الرئيسية / صفحات الثقافة / رحيل الروائي المصري الكبير خيري شلبي

رحيل الروائي المصري الكبير خيري شلبي


بطاقــــــة

مواليد 31 كانون الثاني 1932 في قرية «شباس عمير» المصرية.

– والده كان رجلاً سياسياً ناشطاً في حزب الوفد وخطيباً مفوهاً، اعتقل أكثر من مرة. وهو سليل أسرة عريقة بالمناصب الكبرى والألقاب.

بدأ تعليمه في مدرسة القرية ثم في معهد المعلمين العام في دمنهور، واستكمل دراسته الثانوية والجامعية في الإسكندرية وفي أثناء الإجازة الصيفية كان يعمل في أراضي الإصلاح الزراعي، ومع عمال التراحيل، كما عمل في مهن كثيرة مثل بائع خردوات وأدوات منزلية، ثم عمل مندوباً لشركة، ثم قهوجياً في مقاهٍ عديدة (أشهرها قهوة إبراهيم الطنوبي).

استهوته كتابة الأغنية الشعبية لفترة، لكنه تنكر لها فيما بعد، لاقتناعه بأنها «محاولة لا تمت إلى الشعر بصلة». ثم انصرف إلى القصة القصيرة والنقد الأدبي، حيث تتلمذ على يد محمود كامل المحامي ويوسف السباعي وإبراهيم الورداني وإحسان عبد القدوس، ويحيى حقي ومحمود البدوي ويوسف ادريس ومحمود السعدني ويوسف الشاروني. لكن مثله الأعلى في الكتابة كان طه حسين.

في أواخر عام 1967 عمل في مجلة الإذاعة والتلفزيون وكتب فيها النقد المسرحي إلى جانب المراجعة اللغوية، كما عمل في مجلة «الشعر» في عامي 1995 و1996، ورأس تحريرها.

– رشحه اتحاد الكتاب لنيل تقديرية الآداب وجاء في حيثيات ترشيحه أنه رائد الفانتازيا التاريخية في الروائية العربية المعاصرة.

– هو مكتشف كتيب محاكمة طه حسين عن كتاب «الشعر الجاهلي» إذ عثر عليه في إحدى مكتبات درب الجماميز المتخصصة في الكتب القديمة، وهذا ما حفز الكاتب لتحقيق هذه المحاكمة التي انتهت من الزاوية القانونية بحفظ الدعوى، وإعادة رصد وقائع القضية وردود أفعالها اجتماعياً وأكاديمياً وسياسياً وأدبياً، ثم نتج عن ذلك واحد من أهم كتب خيري شلبي وهو: كتاب «محاكمة طه حسين»، الذي طبع أكثر من مرة، وكانت أولى الطبعات عام 1969.

– ابتدع في الصحافة المصرية لوناً في الكتابة الأدبية كان موجوداً من قبل في الصحافة العالمية، لكنه أحياه، وقدم فيه إسهاماً كبيراً، من خلال كتابة دقيقة لوجه من الوجوه نترسّم ملامحه الخارجية والداخلية، وقدم في فن البورتريه مئتين وخمسين من أعلام مصر.

– أعماله الأدبية لامست السبعين عملاً، في الرواية والقصة القصيرة والدراسة الأدبية والمسرحية وأبرزها: الأوباش. وكالة عطية. ملحمة موال البيات والنوم. صالح هيصة. السنيورة. محاكمة طه حسين. الشمس من فوق المشنقة. المأساة الخالدة. الوتد. عدل المسامير. رحلات الطرشـــجي الحلوجي. زهرة الخشخاش. وتد (تحـــوّلت إلى مسلسل تلفزيوني). ثلاثية الأمالي. مغامرات الأمير في بر مصر. نعناع الجناين (آخر رواياته).

– نال عدداً من الجوائز: الجائزة التشجيعية عام 1981، وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى، جائزة التميز من اتحاد الكتاب المصري عام 2003.

خيري شلبي أمير الحكي

عباس بيضون

رحل خيري شلبي الرجل الذي حوّل حياته الملحمية إلى سبعين رواية ونيف ولو عاش لكتب أكثر فقد كانت القصص تتوالى عليه وتحاصره كأنها هكذا أكبر من كلامه وأكبر من فنه. كان خيري شلبي قادراً على أن يؤلف رواية تكلمه ولكل شيء تاريخه وحكايته. كتب خيري رواية القاع الاجتماعي في مجتمع عرض

الهامش فيه وعمق القاع فيه بغير حدود. كان في هذا يكمل تقليداً في القصص العربي بدأ بالمقامات ورسائل الجاحظ. كان خيري قريباً جداً من الهامش وقد سلخ جانباً من حياته لا يعرف فيه لنفسه مكاناً للبيات وبتحايل حتى يقضي ليله في مكان وقد حوَّل هذا البحث المضني إلى رواية بعنوان «موّال البيات والنوم». قال خيري حياته بدون أنفة ورواها بدون استحياء، هي كما هي، بتشرّدها ونزواتها وخلطائها وعشرائها، لقد كسر الحدود بين الأدب والواقع، بين اللغة والحقيقة، وإذا كان هناك من ثورة في النص الروائي العربي فهي ثورة خيري شلبي. إذا كان سلين أخرج الرواية من الأدب والتأدب ووضعها نصب الحياة، إذا كان أخرج اللغة من حنوطها الأدبي فإن خيري شلبي صنع هذا. إننا نقرأ فيه الحكاء أكثر مما نقرأ الأديب، ونجد في روايته لغة الشوارع والهوامش وهي لغة لا تتفصح ولا تتقعر. وكتب خيري شلبي الرواية بسيولة وطراوة الحكي وبصوره وبلاغته وكنزه التراثي. كان بذلك، وربما من دون قصد، يضع في الرواية العربية صنيع سلين في الرواية الفرنسية، أي أنه يشكل من دون شك قاعدة عمارة جديدة في هذه الرواية. والأرجح ان الأيام المقبلة سترسخ موقع خيري شلبي في أدبنا وستتعلم منه الأجيال المقبلة وستنتقل الرواية العربية على يديه وأيدي نظرائه إلى نزف اللغة اليومي ودمها الصباحي وسريانها الشعبي.

