الرئيسية / صفحات الرأي / ردم الهوة بين الفكر والواقع

ردم الهوة بين الفكر والواقع

 


ميشيل كيلو

لا أعرف أين ومتى قرأت هذه الجملة، التي قال صاحبها إنها تبين معنى الإصلاح وجوهره.

قال الرجل: الإصلاح هو ردم الهوة بين الفكر والواقع، مفترضا بحق أن هذه الهوة ستبقى قائمة في جميع الأزمنة والبلدان، لاستحالة وجود تطابق تام بين الفكرة وترجمتها في الواقع، أو بين الواقع وتعبيراته الفكرية، الأمر الذي يضفي طابعا محددا على العمل العام يجعل منه جهدا يقوم في جزئه الأكبر على مراقبة الهوة بين الفكر والواقع، وبالتالي على ضرورة امتلاك رؤية تتابعهما في سائر تحولاتهما وتجلياتهما، كفكر وكواقع، كما تراقب علاقتهما التي ستظهر دوما هوة لا يمكن إطلاقا أن تزول، وإن كان بالإمكان تقليصها إلى الحد الذي يجعل التوافق بين الفكر والواقع مقبولا، وفي حدود عالية، إذا ما توفرت القدرة على ممارسة رقابة دائمة على الذات المفكرة وموضوعها: الواقع، ووجدت من جهة مسافة نقدية بين المراقب وفكرته، وبينه وبين نتيجتها في الواقع من جهة أخرى، علما بأن القيام بهذا النشاط يعد ضربا من المحال دون توفر الحرية باعتبارها حاضنة الملاحظة والتأمل والنقد، ورأس مال البحث عن حقيقة تعني في حالتنا: ردم الهوة بين الواقع والفكر، إن كان صحيحا وغدا الواقع دليله العملي، الذي يصحح أخطاءه، وتجدده هي بالمقابل، من خلال إدخال إبداعاتها إليه، وجعلها جزءا تكوينيا منه.

هذه المعادلة المعقدة / المركبة لا يجد الحاكم مفاتيحها الصحيحة دوما، خاصة إن كان جاهلا، أو وصل إلى السلطة بطريقة غير شرعية كالغلبة بمسمياتها المختلفة (اغتيال الخصوم، الوراثة، الإرهاب، الانقلاب … الخ)، أو كان نظامه مغلقا وأيديولوجيا، وافتقر إلى أسس تواصلية / تفاعلية في العلاقة مع المحكومين، أو كان نظامه ينتج نفسه من عنده، من فوق، وليس من المجتمع، ويقوم على القمع ولا يقوم على التراضي، أو كان أخيرا حاكم حاشية منافقة مداهنة، قاسية وعنيفة حيال المواطنين الراضخين لسلطانه … الخ. يسود في كل واحدة من هذه الحالات خلل يسم المعادلة التي يجب أن تنظم علاقة الفكر بالواقع، يبلغ الذروة في النظم التي يخلو رأس حاكمها من أي فكر، فيقصر، لتفاهته، الواقع على ما يظنه كذلك، أي على ما يقوله هو عنه، أو يوهمه المنافقون أنه كذلك، رغم أن الهوة بينه وبين الواقع تبلغ هنا درجة انفصال السياسة ـ بما أنه لا يوجد هنا فكر ـ عن الواقع والواقع عن السياسة، التي كثيرا ما تمليها أوهام سلطانية، لا وظيفة لها غير تمجيد الخطأ والخواء الروحي والعقلي لدى من تتحدث باسمهم. وتزداد المأساة إن كان الحاكم سليل مؤسسة أمنية / عسكرية، أو حزب شمولي، أو قلة تسعى وراء الامتيازات، مما نراه عادة في أكثر بلدان العالم الثالث خرابا وتأخرا، وانكشف أمره خلال انتفاضة الحرية العربية الراهنة، حيث ذاب ثلج المدائح المنمقة وبانت الأمور على حقيقتها، فإذا حكام تونس بمجملهم عصابة تولت السلطة لتسرق وتنهب وتبطش وتقتل وتغتال، ومثلهم حكام مصر، الذين لم يقدموا أية خدمة على الإطلاق لشعبهم، وإنما أرادوا هلاكه ذلا وفقرا وبؤسا، فرمى بهم إلى مزبلة التاريخ، بعد أن هتك سترهم وفضح تفاهتهم ولصوصيتهم وبؤسهم، وبيّن أنهم تنمروا عليه ليس لأن بهم شجاعة، بل لأنهم نموذج صاف للجبن وانعدام الوطنية والإنسانية.

