الرئيسية / صفحات الرأي / ديكارت والمعركة الخطرة مع الذات!

ديكارت والمعركة الخطرة مع الذات!

 


هاشم صالح

قلنا سابقا بأن أستاذ الغرب الثاني بعد فرانسيس بيكون هو ديكارت.وهذا ما عرفه أصدقاؤه الباريسيون عندما توسموا فيه علائم العبقرية.قال له أحدهم ربما كان الأب ميسرين:اننا نعتمد عليك لاكمال مشروع بيكون والحلول محله في هداية البشرية الاوروبية على درب الحقيقة.ونصحوه بأن ينتبه الى نفسه بل ويغادر البلاد لانه سيصبح مهددا حتما. فلا يمكن لشخص في مثل ذكائه وعبقريته ان يعيش مرتاح البال. عاجلا او آجلا سوف ينتبهون اليه وتحوم حول رأسه الأخطار.عاجلا او آجلا سوف يضطر للدخول في معركة مكشوفة مع العقيدة السائدة والقوى الجبروتية التي تدعمها..

وهذا ما فعل.فقد عاش معظم حياته خارج بلاده الأصلية فرنسا التي كانت آنذاك كاثوليكية استبدادية أصولية. ولم تكن تسمح بحرية التفكير مثل هولندا وبلاد الشمال البروتستانتية.أين تكمن عظمة ديكارت؟ في انه خاض المعركة مع نفسه حتى العظم وخرج منها منتصرا! هناك أناس يغرقون على الطريق ولا يصلون الى أي نتيجة. ليس في كل مرة تسلم الجرة..نعم لقد خاضها مع نفسه بكل جرأة وشجاعة قبل ان يخوضها مع العالم الخارجي القروسطي ويقينياته الراسخة.لقد وصل الى الحقيقة،الى “برد اليقين” بعد شكوك هائلة اوهائجة كادت ان تعصف به وتفقده عقله كليا.وبالتالي فالشخص الذي أسس العقلانية الحديثة كان في لحظة من اللحظات على حافة الجنون..من يصدق ذلك؟ هو نفسه يعترف به. فمن كثرة ما شك ونهشه الشك وتعذب في جحيم الشك كادت ان تميد من تحت قدميه الارض. هكذا نلاحظ ان مؤسس العقلانية الفرنسية والاوروبية كلها لم يكن عقلانيا الى الحد الذي نتصوره.بل وأوشك في بعض اللحظات ان يقلب في الجهة الأخرى من سفح الجنون(1)..

ولكنه أنقذ في آخر لحظة عندما لمعت الحقيقة أمام عينيه كنور وهاج.لقد أعطته نفسها،هي التي لا تعطي ذاتها الا للعشاق الكبار.. لقد وصل ديكارت أخيرا،وصل الى الارض الصلبة، الى القارة الجديدة. ولم يعد مخشيا عليه.وكم كانت فرحته عارمة آنذاك،كم تنفس الصعداء،كم شكر العناية الالهية، وربما خر مغشيا عليه(2). عندئذ عرف انه هو المسؤول عن قيادة الغرب على درب الخلاص واعطائه المفتاح والمنهاج الصحيح للخروج من الظلمة المعتمة والتخبط الكبير. وهكذا أعطانا درسا حقيقيا في ضرورة خوض المعركة مع الذات على المكشوف أيا يكن الثمن الباهظ المدفوع.وأقصد هنا الذات الشخصية والذات الجماعية على حد سواء. والحقيقة ما هي الا محصلة لهذا الصراع الداخلي،لهذا المخاض العسير.الوحي هو انفجار داخلي يهز الأعماق والأقاصي.ولكن ديكارت ككل الأنبياء والفلاسفة الكبار شعر بأنها نزلت عليه من فوق كوحي صاعق منقذ.وشكر العناية الالهية على هذه الهدية التي لا تقدر بثمن.

