راقصو زوربا


جمال داود

في ماليزيا قطارات معلقة

خلال ساعة الذروة يتعذر على الراكب الدخول سريعا ً إلى القطارات المعلقة

“إنه الحظ السعيد…أن تجد لك مكانا ً “علواقف

في إحدى ساعات الذروة  كاد الباب أن يغلق علي عندما حاولت حشر نفسي بين مجموعة ركاب ماليزيين

“سرعان ما أخرجت يدي و عدت إلى الوراء بحركة سريعة و لم أدخل القطار فاصطدمت بشاب ماليزي “صيني

ابتسم الشاب و حاول تهدئتي حتى ظننت أنه هو من شعر بالخجل

ثم أردف: أهلا ً بك في ماليزيا

welcome to Malaysia

يذكرني بشبابنا المتعلم كلما تعثر أمامه أجنبي أو اصطدم بأحد المارة…يردد هذه العبارة دليل على قلة حيلته أمام هذا الكم من التخلف أو للاعتذار عن الجهل

welcome to Syria

ربما خدع هذا الشاب  ببشرتي البيضاء و ثيابي “الاستوائية” التي اشتريتها من ماليزيا ذاتها

أراد أن يقول لي: اعذرنا لجهلنا…ذلك الازدحام غير المبرر عند الدخول و تلك القطارات ذات أبواب الكترونية غبية تكاد تدهس اليد و الجبين..يجب أن تعتاد على ذلك..هذه ماليزيا

أضحك في سري و أنتشي كلما ظن بي أحدهم أني سائح مهم

!!يارجل :ارفع جبينك أمامي…أنا المندهش من مدنيتكم…أنا “العديم”…في بلادي لايوجد ذلك القطار..حتى

.

.

:يقول السوري الذي في داخلي

الحضارة ليست في القطار المعلق…لقد جئت من بلاد تفوق بلادكم عراقة و تاريخًا

تعد مدينتي دمشق من أقدم المدن في العالم بينما مدينتك كوالالامبور عمرها لا يتجاوز السنوات

بلادي هذه أكبر من كل الزعماء و الحكام و الأباطرة و الخلفاء الذين حكموا العالم من خلالها

بلادي هي التي تصنع الملوك و الآلهة…و هي ذاتها التي تطيح بهم و بحكمهم

بلادي الصغيرة…هي من أنجبت هذا العالم الكبير

!!بلادي الـــ يبتليها الاستبداد…ترقد الآن في غرفة الإنعاش

انتظر حتى تراها تعدو فوق سكة القطار السريع

الماليزيون أسقطوا حكما ً دام أكثر من عشرين سنة

لكن خلال تلك الــ20 سنة قام مهاتير محمد بجعل ماليزيا من أهم بلدان آسيا سياحة

و رفع مستوى دخل الفرد و قضى على البطالة و أصبحت ماليزيا بعدها رابع قوة اقتصادية في آسيا

…لا أريد التفصيل في منجزاته…حتى في تلك البلاد النامية لايأبهون لبرج شاهق أو ناطحة سحاب أو نفق طويل أو قطار معلق أو

هذا لايعد شيء في زمن التقدم و التطور و سباق التكنولوجيا العالمي..ينظرون بشغف نحو الأمام…نحو تصدر آسيا و الاقتراب من مرتبة اليابان

 !!

عدد سكان ماليزيا حوالي 28 مليون و تتشابه ماليزيا و سوريا في كثير من الأمور

كونها دولة نامية ذات موارد محدودة و طابع إسلامي و ممانعة للعولمة

 !!

بينما حبيبتي سوريا…تقبع في قوقعة البعث…أربعين سنة من التخلف

 !!

في بلادي يحاول السوريون إسقاط حاكم دام حكمه حوالي 11 سنة

أكبر إنجاز له خلال تلك الفترة كان ترميم ساحتين

و تنقسم البلاد بين مؤيد له و متردد و رافض لحكم أسرته

في بلادي يحاول الثوار إسقاط حاكم لايفهم خطابه منذ المرة الأولى أكثر من 70 % من فئات الشعب

حاكم جاء بتعديل دستوري لوراثة والده في بلد نظامه جمهوري

حاكم يصدر مرسوم بحرف الــ ت لاسم بلد تاريخي عريق يكبره حجمًا  و اسمًا

حاكم ازداد في عهده عدد المرتشين و اللصوص و المختلسين و مصاصي دماء الشعب من أهل أسرته و أقربائه و يقول المشكلة في الأخلاق وحدها…الأخلاق هي السبب

