الرئيسية / صفحات سورية / “دي ميستورا” و”جنيف 3″ –مجموعة مقالات

“دي ميستورا” و”جنيف 3″ –مجموعة مقالات

هل سينجح دي ميستورا في اجتماعات جنيف التشاورية؟/ عمر كوش

مؤشرات النهاية

سباق السياسي والعسكري

مشاورات دي ميستورا

دفعت المتغيرات التي شهدتها الأزمة السورية مؤخرا باتجاه تكهنات حول بداية العد العكسي لنهاية النظام السوري، حيث تشير الوقائع الميدانية والعسكرية التي حصلت مؤخرا على الأرض إلى تقدم كبير للمعارضة السورية المسلحة، وتراجع قوات النظام في المناطق التي كانت تسيطر عليها.

جاء ذلك بعد أن أحرزت فصائل الجبهة الجنوبية تقدما لافتا تجسد أبرزه في السيطرة على منطقة بصرى الشام ومعبر نصيب الحدودي مع الأردن، وحدث الأمر نفسه في جبهة إدلب وريفها، حيث تم دحر قوات النظام وإخراجها من مدينة إدلب وما حولها، ثم سيطرت المعارضة على مدينة جسر الشغور، تلتها السيطرة على حاجز القرميد الإستراتيجي الذي كان يسميه سكان المنطقة “حاجز الموت”، نظرا لدوره في قصف القرى والبلدات المجاورة له، وفي قتل آلاف المدنيين من سكان تلك المناطق خلال السنوات الأربع الماضية.

مؤشرات النهاية

خسائر النظام الفادحة في محافظتي إدلب ودرعا دفعت السفير الأميركي السابق في سوريا روبرت فورد إلى تغيير موقفه من الأزمة السورية بعدما اتخذ منذ مدة مواقف مضادة للمعارضة السورية، وسار في سياق من حاولوا إعادة تأهيل النظام، بينما أجبرته المتغيرات الجديدة على الحديث عن مؤشرات نهاية نظام الأسد.

وهي المؤشرات التي وجدها في “هشاشة جبهات حلب لصعوبة خطوط الإمداد، وصراعات السلطة التي تجسدت في إقالة شحادة وهروب حافظ مخلوف ومقتل منذر الأسد ورستم غزالة، والتذمر الكبير في صفوف العلويين مع مقتل عشرات الآلاف من أبنائهم، وفشل حملات النظام في التجنيد الإجباري بكل من محافظتي اللاذقية والسويداء”.

واعتبر أن ما يجري هو “حرب استنزاف للنظام، لأنه يمثل حكم أقلية، والدعم الذي يتلقاه من إيران وروسيا هو فقط لإطالة أمد النزاع لا أكثر”.

والواقع أن تقدم قوات المعارضة في إدلب وجسر الشغور وريف حماة، والتقدم نحو مناطق في سهل الغاب يجعلانها على تماس مباشر مع مناطق محافظة اللادقية التي تعد الخزان البشري لقوات النظام، الأمر الذي حفز فصائل المعارضة في حلب فأعلنت تشكيل جيش “فتح حلب” تحت قيادة مشتركة في “غرفة عمليات حلب” إيذانا باقتراب موعد بدء معركة تحرير حلب.

ولا شك أن الخسائر والتراجع التي شهدتها قوات النظام تضاف إلى انهيار النظام اقتصاديا بعد انهياره أخلاقيا وإنسانيا وبدء تآكل حاضنته الشعبية الذي ظهر في صورة تآكل من الداخل بعد أن بلغت الصراعات بين المسؤولين الأمنيين والعسكريين في النظام حدا دمويا وصل إلى آل الأسد أنفسهم، فاختفى آل مخلوف الذين اعتادوا على الدوام تغذية آلة القتل بالأموال التي نهبوها من الشعب السوري، ولم يبق سوى رأس النظام المثبت بقوة الاحتلال الإيراني، إضافة إلى بعض قادة الأجهزة الأمنية الذي أوغلوا في إراقة دم السوريين.

