الرئيسية / صفحات الثقافة / رسائل سعدالله ونوس

رسائل سعدالله ونوس

 


في رسالته إلي العالم، احتفالاً بيوم المسرح العالمي (٧٢ مارس ٥٩٩١) كانت صيحته الشهيرة (نحن المحكومون بالأمل)..

تلك الصيحة الممتدة في كل أعماله ونصوصه المسرحية، لم تغلق يوماً الأفق، ولم تعترف بنهاية التاريخ. سعد الله ونوس بيننا الآن..

صيحته الممتلئة بالأمل والثقة تهدر في شوارع دمشق، ودرعا، وحمص ، وحماه، وبانياس، وجسر الشغور، والحسكة ودير الزور.

الشعوب التي راهن عليها ، تخرج الآن من صمتها، وتثور علي (الملوك) و(الأفيال).

سعد الله ونوس الأبقي في زمن مليء بالغائبين .. رسائله هنا هي بعض من عذاباته وبعض من رؤاه..

عبلة الرويني

ليبرالي.. أو مغتصب يحاول ارتداء مسوخ الكهنة موكلا امر العدالة الي الله.

امتد الخلاف السياسي حول المسرحية الي حد اتهام سعد الله ونوس بالخيانة ورأي سعد الله ان كثيرا من المثقفين يتناقشون حول المسرحية وطرحها السياسي بمنطق كان سائدا في عام ٨٤٩١ دون حساب لمسيرة الأعوام الطويلة ومتغيراتها وأننا مازلنا نواجه إسرائيل بآليات لاهوتية وبدائية، وإننا رتبنا تعاملنا مع العدو علي أسس طقوسية وشعائرية متخلين عن كل وعي تاريخي.

كتب سعد الله ونوس مسرحية (اغتصاب) بعد مرحلة من الصمت الطويل والهزائم والخيبات وهو ما تطلب الكثير من التأمل والمراجعة وإعادة النظر وكان سؤاله المطروح دائما علي نفسه: إلي أي حد في اطمئنانه اليقيني والايدلوجي يستجيب لبقايا لاهوتية مقدسة مستقرة في لاوعيه؟

تسع سنوات من الصمت (٩٧٩١-٩٨٩١) بعد كتابة مسرحية (الملك هو الملك) و(رحلة حنظلة) المأخوذة عن (موكنبوت) لبيتر فايس كان الصمت ضرورة لايستطيع تفاديها حتي كانت مراجعة الذات أحس خلالها أن مسئوليته كمثقف تتضاعف وأن عليه أن يتأمل فهم وبعمق مايجري حوله هزيمة ٧٦٩١، انكسار المشروع الناصري، انكسار المعسكر الاشتراكي، هشاشة القوي السياسية وضعف قدرتها علي المقاومة.. حرب الخليج وما أصابتنا به من عري كامل.. وكانت صرخات سعد الله (أننا مهزومون حتي العظم.. وحتي الكثير الرابع أو الخامس، أقصي حدود الايجابية هو أن نقبل الهزيمة لا أن نراوغها. أن نواجهها صراحة لا أن ندفن رؤوسنا في الرمال).

ومن كوجيتو (أنا مهزوم) ينبغي أن أبلور حقيقة (أنا موجود) أن أتدرب علي تحمل هذا الوجود ومفارقته في آن واحد، لقد انهزمنا دون عزاء.. دون تظليلات وكان من قبيل تحصيل الحاصل أن ينهزم الجسد.. بعد ذلك لم يفاجئني السرطان.

ازدادت مع تفاقم المرض وحدته وانعزاله وصمته.. وازدادت رحلته إلي الأعماق.. أغلق أبوابه في كثير من الأحيان محاذرا الانغماس في فوضي العلاقات اليومية والعلاقات الاجتماعية مانحا لنفسه الفرصة كاملة للانطلاق داخل ذاته وملاحقة خفاياه. وحين هاتفني من باريس أثناء رحلته العلاجية (٦٩٩١) وأخبرته أن مصر كلها بتسلم عليك.. بكي.. فلم يعد يحتمل المجاز.. توجعه المودة بقدر،  ما يوجعه الألم.