لتوضيح فكرتي اكثر سوف أقول ما يلي:نحن نميل عموما الى اتهام الآخرين بأنهم متخلفون او متعصبون او طائفيون او عنصريون او همجيون الخ..ولكن نادرا ما ان نتهم أنفسنا بكل ذلك او ببعضه. نادرا ما يخطر على بالنا السؤال التالي: وماذا لو كنا نحن الطائفيين والعنصريين؟ماذا لو كانت تربيتنا البيتية،تربية آبائنا وأجدادنا خاطئة، مليئة باليقينيات الثبوتية والاحكام المسبقة التحيزية؟انها تكتفي بتمجيد الذات الطائفية واحتقار كل الطوائف الأخرى معتقدين بذلك أننا نمتلك الحقيقة المطلقة.هذا شيء لا نتجرأ اطلاقا على طرحه لانه يزعزعنا من الداخل،يدخلنا في معركة مع أنفسنا،مع ما انغرس في أعماقنا منذ نعومة أظفارنا،مع أعز ما فينا او لدينا. من أسهل السهل اتهام الآخرين ولكن من أصعب الصعب اتهام الذات.وهذا بالضبط ما فعله ديكارت.فقد اتخذ في لحظة من اللحظات قرارا جنونيا:وهو ان يشك في كل الافكار السابقة التي تشربها مع حليب الطفولة من عائلته وبيئته ومذهبه ومدرسته وأساتذته..قرر ان يمسح مسحا كل ما تعلمه سابقا لكي يبني يقينياته على ارض جديدة،ارض صلبة متماسكة موثوقة.لذلك قال عنه هيغل بأنه كان البطل المقدام للفكر.هيغل يعرف عما يتحدث لأنه كان هو ايضا من هذا الطراز.

لقد وصل الأمر بديكارت الى حد انه راح يشك حتى في الكرسي الجالس عليها او في الطاولة الموجودة أمامه! وفي بعض اللحظات كاد ان يفقد عقله من كثر ما شك(3).راح يشك في وجود العالم الخارجي كليا. ولكنه في نهاية المطاف وبعد معركة هائجة مع نفسه توصل الى اليقين التالي:وهو انه اذا كنت أشك وينهشني الشك ويؤرقني ويعذبني فانه لا يمكن ان أشك في أني أشك!من هنا العبارة الشهيرة او الكوجيتو:أنا أشك،فأنا أفكر ،فأنا موجود.هذه هي الحقيقة الراسخة التي توصل اليها ديكارت وبنى عليها كل نظامه الفلسفي.لقد توصل الى حقيقة تستعصي على كل شك بما فيه الشك الراديكالي نفسه. توصل الى ما يلي:وهي انه اذا كنت أفكر،وحتى لو كنت أشك،فانه ينبغي ان أكون شيئا ما،ينبغي ان أكون موجودا لكي أشك.ربما كنت مخطئا او مخدوعا باستمرار،وربما كانت كل أفكاري خاطئة،ربما كنت مخدوعا من قبل عبقري خبيث وماكر يضحك علي.ولكن لكي أخطيء ولكي أُخدع ينبغي أن اكون شيئا موجودا على الاقل!لا يمكن ان أكون مخدوعا الا اذا كنت موجودا..واذن فهناك قناعة تستعصي على كل شك بما فيه الاكثر راديكالية:وهي انني شخص موجود عن جد!هذه هي الحقيقة الصلبة التي لا تتزحزح ولا تتزعزع:انها الكوجيتو.أنا ذات موجودة،أنا ذات مفكرة،أنا ذات قادرة على التوصل الى الحقيقة اذا ما عرفت كيف أستخدم عقلي بشكل منهجي، صحيح.

عن تجربة الشك الراديكالي التي عاشها ديكارت سوف تظهر لأول مرة في تاريخ الفكر ثلاث أفكار كبرى مؤسسة للفلسفة الحديثة.انها أفكار مدعوة لمستقبل هائل. هذا ما يقوله لوك فيري في تحليل مضيء(4).

