الرئيسية / صفحات سورية / رد على رد علي العبدالله: مسار المعارضة السورية/ محمد سيد رصاص

رد على رد علي العبدالله: مسار المعارضة السورية/ محمد سيد رصاص

 

 

في عدد 21 نيسان (ابريل)، نشرت «الحياة» رداً لعلي العبدالله على مقالي المنشور في «الحياة» في 13 نيسان بعنوان: «استقطابات المعارضة السورية في زمن الأزمة». لن أرد على أفكار علي العبدالله، لأن هذا يخصه، ولكني سأرد على ما يقول بأنه «تجاهل الوقائع في الكلام على المعارضة السورية» من خلال تثبيت وقائع إما تجاهلها علي العبدالله، أو أنه يخوض ميداناً لا يعرف تفاصيله جيداً.

1- بالنسبة إلى نزعة «الاستعانة بالخارج في المعارضة السورية»: هي قديمة عند معارضين سوريين وتعود للعام 2002 ثم برزت بقوة بعد سقوط بغداد في 9 نيسان 2003. وما نظريات «الصفر الاستعماري» و «الاستعمار أفضل من الاستبداد» سوى إنتاج معارضين سوريين وجدوا في الأمانة العامة لـ «إعلان دمشق» التي يندرج فيها علي العبدالله.

2- كان الخلاف أثناء التحضير للمجلس الوطني لـ «إعلان دمشق» منذ حزيران (يونيو) 2007، وبشهادة مندوبي حزب العمل الشيوعي الذين كانوا ينقلون ما يجرى هناك لقيادة «تجمّع اليسار الماركسي»، متركزاً على الموقف من «المشروع الأميركي للمنطقة» البادئ في بغداد 2003. كان ناصريو (الاتحاد الاشتراكي) وماركسيو (حزب العمل) في تجابه مع (حزب الشعب) ومع الإسلاميين من أجل أخذ موقف مضاد من هذا المشروع، فيما كان الآخرون لا يريدون ذلك. وقد تم إسقاط مرشحي (الاتحاد الاشتراكي) و (حزب العمل) في انتخابات المجلس الوطني لـ «إعلان دمشق» على خلفية ذلك، وكانت الانتخابات «مدبرة نتيجتها بليل» كما أخبر لاحقاً مشاركون في طبخ الانتخابات.

3- وثيقة 9 أيار (مايو) 2011 التي أجريت المفاوضات عليها، كان أحد كتبتها برهان غليون وشاركه ناس في الداخل. المفاوضات شملت الجميع في الداخل والخارج وكان هناك تقسيم للحصص بين التجمعات والتحالفات، وهي موجودة في وثيقة مكتوبة (هي موجودة عندي)، ولكن يبدو أن العبدالله لم يطلع عليها. الاجتماع في بيت طارق أبوالحسن كان الثلثاء 21 حزيران 2011 وليس 25، حيث فوجئ المجتمعون بجورج صبرة وهو يحرف المفاوضات إلى مفاوضات بين التجمع والإعلان، مع إضافة خمسة مستقلين هم الذين ذكرهم علي العبدالله. فشل الاجتماع المذكور بسبب ذلك وأعطي (الإعلان) حتى مساء الخميس لإبداء موافقته على المشاركة في اجتماع السبت 25 حزيران 2011 الذي ولدت فيه «هيئة التنسيق» بغياب ليبراليي «إعلان دمشق» والإسلاميين، فيما حضر ممثلو 11 حزباً كردياً وقّع منهم خمسة على وثيقة تأسيس الهيئة. يبدو أن علي العبدالله لا يعرف بتلك الوثيقة وهو غير مطلع عليها، وهي موجودة عندي.

4- لم يحضر اجتماع الدوحة في الأسبوع الأول من أيلول (سبتمبر) 2011 من أنشأوا وثيقة (المجلس الوطني) الأولى في منتصف آب (أغسطس)، بل اقتصر الحضور على الهيئة والإعلان و «الإخوان المسلمين». عندما طالب رجاء الناصر في الدوحة بإضافة عبارة (رفض التدخُّل العسكري الخارجي)، طلب منه مشارك غير سوري في الاجتماع أن يذهب وإياه إلى «الكوريدور» وقال له بالحرف: «أنت بطلبك هذا ستقوم بإفشال سيناريو مهيّأ»، حيث كان واضحاً أن (الائتلاف)، المراد تحقيقه من محادثات الدوحة بين القوى الثلاث، شبيه بتشكيل المجلس الليبي بقيادة مصطفى عبدالجليل الذي كان غطاءً لتدخُّل (الناتو).