قصــة ميــلاده التــي لــم يكتبــها

طارق امام

عندما أتذكر «عم خيري شلبي» الآن، بعد ساعات من موته، أستدعي معجزة رأيتها بعيني، وحكيتها لعدد من الأصدقاء في حينها، تخصّ، يا للعجب، ميلاده.

حدث ذلك منذ نحو خمس عشرة سنة، صحبته ذات يوم إلى البيت الذي ولد فيه، والقريب من البيت الذي ولدت أنا فيه، في ريف كفر الشيخ. سألنا عن البيت حتى وصلنا، وهناك، بعد متاهة الشوارع الضيقة التي قطعناها متشككين، طرق الباب منفعلاً، ظهرت من العتمة امرأة شائخة، تكبره، بعشرين عاما على الأقل، فقد كانت شاهدة على ولادته.

دون مقدمات، ارتجفت المرأة ثم صرخت بعزم لا يلائم وهنها: «خيري» واحتضنته.. فيما كان هو الآخر يلهج باسمها الذي خمّنه. رأيت بكاءه الصاخب، بكاء طفل في المهد، وارتجاج جسده المنفعل بكل ذرة فيه. بقي متأثراً طيلة اليوم.. وكلما قابلته بعدها، كان يستعيد تأثر تلك اللحظة، المدهشة والموجعة، مقترحاً أن نكررها معاً، وحائراً، لأنه يود أن يكتبها ويخفق مع كل محاولة لتدوينها. كنت أريد دائماً أن أقول له إنه لا يحتاج لأكثر من سكبها على الورق كما يرويها، لتنبض.

لم أستطع أبداً الفصل بين عم خيري شلبي في حكيه الشفاهي الثري وخيري شلبي في كتابته.. في إبداع خيري شلبي تبدو هذه الفواصل واهية، بين المكتوب والمتلفظ.. إنه حكاء، ونموذج للروائي الذي لا يؤلف.. لا يخترع قصة، وربما يفسر ذلك غزارته وسيولة سرده. كان مشغولاً بتقريب الحكي الشفاهي، الذي تعرفه جماعته، من عالم الكتابة النخبوي والمتأنق.. ولطالما قال لي إن الرواية يجب أن تخلق حالة «أنس» مع متلقيها إلى جانب لعبة الجماليات والتقنيات.. وكان ذلك على الدوام يمثل لي مفتاحاً مهماً لقراءة رواياته.

ولعل جزءاً من تفرّد عم خيري في الحياة، أنه لم يكن من سكان الأبراج العاجية مثل عدد كبير من مجايليه، كان بسيطاً، يتعامل «على راحته»، لا يختفي وراء قناع النجم، قليل الكلام، مضبوط الانفعالات، المتمرّس على صنع المسافات، كالكثيرين.. كان رجلاً تقوده عفويته وحسه.

الآن، يرقد العم خيري في سرير مولده.

موســوعة ثقافيــة

شعبان يوسف

خسارة فادحة للأدب المصري والعربي على السواء أن يرحل أحد حكائيه الكبار، وأحد بناة السرد الروائي على غرار السير الشعبية، فهو أحد المغرمين الفطريين بالحكي، واستطاع بجدارة ان يجسده في مختلف ما كتب من إبداعات، فعلها في (وكالة عطية) وفي (موال البيات والنوم) وهي تكاد ان تكون سيرته الخاصة حيث جسد معاناته بعيدا عن الميلودراما، وتعتبر حكاية خيري شلبي ذاته في تكوين وتطوير شخصيته وكتاباته هي احدى كتاباته، وإبحاره في اكتشاف المجهولات الثقافية مثل التحقيق التاريخي مع الدكتور طه حسين حول كتابه في الشعر الجاهلي. فخيري هو أول من نشر شهادة القاضي محمد نور حول هذا الكتاب الاشكالي. أيضا اكتشف المسرحية الوحيدة والمجهولة للزعيم المصري مصطفى كامل وأجرى حولها تحقيقا ونشره في مجلة الهلال في السبعينيات وأنقذها من الضياع الحتمي، وأتمنى ان تنشر في كتاب.

وحول هذه المجهولات كان دوما يحدثني عن المشاريع التي يرجو ان ننجزها معا، ولم نستطع بالطبع ان ننجزها لمشاغلنا اليومية المتعددة، وبعيدا عن كتاباته الروائية التي سيتوقف عندها التأريخ الأدبي كثيرا، كانت له مساهمات نقدية عميقة وكثيرة حول المسرح المصري وكان له دراسة ومقال ثابت في مجلة المسرح في الستينيات، وله كتاب عن جذور المسرح المصري، وكتاب آخر عن الراحل نجيب سرور، حيث جمعتهما صحبة حياتية وثقافية ومسرحية كبيرة، وبالطبع كان خيري من أهم كتاب البورتريه، وأحد حافظي الشعر بجدارة، ويعتبر أحد رواة شعر فؤاد حداد العظيم وكان ينشده عن ظهر قلب لساعات طويلة، لأنه يعتبر فؤاد حداد من شعراء العالم العظام.

