قوّة السلاح ونوعه من عائلة إلى أخرى، ومن عشيرة إلى أخرى؛ فكانت هناك أعراس يُطلق فيها الرصاص من المسدّسات، وأخرى من الكلاشينكوف، وأخرى من قواذف الآر بي جي.

في بداية الثورة السوريّة، التي انطلقت في 15/3/2011، وحتى تاريخ 28/7/2011 لم تكن هناك مظاهر مسلحة في مواجهة التظاهرات التي خرجت ضد النظام، وبأعداد قليلة نوعاً ما، ومناصرة لباقي المدن المنتفضة. بل كانت تخرج وتتفرّق من دون حدوث مواجهات أو إصابات، سوى ما يليها من اعتقالات كانت تجري في الساعات المتأخرة من الليل.

تهديدات العماد علي مملوك

حضر العماد (أصبح برتبة لواء) علي مملوك، رئيس جهاز المخابرات العامة في سوريّا، إلى مدينة دير الزور في بداية الثورة، والتقى بشيوخ عشائر المنطقة ووجهائها، والعديد من الشخصيّات البعثيّة والمواليّة للنظام، وخلال تقديمه نظرة السلطة للأحداث، أو المؤامرة الكونيّة ضد البلد، مرّر الكثير من التهديدات إلى أهالي المدينة إذا هم وقفوا إلى جانب الثورة. لكن أحد شيوخ العشائر فاجأ العماد، بصراحة فجّة، بأنّ العشائر لو أرادت إسقاط النظام لأسقطته منذ زمن وبسلاحها فقط! ملمّحاً إلى ضعف النظام وضعف قوّته العسكريّة وأسلحته. ولمّا سأله العماد عن نوع الأسلحة الموجودة بحوزتهم، مع سخرية واضحة، وأعدادها، أجابه ذلك الشيخ بأنهم يمتلكون أسلحة كثيرة ومختلفة، ومن ضمنها سلاح (م.ط) المضاد للطائرات! فضحك العماد علي مملوك من فكرة وجود سلاح مضاد للطيران لدى عشائر متخلفة وأمّية، فما كان من شخص آخر إلا أن أوضح له بأن “الخير” في عناصر الأمن وضباطه لدى النظام؛ الذين يرضون بإدخال أيّ شيء للبلد، مهما زادت خطورته أو مخالفته لمهامهم وللقانون، مقابل حصّة نقديّة معينة.

التماثيل أهم من البلد ومن البشر

كان يوجد في مدينة دير الزور تمثالان كبيران، إضافة لملايين الصور الفسيفسائيّة والضوئية والورقيّة للعائلة الحاكمة، للرئيس الراحل حافظ الأسد، في ساحة الرئيس، ولابنه الراحل باسل الأسد، في الساحة العامة.

تمّ إسقاط تمثال الباسل في تظاهرة “الجمعة العظيمة” بتاريخ 22/5/2011 في الساحة العامّة، وتمّ مجابهة ذلك من رجال الأمن بإطلاق النار في الهواء فقط. ويٌقال إنه لم يتم إطلاق النار على المتظاهرين، ومنعهم من إسقاط تمثال الباسل، لأنّ القيادات الأمنيّة لم تكن تعرف، أو تقدّر، ردّة الفعل التي ستحصل من قبل أهالي المدينة عند مقتل أحد من المتظاهرين.

وهكذا بقي تمثال واحد في دير الزور، وهو تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد، في ساحة الرئيس، وصار الشغل الشاغل لعناصر الأمن حماية ذلك التمثال، كما في باقي المدن الأخرى، على حساب حماية المواطنين وأمنهم. وكان يبدو أنه من المسموح لأهالي دير الزور الخروج في التظاهرات في أي منطقة يشاؤون، ولكن مع عدم الاقتراب من ساحة الرئيس، ومن تمثال الرئيس الراحل.