أن تعيش

في عصر مهم..

رغبته الشديدة في البوح والكتابة »الفعل الأكثر إنسانية« هي ما دفعته دائما هو الهاديء، الصامت، الإنعزالي ذو المزاج السوداوي إلي كتابة يومياته وكتابة مذكراته، ودفعته دائماً إلي كتابة الرسائل إلي العديد من الأصدقاء في أنحاء العالم..

قال الناقد المسرحي (فاروق عبدالقادر) أن رسائل سعد الله اليه (كنزاً أدبياً)..

لم أكن أرغب تماماً في نشر الرسائل ، لكن القيمة الأدبية والفكرية والسياسية التي تنطوي عليها الرسائل.. اراء سعدالله وأفكاره في مناقشة الكثيرمن القضايا وأحداث التاريخ وماتنطوي عليه من إضاءة لبعض نصوصه المسرحية.. والمعارك التي آثارتها.. ثم تبدد رسائل سعد الله إلي (فاروق عبدالقادر) وربما رسائله إلي (علي الراعي) وإلي (كاتب ياسين) سبباً أخر للنشر.

أكثر من رسالة يجاهر فيها سعد الله بوجعه من مسرحية (اغتصاب) وردود الأفعال المثيرة حولها منذ أن كتبها أو ألفها، فرغم أن المسرحية معالجة لمسرحية (القصة المزدوجة للدكتور باعي) للكاتب الإسباني بويرو باييخو، فقد كان سعد الله يري فيها تأليفا خالصا شأن كل مسرحياته المستندة في الأساس علي قصة تراثية أو حكاية تاريخية.. فالمسرح ليس مجرد حكاية ولكنه طريقة سرد الحكاية أو هو تحديدا وجهة النظر والرأي والرؤية التي يريدها الكاتب من وراء الحكاية.كتب سعد الله ونوس (اغتصاب) بطريقة مختلفة ومغايرة، فلم تعد الحكاية المسرحية مجرد حادث اغتصاب احال ضابط الأمن الخاص الي عمود من الملح منهارا علي مقعد في عيادة طبيب نفسي لندرك أن الإرهاب يطبع بصماته علي شخص جلاديه ويفضي ندم الغاضب إلي العجز النفسي والجنسي لم تعد الحكاية المسرحية وإنما الرؤية الفكرية يصوغها سعد الله ونوس داخل نصه للصراع العربي الإسرائيلي… وهي الرؤية التي فتحت النيران عليه من كل جانب لتتحول المسرحية إلي معركة.. كانت أولها مع المخرج العراقي (جواد الأسدي) الذي قام بالحذف والتدخل الحاد في النص الي حد حذف الخط الفلسطيني بأكمله في المسرحية بصورة أزعجت سعد الله تماما فرفض وضع اسمه علي بطاقة العرض وأفيشات المسرحية التي عرضت علي مسرح القباني في دمشق، وأصر علي كتابه (عن مسرحية سعد الله ونوس اغتصاب).

يشير سعد الله في الرسائل إلي ندوة مجلة (الهدف) الفلسطينية والتي تصدره أو كانت تصدرها الجبهة الشعبية الفلسطينية.. وإلي الكثير من الكتابات التي تناولت المسرحية بما يشبه المحاكمة السياسية.. كان المشهد الأخير بالمسرحية أو (سفر الخاتمة) بمثابة اقتراح أو صيغة تبريرية لأي التباس فكري يراود القاريء أو ربما يراوده (كمؤلف ففي مواجهة بين الدكتور منوحيه (الطبيب النفسي) وسعد الله ونوس يبدأ التصريح بسفر الخاتمة بان كليهما شخصيتان تتجاوزان شرطيهما وواقعهما.. وأن كليهما يقفان علي أرض واحدة يصوغان فيها خطاب (النحن) في مقابل الأخرين أو ما يشار إليهم ب(هم) والمقصود الصهاينة عربا واسرائيليين!