الفكرة الاولى:اذا كان ديكارت قد توقف عند مسألة الشك كثيرا وقلبها على كافة وجوهها فلم يكن ذلك من قبيل التسلية الفكرية اوالالعاب البهلوانية! وانما لأنه كان يريد ان يتجاوز جحيم الشك بعد ان يدفع ثمنه بغية التوصل الى حقيقة جديدة او يقين جديد او قارة معرفية جديدة.ينبغي العلم بأن ديكارت عاش في فترة شهدت انهيار كل اليقينيات الراسخة.لقد ظهر بعد كوبرنيكوس وكيبلر وغاليليو وكل الثورة العلمية الحديثة التي أطاحت بيقينيات العالم القديم: أي بالعلم الارسطوطاليسي-البطليموسي الذي خلعت عليه المسيحية مشروعيتها اللاهوتية او الالهية.(وهذا ما يدعى بالفلسفة السكولائية التي بلورها القديس توما الاكويني وسواه وسيطرت على القرون الوسطى حتى مجيء ديكارت. وكانت تفرض نفسها كحقيقة مقدسة معصومة من يشك بها فكأنه يشك بالمسيحية ذاتها وليس فقط بأرسطو وبطليموس.وبالتالي فمصيره الذبح.لهذا السبب نصحه أصدقاؤه بأن يغادر فرنسا لانهم عرفوا بشكل مسبق انه سيشتبك معها وسيتعرض لخطر الاغتيال ما ان يكتشف اللاهوتيون حقيقة أمره)(5). فاذا كانت البشرية قد أخطأت طيلة ألفي سنة متوهمة بأن الشمس هي التي تدور حول الارض وليس العكس فلماذا لا تخطيء بكل شيء؟ لم يعد أي شيئ مضمونا بعد الآن. ما عدنا قادرين على الثقة بأي شيء.وبالتالي فتجربة الشك لم تكن مجانية على الاطلاق وانما كان لها ما يبررها في ذلك الزمان.فلم نعد نصدق أي شيء بعد انهيار حقائق ويقينيات كانت راسخة رسوخ الجبال.ونحن مضطرون منذ الآن فصاعدا للشك بكل الافكار والمقولات وتمحيصها وتقليبها على كافة وجوهها قبل ان نقبلها او نرفضها.هذا هو أول درس علمنا اياه رينيه ديكارت.

أما الفكرة الكبيرة الثانية المترتبة على اكتشافه الفلسفي الكبير فهي أشد خطورة من الاولى.وهي انه ينبغي مسح الماضي مسحا والانطلاق من نقطة الصفر! لا اكثر ولا أقل!من هنا راديكالية ديكارت ونزعته الانقلابية التي لا تكاد تصدق بالنسبة لذلك الزمان.فهو يبدو لنا الآن واقعيا،عقلانيا،رصينا،بل وحتى امتثاليا،عاديا بعد مرور اكثر من ثلاثة قرون ونصف على موته وبعد استيعاب فلسفته وامتصاصها من قبل الغرب.ولكن لنتموضع ولو للحظة في زمنه: عندئذ سندرك انه كان عبارة عن قنبلة موقوتة انفجرت فجأة في سماء البشرية الاوروبية. فقد راح يطرح أسئلة من هذا النوع؟ماذا لو كانت كل أفكارنا وهما من الأوهام؟ماذا لو كانت كل الأفكار التي تلقيناها عن العائلة والمدرسة والكهنة والكنيسة كلها خطأ في خطأ؟ولكن عندئذ يطرح سؤال آخر نفسه:كيف يمكن تغييرها او التخلي عنها بعد ان رضعناها مع حليب الطفولة وعشنا عليها ردحا من الدهر؟ لقد أحببناها وتبنيناها وأصبحت جزءا لا يتجزأ منا. نقول ذلك ونحن نعلم ان العلم في الصغر كالنقش في الحجر:أي يصعب اقتلاعه وأحيانا يستحيل.فليس كل الناس عباقرة لكي يخوضوا هذه المعركة الشرسة،والخطرة جدا على التوازن السيكولوجي،مع أنفسهم.ليس كل الناس رينيه ديكارت.بل وحتى هو أوشك في لحظة من اللحظات كما قلنا على ان يفقد عقله كليا ويجن بسبب هذا الاشتباك الضاري مع الذات(6).