تقع ساحة الرئيس، وهي نفسها ساحة السبع بحرات، بين أحياء الرشديّة وغازي عيّاش والقصور والجبيلة، وتحيط بها مراكز حسّاسة مثل المتحف الوطني، وقيادة الشرطة العسكريّة، وقيادة المنطقة الشرقيّة للجيش والقوّات المسلحة، وفرع المخابرات الجويّة، وهي قريبة أيضاً من فرع الأمن العسكريّ… لذلك كان يُعتبر إسقاط تمثال حافظ الأسد في تلك المنطقة المكتظة عسكريّاً وأمنيّاً، إهانة كبيرة للنظام، ودليل ضعف لهم، وبالتالي قد يؤدّي إسقاط التمثال إلى زلزال يودي بهم، وبمراكزهم القياديّة في الجيش والأمن. من أجل كلّ ذلك، ولحسابات خاصّة بها، أوصلت القيادات الأمنيّة رسائل إلى أهالي المدينة، من خلال المتعاملين معهم، وأصدقائهم من وجهاء المدينة، مفادها أنّ: “التمثال لنا والبلد لكم”. بمعنى آخر. بأنهم لن يُطلقوا الرصاص على أي تظاهرة، مؤيّدة للثورة وضدّ النظام، شريطة أن لا تقترب من ساحة الرئيس، ومن تمثال الرئيس، وبالتالي فهم الناس، من هذا العقد الشفهيّ، أنّ عدم المساس بتمثال حافظ الأسد يعني عدم إطلاق النار عليهم خلال التظاهرات.

خرق الاتفاق والشهيد الأوّل

خرجت تظاهرة جمعة “أطفال الحريّة” في حيّ الجورة بتاريخ 3/6/2011، وكان عدد المشاركين فيها لا يتجاوز /15000/ متظاهر، مع العلم بأنّ عدد المتظاهرين قبلها كان أقلّ من ذلك بكثير. ورغم أنّ التظاهرة كانت بعيدة عن ساحة الرئيس، قام أحد عناصر الأمن العسكريّ بإطلاق رصاصة واحدة، من سلاح الكلاشينكوف، أصابت الشاب معاذ ركاض في عنقه، وأدّت لمقتله على الفور، فتراجع المتظاهرون وتفرّقوا، وقام الأمن بسحب جثة الشاب، بعد أن بقيت تنزف على الأرض لوقت ليس بالقليل.

كان لهذه الحادثة مفعول سحريّ في زيادة التظاهرات، وزيادة أعداد المتظاهرين فيها بشكل متزايد، وكذلك شكلت، فيما بعد، كتيبة، ثمّ لواء، من الجيش الحرّ سُمّي بلواء معاذ ركاض، وهو اللواء الذي يتمركز حالياً في محافظة دير الزور، وشارك مع لواء الفاروق في تحرير معبر تل أبيض الحدوديّ في محافظة الرقة.

تشييع الشهيد الأوّل وشهداء جدد

قام الأمن، في اليوم التالي السبت 4/6/2011، بتسليم جثة الشاب معاذ ركاض لذويه الذين يسكنون بالقرب من كليّة العلوم، في حيّ العرفي، وتوافد الناس إلى هناك، وخرجت تظاهرة قدّر عدد المشاركين فيها بأكثر من عشرين ألف مشارك، واتجهت من كليّة العلوم، سائرة في الشارع العام الذي يُعتبر من أطول وأضخم الشوارع في مدينة دير الزور، نحو الساحة العامة التي تمركزت فيها، حيث سبق أن تمّ إسقاط تمثال الباسل فيه. وخلال ذلك التمركز اتفق منظمو التظاهرة على التوجّه إلى ساحة الرئيس. وبالفعل غادرت التظاهرة الساحة العامة واتجهت إلى ساحة السبع بحرات، وقام المتظاهرون، في طريقهم إلى هناك، بتحطيم مكاتب ومحتويات شركة “سيريا تل” للاتصالات الخلويّة (المملوكة من قبل رجل الأعمال السوريّ رامي مخلوف قريب الرئيس السوري)، ومرّوا بقيادة المنطقة الشرقيّة للجيش والقوّات المسلحة، حيث اكتفى عدد من الجنود، التابعين للقيادة، بمراقبة التظاهرة والمتظاهرين من دون حمل أي أسلحة.

ساحة الرئيس تعتبر مرتفعة عن الشوارع والطرق التي تصبّ، أو تلتقي، فيها، وبالتالي كان بإمكان قوّات الأمن، المتمركزة لحماية التمثال، مراقبة كلّ التظاهرة من الأعلى، والتدخل في الوقت المناسب.