الحوار المقترح بين (الطبيب اليهودي) و(سعد الله ونوس) تم تأويله وقراءته بصور متعددة وحادة علي الأغلب في إطار كونه اقتراحا بالتطبيع.. وقد كنت واحدة من المختلفين مع رؤي سعد الله بالمسرحية خاصة (سفر الخاتمة) وكان مقالي (الأخلاق الصورية في مسرحية اغتصاب لسعد الله ونوس) والمنشور في مجلة (ادب ونقد) ٠٩٩١ من أسباب غضب سعد الله ونوس.

كان اعتراضي علي تلك العدالة المنقوصة والفضيلة الصورية، فمساواة (النحن) بين الدكتور منوحيه والمؤلف.. مساواة ظالمة، بين قانونين لايستطيعان وفقا لشروط كل منهما صياغة عدالة واحدة.. حيث يظل الصراع مشتبكا علي أرض الواقع صراعا بين شرطين.. قانونيين.. بين حق واغتصاب ولهذا يبقي (منوحيه) بكل المقاييس داخل شرطه القانوني، ليس اكثر من مغتصب

ليبرالي.. أو مغتصب يحاول ارتداء مسوخ الكهنة موكلا امر العدالة الي الله.

امتد الخلاف السياسي حول المسرحية الي حد اتهام سعد الله ونوس بالخيانة ورأي سعد الله ان كثيرا من المثقفين يتناقشون حول المسرحية وطرحها السياسي بمنطق كان سائدا في عام ٨٤٩١ دون حساب لمسيرة الأعوام الطويلة ومتغيراتها وأننا مازلنا نواجه إسرائيل بآليات لاهوتية وبدائية، وإننا رتبنا تعاملنا مع العدو علي أسس طقوسية وشعائرية متخلين عن كل وعي تاريخي.

كتب سعد الله ونوس مسرحية (اغتصاب) بعد مرحلة من الصمت الطويل والهزائم والخيبات وهو ما تطلب الكثير من التأمل والمراجعة وإعادة النظر وكان سؤاله المطروح دائما علي نفسه: إلي أي حد في اطمئنانه اليقيني والايدلوجي يستجيب لبقايا لاهوتية مقدسة مستقرة في لاوعيه؟

تسع سنوات من الصمت (٩٧٩١-٩٨٩١) بعد كتابة مسرحية (الملك هو الملك) و(رحلة حنظلة) المأخوذة عن (موكنبوت) لبيتر فايس كان الصمت ضرورة لايستطيع تفاديها حتي كانت مراجعة الذات أحس خلالها أن مسئوليته كمثقف تتضاعف وأن عليه أن يتأمل فهم وبعمق مايجري حوله هزيمة ٧٦٩١، انكسار المشروع الناصري، انكسار المعسكر الاشتراكي، هشاشة القوي السياسية وضعف قدرتها علي المقاومة.. حرب الخليج وما أصابتنا به من عري كامل.. وكانت صرخات سعد الله (أننا مهزومون حتي العظم.. وحتي الكثير الرابع أو الخامس، أقصي حدود الايجابية هو أن نقبل الهزيمة لا أن نراوغها. أن نواجهها صراحة لا أن ندفن رؤوسنا في الرمال).

ومن كوجيتو (أنا مهزوم) ينبغي أن أبلور حقيقة (أنا موجود) أن أتدرب علي تحمل هذا الوجود ومفارقته في آن واحد، لقد انهزمنا دون عزاء.. دون تظليلات وكان من قبيل تحصيل الحاصل أن ينهزم الجسد.. بعد ذلك لم يفاجئني السرطان.