ربما يقصد أخلاقه هي السبب*

حاكم يتهم بعضا ً من أهل بلده بالتخلف و الهمجية و الكفر و التطرف إن أرادوا خلعه…بعد أكثر من أربعين سنة من حكمه و حكم والده…دون أن يسأله احدهم من المسؤول عن هذا التخلف برأيك

حاكم يكسر اتباعه في عهده أصابع رسام معارض لحكمه

بينما يستمر مؤيدوه باستنساخ بعضهم و ترديد: أنها مؤامرة كونية لإسقاطه

في بلادي استبدال الحاكم لايصح إلا بمؤامرة

الأمر فعلا ً يحتاج لمؤامرة بين الله و ملائكته و رسله و مخلوقاته و شياطينه لانتزاع الكرسي من حاكم عربي

و سلالته الطامعة أبدًا

الصدفة أن تلك الأمور لاتحدث إلا في البلدان المتخلفة

.

.

الشهر الخامس من الثورة – شهر تموز 2011

Sephora

ظهر هذا البناء الحديث بواجهة من الزجاج المقسى الملون و زوايا هندسية مميزة و اتجاهات فراغية متعددة و كتلة معمارية تجذب الأنظار

ظهر فجأة في وسط العاصمة الماليزية كوالالومبور

تم افتتاحه حديثًا

مدة بناؤه حوالي 5 أشهر…هو تقريبًا من عمر ثورتنا في سوريا

في 5 اشهر تم قتل أكثر من 2500 متظاهر سوري سلمي يدعون للحرية

في 5 أشهر ألقى بشار الأسد حوالي خمسة خطابات عن إصلاح موعود خلال الأشهر القادمة , ذلك الذي لم يستطع تحقيقه خلال 11 سنة

في 5 أشهر وظف التلفزيون السوري عدد كبير من المحللين , و أغدقت الاموال على مشاهد تلفزيونية مفبركة عن عمليات ارهابية , و صرفت ميزانيات عالية للجيش ليدافع عن حكم آل السد…و لاشيء سواه

….

خمسة أشهر من عمر دولة نامية كماليزيا تعني عدة أبنية عالية و جسور و أنفاق…لكن هذا البناء أثار إعجابي لسرعة إنجازه و جماله

ربما أن رئيس الوزراء الحالي يريد ترك بصماته على تاريخ ماليزيا الحديث قبل إنتهاء مدة حكمه

و ربما هو يخشى من حدوث حركات احتجاجية أخرى , تأثرا ً بالبلدان العربية

.

.

شهر رمضان 2011

   “أسواق”

في ماليزيا

يتجمع المالاي حول بائع الثياب , يطوفون حوله طواف العيد المقدس

و أطفالهم الكثر يمارسون طقوس العيد في اللعب بين أرجل المارة و  تسلق جلابيب الآباء

و في البكاء طلبا ً لـــ شراء اللعب البلاستيكية “أيضا ً يشرون المسدسات و الفتيش” و قطع الحلوى المجرثمة

كذلك كان الأمر في بلادي حتى رمضان 2011

لاأعرف صراحة كيف يكون شكل الأسواق في الزمن الحالي

:ربما  يصرخ الصغير

“ما بدي من هي…الرصاصة”

“بابا جبلنا حرية معك”

..

 تحليل الصورة في بلادي

“منظور عين موالي للحاكم ” منحبكجي

التكوين: سريالي

البطل: يظهر في الصورة رجل يمتطي دبابة  , وراءه طفل مضرج بدمائه

“الخلفية: مجموعة دبيكه و راقصين على أغنية “سمرا و آني الحاصوده

التيمة: مؤامرة كونية

العنوان: سلفي..مجرد سلفي

.

.

تحليل الصورة في بلادي

“منظور عين ثائر أو معارض “مندس

التكوين: واقعي معاصر

البطل: يظهر في الصورة طفل مضرج بدمائه , خلفه رجل يمتطي دبابة

الخلفية: مجموعة نساء متشحات في الأسود , مجموعة من المعتصمين السلميين , شموع مضاءة

التيمة: الثورة السورية

العنوان: شهيد

.

.