عند وصول مقدمة التظاهرة إلى نقطة قريبة من المكان، قام أحد ضباط الأمن باعتراضها، والطلب من المتظاهرين التراجع ومغادرة المكان. فقام أحد الشبّان، في الثلاثينات من عمره، وهو من السائرين في مقدمة التظاهرة، بإعطاء ظهره لعناصر الأمن، ووجهه للمتظاهرين، وألقى خطاباً مرتجلاً وبصوت جهوريّ، طالباً من المتظاهرين متابعة طريقهم وتحطيم تمثال حافظ الأسد، “لأنّ هذا النظام لن يفهم إلا بالقوّة”، على حد قوله. فتقدّمت التظاهرة من جديد باتجاه التمثال، فردّ عليهم عناصر الأمن بإطلاق النار بكثافة في الهواء، ومن ثم إطلاق الغازات المسيّلة للدموع لتفريقهم، بمؤازرة من عناصر كتيبة حفظ النظام؛ الذين هجموا على المتظاهرين وضربوهم بالهراوات. ومن أجل تفريق التظاهرة نهائيّاً قام أحد عناصر الأمن بإطلاق النار مباشرة على رأس الشاب محمد راغب الصيّاح (في الخامسة والعشرين من عمره)، بينما استهدف أحد القنّاصين رأس الشاب عبد المنعم الحبشان (في الثلاثينات من عمره)، وهو على دراجته الناريّة، ويعتبر أحد منظمي التظاهرات، وأرداه قتيلاً على الفور. إضافة لإصابة الكثير من الشبّان بجروح مختلفة.

في مساء ذلك اليوم اتصل العميد الركن جامع جامع، الذي يحمل رتبة لواء الآن، قائد الأمن العسكريّ في المنطقة الشرقيّة، بوالد عبد المنعم الحبشان، الذي ينتمي لعشيرة كبيرة في عددها ومصاهراتها، طالباً منه تهدئة النفوس، وبأنه مستعدّ لتسليمه قاتل ابنه. فرفض والد الشهيد هذا العرض، مشدّداً على أنّ مَن قتل ابنه ليس فرداً، وبأنّ رفاقه من المتظاهرين سيأخذون ثأر، ابنه عاجلاً أم آجلاً.

في الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد 5/6/2011 كان تشييّع ودفن الشهيد معاذ ركاض. بينما تمّ تشييّع الشهيدين الصيّاح والحبشان في الساعة الرابعة من عصر ذلك اليوم. وفي هذا التشييّع الأخير انتفضت دير الزور؛ إذ شارك في التشييّع أكثر من مئة ألف شخص، من داخل المدينة وريفها.

خلال التشييّع لم تكن هناك أي مظاهر أمنيّة؛ فقد انسحب رجال الأمن من كلّ مكان في المدينة، فيما عدا دوريّة واحدة بقيت كحامية لتمثال الرئيس، إلى داخل الفروع والثكنات.

مقبرة شهداء الحريّة

هناك تفصيل لا بدّ من المرور عليه؛ ففي صباح التشييّع ظهر شخص اسمه قيصر آصف هنداوي، سيصبح فيما بعد نائب رئيس المجلس العسكري وقائد لواء درع الفرات في الجيش السوريّ الحرّ، وقال لأهالي الشهداء الثلاثة بأنه يمتلك قطعة أرض في منطقة المقابر، مساحتها ثمانية دونمات، وبأنه تبرع بها لتكون مدفناً لشهداء التظاهرات، وبأنه سيقوم بوضع سور للمقبرة، ووضع لافتة كبيرة سيُكتب عليها :” مقبرة شهداء الحريّة”. فوافق أهالي الشهداء على دفن شهدائهم في تلك المقبرة الجديدة.

بعد انتهاء دفن الشهيدين حصلت حادثتان مختلفتان: تتمثل الأولى في ذهاب /5000/ من المتظاهرين إلى مشفى “النور” الخاص، حيث عولج الجرحى، على حساب إدارة المشفى، وجلسوا أمام واجهة المشفى، وردّدوا هتافات وشعارات تحيّي موقف صاحب المشفى وأطبائه من جهة، وتدعو الأطباء إلى الالتحاق بالثورة كأطباء أحرار، من جهة أخرى.

هذه اللفتة من مشفى النور الخاص، ومن الاعتراف بالجميل من شباب الثورة بدور الأطباء، سارعت في صدور بيان تضامني من أطباء دير الزور مع مطالب الثورة، وحقوق الشعب في الحريّة، مع التعهّد بمعالجة كل الإصابات التي قد تحدث في التظاهرات مجاناً وعلى حساب أصحاب المشافي الأربعة الذين وقعوا على هذا البيان؛ وهم أصحاب مشفى النور ومشفى السعيد ومشفى السّاعي ومشفى السيّد.