ازدادت مع تفاقم المرض وحدته وانعزاله وصمته.. وازدادت رحلته إلي الأعماق.. أغلق أبوابه في كثير من الأحيان محاذرا الانغماس في فوضي العلاقات اليومية والعلاقات الاجتماعية مانحا لنفسه الفرصة كاملة للانطلاق داخل ذاته وملاحقة خفاياه. وحين هاتفني من باريس أثناء رحلته العلاجية (٦٩٩١) وأخبرته أن مصر كلها بتسلم عليك.. بكي.. فلم يعد يحتمل المجاز.. توجعه المودة بقدر،  ما يوجعه الألم.

العزيزة عبلة :

كل شيء قاتم، ومبتذل، ومسفّ.المهرجان يؤذن بالانتهاء، شاهدت كل العروض، ضحالة وتدهور، لا إبداع، ولا هموم حقيقية، وإننا نعود القهقري.

منذ فترة طويلة لم أشعر بمثل هذه الوحدة الداخلية. وحدة فيها تقزر، فيها خوف، وفيها حزن أيضاً.

كان ينبغي أن آتي، ولكن من المؤكد أنها آخر مرة فيِ حياتيِ.

سأعود إلي قوقعتيِ، وحياتي اليومية، وأوهاميِ التي أنسجها وحيداً فيِ غرفتيِ وبين كتبيِ. هناك يبدو للعالم كثافة، وتبدو للأفكار أهمية، وتتخذ الثقافة بعداً مصيرياً. أما هنا فلا شيءِ إلا الكذب، والفساد، وموت الأمل. إلي هنا تعنيِ كل هذه المظاهرات والمهرجانات والمؤتمرات، وحتي لقاءات وسهرات المثقفين والفنانين، أتعرفين ما نحن فيِ مجتمعاتنا! إننا – نحن المثقفين – سلطة ظل شاغلها الأساسي أن تصبح سلطة فعلية، أو أن تنال فتاتاً في السلطة الفعلية. إننا قفا النظام، ولسنا نقيضه أو بديله، ولهذا ليست لدينا طروحات جذرية، ولا آفاق مختلفة، والمراوغة تطبع عملنا وتشكل جوهر سلوكنا، يا للخيبة! ويا للحزن!

كتبت الأسطر السابقة مساء أمس. حضرت مَسرحية عراقية عنوانها دزمونة. كنت مليئاً بالغيظ والكآبة. تعشيت وصعدت إلي الغرفة. وأردت أن أكتب رسالة طويلة. ولكني لم أفعل. اكتفيت بفشّة الخلق التي تتضمنها الأسطر السابقة.

اليوم الأحد ٥ نوفمبر، ثمة شمس، والغيوم التي كانت تضغط علي المدينة تبددت. غداً ينتهي المهرجان، ولا طائرة حتي يوم الخميس، ضيقة هذه البلاد، وضيقة هذه الحياة التي نحياها. إننا تقريباً نعيش من أجل لاشيء. وليس بالإمكان أن يتوهم المرء، أو أن يقتنع بالسراب. »لماذا تنحرف بي الكلمات إلي هذا الإيقاع الكئيب الذي لا أريده، ولم أكن أنويِ علي الإطلاق أن أضمنه رسالة أكتبها فيِ تونس.. ولكن ما العمل! يبدو أن الأمر أقوي منيِ«.

سلاماً يا عبلة

كان الصينيون القدماء حين يريدون طلب الأذيّة وسوء الحظ  لشخص ما، يتمنّون له أن يعيش في عصر مهم. كان العيش فيِ عصر مهم بالنسبة لهم هو اللعنة ذاتها. ويبدو أنهم لم يكونوا مخطئين، فها نحن نكتشف باضطراب حياتنا، وموجات القلق التي تعصف بنا معني أن نعيش في عصر مهم.