سباق السياسي والعسكري

شكلت هذه التطورات مناسبة مهمة لتفنيد الرهان على احتمال بقاء بشار الأسد في السلطة، وتأكيد احتمالات انهياره، وأطلقت سباقا بدأ بين الحل العسكري والسياسي، وهو أمر التقطته دوائر صنع القرار في العواصم الدولية الفاعلة، ودفع الأمين العام للأمم المتحدة إلى الإيعاز لمبعوثه الخاص إلى سوريا ستيفان دي ميستورا كي يبدأ فورا اتصالاته مع كافة القوى الفاعلة في الملف السوري بغية إطلاق مشاورات بين جميع الأطراف حول إمكانية عقد مؤتمر جنيف3، للبحث في ممكنات حل سياسي للأزمة السورية.

ويبدو أن رياح “عاصفة الحزم” غير بعيدة عن سوريا، لكن ذلك لا يعني أنها قد تشهد العاصفة ذاتها بل العديد من المتغيرات والوقائع -داخليا في سوريا، وعربيا وإقليميا- دفعت باتجاه تغيير موازين القوى على الأرض في غير صالح النظام السوري الذي تحول رأسه إلى مفوض غير سام للمحتل الإيراني.

وتأتي في مقدمة التغيرات العربية والإقليمية عودة التفاهم والتوافق بين الدولة التركية والمملكة العربية السعودية ودولة قطر، الأمر الذي انعكس على الإمدادات والتنسيق بين الثوار، وتشكيل غرف علميات مشتركة على مختلف الجبهات.

يبدو أن رياح “عاصفة الحزم” غير بعيدة عن سوريا، لكن ذلك لا يعني أنها قد تشهد العاصفة ذاتها، بل العديد من المتغيرات والوقائع -داخليا في سوريا، وعربيا وإقليميا- دفعت باتجاه تغيير موازين القوى على الأرض في غير صالح النظام الذي تحول رأسه إلى مفوض غير سام للمحتل الإيراني

” وامتد التنسيق إلى اتفاق بين الهيئة السياسية للائتلاف الوطني السوري وممثلين عن فصائل من الجيش السوري الحر وعدد فصائل إسلامية مسلحة، وعن المجالس المحلية، وصدر بيان عن هذه القوى السياسية والثورية والعسكرية هو الأول من نوعه أكد على “خمسة بنود أساسية”، أولها أن “لا حل إلا بإسقاط نظام الإجرام والاستبداد بكل رموزه ومرتكزاته وأجهزته الأمنية، وألا يكون لرأس النظام وزمرته الحاكمة أي دور في المرحلة الانتقالية وفي مستقبل سوريا”.

ولم يغلق البيان الباب أم أي حل سياسي للأزمة، بل أكد على أن يكون “الحل كاملا وشاملا لكل القضية السورية”، الأمر الذي يعطي إشارة إلى توحيد المواقف تجاه ما يطرحه المبعوث الأممي الخاص لسوريا ستيفان دي ميستورا بخصوص عزمه إطلاق لقاءات تشاورية بشكل منفصل مع ممثلين عن المعارضة والنظام وعن القوى الإقليمية ستبدأ في مقر الأمم المتحدة بمدينة جنيف السويسرية في الرابع من مايو/أيار القادم.

مشاورات دي ميستورا

الملاحظ هو أن دي ميستورا أعلن عزمه “إطلاق مشاورات بحضور جميع أطراف الأزمة السورية والمجتمع المدني” في الشهر الحالي، على أن يقدم في نهاية يونيو/حزيران تقييما للأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون حول نتائج جلسات التشاور”، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مدى نجاح مسعاه الذي يأتي بعد أن فشل في خطته التي كانت ترمي إلى “تجميد القتال في حلب”.

وللتخفيف من الآمال المعقودة على اللقاءات المقبلة استدرك دي ميستورا بالقول إن اللقاءات التشاورية “لن تشكل مؤتمرا في جنيف، ولن تكون جنيف3، بل هي مشاورات منفصلة سنجريها مع جميع أطراف الأزمة وبشكل منفصل”.

وكان لافتا تأكيد المبعوث الأممي على دعوة إيران، مبررا ذلك بالقول “إيران دولة عضو في الأمم المتحدة، وهي أيضا لاعب مهم وأساسي في المنطقة”، لكن الأجدى له أن يطلب من وفد النظام السوري الانضمام إلى الوفد الإيراني لأن ملالي إيران هم أصحاب الكلمة الأقوى في الملف السوري.