 

ديكارت أبو الثورة الفرنسية:

اعتاد الناس على القول بأن جان جاك روسو هو الأب الروحي او الفكري للثورة الفرنسية بالاضافة الى مونتسكيو وفولتير والموسوعيين ومعظم فلاسفة التنوير.وهذا صحيح الى حد كبير.ولكن لا ينبغي ان ننسى ان الأب الفكري لكل هؤلاء كان ديكارت نفسه.وبالتالي فاذا كان روسو هو الأب المباشر او الأقرب للثورة الكبرى فان ديكارت هو الأب الأبعد او اللامباشر(7).وذلك لأنه اخترع المفهوم الحديث للثورة الانقلابية الراديكالية التي تمحو الماضي محوا وتحررنا من تراكماته ويقينياته.ولذلك لم يخطيء توكفيل عندما قال بأن اليعاقبة الذين دشنوا الثورة وحطموا سجن الباستيل وأطاحوا بالعهد الملكي الاصولي الاستبدادي القديم كانوا بكل بساطة عبارة عن “ديكارتيين خرجوا من مدارسهم ونزلوا الى الشارع”(8).

كيف نفهم عبارة توكفيل هذه؟ يمكن القول بأن الثوار الفرنسيين أحدثوا في الواقع التاريخي والسياسي نفس العمل الذي أحدثه ديكارت على الصعيد الفكري(9).فكما انه تجرأ وقال بأن كل العقائد الموروثة عن الماضي ينبغي ان توضع على محك الشك وان تفحص وتنقد بكل حرية من قبل الانسان الذي أصبح يفرض نفسه كذات مستقلة عن الكنيسة ورجال الدين.فوحده الانسان المزود بالعقل قادر على التمييز بين الصح والخطأ او الخير والشر.نفس الشيء يمكن ان يقال عن الثوار الفرنسيين الذين دمروا العالم القديم او النظام الملكي الاصولي الاقطاعي المطلق الاستبداد. فكما قال أحد قادة الثورة رابو سانت ايتيين:ماضينا لاينبغي ان يتحكم بنا الى نهاية الزمن.ماضينا ليس قانونا وراثيا يستحيل الخروج منه او عليه.بمعنى آخر:يمكن الغاء الماضي ومحوه تماما بغية بناء حاضر آخر او مستقبل آخر مختلف كليا عن الماضي.بمعنى آخر ايضا:ليس لأننا عشنا في ظل نظام الاقطاع الارستقراطي الأصولي الطائفي وكذلك نظام اللامساواة والامتيازات الخاصة بأبناء العائلات مدة ألف سنة ينبغي ان نستمر الى الابد على هذا النحو.فلا شيء يجبرنا على التقيد بالتراث الى أبد الآبدين(10).