5- (المجلس الوطني) في اسطنبول عند تشكيله في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، طالب في وثيقته التأسيسية بـ «الحماية الدولية» وهو ما ترجمه غليون في تصريحه أثناء قراءة الوثيقة التأسيسية للمجلس («الحياة»، 3 تشرين الأول) بالكلمات التالية: «أي تدخل سيحصل مهما كان نوعه وشكله ينبغي أن يكون بالاتفاق مع المجلس الوطني…» … في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2011 وفي مؤتمر صحافي في اسطنبول، طالب رياض الشقفة المراقب العام لجماعة «الإخوان المسلمين»، وهم القوة الرئيسية في المجلس، بتدخُّل تركي عسكري.

* كاتب سوري

الحياة

 

 

 

تجاهل الوقائع في الكلام على المعارضة السورية/ علي العبدالله
انطوت قراءة محمد سيد رصاص لمشهد المعارضة السورية (استقطابات المعارضة السورية في زمن الأزمة – «الحياة» في 13/4/2016) على تقديرات واستنتاجات مفصولة عن الواقع ومحكومة بذهنية نمطية راسخة.
انطلق سيد رصاص في قراءته للخلاف الذي برز بين إعلان دمشق التغيير الوطني الديموقراطي والتجمع الوطني الديموقراطي، خلال محاولة تشكيل هيئة تنسيق للعمل المعارض من نقطة متأخرة: مفاوضات حول وثيقة «نحو ائتلاف عام للتغيير الوطني الديموقراطي»(9/5/2011)، زاعماً أنها(المفاوضات) شملت جميع أطياف المعارضة بالداخل والخارج، أحزاباً وتجمعات ومستقلين، استمرت شهراً ونصف شهر، للوصول من خلال ذلك إلى «تجمع شامل للمعارضة أو هيئة تنسيق بين الجميع» (لم يشارك أحد من الخارج في المفاوضات)، قافزاً على وقائع سبقتها، قبل أن يصدر حكماً غير صحيح: انقسام (1/12/2007)، يقصد «انقسام» إعلان دمشق، عاد يرخي بثقله مع تأسيس «الهيئة» في 25/6/2011 وعبر الاصطفاف نفسه ولكن تحت عناوين جديدة: موقف «تغيير» النظام – «الهيئة» وموقف «إسقاط» النظام – «الإعلان».
الأول يتكون من العناصر التالية:
1- الحوار مع السلطة إن تم تأمين بيئة مناسبة للحوار.
2– انتقال السلطة عبر اتفاق للتسوية بين النظام والمعارضة لإقامة سلطة انتقالية من أجل قيادة التغيير نحو وضع ديموقراطي يتجاوز الأوضاع القائمة.
والثاني يرفض هذين العنصرين ويدعو لإسقاط النظام. نذكّر بأن «الهيئة» في مؤتمرها الأول في حلبون 15/9/2011 قالت بإسقاط النظام، لكن بصيغة ملتبسة «إسقاط النظام الأمني الاستبدادي الفاسد».
الواقع أن مفاوضات أجريت بين إعلان دمشق للتغيير الوطني الديموقراطي (مثله رياض الترك) والتجمع الوطني الديموقراطي (مثّله حسن عبدالعظيم) للاتفاق على مبدأ تشكيل «الهيئة» وأنهما اتفقا مبدئياً على اجتماع للتباحث حول الوثيقة السياسية يحضره خمسة ممثلين عن «الإعلان» ومثلهم عن «التجمع» وخمسة مستقلين هم: حسين العودات، ميشيل كيلو، فايز سارة، عارف دليلة، وحبيب عيسى. وفي اليوم الموعود، فوجئ ممثلو «الإعلان» بعدد الحضور، أكثر من خمسين شخصاً، ونوعياتهم، فقد دعا حسن عبدالعظيم عشرات للمشاركة من دون الاتفاق مع «الإعلان»، فاتصل مندوب «الإعلان» بالأمانة العامة وأبلغها بالوضع الجديد فأرسلت رسالة مع عضوها سليمان الشمر الى الاجتماع الذي كان منعقداً في بيت طارق أبو الحُسن في 25/6/2011، توضح موقفها من دعوة مكونات وشخصيات مستقلة خارج الاتفاق، كما ضمنتها محدداتها لعقد أي تحالف سياسي في ضوء انطلاق الثورة السورية، وهي: الانحياز للثورة، العمل على توحيد القوى المنحازة للثورة، رفض الحوار مع النظام. ودعت للعودة إلى الاتفاق الأصلي غير أن حسن عبدالعظيم والمدعوين الجدد رفضوا مضمون الرسالة وأكملوا تشكيل «الهيئة». كل هذا حصل قبل وضع الوثيقة التي أشار إليها سيد رصاص وربط الخلاف بها بأشهر.