ولعل تعويل دي ميستورا على دور إيراني وعلى مشاركة جميع الفاعلين الذين “لم يستثن أحدا” منهم لا يكتمل في سياق “تركيز الجهود على إحياء العملية السياسية، وتقليل الفجوة بين أطراف الأزمة”، ذلك أن فهمه المسألة السورية ينم عن وجود التباس كبير لديه يخص فهم التطورات الحاصلة فيها، كما أنه لم يقرأ درس لقاءات موسكو التشاورية، ولا مفاوضات جنيف التي ظهر فيها أن النظام السوري لم يرسل وفده للتفاوض، بل كي يراوغ ويماطل، وحاول تحويل قطار التفاوض عن سكة الحل السياسي إلى سكة محاربة فصائل المعارضة المسلحة، وتدمير الحاضنة الشعبية للثورة.

والأهم هو أن المبعوث الدولي إلى سوريا لا يمتلك تصورا متكاملا لحل سياسي للمسألة، لذلك لجأ إلى اجتماعات تشاورية سقفها الزمني مديد، ويصعب الحكم على نتائجها، لأن الأمر مرهون بمدى قبول إيران بحل سياسي مقبول وعادل، ومدى قدرتها على إقناع النظام، أو إجباره على التخلي عن الحل العسكري والأمني الذي سار فيه منذ بداية الثورة السورية، وأفضى إلى تدمير البلد وقتل مئات الألوف وتشريد وتشويه الملايين.

لم ينجح دي ميستورا في خطته التي طرحها حول “تجميد القتال في حلب”، فهو ليس مؤهلا لتقديم وساطة فاعلة يمكنها الإسهام في حل سياسي للأزمة السورية، كونه طوال الفترة السابقة لم يقدم ما يلامس معالجة الكارثة التي أصابت السوريين، بل تغاضى عن الحرب الشاملة التي بدأها النظام الأسدي ضد أغلبيتهم

” لذلك لم يجد دي ميستورا سوى التأكيد على عدم الانتظار أكثر من ذلك في شأن الأزمة السورية، ولجأ إلى مبرر يفيد بأن “الوضع على الأرض خطير للغاية، مما يستدعي منا مضاعفة الجهود الرامية إلى التوصل لحل سلمي للأزمة”، وكأن الوضع لم يكن كذلك طوال أكثر من أربع سنوات خلت.

ويبدو أن قوى المعارضة السياسية والعسكرية تتجه نحو المشاركة في لقاءات جنيف التشاورية القادمة، كونها تُجرى بشكل منفصل، ولديها النقاط الخمس التي اتفقت عليها، وهي مستندة إلى ما تحقق على الأرض من تقدم، خاصة في ظل الحضور الواسع بعد أن وجه دي ميستورا دعوات لممثلين عن المجتمع المدني، ولآخرين عن ما تسمى المعارضة الداخلية التي يعارض بعض أفرادها من أجل بقاء النظام وليس إسقاطه، الأمر الذي قد يثير انقسامات وتناقضات.

ويكشف واقع الحال أن دي ميستورا لم ينجح في خطته التي طرحها حول “تجميد القتال في حلب”، وأنه ليس مؤهلا لتقديم وساطة فاعلة يمكنها الإسهام في حل سياسي للأزمة السورية كونه طوال الفترة السابقة لم يقدم ما يلامس معالجة الكارثة التي أصابت السوريين، ولم ينظر في مسببات المسألة السورية، بل تغاضى عن الحرب الشاملة التي بدأها النظام الأسدي ضد أغلبيتهم منذ اندلاع الثورة السورية.

بل وحاول اختصار الكارثة السورية بمسألة إرهاب مدعوم عربيا ودوليا، في سياق تسويق مقولة إن النظام يمكن أن يتحول من قاتل دمر أحياء معظم المدن والبلدات السورية وهجر ملايين السوريين إلى ضحية وديعة تدافع عن أغلبية السوريين الذين تحولوا وفق هذا المنطق من ضحايا نظام ظالم ودكتاتوري إلى مجرمين وإرهابيين يستحقون القتل والإبادة والتشريد.