كنت أهييء نفسي في أواخر تموز – يوليو – وبعد أن تلقيت رسالتك، لكتابة مرافعة مطوّلة أشرح لك فيها الآثار المدمرة التي خلّفها عبدالناصر، والإبقاء عليه طوال أثني عشر عاماً، امتدت من ٤٥٩١ وحتي ٦٦٩١، بل ويمكن أن أمدها حتي وفاته إذا تغاضينا عن فتور الحماسة في السنوات الأخيرة، والخيبة، والبدء في البحث عن رؤية خاصة »غير أبوية« للتاريخ ووقائعه، وقلت لك مرة عن شعور اليتم الذي أحسست به عند رحيله. ولو لم أكن قد بدأت البحث عن طريق مستقلة قبل وفاته بسنوات لما كان بوسعي أن أحتمل، ذلك الرحيل دون انبهار، أو تخلخل عميق في حياتي.

وكنت أهييء نفسي أيضاً لأن أشرح لك وقع ما سمته الثورة المضادة »ذات الأساس الموضوعي«: البيروسترويكا، علي تفكيريِ، وعلي توازني الداخلي، فيِ الحالين كنت أفقد الجدار الذي أتكيء عليه سياسياً ووجودياً أيضاً، وفيِ الحالين كان عليّ أن أعود مع نفسيِ ووسط مرارة فظيعة، ويزيدها فظاعة تعاليِ الأصوات الشامتة، واحتفالات قوي اليمين والظلام بالنصر، أقول أن أعود مع نفسي إلي البدء، وإلي التساؤل: لماذا؟.. وأين الخطأ؟.. وكم كنت نزيهاً في مواجهة هذا الخطأ؟.. وإلي أي حد تواطأت؟.. وإلي أي حدٍّ بسّطت التاريخ؟.. وإلي أي حدٍّ كنت في اتقائي اليقيني المطمئن أستجيب إلي بقايا لاهوتية إيمانية مستقرة في نسيج لا وعي؟ – وأنا أكتب إليك هذه الكلمات يتناهي إلي سمعي خطيب الجامع القريب وهو يصرخ بدعائية رخيصة، وفصاحة بائسة منادياً إلي العودة إلي الهدي، وإلي سيد الهدي، ومن عاد إلي الهدي وسيد الهدي نصره الله، ومن ينصره الله فلا غالب له-.. يا للبؤس! لا أريد بعد اليوم ذلك اليقين المطمئن. في الحالتين كان ثمة خطأ دفعنا ثمنه غالياً. ولأني أكثر نضجاً من الاعتقاد بأن الخطأ مؤامرة، أو سوء حظ، أو قدر غامض، فإن علي أن أتقصي هذا الخطأ في التاريخ، وليس في أي مجالٍ آخر. إني أتشدق كثيراً بضرورة وأهمية الوعي التاريخي.. ولكن الوعي التاريخي ليس شعاراً، ولا تحيزاً أيديولوجياً، إنه ممارسة، إنه نقد، وإعادة نظر متواصلة، إنه باختصار فك ارتباط نهائي مع اللاهوت، والإيمان المطمئن. وبالتالي مع المقدس بكل أشكاله، هل يفضي ذلك إلي ضرب من العدمية؟.. الاحتمال وارد. لكنه لا يلغي الاحتمال الآخر. أن يعيش المرء مستقلاً، وأن يكون وعيه نقدياً، وأن يجد إمكانية منفذ أو إشارة إلي تاريخ أفضل تتحقق فيه حياة أفضل أو إخفاقات أقل.

كنت أهييء نفسي لهذا كله، ولكن يبدو أن مفاجآت عصرنا المهم لن تترك لنا فرصة لمواصلة أي حوار حتي نهايته اجتاحت العراق الكويت، وبدأت أسوأ أزمة تعيشها هذه المنطقة منذ حرب ٧٦.. وعلينا أن ننفق وقتنا في اللهاث وراء مؤشر الراديو، والتخمين، والتمني، إنها وضعية مريعة أن تكوني في عربة تتدحرج، وأن تكوني داعية لهذا التدحرج، وأن تدركي فوق هذا أنك عاجزة عن فعل أي شيء، أو محرومة من إمكانية فعل أي شيء!