خيري شلبي من قبيلة الكتاب العصاميين الذي تكبدوا مشقات كبيرة في سبيل تطوير أنفسهم، مثل إبراهيم أصلان وحنا مينة ومحمد صدقي ومحمد شكري وغيرهم حيث إنه عانى كثيرا في مقتبل عمره لكي ينشر أعماله الابداعية ولم يكن له مكان يقيم فيه، وعبر عن ذلك في رسالة منشورة له في مجلة الشهر التي كان يرأس تحريرها الراحل سعد الدين وهبة، وكانت الرسالة منشورة في بريد القراء عام 1960 وتحدث فيها عن تنقلاته العديدة من مكان الى مكان، انه بنى نفسه بكل جدية، واتخذ من المقابر مكانا لسكناه زمنا طويلا، حيث كتب هناك معظم إبداعاته، وأبدع أجمل شخصياته وسط هذا العالم الموحش، وكانت شخصية حسن ابو ضب في ثلاثيته المعروفة (أولنا ولد وثانينا الكومي وثاثنا الورق) من أبدع الشخصيات الروائية في الكتابة المصرية وكذلك شخصية الجدة في روايته الوتد. ويعتبر من الكتاب الحسيين فى الادب المصري، فالمعنى عنده تال للمشهد والحدث والصورة، ولا أفكار مجردة ومعاني خالية من الحكاية والوقائع، لذلك هو أحد الذين جسدوا الحياة الواقعية المصرية المشحونة بالصراعات المختلفة، ارتبطت كتاباته بتحولات المجتمع الكبرى، وعبر عن الواقع بوضوح وجرأة، وعندما أرادت الجامعة الاميركية ان تمنحه جائزتها وكانت روايته البديعة صالح هيصة مرشحة للجائزة تحفظت اللجنة عليها لإغراق الرواية في وصف جلسات وأصناف الحشيش، وحادت عن تقاليدها المعروفة فمنحته الجائزة عن رواية (وكالة عطية) والتي كان قد مر على صدورها اكثر من عشر سنوات وفي هذا ما يخالف اعراف وتقاليد الجائزة.

خيري شلبي موسوعة ثقافية كانت تكتب وتحكي وتسير بين الناس وتضحك وتثير الادهاش المتعدد الوجوه كما انه ايضا كان مثيرا للخلاف وعانى من اشكال الهجوم المتغرطسة. خيري هو احد الوجوه الابداعية الساطعة في سماوات السرد العربي، وأرجو ان تهتم المؤسسة ومحبوه ودراويشه ورفاقه بجمع تراثه المهول وتصنيفه ونشره، مما سيكشف وجوها اخرى للراحل الكبير الذي نختصره في الروائي خيري شلبي.

حضــور هائــل

ابراهيم اصلان

لا أتخيل أنه من الممكن التحدث عن خيري باعتباره غير موجود في عالمنا. علاقتي به امتدت على مدى نصف قرن، تخللتها، بطبيعة الحال، بعض الفترات من المناكفة، لم تكن تدوم أكثر من أيام. لم ينقطع بيننا التواصل على الإطلاق. قبل وفاته مباشرة هاتفني ليسألني عن عنوان الجزء الثالث من «الكوميديا الإلهية» لدانتي لأنه كان يكتب مقالاً عنها لجريدة الوفد، وأخذ يحكي كالعادة حكايات قديمة وجديدة عن المدارس الصحافية، عن التابعي، وروز اليوسف، وصلاح حافظ وآخرين. صوته كان نقياً وغير مرهق. السيدة زوجته كانت مذهولة لأنه توفي بعد مهاتفته لي بساعة فقط بينما يحادثها بدون أي مقدمات. ذهبت إلى بيته في الصباح، ودخلت حجرته، احتضنت جسده الذي فارقته الحياة، ولحظتها شعرت أنه سيفيق. أحسست بالانهيار في هذه اللحظة، لم أتصور أن موقفاً كهذا سيكون بهذه القسوة عليّ، وأنا المعتاد على مواقف مشابهة.

خيري كان يشغل مساحة كبيرة جداً، كان حضوره هائلاً. هو كاتب على درجة كبيرة من الأهمية. نحن عادة نقف أمام الأعمال ولا نتوقف أمام طبيعة الإنسان الواقف وراءها. كان خيري مستودعاً ضخماً لذكريات وعلاقات وحكايات في مساحات ومناطق لا نعرفها جيداً مثل المغنى والألحان والشعر الشعبي وعوالم الصعاليك. والمبهر تمتعه بذاكرة نادرة لم يؤثر عليها الزمن إلا قليلاً. كان يحفظ دواوين شعرية كاملة لفؤاد حداد وآخرين.

أشعر الآن بفداحة فقدان صديق له طابع خاص جداً، وعلاقة صداقة ممتدة، فقدان ترك بداخلي فراغاً ليلياً وفراغاً في حياتي نفسها. في الوقت نفسه ثمة خسارة فادحة في رحيل هذا المستودع وهذه الذخيرة من التفاصيل الخفية للحياة الفنية والثقافية التي اختزنها خيري شلبي واختفت برحيله. هذا إحساس لم يصبني مع شخص آخر إلاّ مع كامل زهيري الذي شعرت أيضاً بفقدانه كصديق وبحجم ما فقدته البلد من مساحة جميلة من تاريخها رحلت برحيله.

رحيل هذا النوع النادر من البشر يعطي إحساساً بأن الواقع الذي نعيش فيه ازداد فقراً، لأنهم أخذوا معهم ثروة كبيرة.

لن أتكلّم عن خيري شلبي إلاّ باعتباره موجوداً، وسيظل موجوداً.

حالة كتابية يصعب تجاهلها

محمود الورداني

لا أشعر بالحزن لرحيل خيري شلبي! أشعر بالفقدان.

كان جزءاً حميماً من ذكرياتي وحياتي. على سبيل المثال، كثير من أعماله الروائية خاصة «موال البيات والنوم» قرأتها أثناء كتابتها. كان ينتهي من كتابة صفحة ويعطيها لي لقراءتها اولاً بأول. لا نستطيع أن نقول عن خيري إنه كاتب جيد أو غير جيد. هو أبعد من هذا لأنه مثّل حالة كتابية كبيرة يصعب تجاهلها.

لا ينبغي الحزن، هو مات في ظروف جيدة، حيث رأى مصر تنهض وتستعيد كرامتها. مما لا يدعو للحزن أيضاً أنه ظل حتى آخر لحظة واقفاً على قدميه، يقرأ ويكتب ويعمل.