لم يكن هذا التجاهل للواقع وحيداً، فقد ادعى أن انقسام «الإعلان» في 1/12/2007، بين معسكرين: مراهنون على الخارج لإحداث تغيير داخلي (الإسلاميون والليبراليون واليمين الكردي) وخط وطني ديموقراطي تمت تسميته بين 2008 و2010 بـ (الخط الثالث) والذي ضم (الناصريين والماركسيين واليسار الكردي)، تمييزاً له عن خطّي السلطة ومن بقي في (إعلان دمشق). («بقي» هنا توحي بأنهم أقلية لكنهم كانوا أكثرية القوى المشاركة).
الواقع أنه ليس «انقساماً» بقدر ما هو فشل جهات انسحبت من الإعلان على خلفية خسارتها في انتخابات الأمانة العامة، فالتحضير لعقد المجلس الوطني للإعلان استمر أكثر من سبعة أشهر تمت خلالها صياغة تقارير عن أداء «الإعلان» من لحظة تأسيسه إلى تاريخه والبيان الختامي الذي سيصدر عن المؤتمر ويحدد خطه السياسي، وقد استغرق الاتفاق على البيان الختامي عشرات الساعات داخل مكتب الأمانة العامة، الذي يشارك في عضويته حسن عبدالعظيم وعبدالمجيد منجونة عن حزب الاتحاد الاشتراكي، وفاتح جاموس عن حزب العمل الشيوعي(الحزبان اللذان انسحبا من «الإعلان» بعد صدور نتائج انتخابات الأمانة العامة)، كان آخرها اجتماع في بيت حسن عبدالعظيم في ركن الدين. وهنا لابد أن نورد بعض وقائع تلك الساعات العصيبة التي مر بها المؤتمر نتيجة لمماحكات اللحظة الأخيرة التي حاول بها الأستاذ حسن عبدالعظيم حسم نتائج المؤتمر قبل عقده، والتي كادت تفجره، فقد فاجأ الجميع قبل بدء الجلسة بدقائق بالمطالبة برئاسة الأمانة أو الناطق الرسمي باسم «الإعلان»، كان تكتيكه في المطالبة طريفاً. بدأ بالمطالبة بحصر رئاسة الأمانة بالأحزاب دون المستقلين، قبل أن يطالب، بعد رفض طلبه ذاك، بأن يكون هو شخصياً ناطقاً رسمياً باسم «الإعلان»، قياساً على الوضع في التجمع الوطني الديموقراطي الذي هو الناطق الرسمي باسمه، وهدد مرات بالانسحاب، خرج فعلياً من القاعة قبل أن يعود اليها تحت ضغط بعض المؤتمرين، وطلب تشكيل قيادة جماعية تحت مسمى «هيئة رئاسة» بدلاً من رئيس للأمانة وقُبل طلبه ونُفذ على رغم انسحابه من «الإعلان» في أول اجتماع للأمانة العامة المنتخبة.
وكان تجاهله الثالث للواقع في قوله: «في الأسبوع الأول من أيلول مع محادثات مدينة الدوحة بين «هيئة التنسيق» و «إعلان دمشق» و «الإخوان المسلمين»، كان موضوعا «التدخل الخارجي» و «العنف» سبباً في فشل المحادثات، ومن ثم اتجاه «الإخوان» و «الإعلان» إلى تشكيل «المجلس الوطني» في اسطنبول في 2/10/2011». إذ المعروف أن اجتماعات لتشكيل المجلس الوطني السوري سبقت اجتماع الدوحة (5- 8/9/2011) من جانب شخصيات إسلامية وليبرالية تعيش في معظمها خارج سورية، وقد دُعيت الى اجتماع الدوحة وحصلت خلافات بينها وبين ممثلي «الهيئة» قبل اختتام الحوار قادت الى انسحابها منه وعودتها الى اسطنبول لإكمال خطتها لتشكيل المجلس وأعلنت عنه في 15/9/2011 من دون مشاركة «الإعلان» أو حركة «الإخوان المسلمين»، ولما لم يلق استقبالاً حسناً دُعي الى مؤتمر تأسيسي ثان حضره «الإعلان» و «الإخوان» وأعلن عنه يوم 2/10/2011. تابع «الإعلان» الحوار مع «الهيئة» وصيغ بيان لتشكيل ائتلاف معارض حددت خطوطه العريضة على أن يوقع البيان ويعلن في دمشق بعد عودة ممثلي «الإعلان» و «الهيئة» الى أطرهم التنظيمية، لكن «الهيئة» أرسلت فور عودة ممثليها في الحوار رسالة لعزمي بشارة، الذي رعى الحوار، تطلب إضافة ثلاثة مبادئ الى البيان المشترك: لا للعنف، لا للطائفية، لا للتدخل الخارجي، فاقترح بشارة إضافة الأول والثاني وترك ورقة التدخل الخارجي، للمساومة مع النظام. وافق «الإعلان» وأصرت «الهيئة» على إضافة الثلاثة. رفض «الإعلان»، فانتهت المحاولة إلى الفشل.
