الرئيسية / صفحات العالم / دي ميستورا وسؤال النصر والهزيمة في سوريا/ ماجد كيالي

دي ميستورا وسؤال النصر والهزيمة في سوريا/ ماجد كيالي

 

 

حقيقة واقع المعارضة

هل ربح النظام؟

حسابات الربح والخسارة

أثارت التصريحات غير الموفَّقة التي أدلى بها المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا أوائل الشهر الجاري، والمتعلقة بضرورة تحلّي المعارضة السورية بالواقعية وإدراك أنها لم تنتصر في الحرب؛ ردودَ فعل قوية وغاضبة في أوساط المعارضة، باعتباره تجاوز حدود مهمته كمبعوث دولي، إن في ذهابه نحو إطلاق أحكام ليست من اختصاصه، أو في محاولته إشاعة نوع من الإحباط، ما يثير شبهة انحيازه لصالح النظام.

وبغض النظر عن التصريح المذكور، وإن أردنا أن نتحدث بصراحة وموضوعية؛ فإن كثيراً من التطورات الميدانية -وخاصة بعد سقوط حلب بيد النظام (أواخر العام الماضي) وتمدده في الجنوب وفي ريفَيْ حماة وحمص وصولاً إلى دير الزور- تفيد بتقدم النظام وانحسار المعارضة.

وهذا صحيح بالنظر إلى تقلص المساحة الخارجة عن سيطرة النظام، وتردي وضع فصائل المعارضة، سواء المسلحة أو السياسية أو الميدانية. ومع ذلك فإن التصريح وردود الفعل عليه أثارت السؤال عن معنى الربح والخسارة، أو النصر والهزيمة في الصراع السوري.

حقيقة واقع المعارضة

بداية؛ ثمة وجهة نظر مشروعة لدى أوساط المعارضة في ردها على المبعوث الدولي، بيد أنها بدورها لم تكن موفَّقة في عرض أو في توضيح موقفها، وذلك لأسباب متعددة يكمن أهمها في الآتي:

أولاً، تجاهلها -أو إنكارها- حقيقة ضعف وضعها، خاصة لجهة انحسار نفوذها في مناطق كانت تسيطر عليها، وذلك مقابل ازدياد مساحة الأراضي التي يسيطر عليها النظام، ولو على حساب تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وبسبب التدخل العسكري الروسي.

ثانياً، تصرّفها وكأن أحوالها على ما يرام، في حين أن كياناتها السياسية والعسكرية والمدنية بالغة الهشاشة والجمود، وتفتقر إلى الحد المناسب من التماسك والنضج، وكأنها لم تتعلم من تجربة معقدة ومكلفة قدرها أكثر من ستة أعوام.

ويأتي ضمن ذلك مثلاً عدم تمكّنها من إنشاء كيان سياسي جامع للسوريين، وعدم قدرتها على الدفاع عن المقاصد الأساسية للثورة، المتمثلة في الحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، كبديل عن نظام الاستبداد، في مواجهة الخطابات الطائفية المتطرفة التي تصدّرت في الفترة الماضية.

ناهيك عن ضعف قدرتها على تأطير فصائل المعارضة العسكرية تحت إدارتها، مع وجود مسارين تفاوضييْن أحدهما في جنيف والثاني في أستانا. هذا إضافة إلى ارتهان كل من كياناتها السياسية أو العسكرية أو المدنية لهذه الدولة أو تلك، أكثر من ارتهانه لمصالح السوريين.

الأمر الذي يؤكد تضاؤل مكانة المعارضة في أي حل يتم ترسيمه لسوريا، على أيدي الأطراف الدولية والإقليمية التي باتت تتحكم في الصراع السوري، سياسياً أو عسكرياً (الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا).

ثالثاً، أخطأت المعارضة في تحميلها المبعوث الدولي فوق ما يحتمل في موقعه، وكأن القرار في شأن مآلات الصراع السوري في يده، وكأنه صاحب سلطة، في حين أنه موظف أممي بمرتبة وسيط دولي مرجعيته الأمم المتحدة، وهذه الأخيرة تخضع لتحكم الدول الكبرى ومعاييرها وإرادتها. وفي الحقيقة فإن المبعوث الدولي لا يستطيع أن يفعل في الشأن السوري ما لم يستطعه أو ما لم يحسمه مجلس الأمن الدولي.

هذا علماً بأن ثمة التباسا ناجما عن عدم الإحاطة بالتصريح، إذ إن دي ميستورا لم يقل إن النظام انتصر، أي أنه اعتبر أن لا حل عسكريا للصراع السوري لا من النظام ولا من المعارضة، وهو ما أثبتته التجربة رغم الدعم الذي يتمتع به النظام من إيران وروسيا، وبحكم ضعف المعارضة وتراجعها في ميدان الصراع العسكري.