الإصلاح هو، إذن، ردم الهوة بين الفكر والواقع. والردم لا يتم دون رؤية استباقية تقوم على ركيزتين ذكرت أولاهما: الفكر، بينما الثانية هي الحرية: التي تجعل الحاكم يقر دون تردد أن سياساته وخياراته قد تكون خاطئة، فلا بد أن تبقى بالتالي تحت عينيه، وأن يتابعها بمنظار موضوعي يمكنه من مراقبتها بحيدة ونزاهة، فلا يتبناها جملة وتفصيلا، ولا يتربص الدوائر بكل من ينتقدها أو يتذمر منها، لمجرد أنها صادرة عنه أو تعلن باسمه، على أن أفضل ما يمكن أن يسهم في ردم هذه الهوة يكمن في امتلاك سيناريو يتضمن احتمالات تطبيق الفكر المتنوعة في الواقع، واحتمالات الخطأ التي تلازم كل واحد منها، والخطط الضرورية لكشفها ومعالجتها أولا بأول، حتى إن لم يرها أو يطالب بإصلاحها أحد، فالحاكم الذي يمتلك فكرا ورؤية للواقع، ونهجا صحيحا يردم من خلاله الهوة بينهما، لا يحتاج إلى من ينبهه إلى ما قد يشوب علاقاتهما من انزياح وتنافر، ويسارع هو ومعاونوه إلى رصد حركة الواقع لتبين ما فيه من فروق بين ما أرادته سياساته وما ترتب عليها بالفعل، فيقوم عندئذ بخطى تقطع الطريق على تراكم الأخطاء وتحلها قبل أن تصير أزمات، في حين يبادر الحاكم الجاهل والذي يعيش خارج الواقع إما إلى التنصل من الأخطاء التي تطبع جميع سياساته ومواقفه بطابعها، أو إلى إلقائها على غيره، أو إنكار وجودها، أو إجبار ضحاياها بالسكوت عنها، بالقوة والقمع، أو إصلاحها من خلال سياسات ليست أفضل منها، ولا حلول فيها للمشكلات التي ترتبت عليها.

بما أن عالمنا العربي مليء بمثل هذه المصائب، التي تتجلى من خلال شخوص حكامه، فإنه لم يقم بأي إصلاح طيلة عقود، رغم تصاعد المطالبة بالإصلاح في كل قطر ومصر، وتحولها أخيرا إلى ثورة شعبية تعلن يأسها من هؤلاء وتطالبهم بالرحيل، لكنهم يردون عليها باللغة الخشبية التي لم يتعلموا غيرها كأعداء للفكر والحياة، إن ردوا عليها، بحجة أن ما تشهده بلدانهم لا يعالج بالإصلاح بل بالقمع والعنف، وأن كل شيء سيعود إلى أحسن ما يكون، بعد انتهاء العلاج الأمني!.