أما الفكرة الثالثة الكبرى التي جاء بها ديكارت فهي مرتبطة بما سبق وتنص على ما يلي:يحق لنا ان نرفض كل أفكار الهيبة الفوقية:أي المفروضة علينا من فوق فرضا ودون نقاش.المقصود هنا بالطبع العقائد التي كانت تفرضها الكنيسة المسيحية على الجميع وكأنها حقائق معصومة لا تناقش.فاذا قال القديس الفلاني شيئا ما فينبغي ان نصدقه ونسلم به تسليما.واذا ما أطلق البابا فتوى ما وجب علينا قبولها فورا والتسليم بها دون تفكير لانه معصوم ولا يمكن ان يخطيء.بمعنى ان صحة مقولة ما تعتمد على مكانة صاحبها بالدرجة الاولى لا على مضمونها.وبالتالي فديكارت هو مخترع الروح النقدية بكل بساطة لأنه ما عاد يقبل بأي فكرة قبل وضعها على محك الشك والتمحيص.فاذا نجحت في الامتحان قبلها والا رفضها حتى ولو كان يسوع المسيح هو الذي جاء بها!..انه مخترع حرية الفكر في الثقافة الاوروبية. وهذه جرأة ما بعدها جرأة بالنسبة لذلك الوقت.وسوف يدفعونه ثمنها غاليا.فقد وضعوا كتبه على لائحة الكتب المحرمة بعد موته بفترة وجيزة. وأدانه بوسويه زعيم الاصولية الفرنسية قائلا ما معناه: هذا الرجل بث جرثومة الشك في كل عقائدنا ومقدساتنا لعنه الله!

في الواقع ان ديكارت نفسه لم يتجرأ على الشك بالعقائد الدينية. بل أعلن ايمانه بها ايمانا مطلقا وحلف بأغلظ الايمان بانه شخص مؤمن بدين آبائه وأجداده. ولكن منهجية الشك الراديكالي التي اخترعها كانت مرشحة ،عاجلا او آجلا، لأن تطبق على العقائد الدينية نفسها.وهذا ما فعله سبينوزا، أحد تلامذة ديكارت الكبار بالاضافة الى لايبنتز ومالبرانش.صحيح انهم اختلفوا مع الاستاذ المعلم في أشياء عديدة،ولكن كلهم خرجوا من معطفه.فهو الرائد الأول للفلسفة العقلانية الحديثة.

وفي نهاية المطاف نلاحظ ان ديكارت استطاع ان يعكس الشك ضد الشك ذاته :بمعنى انه حوله من قوة سلبية تدميرية الى قوة ايجابية بناءة تؤدي الى توليد الحقائق الاكثر رسوخا وفائدة لبني البشر.وهنا تكمن عظمته ايضا.فقد كان يمكن للشك ان يهيمن عليه كليا ويحوله الى شخص عدمي لا يؤمن بأي شيء. وهذا ما حصل لمفكرين عديدين، ينبغي الا ننسى ذلك. ولكنه استطاع الافلات من براثنه في آخر لحظة وترويضه عن طريق ضربة معلم لا تتأتى الا للعباقرة الكبار. وربما لهذا السبب دعاه هيغل:بأنه البطل المقدام للفكر.فمن السهل ان تهدم ولكن من أصعب الصعب ان تعمر، ان تبني شيئا ايجابيا نافعا على سطح هذه الارض.

 

الهوامش:

1- للمزيد من التوسع حول هذه النقطة أحيل القاريء الى قصة الأحلام الثلاثة المرعبة التي رآها ديكارت في منامه والتي هزته هزا وجعلته يرتجف كريشة في مهب الرياح.وذلك قبل ان تنحل الأزمة بشكل ايجابي ويهبط عليه الوحي ويكتشف العلم الرائع والحقيقة.عندئذ هدأت روحه واطمأنت وقرر الحج الى مزار قديسة مسيحية في ايطاليا في منطقة لوريتو لكي يشكر الله على هذه النهاية السعيدة.لماذا فعل ذلك؟لأنه لو لم يكتشف الحقيقة في آخر لحظة لكان جحيم الشك قد أودى بعقله نهائيا.وبالتالي فلم يكد يصدق انه نجا من براثن الشك الهدام.حصلت له هذه التجربة ليلة 10 نوفمبر من عام 1619 وقد حسمت مصير حياته.بعدئذ عرف ديكارت معنى الفرق بين الشك المنهجي الايجابي الذي ينبغي تطبيقه على كل أفكارنا وعقائنا من أجل تمحيصها وفرز الصح عن الخاطيء فيها،وبين الشك السلبي العدمي المدمر الذي لا يؤدي الى أي نتيجة والذي ينبغي ان ننقذ أنفسنا من براثنه بعد خوض معركة ضارية معه.