قام بما عليه ككاتب، وعمل قراؤه ما عليهم كقراء بأن أحبوه واحترموا كتابته. مصابي فيه مصاب شخصي وليس مصاباً أدبياً. علاقتي به بدأت سنة 68 تقريباً. كنت كتبت قصة قصيرة عنوانها «الدير» بعد هزيمة 67، وكان يعمل في مجلة الإذاعة والتلفزيون مع شقيقي الأكبر، وحدث أن قرأ القصة عبر شقيقي دون أن أعرفه أو يعرفني بشكل شخصي، وقدمها في برنامج «كتابات جديدة» في الراديو. كنت وقتها في الثامنة عشرة من عمري، ومنذ هذه اللحظة بدأت علاقتنا وتوثقت. كنا مختلفين في كل شيء: سياسياً، وعلى مستوى الطباع الشخصية، والذائقة الأدبية، لكن كل هذه الاختلافات لم تؤثر بالسلب على صداقتنا.

كأن الحياة هي الكتابة كأن الكتابة هي الحياة

منصورة عز الدين

«جربت أن أكون لصاً، وحين ساءت ظروفي جداً أصبحت كاتباً». جملة كتبها الساخر العظيم محمد مستجاب ذات يوم معطياً، عبرها، لمحة سريعة عن الخلفية الاجتماعية التي جاء منها والظروف الحياتية التي صنعته كاتباً. لكن ما لي أبدأ بعبارة لمستجاب في مقام الحديث عن رحيل خيري شلبي؟!

ربما يكون السبب أن الكاتبين الكبيرين، رغم الاختلافات العديدة بينهما، يمثلان حالة فريدة بين الروائيين المصريين لجهة علاقة كل منهما بالحياة والشارع وعوالم المهمشين والصعاليك ولجهة كفاحهما وعصاميتهما. عرّى كل منهما، على طريقته، عوالم منسية ومهملة، واستحضر فئات نادراً ما اقتربت منها الرواية المصرية قبلهما، من صعاليك، ومجرمين، وحشاشين، وبسطاء.

وإذا كان مستجاب قد خلق «أسطورة الكائنات الهامشية» أو أسطورة اللا أسطورة، حيث الكتابة عنده تبدأ بتفكيك/ تدمير الأسطورة المتوارثة لتخلق من رماد احتراقها أسطورة جديدة هادمة لها وساخرة منها، فإن خيري شلبي كتب الواقع بكل تناقضاته وفجاجته دونما فلترة وألقي به في وجه القارئ، وفي هذا تحديداً يكمن تميزه عن الكتّاب الآخرين. حين تقرأ أعماله تشعر أنك في حضرة حكواتي شعبي، وريث أسلاف من الحكائين ومنشدي الحكايات الخيالية في أرياف مصر وحواريها. قد تشعر كقارئ متطلب أنك تنحاز لمفهوم آخر للكتابة الإبداعية، قد لا تحصر دورها، مثلاً، في تمثل الواقع ومحاكاته، أو قد تفضّل الخيال الجامح وتراه شرطاً لا غنى عنه، لكنك رغم كل هذا لن تنجو من فتنة الواقع الحي غير المجمّل ولا المنّقى في أعمال خيري شلبي.

فالكتابة عند الروائي الغزير الإنتاج، الموسوعي الثقافة، الملم بخفايا التاريخ الاجتماعي، الفني، والثقافي لمصر، شاهد على عالم يجري، وامتيازها نابع من قيامها بمهمة كشف هذا الواقع والشهادة عليه. قد تكون هذه النظرة للكتابة مشتركة بين معظم كتّاب جيل الستينيات، لكنها في حالة شلبي أكثر بروزاً ووضوحاً، لأنه، عبر أعماله، أزاح كل الحواجز بين الكتابة والحياة.

لن أنسى أبداً لحظة اكتشافيلروايته المهمة «وكالة عطية»، إذ بعد منتصف ليلة بعيدة، بدأت في قراءتها، ولم أستطع الابتعاد عنها إلا مع آخر كلمة فيها وكان الصباح قد اقترب. كنت كأنني أمتثل لطبيعة كاتبها الذي لا يكتب إلا ليلاً، كأني أقطع عكسيا، وبتكثيف زمني، رحلة كتابته لها.

الحياة هي الكتابة.. الكتابة هي الحياة. هذا هو سر خيري شلبي.

قرابــة الــدم

يوسف القعيد

أعتبر أن قرابة الجيل بالنسبة لنا، نحن كتاب الجيل الستينيات، مثل قرابة الدم. من هنا خيري شلبي أحد أفراد العائلة. هو انتقل إلى دار الحق ونحن ما زلنا في دار الباطل! وبالتالي لا يجوز لنا إلا الحديث عن مميزاته وإيجابياته. الرجل كان عصامياً، عرق وتعب وعلّم نفسه بنفسه، وحاول الاهتداء لصوته الخاص ولجملته في الكتابة. فتح عينيه على المهمشين الذين أصبحوا عالمه. روايته «موال البيات والنوم» ركيزة أساسية في أعماله، يحكي فيها عن البطل الذي يبحث كل يوم عن مكان ينام فيه، وفي هذا جزء من سيرة خيري على ما أظن. كان شديد الإعجاب بالصعاليك، بالحجاوي، وعبد الحميد الديب. وكان كثيراً ما يحاول التصعلك مثلهم، لكن ظروفه الصحية منعته من ذلك في السنوات الأخيرة. كتابة شلبي تمثل تجربة مهمة في السرد والكتابة الأدبية المصرية.