منذ بدأت هذه الأزمة، وأنا قلق، وتقريباً لا أفعل شيئاً سوي ملاحقة الأخبار، والقراءة بين النشرات والتقارير الإخبارية، حتي حين سمعت بوفاة لويس عوض، وهو واحد من آخر النهضويين العرب، لم أجد القوة والصفا ولكتابة شيء عنه، وكنت أنوي كتابة دراسة طويلة عن سياقه النهضوي، وتناقضات هذا السياق تحت وطأة تاريخ عاصف ومثقل بالخيبات، منذ علمت أنه في المستشفي، وأن من الصعب تدارك مرضه، علي كل، ستضاف هذه الدراسة إلي المشاريع المؤجلة وهي كثيرة.

إني متشائم جداً من أزمة الخليج، وأدرك أننا مقدمون علي تغيرات بنيوية، وربما مأساوية، في وضعنا القومي والاقتصادي، والاجتماعي، والمستقبلي.

ولأن أداة الفعل الممكنة هي أن نقول كلمتنا ونمشي، فقد قلت كلمة أولية ضمنتها البيان الذي أرسله لك مع هذه الرسالة، وقد وقع علي هذا البيان عبدالرحمن منيف وفيصل وعدد لا بأس به من الكتاب السوريين.

لاشك أن عدد طه حسين قد وصلك. والآن سيصدر الكتاب الثاني، وهو عن »الحداثة« إني أحاول كتابة افتتاحية للعدد، وربما فرغت منها خلال هذا الأسبوع.

أرسل لك أولاد حارتنا، والجزءين الأول والثاني من أعمال كاتب مجهول لديكم هو سليم خياطة. لقد اهتم الصديق محمد كامل الخطيب بجمع آثار هذا الكاتب وإصدارها، وإني أعتقد أنه أدي بذلك خدمة هامة لسد ثغرات مشروع النهضة، وتسليط الضوء علي ما أهمل أو عتِّم عليه في تيارات هذه النهضة.

العزيزة عبلة

قرأت مقالك في اليسار حول تقديمي لعدد طه حسين، ولا أدري إن كنت أنا الذي أفتعل الخصومة، أو التوتر، بين ثورة يوليو وطه حسين، أم أنك أنتِ التي تفتعلين الخصومة معي! لن أكرر هنا الوثائق المفعمة بالدلالات، ولن أعيد التأكيد بأن طه حسين حين كتب في يناير ٣٢٩١ وهو الشهر الذي حُلَّت فيه الأحزاب والحياة البرلمانية »لن نرضي من الثورة إلا بأن يتسع سلطان العقل حتي يغزو بالمعرفة نفوس المواطنين.. وبأن يعظم سلطان العقل حتي لا يخشي رقيباً حين يعلن ما يري خطأ كان أم صواباً«. والعقل الحر هو الذي لا يقبل ديكتاتورية مهما يكن لونها ومهما يكن غرضها ومهما يكن أسلوبها في الحكم«.. لم يكن يلقي الكلام علي عواهنه، وإنما كان يعبر عن مخاوف حقيقية، وعن رفض صريح لمفهوم الضباط الأحرار عن المجتمع المدني والديمقراطية. وفي حين أن الفكرة التي أردت أن أعبر عنها هي مدي الضرر الذي لحق بالثورة ولحقنا معها لأنها لم تتبنَّ الإنجازات الفكرية التي تحققت قبل قيامها، ولأنها لم تدرج تراثاً غنياً بالمواجهات والسجالات في برنامجها، وتلك كانت مشكلة الأحزاب الشيوعية أيضاً، فإنك قدّمت المسألة وكأنها هجوم عدواني وموتور علي ثورة يوليو ومنجزاتها العظيمة. هل أجهل ما قامت به ثورة يوليو! يقيناً لا.. ولكن هل ينبغي في غمرة حماستي لثورة يوليو وما مثلته أن أتجاهل مالم تقم به! هل ينبغي أن أعفيها من المسئولية لأنها لم تتخذ الاحتياطات الكافية كي لا تنهار منجزات الديمقراطية الاجتماعية بمجرد غياب قائدها! هل ينبغي أن أنسي أن الثورة أنفقت نصف عمرها في معارك علي اليمين وعلي اليسار، وأنها لم تحسم خياراتها السياسية والاجتماعية إلا تدريجياً، وتحت وطأة الضغوط التي أنضجت الوعي! أينبغي أن أنسي أن الشرائح المثقفة التي كان يمكن أن تدافع عن قرارات ١٦ وميثاق ٢٦ كانت تتعفن في السجون! أينبغي أن أنسي أن برامج التعليم كانت سطحية وغير عقلانية، وخالية إلي حد كبير من التراث الفكري الذي بنيناه طوال قرن عاصف بين ٠٥٨١ و ٠٥٩١.