هذا على صعيد تجاهل الواقع، وأما على صعيد الافتئات على التاريخ، فزعمه أن خلفية «الانقسام» هي «مراهنة» طرف على الخارج وتمسك طرف بـ «خط وطني ديموقراطي». نحن هنا أمام افتئات مركب، لأن البيان الختامي الذي صدر ليس فيه ما يشير أو يوحي بمراهنة على الخارج، والطرفان اللذان انسحبا من «الإعلان» بعد انتهاء المؤتمر شاركا في صياغته ولم يطرحا مثل هذا النقد لا خلال مرحلة صياغة البيان ولا بعد انسحابهما. أشارا الى سيطرة الليبراليين على «الإعلان»، ثم ان الأكراد لم ينسحبوا من الإعلان في هذا التوقيت، جاء انسحابهم بعد تشكيل المجلس الوطني الكردي في العام 2012، أي بعد انطلاق الثورة السورية (سماها سيد رصاص «أزمة») بعام أو أكثر، الذي وضع شروطاً لبقائه في «الإعلان» والتعاون مع المعارضة (الاعتراف بالأكراد دستورياً كقومية ثانية. القبول بالفيديرالية) وقد فاوض «الإعلان» و «الهيئة « ولم يقبل «الإعلان» بذلك فانسحبت الأحزاب الكردية منه، ولم تقبل «الهيئة» فلم يدخلها إلا اربعة أحزاب كردية من أصل سبعة عشر حزباً.
وثاني الافتئاتات زعمه مراهنة دعاة إسقاط النظام على الخارج قال: «عاد «الإسقاطيون» إلى نزعتهم القديمة في المراهنة على الاستعانة بالخارج»، قول ليس له أساس في وثائق المعارضة، بما في ذلك وثائق المجلس الوطني السوري الذي اتُهم بتبنيه لهذه الدعوة مع انه رفض التدخل الخارجي في بيانه التأسيسي، صحيح، انه، بعد أن أوغل النظام في قمعه للمدنيين بقصفهم بكل صنوف الأسلحة بما في ذلك مدافع الهاون والدبابات والطائرات والصواريخ البالستية (السكود) والقنابل الفراغية والعنقودية، حصلت مطالبة بحماية المدنيين وفرض حظر طيران لتحقيق ذلك، لكن هذا لا يعني تدخلاً عسكرياً بالضرورة.
غير أن أخطر ما في عرضه المكثف لتحولات وتطورات مواقف المعارضة اعتماده منطقاً مجرداً آيته عزل ما يجرى داخل المعارضة، من تطورات وتحولات عما يجرى على ساحة الصراع محلياً (استخدام النظام القوة المفرطة ضد التظاهرات السلمية منذ اللحظة الأولى، رفضه مبدأ التغيير، وضح ذلك من أول خطاب لرئيسه ومن اللقاءات التي تمت بين شخصيات معارضة ومسؤولين فيه من بثينة شعبان الى فاروق الشرع. وموقفه من نتائج المؤتمر التشاوري الذي عقده في فندق صحارى والذي تم تحت رعاية نائب رئيسه فاروق الشرع، وكذلك رفضه المصالحات التي أجريت في غير مكان لأنها مرتبطة بما يعتبره تنازلات، مثل مصالحة دوما التي فاوض من أجلها العميد مناف طلاس، وصولاً الى مؤتمر جنيف الحالي والذي استبق نائب وزير الخارجية فيصل مقداد جلسته الثالثة بدعوته المعارضة الى التخلي عن أحلام المشاركة في حكومة انتقالية، ووصفه الانتقال السياسي بـ «الانقلاب»)، واقليمياً (تدخل ايران والسعودية وتركيا وقطر في الصراع من طريق دعم طرفيه وتحويله الى حرب بالوكالة) ودولياً (تدخل روسيا وأميركا من خلال الدعم السياسي والمالي والعسكري قبل تدخل روسيا عسكرياً في شكل مباشر لإنقاذ النظام من هزيمة باتت محققة)، وكأن المعارضة تتحرك خارج التوازنات السياسية والعسكرية وبمعزل عن التحالفات والصراعات.
* كاتب سوري
الحياة