رابعاً، أخطأت المعارضة في ردّها بخلطها بين الثورة والمعارضة، إذ الأولى فكرةً ورؤية وحاجة ومشروعاً تتوقف أو تستمر، تتراجع أو تتقدم، تخبو أو تشتعل، في حين أن الثانية (أي المعارضة) قد تنجح أو تفشل، قد تنتصر أو تنهزم، كما قد تنحرف أو تدخل في مساومات اضطرارية أو وفق مصالح المهيمنين عليها، أي لا يوجد شيء يقيني أو حتمي لا في الثورات ولا في المعارضات.

وربما تجدر المصارحة هنا بأنه لا يوجد رابحون في الصراع السوري الطويل والمضني والمعقّد، لا النظام ولا المعارضة، وأن الشعب السوري هو الذي يخسر نتيجة استمرار هذا الصراع، لا سيما على النحو الذي يجري عليه وفي ظل التنكّر الدولي لتضحيات السوريين ومآسيهم.

هل ربح النظام؟

في المقابل؛ فإن الاستنتاج المتسرّع بأن النظام رَبِحَ يُفترض أن يخضع للفحص للأسباب الآتية:

أولًا، ما كان للنظام أن يعزّز مكانته ويوسّع مساحة نفوذه لولا دخول روسيا على خط الصراع السوري بشكل مباشر، منذ عامين (تموز/أيلول 2015)، وذلك بقوتها العسكرية الجوية. وهذا يعني أن قوات إيران والمليشيات التي تتبعها (اللبنانية والعراقية والأفغانية والباكستانية)، لم تستطع أن تحسم الصراع ضد المعارضة لصالح النظام بالدرجة التي بلغتها روسيا بسلاحها الجوي.

ثانيًا، ثمة ما يؤكد أن النظام فقَد قدرته على التقرير في شأن مصير الصراع الدائر على سوريا؛ بسبب استنزافه لقواته وقدراته وبسبب تغلغل الوجود الإيراني في مختلف مراكز السلطة، وبحكم هيمنة روسيا على مركز القرار السياسي والأمني.

والمقصود أن هذه الوضعية التي تضغط على المعارضة تضغط بدورها على النظام وعلى حليفيْه، لا سيما في شأن التنافس أو التصارع على الدولة التي تمسك بالورقة السورية؛ هل ستكون إيران أم روسيا؟

ثالثًا، أتت أغلبية المساحة التي استحوذ عليها النظام في الأشهر الماضية من المناطق التي كان تسيطر عليها “داعش” في ريفيْ حلب وحمص، ومحافظتيْ دير الزور والرقة، بمعنى أن المناطق التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة، في الشمال والجنوب والوسط، في ريفيْ دمشق وحمص، بقيت على حالها باستثناء ما حصل في حلب.

رابعًا، لعل ما يرجّح الوضع لصالح النظام -على ما يظهر- هو ضعف المعارضة ذاتها السياسية والعسكرية والمدنية، لا سيّما أن هذه المعارضة لم تفعل ما يجب عليها فعله، خاصة في مراجعتها لتجربة الثورة بكل مساراتها، وأيضًا في مراجعتها النقدية لأحوالها: أين أصابت وأين أخطأت؟ وما الذي كان يجب عليها فعله؟

حسابات الربح والخسارة

في المحصلة، فإن السوريين استطاعوا -رغم الأهوال التي عاشوها والأثمان الباهظة التي دفعوها بما يفوق التصور، ومع ضعف إمكانياتهم وافتقارهم إلى التجارب السياسية- كسرَ حال الاستعصاء في التطور السوري، أو كسر الصخرة الصلبة التي تقف حجر عثرة أمام محاولاتهم السير في طريق التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، التي كان يمثلها نظام بشار الأسد.

وعليه.. ورغم كل ما حصل؛ لم يعد من الممكن -بأية حال وبغض النظر عن التخريجات السياسية- استمرار نظام الأسد على النحو الذي كان عليه، والذي كان يمكن أن يجد السوريون بسببه أنفسَهم -ربما لنصف قرن آخر- مع حكم الأسد الثالث أو الرابع أو الخامس، أي أن الثورة السورية هي التي قطعت هذا المسار.