وعليه ووفقا لهذا المنطق فإن العنف هو العلاج الوحيد لسلوكهم الإجرامي بغية استعادة أمن البلاد واستقرارها، وإعادة الجميع إلى مظلة النظام الظالم الجاثم على صدور السوريين منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن، وهو أمر لا يمكن أن يحصل مهما كثرت الاجتماعات التشاورية أو المبادرات والخطط، لأن السبيل الوحيد هو إنهاء حكم الأسد وبناء سوريا جديدة.

الجزيرة نت

 

 

 

سقطات دي ميستورا/ علي العبدالله

في إحاطته مجلس الأمن أعلن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا أنه سيجري مشاورات حول الوضع في سورية مع ممثلين عن النظام والمعارضة، وعدد من الدول الفاعلة في مقر الأمم المتحدة في جنيف، بدءاً من 5 أيار (مايو) الجاري، وأن المشاورات ستستغرق بين أربعة وستة أسابيع، وأكد أنه لا يعلق آمالاً كبيرة على فرص نجاحها، وأن الفرص والظروف لبدء عملية انتقال سياسي ليست أفضل مما كانت عليه قبل ستة أشهر، وأن النظام السوري والمعارضة قلما يبديان رغبة جديدة في التفاوض، كما شدّد على أن الأمم المتحدة لا تزال مقتنعة بضرورة إعادة تفعيل حل سياسي. لمَ، ولم الآن؟ في المعلومات التي أعلنها فريق السيد دي ميستورا أن تحركه عبارة عن مشاورات غير رسمية ومنفصلة ترتكز على بيان جنيف لتوضيح عناصره الأساسية والوقوف على آراء النظام والمعارضة السياسية والعسكرية وقطاعات واسعة من المجتمع السوري (منظمات مجتمع مدني، شخصيات مستقلة ورجال أعمال) حول كيفية المضي قدماً نحو حل سياسي يقوده السوريون بأنفسهم، من أجل تفعيل البيان عبر عقد جلسة مفاوضات جديدة في جنيف، على أن يرفع تقريراً للأمين العام للأمم المتحدة يتضمّن مقترحات حول إمكان قيام الأخير بالدعوة إلى عقد مؤتمر دولي – إقليمي، في حضور ممثلي الأطراف السورية أو من دون ذلك، لبحث احتمالات الوصول إلى حل سياسي في سورية. ويرجح أن يتزامن ذلك مع الذكرى الثالثة لصدور بيان جنيف.

غير أن صيغة التحرك ومداه انطويا على سقطات قاتلة وأثارتا أسئلة وتحفظات عدة لأنهما سيرتبان مشكلات أكثر مما يفتحان طريقاً نحو حل. فقد كانت صيغة الدعوة السقطة الأولى حيث أخذت صيغة شخصية منفردة، فلم يتعظ السيد دي ميستورا مما حصل في لقائي القاهرة وموسكو من مشكلات بسبب الدعوات الشخصية، ما أثار هواجس ومخاوف وخلافات في صفوف الكيانات السياسية والعسكرية المعارضة. وكان عدد المدعوين للمشاورات السقطة الثانية، فقد تم توجيه الدعوات إلى عدد كبير من الأفراد، قيل أنه تجاوز الـ400 مدعو، وهذا سيجعل تشكيل تصور واضح عن المواقف والاقتراحات، ناهيك عن التقريب بينها وجمعها في تصور واحد، شبه مستحيل، لأن لكل فرد ذاتيته وتصوراته وتطلعاته وأولوياته، وسيضع المحاولة أمام حالة تشتت وتذرر شديد. فإذا كان هدف المشاورات استطلاع مواقف النظام والمعارضة والمجتمع المدني والقوى الإقليمية والدولية (الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن وممثلي الدول الإقليمية الفاعلة في الملف السوري)، لمعرفة ما إذا كانت أطراف النزاع مستعدة للانتقال من مرحلة المشاورات إلى مرحلة المفاوضات، كما هو معلن، فإن استشارة الأطراف الرئيسية التي لها حضور فاعل في الصراع وقدرة على ضبط الموقف والسيطرة على ردود الفعل أكثر من كاف لتشكيل تصور وتقدير للموقف. هذا إضافة إلى ما أثارته دعوة إيران الى هذه المشاورات في ضوء الدور الذي لعبته ولا تزال في الصراع السوري حيث ينُظر إليها كجزء من الأزمة، إضافة إلى رفضها بيان جنيف وسعيها مع روسيا إلى دفنه أو على الأقل تعديله كي يتناسب مع تطلعاتهما في سورية والإقليم، والتي تستند إلى الإبقاء على النظام بعد كل الجرائم والدمار التي تسبب بها في حربه المجنونة على المواطنين لأنهم طالبوا بالحرية والكرامة.