خيري شلبي: حكواتي الهوامش المنسيّة

صاحب «وكالة عطية» أغمض عينيه في لحظة غفلة، ليفقد الأدب العربي أحد أهم أعمدة السرد في الستينيات. الكاتب العارف بأسرار المدينة، خاض معركته ضد الاستبداد والمتأسلمين حتى الرمق الأخير

محمد شعير

القاهرة | فُجعت مصر يوم أمس برحيل أحد أبرز أدبائها ومثقفيها خيري شلبي (1938) الذي شيّعته العائلة والأصدقاء يوم أمس إلى مثواه الأخير في قرية «شباس عمير»، في دلتا القاهرة. لم يكن مريضاً. في الثانية فجر الجمعة، اتصل بصديق عمره إبراهيم أصلان. تحدثا طويلاً كما اعتادا في شؤون الصحافة والثقافة وشجون السياسة. عاد شلبي بذاكرته إلى أربعينيات القاهرة، متذكّراً صحافة محمد التابعي ومصطفى أمين. وفجأة أنهى المكالمة ليستكمل كتابة مقاله.

طلب من زوجته كوب لبن دافئ. ذهبت لتعدّه، وعادت لتفاجأ به وقد فارق الحياة. ظنت أنّها مجرد مزحة منه، هو المعروف بمقالبه مع الأصدقاء. صرخت: «أكيد إنت بتهزّر معايا».

ذلك الحنين الغامض إلى الموت

محمد خير

القاهرة | استيقظ كعادته فجراً، فرد أوراق الكتابة، أمسك بصدره فجأة، لكنه لم يتمسّك بروحه طويلاً، أفلتها ببساطة. «عم» خيري شلبي رحل بلا ألم، بمهارة خبير في الموت. قبل سنوات طويلة، تعطّلت سيارة صاحب «موال البيات والنوم» في طريق «صلاح سالم» السريع. بالكاد استطاع الانحراف نحو اليمين، توغّل في منطقة المقابر القديمة «قايتباي»، تعطّلت السيارة لكنّه استطاع العثور على ميكانيكي من سكان المقابر. انهمك العامل في التصليح، بينما جلس الروائي على كرسي قديم يستكمل كتابته. تدافعت الكلمات بلا عائق.

وجد في جوّ المقابر الساكن شيئاً غامضاً لم يفهمه. منذ تلك الحادثة، أنفق الأعوام الطويلة يكتب في غرفة في المقابر. أصدقاؤه هم الموتى وأصدقاؤهم من عمال ومهمّشين وهائمين على وجوههم. هناك كتب أعماله الكبرى، ورسّخ نفسه كأحد أهم أعمدة السرد في جيل الستينيات. بعد سنوات أخرى، حاول تفسير الحنين الغامض إلى الموت بأنّه الحنين إلى «فوة» المدينة الأثرية التي تحوي 365 مسجداً وقبة أثرية بعدد أيام السنة منذ العصر المملوكي. هناك، قضى طفولته حيث ولد في محافظة «كفر الشيخ»، وحفر التاريخ وآثار الموتى مكاناً عميقاً في قلبه…

الكاتب المتعدد الاهتمامات والطموحات، أنهى 70 كتاباً بين رواية وقصة قصيرة ونقد وبحث مسرحي، فضلاً عن كتابات فن البورتريه. اهتمامات لا تشي بها طفولته الصعبة والقاسية والمتقلبة إلى درجة العمل مع عمال التراحيل. تعرّف باكراً إلى وجه آخر للحياة نادراً ما كتب عنه الأدباء، لأنهم نادراً ما عايشوه. قادته حياته بعد ذلك، أو ربما قادها هو، إلى المزيد من طريدي المدن وسكان الهوامش. صاغ ذلك كله عبر عمره الروائي، لكنه تبلور في «وكالة عطية» الأشد تعبيراً عن عالمه الروائي. هنا، يعتدي الطالب المتفوق في معهد المعلمين على أستاذه، فيطرد من المعهد، ويسقط فجأة من سقف مستقبله الزاهر إلى قاع المدينة بين الصعاليك والمهمشين والمجرمين الذين تجمعهم «وكالة عطية». المكان هنا هو البطل. مع ذلك، فكل شخصية تستحق البطولة.

في حياته الغنية، التقى شلبي أغرب الناس، لكن يصعب تصوّر أنه التقى كل هذه النماذج العجيبة في عمر واحد. لا بد من أنه منح شخصياته الكثير من نفسه حتى انزاحت من تخوم الواقع إلى حدود الفانتازيا. هكذا يبدو الأمر أكثر في روايته «صالح هيصة» الذي هو «ملك الكحيانين»، لأنه «كحيان بكل الطرق». ثلاثيته «الأمالي» التي تكونت من «أولنا ولد»، «وثانينا الكومي» و«ثالثنا الورق» تحولت إلى مسلسل «الكومي» على يد المخرج محمد راضي. لم يكن التحويل إلى الفنون البصرية نادراً في أدب شلبي، لكن الفضل الأبقى ظل للسرد الروائي، ربما باستثناء «سارق الفرح» قصته القصيرة التي حوّلها داود عبد السيد عام 1995 إلى إحدى علامات السينما المصرية.

رحل الرجل الذي لم يكف عن الكتابة والبحث والعمل المؤسّسي (تولى رئاسة لجنة القصة في المجلس الأعلى للثقافة ورئاسة تحرير مجلة «الشعر»…). كان له في كل ذلك نشاط وافر وخلافات وصداقات وعداوات. ترك كل ذلك ورحل بيقين وحيد أنّ السرد وسيلته الضرورية للحياة.

رحيل الروائي المصري الكبير خيري شلبي

القاهرة – رحل الروائي المصري الكبير خيري شلبي فجر الجمعة عن 73 عاما فيما كان يستعد لكتابة مقال يومي له لاحدى الصحف المصرية كما اعلن نجله. وقال زين العابدين خيري نجل الروائي المصري ان والده توفي فجرا وكان في صحة جيدة قبل رحيله.

والراحل شلبي هو احد كبار الروائيين المصريين الذين تركوا اثرا كبيرا في مجتمعاتهم بكتاباته وعبر وسائل الاتصال من اذاعة وتلفزيون وصحافة وترك وراءه ما يقارب السبعين رواية ودراسة وكتاب نقدي الى جانب كتابات اخرى.