استمرّ ذلك المشهد أمام مشفى النور الخاص ما يُقارب السّاعة، ثمّ توجّه أولئك المتظاهرون إلى الساحة العامة، حيث تمّ سابقاً إسقاط تمثال الباسل فيه ووضع سارية عالية بدلاً منه تنتهي بعلم ضخم للجمهوريّة العربيّة السوريّة، فقاموا بإنزال العلم الرسميّ ورفع علم الاستقلال بدلاً منه؛ حين لم يكن هذا العلم قد انتشر بعد، بشكل كبير في التظاهرات التي كانت تخرج كلّ يوم جمعة.

أمّا الحادثة الثانية فكانت في اجتماع العميد جامع جامع مع وجهاء مدينة دير الزور، مساء ذلك اليوم، والطلب منهم التدخل لتهدئة الشباب، ومنعهم من الخروج في تظاهرات “ضدّ الوطن”. إلا أنّ وجهاء المدينة ردّوا بأنهم وجهاء البلد صحيح ولكنهم لا يملكون البلد، ولا يستطيع أحد منهم التأثير على قرار الشباب الثائرين في الخروج في التظاهرات من عدمه.

مفاجأة تمثال حافظ الأسد

في الساعة الخامسة من فجر الاثنين 6/6/2011 ذهبت رافعة ضخمة كي تزيل تمثال الرئيس الراحل حافظ الأسد من ساحة السبع بحرات، وقد أشرف على العمليّة كاملة العميد جامع جامع، وطائرة هيليوكوبتر كانت تساند المجموعة المكلفة بإزالته من الجو. وعندما ربط التمثال بحبال معدنيّة والبدء بإزالته، انزلق أحد الحبال من الرافعة وسقط التمثال على الأرض وتحطم! وتمّ الاحتفاظ بحطام ذلك التمثال، الذي أجبر الثوّار السلمييّن السلطات على إزالته، في مستودع متحف دير الزور.

ورغم أنّ التظاهرات ظلت تخرج بشكل أسبوعي، كلّ جمعة، في الساحة العامة، وبمشاركة لا تقل عن /50,000/ مشارك، إلا أنّ شباب الثورة شعروا بأنّ غضب الشارع قد خفّ بعد إزالة التمثال، فبدأ شباب الثورة يُفكرون بمبادرة جديدة، لضخّ التجديد في التظاهرات، وزيادة ضغطها في إسقاط النظام نفسه. ومنذ التحاق الشباب بركب الثورة السوريّة، كانت تُقابل كلّ بادرة جديدة من شباب الثورة بعنف متزايد من السلطات.

اعتصام جامع عثمان بن عفان

كانت البادرة الجديدة من شباب الثورة هي الدعوة لاعتصام مسائيّ دائم في الساحة المقابلة لجامع عثمان بن عفان بعد انتهاء صلاة العشّاء.

طوال الأيام الثلاثة الأولى، للاعتصام المذكور، كان عناصر الأمن يتواجدون، في سيّاراتهم بعيّداً عن مكان الاعتصام. ولكن في اليوم الرابع تمّ الهجوم من قبل شبيحة النظام، الذين كانوا مسلحين بالمسدسات والعصيّ والسكاكين، لتفريق الاعتصام بالقوّة. إلا أنّ أولئك الشبيحة تعرّضوا للضرب المبرّح من قبل المعتصمين؛ بسبب تعاظم أعداد المعتصمين من فور سماع الأهالي بتدخل الشبيحة واعتدائهم على المعتصمين. ومع تكرار تعرّض الشبّيحة للضرب قرّر الأمن التدخل بعناصره المسلحة لإنهاء الاعتصام بالقوّة. ونجح في ذلك.

إلا أنّ شباب الثورة ردّوا بمبادرة جديدة؛ وهي الاعتصام المستمرّ، ولكن المتنقل من ساحة لأخرى؛ فكان في كلّ مساء هناك اعتصام ولكن في مكان يتغيّر كل يوم.

الانشقاق الأوّل

في جمعة الشيخ صالح العلي بتاريخ 17/6/2011 خرجت تظاهرة مؤلفة من أكثر من سبعين ألف مواطن، وجابت كالعادة شوارع المدينة، وعندما مرّت من أمام مقرّ الهجّانة، إدارة تجنيد المنطقة الشرقيّة، هتف المتظاهرون بأنّ “الشعب والجيش يد واحدة”، مع الهتاف التاريخيّ بأنّ “الشعب يريد إسقاط النظام”. خرج من البوّابة الكبيرة للهجّانة ضابط، برتبة ملازم أوّل، غير مسلح، مع خمسة من العناصر المسلحين بسلاح الكلاشينكوف. وعندما مرّت مجموعة من المتظاهرين يحملون علماً كبيراً، رسميّاً، أعطى الضابط إيعازاً لعناصره بالاستعداد، ومن ثمّ بأداء التحيّة العسكريّة؛ حيث ظلوا مؤدّين التحيّة حتى مرور نهاية التظاهرة، فما كان من المتظاهرين إلا أن هتفوا “الله محييّ الجيش”، قبل أن يتبناها موالو النظام في مسيراتهم المضادّة.