وقد كان لافتاً حديث فريق دي ميستورا عن إجراء مشاورات غير مباشرة مع «تنظيم الدولة الإسلامية» (داعش) و «جبهة النصرة لأهل الشام» عبر أطراف على تواصل معهما، وهو توجه سيثير المزيد من الخلافات والتعقيدات لأن التنظيمين على قائمة الإرهاب الدولي من جهة، ولأنه ليس على جدول أعمالهما خيار حل سياسي من جهة ثانية.

وأما السقطة الثالثة فالتوقيت الذي اختاره لإجراء المشاورات، حيث إن المناخ الإقليمي السائد وما ينطوي عليه من توتر وضغوط متبادلة بين دول فاعلة فيه وفي الملف السوري على خلفية انفجار القتال في اليمن وإطلاق عاصفة الحزم للتصدي للتمدد الإيراني، وما يصاحبه من عدوانية واختراق لسيادة الدول وهز استقرارها الداخلي، عبر تجنيد وتجييش طائفي مذهبي داخل صفها الوطني، لا يساعد على تعاطٍ إيجابي بين الفرقاء. فقد أثارت الدعوة إلى المشاورات هواجس ومخاوف هذه الأطراف، ما دفعها إلى السعي لعرقلة العملية أو فرض مناخات سلبـيـة عليـها ورفـع سخونة المواجهة الميدانية لتحقيق مكاسب على الأرض. وهذه ستؤثر في مواقف الأطراف المتصارعة فتحد من مرونتها إما عبر سعي بعضها لاستثمار تقدمها على الأرض أو تحفظ بعضها الآخر بسبب تراجعها على الأرض ورفضها تقديم تنازلات تحت ضغط التراجع والقبول بخيارات لا تستجيب لتطلعاتها ومصالحها. وهذا سيجعل فرص التقدم على طريق الانتقال من المشاورات إلى المفاوضات بعيدة وغير واقعية. تبقى السقطة الأكبر والأخطر تلك التي وقع فيها المبعوث الدولي حين أكد بعد حديثه لمجلس الأمن عن فكرته إجراء مشاورات «أنه لا يعلق آمالاً كبيرة على فرص نجاحها»، إذ من المسلم به أن الديبلوماسي الناجح لا يتعاطي مع كلمة «لا» ولا يستخدمها، لأنها وفق قول أستاذي الدكتور محجوب عمر (رحمه الله) بلهجته المصرية المحببة «تبقى خيبة». فما جدوى هذه العملية الضخمة والطويلة والمكلفة إذا كانت من دون طائل، أم إن السيد دي ميستورا يسعى إلى الالتفاف على فشله في تحقيق تقدم على الأرض بعد مضي قرابة عام على تكليفه المهمة وخلق مبرر لبقائه في منصبة لفترة أخرى؟!

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

دي ميستورا الذي سبقه الزمن/ حسين عبد الحسين

يوم وافقت موسكو على “اتفاقية جنيف ١”، كان “الربيع العربي” مايزال فتيا يهز عروش الجمهوريات العربية الوراثية، وكانت واشنطن أيدت الاطاحة برئيسين عربيين في مصر وليبيا، واعلنت ان شرعية الرئيس السوري بشار الأسد سقطت.

ويروي الديبلوماسيون الأميركيون المتقاعدون ممن شاركوا في صناعة “جنيف ١” انهم فوجئوا عندما وافقت روسيا على حل سياسي في سوريا يفرض “مرحلة انتقالية”. الاميركيون اعتبروا ان “انتقالية” تعني الانتقال من حكم الأسد الى حكم بديل، واعتقدوا ان موافقة موسكو هي بمثابة تخلٍ عن خطاب روسيا السابق، الذي كان يدعم بشراسة مقولة دعم “السيادة السورية” في “مواجهة الارهاب”.