 

 

 

استقطابات المعارضة السورية في زمن الأزمة/ محمد سيد رصاص
في مؤتمر حزب العمال الاشتراكي- الديموقراطي لعموم روسيا عام 1903 حصل خلاف بين لينين ومارتوف حول عبارة لا تتجاوز نصف سطر تتعلق بشروط العضوية في الحزب. فوجئ الاثنان، وهما صديقان وفي حزب واحد ويعتنقان المبادئ الفكرية والسياسية نفسها، بحجم خلافاتهما حين اصطدما حول نصف سطر. على أساس ذلك، انقسم البلاشفة والمناشفة يومها، وهو انشقاق رسم معالم القرن العشرين لأنه كان المدخل إلى ثورة أكتوبر1917 التي وصفها الصحافي جون ريد بأنها «هزت العالم»: خلال أربعة عشر عاماً، اكتشف البلاشفة والمناشفة أن الخلاف حول نصف السطر ذاك هو ذروة جبل الجليد الذي يحوي تحته خلافات كامنة حول رؤية العالم وروسيا والماركسية وليس خلافاً تنظيمياً محضاً. في السياسة الأمور هكذا: الموقف السياسي يحوي رؤية كلية تضم كتكوين عناصر محددة بداخلها.
يمكن تطبيق ذلك على الأزمة السورية البادئة من درعا في 18 آذار (مارس) 2011.
في 25 شباط (فبراير) 2011، وعلى ايقاع توقّع تطورات سورية بقوة رياح ما حصل في مصر وتونس، أطلقت الأمانة العامة لـ (إعلان دمشق) دعوة إلى «جميع قوى المعارضة على أمل اللقاء في لجنة وطنية للتنسيق من أجل التغيير تنسق المواقف وتخطط للنشاطات وتديرها». في 9 أيار (مايو) صيغت وثيقة بعنوان: «نحو ائتلاف عام للتغيير الوطني الديموقراطي». خلال شهر ونصف شهر، أجريت مفاوضات شملت جميع أطياف المعارضة بالداخل والخارج، أحزاباً وتجمعات ومستقلين، للوصول من خلال ذلك إلى «تجمع شامل للمعارضة أو هيئة تنسيق بين الجميع». فوجئ المعارضون السوريون بحجم خلافاتهم وبأن صدعها غير قابل للالتئام في لحظة سياسية يتم فيها حراك اجتماعي كبير ضد سلطة أصبحت في وضع دفاعي ضعيف، وفي لحظة ظن فيها الجميع منذ (درعا) أنه قد طويت خلافات المعارضة التي انقسم فيها (إعلان دمشق)، في 1 كانون الأول (ديسمبر) 2007، بين معسكرين: مراهنون على الخارج لإحداث تغيير داخلي (الإسلاميون والليبراليون واليمين الكردي) وخط وطني ديموقراطي تمت تسميته بين 2008 و2010 بـ (الخط الثالث) والذي ضم (الناصريين والماركسيين واليسار الكردي)، تمييزاً له عن خطّي السلطة ومن بقي في (إعلان دمشق).
منذ (درعا) وعلى مدار ثلاثة أشهر، لم يعد الخلاف بين المعارضين السوريين حول (دور الخارج في التغيير السوري) أسوة بالتجربة العراقية ضد صدام حسين، بل كان، مع مراهنة الجميع على داخل بدأ يتحرك، انطلاقاً من عناوين جديدة: (تغيير) و (إسقاط النظام). في نص (إعلان دمشق) في 25 شباط كان هناك استخدام لمصطلح (التغيير) الذي اعتبر جذرياً عند تشكيل (الإعلان) عام 2005 وعودة إلى لغة المعارضة السورية في «التجمع الوطني الديموقراطي» عام 1980 قبل تخلّي «التجمُّع» عن ذلك وتبنيه «الإصلاح» عام 1989. عند تأسيس «هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الوطني الديموقراطي» وضح، وعلى رغم أن المفاوضات شملت الجميع على وثيقة (9 أيار 2011)، بأن انقسام (1 كانون الأول 2007) عاد يرخي بثقله مع تأسيس «الهيئة» في 25 حزيران (يونيو) 2011 وعبر الاصطفاف نفسه ولكن تحت عناوين جديدة.