وعلى صعيد النظام أيضاً، أنهت الثورة ما يسمى “الدور الإقليمي” والادعاءات القومجية للنظام، اللذين كان من خلالهما يتلاعب بأوراق الآخرين (فلسطينيين ولبنانيين وعراقيين) لابتزاز الدول الأخرى أو للمزايدة عليها، كما في أغراض الاستهلاك المحلي وتعزيز سلطته الأمنية على شعبه.

وبطبيعة الحال فقد انكشف مع كل ذلك أيضاً زيف “المقاومة والممانعة” التي انتهجها النظام وحلفاؤه (إيران وحزب الله)، بعد أن ثبت أن السلاح مرصود ضد السوريين وللدفاع عن النظام، وليس من أجل فلسطين ولا حتى لاسترجاع الجولان السورية.

والأمر ينطبق على حزب الله الذي انكشف تماماً دوره الإقليمي باعتباره ذراعا لإيران في المنطقة وشريكا في الدفاع عن نظام الاستبداد، وحزبا دينيا وطائفيا (مع مليشيا أبو الفضل العباس وكتائب عصائب الحق ونجباء وفاطميون وزينبيون العراقية والأفغانية والباكستانية.. إلخ).

وفوق كل ذلك بات صوت السوري مسموعاً بعد عيشه عقودا من دون صوت أو في حالة خرس، في ظل الخوف المعشش في الصدور بسبب سياسات السيطرة والرعب التي انتهجها النظام ضد شعبه.

وثمة عدة استنتاجات من كل ذلك: أوّلها، أنه لا يوجد منتصر ولا منهزم بصورة حاسمة في الصراع السوري، وبالتالي لا وجود لرابحين، أي أن كلا الطرفين خاسر.

ويفسّر ذلك أن القرار بشأن تجميد أو تحريك الصراع السوري -بالشكل السياسي أو العسكري- هو في أيدي القوى الخارجية، وأن هذه القوى ما زالت عند موقفها بشأن الحفاظ على هذه الصيغة أو المعادلة التي قوامها “لا غالب ولا مغلوب”، لا النظام ولا المعارضة. وهو ما يكشف معنى اتفاقيات المناطق المنخفضة التصعيد التي ترسمها الولايات المتحدة وروسيا مع إيران وتركيا.

ثانيًا، يمكن ملاحظة أن القوى الدولية والإقليمية الفاعلة باتت تميل إلى تبريد الصراع، وإيجاد توافقات بينية لتحديد ملامح سوريا المقبلة، بدءًا من اتفاقات مناطق خفض التصعيد، ووصولًا إلى المفاوضات الدائرة في جنيف، والتي يمكن أن تأخذ أشكالًا أكثر عملية مستقبلًا لفرض الاستقرار وإيجاد مناطق موزعة النفوذ. وقد يمهد ذلك لاحقا لإيجاد نوع من النظام السياسي التعددي اللا مركزي، يحفظ بعض عناصر النظام السابق ويشتمل على تمثيلات أخرى.

ثالثًا، يمكن التكهن بأن المناطق التي قد تبقى ساخنة في الصراع السوري مستقبلًا ستكون في منطقة الحدود السورية العراقية (أي ريف دير الزور) ومنطقة إدلب إذا بقيت “جبهة تحرير الشام” (جبهة النصرة سابقا) على مواقفها، أما المناطق الأخرى فعلى الأرجح سيتم الحفاظ على الوضع الراهن فيها.

رابعًا، يأتي صعود “قوات سوريا الديمقراطية” المدعومة أميركيا تعبيرا عن إرادة دولية بإتاحة فرصة للأكراد لإعطائهم حصة في الكيان السوري القادم، إن عبر صيغة حكم ذاتي أو في إطار اتحادي لا مركزي، وهذا ملف يفترض بالمعارضة السورية تداركه بإيجاد مقاربة وطنية ديمقراطية للمسألة الكردية في سوريا، بعيدًا عن التجاذبات والتوظيفات الإقليمية.

وأخيراً؛ لقد دخل السوريون غمار السياسة -بسلبياتها وإيجابياتها- بطريقة سلمية وبطريقة عنيفة، وباتوا يحسّون أنهم مواطنون وأنهم شعب، وهذه ليست مسألة ثانوية، أي أن الثورة فعلت في سنوات قليلة ما لم تفعله عقود أو قرون عديدة، ونأمل أن يحقق السوريون أمانيهم؛ فقد دفعوا ما لم يدفعه أي شعب في سبيل توقهم للحرية والكرامة والمواطنة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة

2017

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

تباين روسي- إيراني في سورية/ ألكس فاتنكا

    عقدت محادثات السلام في جنيف بعد اسبوع على مؤتمر سوتشي في 22 تشرين ...