2- يقال بأنه زار ضريح القديسة دو لوريت في ايطاليا عام 1623

Notre-Dame de Lorette

أي بعد ان نزل عليه الالهام بأربع سنوات.وهكذا وفى بوعده او بالعهد الذي قطعه على نفسه. فلم يشك لحظة واحدة بأن انكشاف الحقيقة له بعد طول تخبط كان بمثابة نعمة نزلت عليه من السماء.وهذا دليل على مدى الرعب الذي شعر به قبل ان ينكشف له وجه الحقيقة الساطع.

3- في بداية كتابه التأملات الميتافيزيقية يصل الامر بديكارت الى حد الشك في جسده ويديه وكل شيء.ولكنه سرعان ما يستدرك قائلا:مش معقول.هذا جنون.أنا لست مجنونا..

4- انظر كتابه:التدرب على الحياة.مقالة في الفلسفة موجهة للأجيال الشابة.منشورات بلون.باريس.2006.ص 154 وما بعدها

Luc Ferry :Apprendre a vivre.Traite de philosophie a l’usage des jeunes generations.Plon.Paris.2006.P 154 sq

5- من هنا كلمة لنيتشه تقول ما معناه:أية جرعة من الحقيقة يمكن ان يتحملها الناس في لحظة ما من لحظات التاريخ؟ الشعب لا يستطيع تحمل الحقيقة لانها قد تقتله او يقتلها:أقصد يقتل صاحبها.لهذا السبب ينبغي ان نقدم الحقيقة الى الناس على جرعات متدرجة لا دفعة واحدة والا فانها ستزعزعهم،ستقتلهم.ولا يحق لك كمفكر ان تزعزع يقينيات الناس بمثل هذه السهولة او الطيش والرعونة.القائد الفكري او السياسي هو وحده القادر على تقبل الحقيقة دفعة واحدة دون ان يختل توازنه.أما عموم الشعب فلا.سوف أضرب على ذلك مثلا الجنرال ديغول عندما عاد الى السلطة عام 1958 لحل المشكلة الجزائرية.لو قال للشعب الفرنسي الحقيقة من أول يوم لجن جنونهم.ولكنه راوغ في البداية وأخفى مشاعره الحقيقية وراح يوهم بعكس ما سيفعل.ثم تدريجيا راح يفصح عن موقفه على دفعات لكي يحضر الشعب لتقبل القرار الصعب الذي سيتحذه لا محالة: أي انفصال الجزائر عن فرنسا. وعلى الرغم من كل الاحتياطات التي اتخذها فقد حاولوا قتله عندما انكشفت حقيقة مشاعره.وهذا دليل على الحقيقة ليست مزحة على الاطلاق. الحقيقة تقتل بالمعنى الحرفي للكلمة.من يستطيع ان يقول الحقيقة الآن عن التراث الاسلامي؟مستحيل.سوف تظهر حقائقه على مدار الخمسين سنة القادمة تدريجيا.ولو ظهرت دفعة واحدة لصعقت المتدين في أرضه.ولكن من يعلم الحالة النفسية التي يعيشها القائد الفكري او السياسي عندما يكتشف الحقيقة لأول مرة؟صحيح انه يشعر بحالة غبطة لا توصف.ولكنه في ذات الوقت يركبه هم كبير.كم هو جحيم الوحدة القارسة يعانيها عندما يتهيأ لاتخاذ قراراته الصعبة..صحراء الوحدة تتسع حولي..وفي احدى اللحظات ربما قال:ليتني كنت نسيا منسيا.. يا الهي لماذا انا المسؤول عن كل ذلك؟لماذا كلفتني ما لا أطيق؟ هلا كلفت بها أحدا سواي؟ ولكنه في ذات الوقت يشعر بالاعتزاز والفخر لانه اختير من بين كل البشر لتحمل المسؤولية الصعبة، يشعر بأنه نبي ملهم. فيتملكه احساس لا يوصف ويشعر وكأنه اصبح أمة وحده.كل المفكرين والقادة الكبار عاشوا هذه اللحظة:من لوثر الى ديكارت الى جان جاك روسو الى نابليون الى كانط وهيغل:أنبياء العصور الحديثة..