ويبدو ان الوفد الروسي في جنيف اعتقد كذلك انه حقق انتصارا، فالمفاوضات الانتقالية تعني حكما مفاوضات مع الأسد ونظامه، اي ان “اتفاقية جنيف ١” اعادت بعض الشرعية للرئيس السوري، واجبرت واشنطن على الاعتراف بحوار معه، وان كان حوارا محصورا بالعملية الانتقالية.

في الأشهر التي تلت “جنيف ١”، تعثر “ربيع العرب” لأسباب عديدة. ومع انحسار الحماسة الثورية العربية، وتحول الثورة السورية الى نزاع مسلح، واظهار الأسد دموية غير مسبوقة سمحت له بالبقاء عسكريا، تراجعت واشنطن عن تأييدها لأي عملية تغييرية في العالم العربي، بل صارت تشارك في القضاء على أي بوادر تغيير.

كل هذه الاسباب جعلت موسكو تعتقد ان الظروف التي فرضت “جنيف ١” تغيرت، وانه لا بد من استبدال الاتفاقية المذكورة باتفاقية جديدة تضع الأسد في موقف دولي وديبلوماسي افضل.

وكان لروسيا ما ارادته، بل أن الأميركيين اعتقدوا ان عليهم مكافأة الروس لمساندة موسكو قرار مجلس الأمن الذي فرض نزع ترسانة الأسد الكيمياوية، فصارت واشنطن تتصرف وكأنها عهدت الى موسكو الاشراف على محادثات سورية سلمية تؤدي الى انهاء العنف، فكان “مؤتمر جنيف ٢”.

لكن “الائتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة”، وبدعم من عواصم عربية وانقرة، اظهر حنكة سياسية بتمسكه بـ “اتفاقية جنيف ١”، اذ عندما حاولت عواصم عربية اخرى وواشنطن فرض مشاركة قوى معارضة اخرى تعيش برعاية الأسد وفي كنفه، اصر الائتلاف على رفع “جنيف ١” كأساس لأي تحالف معارض موسع، وعندما ذهب الائتلاف الى “مؤتمر جنيف ٢”، رفع “جنيف ١” اساسا لأي حل على الرغم من اصرار الاميركيين على استبدال “جنيف ١” بوثيقة احدث “على ذوق” الروس.

والظريف ان “جنيف ٢” لم يكن فعليا “الجزء الثاني”، اذ ان “جنيف ١” انعقد بغياب اي طرف سوري ووقعت على وثيقته أميركا وروسيا. وفي ما بعد، اراد المجتمع الدولي التخلص من “جنيف ١”، فعقد “جنيف ٢”، وكان ذلك مؤتمر الحوار الأول بين المعارضة والأسد، وأرادت الكتلة الدولية الحصول على توقيع المعارضين للتخلص من “جنيف ١”، لكن الأسد تصرف برعونة ووفر على المعارضة خوض معركة اسقاط “جنيف ٢” وحدها، فأدت مشاكسة وفد الأسد الى اضعاف مؤتمر كان مصمما لتحسين وضعه.

ثم انتقلت واشنطن من مشجعة لجهود موسكو للحوار السوري الى مشاركة في “لي ذراع” المعارضة السورية للقبول بالذهاب الى “حوار موسكو”، وهو حوار كما “جنيف ٢”، كان مصمما للقضاء على “جنيف ١” وتحسين وضع الأسد ديبلوماسيا. مرة اخرى، أدى تمسك الائتلاف والدول الداعمة له بـ “جنيف ١” بنسف ألاعيب روسيا واميركا والأمم المتحدة.

هكذا، قررت “الأمم المتحدة”، بايعاز من اميركا وروسيا، ان تعلن نيتها التخلص علانية من “جنيف ١”. ذهب مبعوث السلام ستيفان دي ميستورا الى جنيف، وأعلن عقد مؤتمر تسوية يفرض فيه ما فشل العالم في فرضه في “جنيف ٢”. تمت دعوة الاطراف المعارضة المحسوبة على الأسد، وتمت دعوت ايران التي نسف الائتلاف حضورها “جنيف ٢”، وتم اعتماد اسلوب “حوار موسكو”، اي عقد حوارات غير رسمية هي بمثابة دردشة من دون ان تجمع وفدي الائتلاف والأسد وجها لوجه.