وكان صاحب “وكالة عطية” ولد في قرية شباس عمير في محافظة كفر الشيخ مطلع عام 1938 وعاش حياة بمنتهى القسوة حسب ما روى في شهادة له في مؤتمر الرواية في العاصمة السورية دمشق بعد اختيارها عاصمة العرب الثقافية قبل بضعة اعوام.

فبعد رحيله عن قريته وتوجهه للقاهرة عانى الكثير الى ان اكتشفه احد كبار الصحافيين في ذلك الوقت وقام بتعيينه في احدى الصحف القومية للكتابة فيها.

وهذه الخطوة غيرت حياته بالكامل فقد تحول كليا الى الكتابة حيث اصبح بعد فترة يؤمن معيشته من عمله في الصحافة.

وتضمنت اعمال خيري شلبي الروائية محطات شهدها في حياته فقد تضمنت رواياته الاولى الكثير من الكتابات حول العشوائيات وسكانها ولعل من ابرزها في هذا المجال روايته “وكالة عطية” التي يعتبرها النقاد المصريون من اهم اعماله الادبية. وقد حولها كاتب السيناريو والمخرج المتميز رافت الميهي الى مسلسل مهم على شاشة التلفزيون وقام ببطولته الفنان حسين فهمي.

وحول نفس الفترة ايضا اختار المخرج وكاتب السيناريو داود عبد السيرة مجموعة قصصية بعنوان “سارق الفرح” وحولها الى فيلم عن سكان العشوائيات تحت نفس العنوان.

وقدم عن عشوائيات وسط البلد خلال انتفاضة 19 كانون الثاني/يناير 1977 رواية رائعة تخلط بين عالم العشوائيات والحشاشين وعالم الحركة الوطنية من خلال روايته الشهيرة “صالح هيصة” و”رحلات الطرشجي الحلوجي”.

ومن ابرز رواياته “السنيورة” و”الاوباش” و”الشطار” و”الوتد” (تحولت الى عمل تلفزيوني) وثلاثية الامالي وهي “اولنا ولد” و”ثانينا الكومي” و”ثالثنا الورق” و”بطن البقرة” و”صهاريج اللؤلؤ”.

ومن مجموعاته القصصية “المنحنى الخطر” و”صاحب السعادة اللص” وقداس الشيخ رضوان وفي المسرح “صياد اللولي” و”غنائية سوناتا الاول” و”المخربشين” ومن مؤلفاته ودراساته “أعيان مصر (وجوه مصرية)” “غذاء الملكات” “مراهنات الصبا” و”لطائف اللطائف” “ابو حيان التوحيدي” و”دراسات في المسرح العربي” و”مسرح الأزمة (نجيب سرور)”.

وحصل شلبي خلال مسيرته على عدة جوائز بينها جائزة الدولة التشجيعية في الاداب عام 1981 وسام العلوم والفنون من الطبقة الاولى 1981 وجائزة افضل رواية عربية عن رواية “وكالة عطية” 1993 والجائزة الاولى الاولى لاتحاد الكتاب للتفوق عام 2002.

كما نال جائزة نجيب محفوظ من الجامعة الاميركية بالقاهرة عن رواية وكالة عطية 2003 وجائزة أفضل كتاب عربي من معرض القاهرة للكتاب عن رواية “صهاريج اللؤلؤ” وجائزة الدولة التقديرية في الاداب ‏2005‏، كما رشحته مؤسسة “إمباسادورز” الكندية للحصول على جائزة نوبل للاداب.

ويشيع الروائي الراحل الى مثواه الاخير الجمعة في قريته.

الجمعة 9 سبتمبر 2011

ا ف ب

خيري شلبي والرحلة التي تنتهي ولكن بلا حدود بين الكتابة والحياة

                                            غيب الموت أول من أمس الروائي المصري خيري شلبي عن عمر يناهز 73 عاماً إثر أزمة قلبية حادة. ويعد شلبي أحد أبرز كتّاب الجيل الثاني من القرن الماضي في مجال الرواية والقصة وتردد اسمه كثيراً في الترشيحات لجوائز أدبية رفيعة وقد ترجمت أعماله الى لغات أجنبية متعددة.

عالج خيري شلبي الكثير من العوالم الهامشية لشخصيات وفي محفوراتها الداخلية منحازاً الى الشخصيات الهشة والهامشية التاريخية بأسلوب يتيمز بحس واقعي ساخر وفانتازي حيناً حين يمزج الواقع بالخيال بسردية استطاعت أن تجد لها اسماً وشهرة ولو في الصف الثاني بعد الأول في حقل الرواية العربية المصرية تحديداً وهذا لا يقلل من مصداقيته الروائية وتطويعه لشخصيات روائية وقصصية مهمة ولمساحات كتابية متقدمة على سواها.

ترك شلبي أكثر من 70 كتاباً من بينها “الوتد” و”ثلاثية الأماني” و”وكالة عطية” و”سارق الفرح” و”صهاريج اللؤلؤ” و”صحراء المماليك” و”زهرة الخشخاش” و”نسف الأدمغة”.

حكواتي كبير وناقد ظاهر كلامه بسيط وعفوي وباطنه عميق وثوري ومتمرد وساخر حتى الثمالة وفنان روائي في فن الإخراج السياسي لروايته “أعيان مصر” و”غناء الملكات” و”مراهنات مصرية” و”لطائف اللطائف” و”عمالقة الظرفاء”، الى نجاحه في “البورتريه الوصفي”.

باشا حقيقي في فن الرواية، رسم ملامح شخصيات ومنها عكس مراحل وتحولات حديثة في المجتمع المصري والعربي والحراك الطبقي الاجتماعي، وشكلت روايته جزءاً من تلك المناخات العامة والتحولات الاجتماعية والسياسية في الحدائق الخلفية.