في هذه الأثناء جاءت سيارتان ممتلئتان بالجنود المسلحين، تابعة للأمن العسكريّ، وفتحت البوابة الكبيرة للهجّانة من جديد، لتخرج منها سيارة عسكريّة، يُعتقد أن مديرها كان قد خرج في تلك السيّارة، ثم دخلت السيارتان بعد أن طلبت من الضابط وعناصره الدخول إلى داخل إدارة الهجّانة. وبعد إغلاق الباب من جديد، سُمع، بعد مدة ثلث ساعة إطلاق نار داخل الهجّانة، يشتبه في أنه تمّ تصفية الضابط وعناصره الخمسة ميدانيّاً رمياً بالرصاص، وإذا صدق هذا التوقع، ونسبته كبيرة، يكون قد تمّ القضاء على أول انشقاق كان من الممكن حدوثه في الجيش.

شهيدان جديدان… ودير الزور تنتفض

عندما دخلت سيّارتا الأمن العسكريّ، والضابط وعناصره الخمسة، إلى داخل الهجّانة، قام عدد من المتظاهرين بتكسير اللوحة السيراميكية الكبيرة، لحافظ الأسد وولديه باسل وبشار الأسد، والتي تقع مقابل الباب الرئيسيّ لقيادة الهجّانة، وأثناء تكسير اللوحة سُمع إطلاق النار داخل الهجّانة، ثمّ قام قناص بقنص وقتل كلّ من الشّابين حسّان الدخول وعمر خرابة. فانسحبت التظاهرة مع جثماني الشهيدين إلى منازل ذويهما.

في الساعة الرابعة من عصر اليوم التالي السبت كان التشييّع، وانتفضت دير الزور من جديد؛ لتخرج في تظاهرة تشييع شارك فيها أكثر من مئتي ألف مشيّع، وتمّ ملء أربع دوّارات، كليّة العلوم والمدلجي والدلّة والمقابر، وأربع أوتوسترادات، البوسرايا ونادي الضباط وبور سعيد والانطلاق القديم، وشاركت فئات للمرّة الأولى؛ كالأطباء الأحرار بلباسهم الأبيض، والمحامين الأحرار بثوب المرافعات، ودكاترة جامعة الفرات الخاصّة، وتجمّع الشيوعييّن الأحرار، إضافة لأعداد كبيرة من النساء والشيوخ.

وبسبب الجوّ الحارّ الذي تتمتع به مدينة دير الزور، كمدينة صحراويّة، في ذلك الوقت من السنة، كانت النسوة يرششن المتظاهرين بخراطيم المياه من الشرفات، إضافة للزغاريد ورمي السكاكر والشوكولاتة، لإنعاش المتظاهرين من القيظ.

اعتصام المدلجي للثوّار وخيمة المؤيّدين

قرّر شباب الثورة طرح بادرة جديدة، مشابهة لبادرة سابقة تمّ إنهاؤها بقوّة السلاح، وهي اعتصام مسائيّ دائم في ساحة المدلجي؛ حيث تمّ تجهيز المكان بأجهزة الصوت والكراسي، وتقديم مقطوعات غنائيّة وموسيقيّة، تمجّد الثورة، مع عرض لقطات فيديو لتظاهرات المدينة والمدن الأخرى.

وظلّ هذا الاعتصام مستمرّاً بشكل يوميّ، وبمشاركة لا تقلّ عن /30,000/ مشارك، إلى تاريخ 28/7/2011 وهو تاريخ بدء العصيان المدنيّ.

على بعد أقلّ من كيلومتر من مكان الاعتصام الخاص بالثوّار، أقام مؤيدو النظام، من البعثييّن والمستفيدين والأمن والجيش، خيمة خمسة نجوم لتبجيل القائد والهتاف بحياته، وكان يتمّ إطعام الناس هناك وتسليتهم بوجود مطربين وراقصات.

