الرئيسية / رئيس التحرير الزائر / طريف الخياط / المواطنة و النسيج الاجتماعي / رسائل المجلس الوطني إلى الأقليات: التصالح مع الإنكار.

رسائل المجلس الوطني إلى الأقليات: التصالح مع الإنكار.

 

ياسين سويحة.

في سياقٍ شديد التعقيد كالحدث السوري الراهن، حيث ﻻ مكان واضح للمسألة الطائفيّة وﻻ معالجة سياسيّة فاعلة لها خارج إطاراتٍ تقفز بين الإنكار المطلق والتطبيع الكامل، ﻻ تفعل الرسائل والنداءات والخطابات المتكررة التي يرسلها المجلس الوطني للأقليات الطائفية أكثر من تكديس الغبار على الجمر المشتعل. ﻻ ندري إن كانت صادرة عن رؤية سياسيّة، أم أنها مجرّد إثبات وجود سياسي في ساحة إدارة ملف التماسك الأهلي في المجتمع السوري، أو هي محاولة لتطمين القوى الدوليّة التي وجدت في فكرة “حماية الأقليات” عنواناً جديداً يضاف إلى “انقسام المعارضة” و”الخطر الأصولي الإسلامي”، في قائمة مبررات الجمود العملي تجاه القضيّة السوريّة.

ما يتمنّاه المرء هنا، حقاً، هو أﻻ يعتقد أحدٌ في المجلس الوطني حقّا،ً أنه يحل إحدى أكبر العقد في الوضع الراهن بتوجيه رسائل مفتوحة، فكلّ الخيارات الأخرى تبقى، رغم خبث بعضها، أفضل من هكذا “براءة” طفوليّة.

تشبه هذه الرسائل، صيغةً، رسائل أخرى عديدة كتبها مثقفون وناشطون منتمون بالولادة إلى إحدى الأقليات، وكان بوسع القارئ أحياناً أن يستشف من هذه الرسائل محاولةً محمومة من قبل كاتبيها لتبرئة أنفسهم ودائرتهم الإجتماعيّة من تهمة كونها حاضنة اجتماعيّة للسلطة الحاكمة وإرهابها. بعض هذه الرسائل كانت تأتي رداً دفاعياً من قبل هؤﻻء المثقفين والناشطين على مزاودات واتهامات موتورة لبعض المهووسين الطائفيين.

التعبير الكامن عن حالة دفاع عن النفس في هذه الرسائل، جعلها جزءاً من مشكلة بدلاً من أن تكون جزءاً من حل.. مشكلةً لم يتسبب بها مثقفو وناشطو “الأقليات” بل كانوا ضحيتها الأولى. مشكلة تتغذى الآن بموضة رسائل المجلس الوطني والناطقين باسمه.

ﻻ قراءة مبشّرة لمخاطبة الطوائف من قبل أيّ هيئة سياسيّة، سيما وإن كنا نتحدّث عن هيئة تعتبر نفسها كياناً سياسياً يعبّر عن الشعب السوري بشكل فوق-إيديولوجي ويمثّله سياسياً بالكامل. لهذا التوجّه الخطابي خطايا عديدة، أهمها أنها تعامل جماعات أهليّة على أنها كيانات سياسيّة تتقلى خطابات من هذا النوع بوصفها كتلة متجانسة فكرياً وسياسياً، وهذا اعتراف بـ، أو على الأقل تصالح مع، تقسيم مجتمعي أهلي ﻻ يمكن أن يفضي، بأحسن الأحوال، إﻻ إلى ضرب من ضروب “ديمقراطيّة المحاصصة” على طريقة لبنان أو العراق. أهذا هو مستقرّ رؤية المجلس الوطني السياسيّة للتمثيل السياسي للمجتمع السوري؟ وإن لم يكن هذا هو المستقر فلماذا يدخل في هذا المنطلق أساساً؟

عدا عن هذه المعضلة الهامة، تمنح العقليّة المصدّرة لهذا النوع من الخطابات سنداً لمتهِمي الثورة السوريّة بالطائفية، فيبدو أن “السُنّي” غير مطالب بإثبات براءته من النظام حتى لو كان صامتاً، في حين يجب على أبناء الأقليات المعارضين أن يبذلوا جهداً مضاعفاً عنهم وعن بيئتهم الاجتماعيّة.

إن هذه العقلية هي أختٌ شقيقة للمنطق الأقلّوي اﻻبتزازي، وﻻ يمكننا إدانة أحدها دون الإشارة إلى الآخر، فهناك علاقة تغذية متبادلة بينهما.

المسألة الطائفية في سوريا اليوم هي التحدّي الأكبر، ليس فقط لاعتباراتٍ داخليّة بحتة وإنما أيضاً بسبب تمفصلها على التعقيدات واﻻنقسامات المحوريّة الإقليميّة، كما أنها المفتاح الأكبر لتحويل سوريا إلى ساحة صراع بحت بين محاور تبحث عن حرب بالوكالة، وهذه المسألة ﻻ تُحلّ ببضعة خطابات تبدو وقوداً أكثر من كونها ماء إطفاء.

خاص بصفحات سورية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

“في سجن تدمر كنا نلمحهم من بعيد”../ وائل السواح

    يتابع وائل السواح إعادة اكتشاف مرحلة السبعينات والثمانينات من تاريخ سوريا، بحثاً عن ...