6- ربما قال لي أحدهم: ولكن يا أخي انت تدعونا هنا الى عملية غسل دماغ بالمعنى الحرفي للكلمة لكي نتطور!أنت فعلا ذو نوايا شريرة تريد التخريب وتدمير التراث وعقائد الآباء والأجداد.نحن لسنا بحاجة لك ولا لديكارت ولا للشك بذرة واحدة من عقائدنا وتراثنا ومقدساتنا.نحن لسنا بحاجة الى تقليد النموذج الغربي لكي نتطور.نحن لنا خصوصيتنا التاريخية وأصالتنا.فاغرب عن وجهنا واسكت!وأجيب قائلا:اذا كانت كل عقائدنا صحيحة فاني لا أفهم لماذا تقدم الآخرون الذين فككوا عقائدهم التراثية وتحرروا منها وبقينا نحن متخلفين نتخبط في الحروب الاهلية والتفجيرات والاحقاد..لماذا تحرروا هم من أحقادهم المذهبية والطائفية وشكلوا دولة المواطنة العلمانية التي يتسع صدرها للجميع وعجزنا نحن عن ذلك؟وهل تعتقدون انه يمكن بناء دولة حديثة على أنقاض أفكار قديمة؟ لكن في ذات الوقت أعترف بأن تفكيك التراث يمثل عملية خطرة جدا من الناحية النفسية.وذلك لان الشعب مرتبط بها ويعيش عليها وتؤمن له الطمأنينة.وبالتالي فلا يحق لنا ان نعتدي بشكل فج ومباغت على مقدساته ويقينياته.هكذا تلاحظون ان المثقف العربي موجود في وضع لا يحسد عليه.فهو من جهة يشعر بحاجة ماسة الى تفكيك العقائد القديمة التي تفرق بين أبناء الشعب الواحد.وهو من جهة أخرى يخاف على التوازن السيكولوجي لجمهور الشعب.فما العمل؟

7- وبالتالي فلم تخطيء القوى المحافظة عندما هاجمته بشدة بل ووضعت الكنيسة مؤلفاته على قائمة الكتب المحرمة، أي الكتب الخطرة المضادة للعقيدة المسيحية.يضاف الى ذلك ان بوسويه زعيم الاصولية الفرنسية هاجمه بعنف واعتبره المسؤول الاول عن كل هذه الموجة الضالة التي شككت بعقائدنا وتراثنا المقدس..

8- انظر المرجع السابق للوك فيري.ص 156

9- لذلك نقول بأن الثورة الفكرية تسبق الثورة السياسية وتعلو عليها وليس العكس.ينبغي ان نضع العربة وراء الحصان لا أمامه.وهذا ما لم يفهمه العرب والمسلمون حتى هذه اللحظة.والدليل على ذلك ان معظم المثقفين صفقوا للخميني الذي قاد ثورة دينية تعود بنا الى الوراء! ولذلك نقول ايضا بأن ثورة الفكر لم تحصل حتى الآن في عالم العرب والاسلام.فما بالك بالثورة السياسية والتغيير الفعلي على أرض الواقع؟قصة طويلة..كل الماضي التراثي سوف يمسح مسحا يوما ما او على الاقل سوف يغربل غربلة صارمة لا هوادة فيها. من هنا أهمية مشروع نقد العقل الاسلامي او تفكيك الانغلاقات التراثية او الخروج من السياجات الدوغمائية المغلقة.وهو عنوان كتاب جديد لأركون سيصدر قريبا عن دار الطليعة ببيروت بعد موته.