الإضراب الشامل وتغيير المحافظ ودخول الجيش

ازدادت أعداد المشاركين في التظاهرات بشكل لافت؛ ووصلت لأكثر من خمسمئة ألف متظاهر، تزامناً مع تظاهرات ساحة العاصي في حماه، في جمعة أحفاد خالد بن الوليد وجمعة ارحل. وهذا ما أدّى إلى ازدياد غضب السلطات الأمنية المحليّة، وكذلك سلطات العاصمة دمشق.

في يوم الخميس 21/7/2011 تم تنفيذ إضراب شامل ناجح في مدينة دير الزور، تضامناً مع ثوّار حمص المحاصرين في مدينتهم، فأقفلت كافة المحلات والمدارس والإدارات العامة…، ونزل عناصر الأمن العسكريّ إلى الشوارع، وقامت بتكسير أقفال المحلات وواجهاتها، وأشرف على ذلك اللواء جامع جامع الذي قتل أحد الأشخاص، من عائلة زمزم، في الشارع بمسدسه الشخصي.

تمّ إعفاء محافظ دير الزور حسين عرنوس، الذي كان يلعب دوراً جيّداً ونشطاً في تهدئة الشارع، والتدخل لدى القيادات الأمنيّة لتخفيف عنفها ضدّ المتظاهرين، وذلك بعد يومين فقط من الإضراب الشامل؛ وتعييّن السيّد سمير الشيخ محافظاً جديداً لدير الزور، وهو مدير سجن عدرا سابقاً. وفي أوّل تصريح له، لمن التقاه من وجهاء المدينة، هدّد بقتل كلّ المعتصمين في ساحة المدلجي، إذا لم ينهوا اعتصامهم، وبأنه سيحرث تلك الساحة ويقلب عاليها سافلها.

في تلك الأثناء بدأ ترويج الإشاعات في الشارع بأنّ الأمن سيُهاجم الحارات، ويقتل ويعتقل وينتهك الأعراض، فما كان من أهالي كلّ حيّ سوى وضع حواجز، من إطارات وأخشاب وحجارة، في مداخل الحارات، وحراستها من قبل شبّان مسلحين بالسكاكين، وبنادق صيد على أكبر تقدير.

الأمن، من جهته، قام بافتعال اشتباكات وهميّة، من تاريخ 28/7/2011، وهو تاريخ انتهاء اعتصام المدلجي، وحتى تاريخ 1/8/2011، في حيّ الجورة، وإشاعة وجود عصابات مسلحة في مدينة دير الزور، وبالتالي إباحة اجتياح الجيش للمدينة، كما جرى في كلّ المدن السوريّة المنكوبة، بحجّة وجود نداء من الأهالي للجيش بدخول المدينة وتخليصهم من العصابات الإرهابيّة المسلحة.

الاقتحام الحقيقي للجيش إلى المدينة كان في يوم الأحد 7/8/2011، عندما جاءت /356/ مدرّعة ودبابة، دخل منها إلى الأحياء الداخلية /80/ مدرّعة. ومنذ ذلك التاريخ وحتى يوم 14/8/2011 قتل أكثر من /184/ شخصاً في دير الزور، واعتقل ما يُقارب /25000/ شخص.

الكتيبة المقاتلة الأولى وضرب الحواجز

مع تزايد العنف من قبل الأمن، ودخول الجيش، بدأ ضرب الحواجز عن طريق أفعال فرديّة، ومنها ما قام به الشهيد الشاب “مرعي الحسن”؛ فقد ركب خلف صديق له على دراجة نارية، معطياً ظهره للسائق، وقتل بمسدسه الشخصيّ خمسة عناصر أمنيّة على حاجز الدلة، في مدخل المدينة، في يوم “جمعة الصبر والثبات”، وقُتِل أيضاً مرعي الحسن، وأصيب صديقه برصاصة في ساقه، الذي تمّ اعتقاله ثم اختفى منذ تاريخ تنفيذ العمليّة بتاريخ 26/8/2011 وحتى الآن.

هذه العمليّة كانت الفاتحة لتشكيل مجموعات صغيرة، من ست دراجات ناريّة، تقوم بضرب الحواجز بالديناميت أو الرصاص، إلى أن تمّ تشكيل أوّل كتيبة مسلحة في دير الزور تحمل اسم “كتائب محمّد”، في 27/1/2012، بقيادة طالب الدكتوراه في اللغة الإنكليزيّة، ومدرّس الأدب الإنكليزيّ في جامعة الفرات الخاصة، الشهيد خليل البورداني.

المستقبل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...