ثورة 2011

 كأن الأرض من حولي في ثورة دائمة

في ماليزيا

العشب يعلن الثورة على الحجر

الأمطار تحاول اعتقال الصيف

و السماء تكبل أيدينا بالحر و الرطوبة

“الغيمات يغتصبهن الجبل “الشبّيح

الأشجار تثقب بالهراوات

القبلات تعتقل في “المترو” و الساحات العامة

الفقراء يُظلمون

الأغنياء لا يأبهون..كعادتهم

الطمع الفساد الرشوة

الشعراء يكتبون…يستشهدون

الثوار يتمردون على القوانين و الأمكنة و الملابس و مشايخهم

إنها الثورة تحتل رأسي منذ شهر كانون الثاني 2011

في بلادي يعم الحزن و يطغى اللون الأسود على صفحات الوجوه

“وبينما كان الآخرون يبكون بدأت بالرقص… نعم الرقص. وقال الآخرون عني : لقد جُنَّ الثائر. لو لم أكن رقصت لكنت متّ”

.

.

شهر رمضان 2011

شاهدة بعنوان مئذنة

الثورة السورية 2011

(هنا ترقد إحدى المآذن (..19 – 2011

قتلت المئذنة ؟

فمن ينادي على اسمها؟

من يرثيها؟ من يقف عند مآثرها؟

صعدت مئذنة إلى رأس أحد المشايخ و ألقت بنفسها

قهرًا

عانقت المئذنة شاعرها…عند استشهادها

و بكت

“و للمآذن كالأشجار أرواح”

.

.

راقصو الـــ زوربا

 الله في بلادي يلتزم رسم الكاريكاتير للتعبير عن رأيه

و يستمر في مد الظالمين و المكر…يريد التأكيد لنا بأنه هو أمكر الماكرين

يرى البعض أن استمرار بشار الأسد في حكم سوريا…هو مكر من الله ليس إلا

تحطيم أصابع رسام و انتزاع حنجرة مغني و نشر قدم متظاهر و كسر أجنحة طائر و ثقب عين مصور و تشويه وجه إحدى الجميلات و جلد عاشق و حرق عالِم و سجن طفل و صلب نبي…هذا هو الفجور

من ألهم الطغاة هذا الفجور؟

الله يخلق و الشاعر يبتلي

إن كانت تزعجهم الرسومات إلى هذا الحد…هل يعني هذا أن لديهم حساسية اتجاه الفن؟ أو حس إنساني ما ؟ هل لازال يسكنهم الضمير ؟ لماذا جلدتهم رسومات علي فرزات و شوهت أدمغتهم بهذا الشكل؟

الرسام في بلادي يضرب حتى تكسر أصابعه…و الجامع يقصف حتى تسقط مئذنته…أين كان الله ؟هل كان يرثي أحجاره ؟ أو يبحث لهما عن الشاش الطبي ؟

قام الرسام برسم مجموعة من الرجال المسلحين يضربون طفل أعزل و يسخرون منه: أين والدك ؟ قتلناه

أين والدتك ؟ اغتصبناها

أين قريتك ؟ أحرقناها

أين مدرستك ؟ هدمناها

قل لا إله إلا الحاكم

تضحك السماء على هذه اللوحة…تضحك بشدة فتحبل غيمة بالمطر الصيفي

و يغلب الاحمرار على وجنة غيمة أخرى…ذات غروب

سننتقم منكم برسم الكاريكاتيرات و الأغنيات الساخرة و الشعر الواقعي و كتابة مذكراتنا و و تكرار الآذان و قرع الأجراس و تتالي الفصول و تغير شدة الرياح و إضاءة فلاش الكميرات و صناعة الفيديوهات و موقع الفيسبوك و ضجيج “السبيكرات” و رقصة زوربا

نحن راقصو زوربا…سنملأ جدران مدننا بشعاراتنا و ألواننا…سنتشكل على هيئة أسراب من السمك في أعماق البحر و نقوم بعمل مظاهرات مائية

سنهتف “بالدبس” على رغيف الناعم ملء الحناجر

سنقيم اعتصامات نسائية أمام الكميرات في بيوتنا

سنتظاهر مظاهرات افتراضية

ستخرج منا الأغنيات من “سبيكرات” معلقة فوق الغيم

 و سنكتب أسماءنا بالذهب على شواهدنا

مهما فعلتم لن تحتلوا ذواكرنا

سنسقطكم من ذواكرنا أولًا

سنرقص رقصة الحرية و عندما نتوقف عن الرقص يمكن أن تقتلوا فينا الثورة

في رمضان 2011

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 3 = 13

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فيينا تحذف سوتشي/ إياد الجعفري

    فشلت المقايضة بين فيينا وسوتشي، التي جرت بين الغرب وروسيا، في تحقيق تفاهم ...