«موقف التغيير» كان يتكون من العناصر التالية:
1- الحوار مع السلطة إن تم تأمين بيئة مناسبة للحوار.
2– انتقال السلطة عبر اتفاق للتسوية بين النظام والمعارضة لإقامة سلطة انتقالية من أجل قيادة التغيير نحو وضع ديموقراطي يتجاوز الأوضاع القائمة. في الجانب الثاني كان اتجاه إسقاط النظام يرفض هذين العنصرين عند أصحاب النزعة التغييرية ويتجه إلى محاولة تكرار ما حصل قبل أشهر مع زين العابدين بن علي وحسني ومبارك في تونس والقاهرة عبر استثمار «الحراك المعارض»، هذا الاستثمار الذي اجتمع عليه «التغييريون» و «الإسقاطيون» ولكن، لهدفين مختلفين. عندما وضح، بحدود نهاية تموز (يوليو) 2011، أن «الحراك» لم يستطع أن يحقق في دمشق ما حصل في القاهرة وتونس عاد «الإسقاطيون» إلى نزعتهم القديمة في المراهنة على الاستعانة بالخارج، متشجعين بسقوط القذافي في 23 آب (أغسطس) 2011 من باب العزيزية في طرابلس الغرب عبر قوة «الناتو» ومتقوين بدعوة باراك أوباما للرئيس السوري بـ «أن يتنحى» يوم 18 آب وبالقطيعة التي قامت بها أنقرة مع دمشق خلال شهر آب.
هنا أصبح «إسقاط النظام» يضم في مكوناته «المراهنة على الخارج» بوصف الثاني وسيلة لتحقيق الأول، ثم في شهر أيلول أصبح «العنف المسلح المعارض» ثالثهما. في الأسبوع الأول من أيلول مع محادثات مدينة الدوحة بين «هيئة التنسيق» و «إعلان دمشق» و «الإخوان المسلمون» كان موضوعا «التدخل الخارجي» و «العنف» سبباً في فشل المحادثات ومن ثم اتجاه «الإخوان:» و «الإعلان» إلى تشكيل «المجلس الوطني» في اسطنبول في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 2011.
هذا الخلاف تحت عنواني «تغيير النظام» و «إسقاط النظام» قاد إلى انقسام المعارضة السورية خلال فترة 2011- 2015: تجسّد ذلك عملياً في فشل اتفاق 30 كانون الأول 2011 بين «الهيئة» و «المجلس» بالقاهرة ثم في فشل مؤتمر القاهرة للمعارضة السورية في 2 و3 تموز 2012 ثم في تأييد «الهيئة» بيان جنيف 1 (30 حزيران 2012 ) وفي رفض «المجلس» له وهو ما استمر مع خليفته منذ 11/11/2012: «الائتلاف» الذي استمر على هذا الرفض حتى قبل أربعة أيام من انعقاد (جنيف 2) في 22 كانون الثاني 2014. مع بروز اتجاه أميركي- روسي منذ اتفاق موسكو في 7 أيار 2013 نحو تطبيق تسوية بيان جنيف1 أصبحت «التسوية» هي العنوان الآخر الخطي ضد خط «إسقاط النظام» في اصطفافات المعارضة السورية. تعزّز هذا مع القرار 2118 الصادر في 27 أيلول 2013، على خلفية «اتفاق الكيماوي السوري» بين كيري ولافروف وهو الذي كان طريقاً إلى «جنيف2».