وإلى الرواية برع شلبي في مجال البحث الأدبي لا سيما في كتابه: “محاكمة طه حسين” (1969)، وقد أثار جدلاً أدبياً مهماً بعد كتاب طه حسين “في الشعر الجاهلي” الى عمله كناقد مسرحي في سبعينات القرن الماضي. لكنه تخصص في النقد الإذاعي أكثر ما يميز شلبي كتاباته التي ليست نوستالجية بالكامل ولا غنائية وتحمل ربطاً ما بالحاضر والمستقبل في انحياز واضح الى شباب مصر وأحلامه وهواجسه وعواطفه ومواهبه وإبداعاته الخبيئة.

كان رجلاً طريفاً جداً، ضحوكاً جميلاً، مشاغباً فوضوياً وبعفوية ممسوكة جداً، الباشا الكافر “المتمسكن” بمهارة وببعض من عبثية تعيش الفكرة وتثير فرحاً في مجالسه ولقاءاته.

بورتريه روائية أدبية أخرى يخسرها الوسط الثقافي وهو الذي اشتغل على تقديم بورتريهات لمائتين وخمسين شخصية من فاعليات مصر في جميع المجالات الأدبية والفنية والسياسية والعلمية والرياضية على امتداد أجيال ثلاثة من جيل طه حسين الى جيل الخمسينات وإلى جيل الستينات.

خيري شلبي من سلالة زمن الروائيين والحكائيين الذين غاصوا أكثر في العالم السفلي للواقع الإجتماعي المصري الحديث وبطاقة حضور هائلة وبطبقات غنية في ذاكرة وعلاقات وحكايات ولقاءات ومساحات من الزمن الجميل، زمن الصعاليك الرائع والجميل، وهو حالة أدبية اقتربت كثيراً من سلوكيات الحياة نفسها وبذائقة حقيقية مصرية حيث لا حدود كبيرة بين الكتابة والحياة نفسها

رحيل خيري شلبي: سلام على عم خيرى

بلال فضل

لا إله إلا الله، رحل أبونا خيرى شلبى قبل أن تكتمل فرحته معنا برؤية مصر التى أحبها وهى تختار عَدَلها بنفسها، رحل وهو سعيد بفجر الحرية الذى شهدته مصر، رحل وهو قلق على المخاض الذى تشهده مصر، سعيا لاكتمال الحلم الذى عاشت أجيال بأكملها من مثقفى مصر تناضل من أجله. يصعب علىّ أن أرثى أبا وصديقا وكاتبا عظيما كعم خيرى، لذلك أستعين بسطور كتبتها عنه فى حياته، وكان يحبها كثيرا، سائلا الله أن يقبله فى جنة الخلد، ويجزيه خير الجزاء عن كل سطر أمتع وأفاد وأغنى به الملايين من قرائه فى العالم العربى.

«.. كان خيرى شلبى أديبا، نسيجا وحده، عالمه مِلْك يمينه، لم يتأثر فيه بأحد ولم يقلد مشروعا غربيا ولم يجر وراء صرعات أدبية تبعده عن القارئ وتنسيه غوايته الأثيرة، غواية الحكى. كان مع كل ذلك وفوق كل ذلك شخصية إنسانية فريدة علمتنا كيف يكون الأديب وفيا لعالمه الذى يكتب عنه وله، وكيف يعزل نفسه عن واغش الحياة الثقافية وكيف يحترم قلمه وفنه منذ أن كان أديبا مكافحا ومغمورا وحتى أصبح ملء السمع والبصر، فلا تكون له شلة نقدية أو قعدة أنصار وموالين، ولا يعرض إبداعه على أحد مستجديا تقديرا أو تقييما، يجلس فى الطربة التى يكتب فيها من زمان، متفردا بكآبته وصبابته وعنائه، مفضلا صحبة أموات المقابر على أموات التجمعات الثقافية، ليكون نموذجا للقدرة البشرية على الإنجاز دون صخب أو طنطنة، وليحقق بمفرده مسيرة روائية حافلة تحتاج إلى رسائل دكتوراه ومؤتمرات أدبية لرصدها وتحليلها واستطعامها.

وقعت فى هوى خيرى شلبى منذ تلك اللحظة التى قرأت فيها عمله الفذ (موال البيات والنوم) الذى لن يعرف قيمته من لم يجرب عناء الفقر والبحث عن مأوى ومحاولة الهروب من مقصلة هذه المدينة اللغز القاهرة، عندما بدأت فى التعرف على زملاء دفعتى فى كلية الإعلام لم أصدق نفسى عندما عرفت أن زين ابن الأديب الكبير خيرى شلبى زميل لنا فى الدفعة، سعيت إلى التعرف عليه ولزقت له فى الرايحة والجاية لعله يأخذنى لزيارة والده، ويبدو أن عم خيرى وقف فى طريق صداقتى بزين ومنعها من أن تكون صداقة حميمة، فبالتأكيد اتخنق زين من سؤالى له كل يوم عن أبيه وطقوسه فى الكتابة والحياة وشخصيات روايته، وهى أسئلة تليق بناقد فى مجلة الكرمل لا بزميل دراسة وشباب من دور بعض، حتى جاء اليوم الذى قرر فيه زين أن يستريح من غلاستى وحمل لى رواية (الوتد) مكتوبا عليها إهداء متعجل، لعل عم خيرى كان يسبنى وهو يكتبه لأن زين كان واقفا على دماغه حتى يكتبه، قرأت الرواية القصيرة المكيرة البديعة وأنا أجلس على أرضية متسخة فى ركن من أركان قطار درجة ثالثة حقير، كنت مسافرا فى ليلة شتوية عائدا إلى الإسكندرية لكى آكل لقمة بيتى وأنام نومة نظيفة ولو لليلة، توقف القطار عند بركة السبع لسبب غامض لأكثر من ثلاث ساعات كنا فيها سجناء العربيات المفتوحة من كل ناحية للمطر الغزير والبرد الزمهرير، ومع ذلك لم أشعر بشىء من كل ذلك، فقد كانت (الوتد) خير جليس لى فى تلك الليلة الليلاء، توحدت مع عالمها السحرى وعشقت ناسها واتخذتهم ونسا ودفئا، قبل أن أهجرهم لأقع فى هوى حسن أبو ضب بطل رباعية عمنا خيرى المستحيلة، الذى هجرته بدورى إلى هوى العراوى وموت عباءة ورحلات الطرشجى الحلوجى والأوباش والشطار والعمل الأعظم والأحب إلى قلبى (وكالة عطية). كنت كلما قرأت رواية لعم خيرى زدت فى رذالتى وتطفلى على زين الذى زهق منى وقرر أن يصحبنى لزيارة أبيه، لأكتشف أننى على فقرى أغنى من زين، فأنا على الأقل أسكن فى بيت، أما زين فهو وإخوته يا عينى يسكنون فى مكتبة لو كانت قد رأتها ماما سوزان لصادرتها وأطلقت اسمها عليها، ورغم مرور السنين فما زال ماثلا فى ذهنى وجه عم خيرى وهو ينظر بفخر إلى آلاف الكتب التى تملأ جدران البيت وأرضه وسقفه، لدرجة أنه وهو يحدثنى عن وجود شقة أخرى بها كتب أكثر من هذه بكثير، كل ما كنت أفكر فيه كيف أجد طريقة لسؤاله عن عنوان الشقة الأخرى التى كنت قد بدأت أفكر جديا فى سرقتها.