تلجأ النظم الشرعية إلى طريقة مجربة في الإصلاح، هي الاستعانة بالمثقفين ومراكز البحث العلمي من مختلف الأنواع والتخصصات، فيقدم هؤلاء رؤيتهم لاحتمالات التطور الفكري والواقعي، وحول شتى ممكنات العلاقات التي قد تنشأ بينها، سلبية كانت أم إيجابية. بما أن الواقع متنوع الأوجه، ويمكن أن يقرأ بطرق متباينة، فإن هؤلاء يضعون رؤى تتباين بتباين ممكناته، ويرون فيها مجرد دليل يأخذ إلى بدائل ؛ بديل يحتمل الكثير من الخطأ، سواء في المقدمات التي ينطلق منها، وتعد حامله، أم في مراحل تنفيذه المختلفة، أم في آليات التنفيذ، وأخيرا في النتائج العملية التي يتمخض عنها. هذه المراكز تتمتع بقدر غير محدود من الحرية، لأنها عقل المجتمع والدولة، الذي لا يجوز تقييد حركته بأي قيد. لذلك يتمتع أعضاؤها: أي المثقفون، بقدر كبير من القدرة على معرفة أسرار البلاد وخططها، وواقعها الحقيقي، دون تزوير أو تشويه، وإلا فإن مقترحاتهم لن تتسم بقدر عظيم من الفاعلية والجدوى، ولن يتمكنوا من وضع أنفسهم في واقع البدائل المطلوبة، التي يتولون هم أنفسهم صياغتها وتقديمها، حتى إن كانت لم تخطر للسياسيين على بال، أو كانوا لم يوافقوا مسبقا عليها، أو رفضوها بعد تقديمها. وللعلم، فإن ما يفكر فيه هؤلاء اليوم يصير غدا مستقبل دولتهم وبلادهم، وما يرونه اليوم من حلول لمشكلات مجتمعاتهم يصير للتو جزءا من مستقبله، فهم يسبقون زمنهم دوما، ولديهم من الحرية والحصانة ما يجعل كلمتهم مسموعة، إن لم يكن الآن ففي وقت قريب، فلا عجب أن بعض أهم مشاريع وطنهم المستقبلية يحمل أسماءهم وبصماتهم!.

كيف ستردم الهوة بين الفكر والواقع، إذا كان الحاكم يعادي مثقفي بلاده ويرفض أن يقيم فيها مراكز بحث، حرة ومستقلة كانت أم غير حرة وغير مستقلة، وكان يعتبر نفسه أكثر خلق الله فهما وعلما، لمجرد أنه يستطيع التنكيل بغيره، وخاصة بالمثقفين، الذين يعدهم خطرا على النظام العام، وعصاة يعيشون خارج بيت الطاعة، يجب أن يبقيهم الخوف والقمع والجوع أسرى الأجهزة، التي تتكفل بفصلهم عن العالم كي تفصلهم عن مصادر المعرفة، وفصلهم عن المجتمع كي تعزلهم عن بيئتهم الوطنية والمجتمعية، وتضعهم تحت رقابة مشددة تجعلهم عدوا داخليا لا بد من تحييده والقضاء على خطره، بالقضاء على حقه في كلمته الحرة.

واليوم، وقد بلغ التطور في بلداننا العربية مرحلة انعطاف حاسمة، لا بد من رؤية الهوة التي تتعاظم يوما بعد يوم بين فكر المستقبل، الذي تحمله الأجيال الجديدة إلى كتل الشعب الهائلة، وبين واقع البؤس الذي تمثله النظم القائمة؛ هوة لن يردمها غير خلق واقع جديد يسعى إليه المجتمع العربي عبر بحر من دماء بناته وأبنائه، سيعني ردمها بدء فجر عربي جديد، سينهض على أسس فكرية لا تربطها رابطة بأيديولوجية الاستبداد النافية لكل فكر وحرية، سيبدأ انطلاقا منها إنتاج واقع مختلف، لا بد أن يبقى تحت أعين المواطن العربي الجديد، الحر والمنتج، كي لا تتحول الأفكار إلى أيديولوجية تفسد العقل والواقع، ونعيد إنتاج الماضي الذي نفارقه اليوم إلى غير رجعة، كما نأمل ونتمنى جميعا.

 

‘ كاتب وسياسي من سورية

القدس العربي

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

صناعة الدين سلطويا/ محمد ديبو

      تدفع ظاهرة عمرو خالد وغيره من الدعاة الذين يضعون “علمهم ودينهم” في ...