كان التدويل مرادفاً للتسوية السورية وهو قطارها ومقطورتها بعد أن عجز السوريون عن تحقيق ذلك عام 2011 ثم مع فشل التعريب مع مبادرتي الجامعة العربية (2 تشرين الثاني/ نوفمبر- 22 كانون الثاني/ يناير 2012). لذلك حين استبعدت «هيئة التنسيق» من «جنيف2» رفضت إغراءات «المفاوضات الموازية» التي قدمت في نهاية كانون الثاني 2014 من أحد سفراء دول «مجموعة البريكس» ورفضت عرضاً لحكومة مشتركة مع السلطة، مراهنة بدلاً من ذلك على أنها رقم لا يمكن تجاوزه في خريطة المعارضة السورية، وساعية عبر سلسلة تفاهمات مع قوى معارضة مختلفة لتقوية موقع «الهيئة» أمام «الائتلاف». ساهم فشل «جنيف2» بسبب نشوب الأزمة الأوكرانية في شباط 2014 في تسهيل هذه المهمة أمام «الهيئة». عندما انتصر خط «التسوية» في «الائتلاف»، بدأ الأخير في التلاقي مع «الهيئة» في القاهرة- كانون الأول 2014 وفي باريس- شباط 2015 وفي بروكسيل- تموز 2015 ثم في مؤتمر الرياض في كانون الأول 2015 عندما دُعيا بوصفهما كيانين سياسيين ودُعي المعارضون السوريون الباقون، مدنيين وعسكريين، بوصفهم أفراداً. ترك هيثم مناع هيئة التنسيق بسبب معارضته لقاء باريس، وقد كانت محاولته عبر مؤتمري (القاهرة 1- كانون الثاني 2015) و (القاهرة 2- حزيران 2015)، بالتعاون مع قوى في «الائتلاف» مثل أحمد الجربا، هي من أجل تشكيل قوة جديدة على أنقاض «الهيئة» و «الائتلاف»، فيما ترك صالح مسلم «الهيئة» بسبب استبعاده من مؤتمر الرياض بفعل واشنطن وأنقرة مع إغماض عيني موسكو.
كان مؤتمر الرياض طريقاً إجبارياً إلى «جنيف3» تم تحديده في «فيينا» ولولا مؤتمر الرياض، ما كان القرار 2254 ليصدر: منذ ذلك المؤتمر في العاصمة السعودية هناك اصطفافات جديدة كامنة في المعارضة السورية: كل من هو ضد مؤتمر الرياض داخل هيئة التنسيق، أو على جوانبها وتخومها، هو ليس صلباً في تطبيق بيان جنيف1 ويقبل بتفسير مائع له هو أقرب إلى تفسير السلطة، خصوصاً موضوع «هيئة الحكم الانتقالية ذات الصلاحيات التنفيذية الكاملة» ولا مانع لديه من «مفاوضات موازية» تتم في شكل منفرد خارج «جنيف3» في دمشق أو غيرها تقود إلى «جنيف سوري» محض أو برعاية دولية – إقليمية، فيما يلاحظ أن هؤلاء ضد «زواج الضرورة» بين «الهيئة» و «الائتلاف».
في «الائتلاف» هناك استقطاب ضد مفاعيل «الرياض» و «جنيف») تأتي من قوى وشخصيات ما زالت رافضة لتسوية «بيان جنيف1»، وهي رغم عدم معارضتها بل مشاركتها في كليهما ما زالت تراهن على أن «الائتلاف» له حصرية تمثيل المعارضة السورية وهي تسعى في «جنيف3» عبر التصلّب إلى تفشيله، في مراهنة على رئيس أميركي جديد، سواء كان ديموقراطياً أم جمهورياً، يقلب الطاولة على موسكو وطهران ودمشق في مرحلة ما بعد 20 كانون الثاني 2017 عندما يغادر باراك أوباما البيت الأبيض.
* كاتب سوري
الحياة

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...