لم تتكرر زياراتى لعم خيرى كثيرا على مدى سنوات معرفتى به، فانهماكه فى إنجاز مشاريعه وأحلامه لا يجعل لديه وقتا للمتطفلين وحرامية الكتب من أمثالى، لكننى تعلمت منه كثيرا وأحببت عزة نفسه ونأيه عن كدابين الزفة الثقافية وإخلاصه لما يجيده واتساقه الشديد مع نفسه واحتمائه بتلك الأسرة الدافئة التى أحببتها بمجرد رؤيتى لها متخذا من زوجته وأم عياله السيدة الطيبة الجميلة الحنون وتدا يستند إليه فى مسيرته الحافلة، ويشيل عنه همّ العيال».

قبل أن يرحل عم خيرى بخمس سنوات وجهت نداء إلى مسؤولى وزارة الثقافة كتبت فيه مناشدا «استصدار قرار باستدعاء الكاتب الخارق خيرى شلبى إلى مقر المجلس والتحفظ عليه فى مكان أمين لأجل غير مسمى مزود بكاميرات سرية مع توفير جميع وسائل الرفاهية اللازمة له طوال فترة احتجازه وعدم السماح له بمغادرة المكان إلا بعد أن يودع شفهيا نسخة من كل الكنوز التى تحتكرها ذاكرته، بادئين أولا بمئات القصائد المبهرة لشعراء عمالقة مجهولين لم نسمع لهم ولا عنهم، ثم بعد ذلك تتم محايلته بالذوق وبالعافية إن لزم الأمر ليحكى كل ما برأسه من دوائر معارف مذهلة عن أدق تفاصيل حياة الريف المصرى وأساطيره وسيره الشعبية، ودخانيق القاهرة التى لا يعلمها إلا هو وثلة من الذين ملكتهم نفسها عن طيب خاطر، فضلا عن حكاياته الكاشفة الساحرة التى لا تنفد عن كواليس الحياة الثقافية والأدبية فى مصر، مع التغاضى عن إجباره على نقل ما قام بتحصيله من معارف أدبية وتراثية وعلمية طوال عمره المديد، لأن تدوين ذلك سيتطلب سنين بعدد سنوات عمر عم خيرى التى لم يكف فيها لحظة عن التهام المعرفة، سنكون واقعيين لأن الطمع يقل ما جمع. باختصار شوفوا لكم حلا فى هذا الرجل العظيم الذى لا يكف عن إدهاشى أبدا. كلما ظننت بحكم اقترابى الحميم منه ومن أسرته الجميلة وبحكم قراءتى لكل ما نشر حاملا اسمه أننى حاصل على العالمية فى خيرى شلبى، تجمعنى به جلسة خاصة أو عامة فأكتشف أننى يا دوبك فى إعدادى خيرى شلبى، أسأله بحماس مندفع (ماكتبتش الكلام ده ليه يا عم خيرى)، يرد علىّ دائما وهو يغالب حسرته (عندى مشروع أكتبه بعد ما أخلص الرواية اللى فى إيدى)، أتحسر لأننى لم أحضر القعدة بكاميرا فيديو أو كاسيت لكى لا يضيع كل ما عشته من سحر دون تدوين، بدلا من المخاطرة بانتظار أن يكتبه عم خيرى بعد انتهائه من مشاريعه الروائية، لأن من السذاجة أن تصدق أن عم خيرى يمكن أن يتوقف عن كتابة الروايات للحظة، دائما تقوده الرواية للأخرى، بل أحيانا كما كتب فى مقدمة روايته (زهرة الخشخاش) يأتى ليكتب الرواية، فتلتصق بها رواية أخرى يضطر لإجراء عملية جراحية لفصلها لكى تصبح رواية مستقلة بذاتها، فهل نقف لنتفرج عليه ساكتين، ونحرم أجيالا كاملة من كنوز خيرى شلبى وغيره من الحكائين العظام».

بالطبع لم يستجب لندائى أحد، وللأسف رحل عم خيرى ورحل كثير من حكاياته معه، ولم نحصل منها إلا على ما سمح به الوقت، رحمه الله رحمة واسعة وألهم زوجته المحبة الوفية الصبر والسلوان، وبارك فى ذريته الطيبة وأعانهم وأعاننا وأعان عشاق الحكى الجميل على فقدان أبيهم العظيم. الفاتحة أمانة والنبى.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

2 + = 3

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...