10- لنفترض ان مفكرا مصريا مسلما خرج وقال:المسيحية دين صحيح مثل الاسلام او:الاسلام ليس أفضل من المسيحية.ماذا سيكون رد فعل أغلبية الشعب عليه؟ألن يعتبروا ذلك استفزازا ما بعده استفزاز؟

ولنفترض ان مثقفا سعوديا خرج وقال:المذهب الشيعي يستحق نفس الاحترام كالمذهب السني.ألن يثير ضجة عارمة؟او لنفترض ان مثقفا ايرانيا خرج وقال بأن المذهب السني صحيح ويستحق نفس الاحترام الذي يحظى به المذهب الشيعي الامامي ماالذي سيحصل له؟ ألن يتعرض للاحتقار والنبذ في ايران الشيعية؟او لنفترض ان مثقفا عربيا تجرأ وقال:الملحد يمكن ان يكون أخلاقيا وانسانيا في تعامله مع الناس مثل المتدين وربما اكثر؟ألن يصدم أغلبية العرب والمسلمين؟ألن يردوا عليه بعنف؟او لنفترض انه قال:الاديان هي عبارة عن تركيبات خيالية جميلة هدفها طمأنة الناس أمام قطيعة الموت ولا يمكن الحكم عليها بمعايير الصح والخطأ فاما انها كلها صحيحة واما انها كلها خاطئة. ألن يرجمه الناس بالحجارة؟او لنفترض انه قال:هناك نواة أخلاقية مشتركة بين جميع الاديان من اسلامية ويهودية ومسيحية وبوذية الخ.وهي وحدها التي تهمني وأحترمها وأعتبرها جوهر الدين.أما ما عدا ذلك من طقوس وشعائر وعقائد وعبادات ومحظورات وممنوعات فلا أعتبرها جوهرية لأنها نسبية بدليل انها تختلف من دين لآخر.ألن يعتبره المتدينون ملحدا فاسقا ليس في صدره دين؟ يمكن ان أكثر من ضرب الأمثلة الى ما لانهاية..ولكن القوى المحافظة في العالم العربي ترفض هذا المنطق وتستخدم محاجة أخرى لمعاكسته.انهم يقولون لك:يا أخي انظر الى اليابان:لقد تطورت بدون ان تقطع مع تراثها المقدس.فلماذا تريد ان تفرض علينا ديكارت والنموذج الغربي؟وهذه حيلة يحتالونها لكي يؤجلوا نقد العقائد والمقدسات الى ما لا نهاية.والمعركة مفتوحة.لقد فاتهم ان أقوى شيء وأرقى شيء في التجربة الاوروبية هو هذا الصراع الضاري مع الذات.وفاتهم اننا أصبحنا بحاجة ماسة اليه بعد طول همود وجمود.التراث العربي الاسلامي سوف يربح كثيرا اذا ما خضنا معه معركة الصراحة حتى العظم.وأصلا لا يمكن ان نقلع حضاريا الا بعد خوض هذه المعركة لأنه يعرقلنا ويحبطنا في كل مرة بسبب تجذره في عروقنا ودمائنا وتناقض الكثير من مقولاته ويقينياته مع عقلانية الحداثة الكونية.وبالتالي فمعركة الذات العربية الاسلامية مع ذاتها لم تبتديء بعد ولا أحد يتجرأ على خوضها.أستثني بالطبع محاولات بعض المفكرين القلائل. وبصراحة لا أعرف أحدا تجرأ عليها مثل محمد اركون في مشروعه الكبير:نقد العقل الاسلامي.

موقع الآوان

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...