ولكن لا.. إنك تعرفين القصة أكثر مني.. وتعرفين أن ثمة أخطاء، وثمة سلبيات، وأن انتماءنا إلي الثورة ودفاعنا الحقيقي عنها لا يكون بالدفاع عن الأخطاء، والإغضاء عن السلبيات، والمسألة ليست إيماناً دينياً. إننا نكتب، وبكثير من المشقة، لكي ندافع عن المستقبل، وليس لنحرق البخور حول الماضي. أريد ثورة يوليو، ولكن دون ما ارتكبته من أخطاء، ودون تنظيمها الفردي والبوليسي والشعائري.. أريد تلك الاندفاعة الحية، أريد تلك الإرادة الوطنية الصلبة لبناء الاستقلال ومقاومة التبعية، أريد تلك الرؤية الوحدوية الثاقبة، ولكني أريد مع هذا كله الأسباب التي تغير الإنسان، وتكسبه الوعي والحرية، وتجعله مقاتلاً في سبيل هذه المكاسب وحامياً لها!

ثم ما هذا »التعريض المليء بالازدراء« بما تسمينه هويتنا، أو هويتي الليبرالية الجديدة! وهي أني أدافع عن الليبرالية بمعناها السياسي العميق، بمعني الحرية والعقلانية والمجتمع المدني والمشاركة في مصير هذه البلاد التي يتعاور مصيرها قطاع الطرق والأميّون والطفيليون والأتباع، فهل تجدين ذلك مستنكراً! ثم هل تظنين أن بوسع الماركسية أن تحقق مجتمعاً اشتراكياً إن لم تكن مؤسسة علي مجتمع انصهر وتبين وتفتح في سياق ليبرالي، ثم ألم تكن واحدة من أخطائنا الكبيرة نحن الماركسيين أننا لم نقدر تراث الليبرالية حق قدره، وأنه دون الديمقراطية والعقلانية وحرية السجال ما كان بوسع الانتماء الماركسي أن يكون إلا شكلاً جديداً من أشكال الانتماء اللاهوتي، إنه تدين جديد لا يعرف كيف يعي حركة مجتمعه، ولا يعرف كيف يحاور هذا المجتمع، ويظل منفلتاً علي نصوصه المقدسة وشعاراته ومراجعه. وهذا أيضاً تعرفينه أكثر مني، ولكن خيل إليك أني أتنكر لتاريخي، ولعبدالناصر، وأني أفش خلقي بعدوانية الخائب، فثار غضبك ليكن .. سننشر مقالك في العدد الثالث في باب »جدل ونقاشات« سيضم المقالات والمراجعات التي كتبت عن العدد الأول، فإذا كنت ماتزالين تعملين علي الموضوع وتريدين إضافة جزء آخر له، فأرسليه لي بما أمكن من السرعة.