وكما في “حوار موسكو”، سيسعى دي ميستورا الى الخروج ببيان يعتبره “جنيف ٣”، ويعتبر ان المعارضة وافقت عليه وأنه يحل محل “جنيف ١”، وهي الاتفاقية التي أعلن المبعوث الدولي صراحة ان “الزمن قد سبقها” مع ظهور تنظيم “الدولة الاسلامية”، منذ الموافقة عليها.

كما نسف الائتلاف “جنيف ٢” و”حوار موسكو”، سيستمر بتمسكه بـ “جنيف ١”، وسيخرج دي ميستورا بالبيان الذي يريده.

المدن

 

 

 

الفرصة الأخيرة/ امين قمورية

مؤتمر “جنيف 1″ السوري خلص الى وثيقة ظلّت حبرا على ورق، و”جنيف 2” انتهى قبل ان يبدأ، ومقدمات “ورشة حوار جنيف” لا توحي بنتيجة أفضل، اذ يبدو عبثا تغيير العقلية السياسية للسوريين بكل تلاوينهم السياسية والطائفية.

هذه المرة يذهب “الائتلاف” و”هيئة التنسيق” و”لقاء القاهرة” وما لف لفّها من معارضات الى المدينة السويسرية مستقوية بالتقدم الميداني الذي أحرزه ندّها المتطرف “جبهة النصرة” في ادلب وجسر الشغور، وآملة في أن تتدحرج “الانتصارات” نحو اللاذقية ودمشق، فعادت الى نغمة: كل السلطة للمعارضة، والاسد الى البيت او الى المحاكمة.

وفي المقابل، لايزال النظام يعيش في حال انكار للواقع، لا يعير التغيرات الاقليمية المتسارعة التي باتت تصب في غير مصلحته اهمية، ولا يعتبر التطورات الميدانية سوى زوبعة في فنجان لا تلبث ان تخمد. ويراهن كالعادة على عامل الوقت أملاً في ان يعيد عنف الارهاب والتطرف فتح أبواب العواصم الغربية والعربية الموصدة في وجه دمشق. كما يراهن ضمناً على فشل “عاصفة” التحالف العربي في اليمن عل ذلك يقلب الموازين في اتجاه ريحه.

“الائتلاف” و”التنسيق” وما شابههما من معارضة معتدلة، ضباط من دون جنود في الميدان، والارجح ان رهانها على زحف المتطرفين الذين يدينون بالولاء لـ “القاعدة” او الدولة الاسلامية” على معاقل النظام، هو اشبه برهان “المجاهدين” الافغان على المتطرفين الذين مهدوا الطريق لحكم “طالبان” بعد فترة قصيرة من سقوط نظام نجيب الله في كابول. وهذا حتماً ليس في مصلحة “المعتدلين” ولا المعارضة الوطنية ولا في مصلحة سوريا وشعبها والمنطقة برمتها.

وفي المقابل، لم يستطع النظام في ذروة قوته العسكرية وبطشه وفي عز تحلق الحلفاء حوله اثناء المعركة المستمرة منذ اربع سنوات وفي ظل تشرذم خصومه، من الاحتفاظ بنصف مساحة سوريا تحت سلطته، فكيف الحال في ظل احباطاته العسكرية المتلاحقة، ومع توحيد الجهود العسكرية لبعض المعارضات المتشددة، وبعد قيام تحالف عسكري يضم دولاً عدة يناصبه العداء ويتوعده بمصير أسود؟

ولا شك في ان أي انهيار سريع للنظام في ظل عدم وجود بديل وطني وعدم وجود حاضنة اقليمية ودولية سيكون بمثابة الكارثة أيضاً ليس فقط للاقليات التي لم تجد حتى الان أمناً وأماناً في سلوك أي من المعارضين، انما أيضاً لسوريا نفسها ولنسيجها الموحد.

لذا فان التوازن الميداني والسياسي الذي صار واقعاً اليوم، ربما جعل “جنيف” الثالثة فرصة مثالية واخيرة لانقاذ سوريا من الاسوأ… ولكن هل ثمة اقتناع أصيل لدى أي من الاطراف السوريين بقبول الآخر شريكاً؟ والأهم هل يريد الرعاة الخارجيون فعلا خلاصاً لسوريا؟

النهار

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...