مررنا بظروف مشابهة. جاء أهلي.. أبي مريض، وتردد الأطباء في إجراء العملية، ثم قر رأيهم أن بالإمكان تأجيل ذلك، أو الاستغناء عنه، وعمر أبي ٢٨ سنة، لكن صحته بشكل عام جيدة.. إلا أن المرارة »الصفراء« كيس من الحصي والالتهابات.. وأتأمل هذا ل أحمد عبدالجواد وما آل إليه، لاشك أنه خائف من الموت، وإن هذا الخوف هو مصدر صفائره، ووحدته أيضاً، كم شعرت بالأسي خلال هذا الصيف وطوال الفترة التي أقاموا فيها عندي في دمشق.. هذه هي النهاية إذن!.. ياله من مشروع خاسر!

من المفروض أن أسافر في ٩١ نوفمبر إلي موسكو لحضور العرض الافتتاحي لمسرحية المملوك في مسرح فاختانفوف، وحسب كل ما قيل فإن العرض الروسي مثير. ولكن ليست لدي أية حماسة، والأرجح أني لن أسافر، منذ عدت إلي دمشق وأنا شارد.. كانت تنتظرني أعمال كثيرة، وجاء أهلي، ثم تبعهم أقرباء.. وعلي أن أنجز أشياء كثيرة متراكمة، دراسة عن خيال الظل، وتحضير وثائق العدد الثاني من الحداثة، وكتابة الدراسة والمقدمة، ومراجعة العدد الثالث، وفوق هذا، الخذلان الكبير الذي بدر من جواد في صيغة العرض النهائية للاغتصاب، وأنا لم أخبرك أن حملات قد نظمت ضد هذه المسرحية، وأن الواحد من الفريسيّين كان يكتب المقال ثم ينشره في عدة منابر من الكويت إلي الأردن مروراً بلبنان وأحياناً لندن، ناهيك عن دمشق.. ومجلة الكاتب الفلسطيني التي يصدرها الاتحاد المنشق والمقيم في سورية خصصت ملفاً يضم ثلاث دراسات(!) عن أوجه الخيانة في العمل.. هذا عدا المنع، وتوتر الوزيرة، وعشرات التفاصيل الأخري. ويأتي الأخ الصديق جواد الأسدي (بحبه المتفاني لي! وبفلسطينيته التي تزاود علي كل الفلسطينيين) فيصحح النص، ويحذف منه كل المشاهد والعبارات التي توقف عندها الفريسيّون أو تناولوها بالنقد. حذف الخط الفلسطيني، وأجزاء من الخط الآخر، وقدّم عملاً مبهرجاً عن همجية العدو ولا شيء آخر.. وكان عليّ ألا أؤذي جهود الناس خلال أشهر طويلة.. وكان عليّ ألا أتنكر لعملي أيضاً، فقررت في البدء ألا يوضع اسمي علي العمل، ثم اتفقنا علي أن يكتب : مشاهد من مسرحية ونوس: الاغتصاب، اختيار وإخراج.

.. وهكذا فإني طوال الوقت شارد ومتعب، أقرأ بلا حماسة، وأكتب بلا حماسة.. وأحس أني غريب ومستوحش في البيت وفي المدينة علي السواء. لا كثافة للأشياء.. ولا كثافة للأمكنة.. ولا كثافة للمشاعر.

أتزحلق من يوم إلي آخر وسط الأرق، والشعور المستمر بالإرهاق، والميوعة الجسدية والنفسية.. وهكذا يمضي الزمن الذي كُتِب (لاحظي كلمة كُتب) علينا أن نعيشه.. ومع هذا أنجزت دراسة خيال الظل وصدر العدد الثاني من قضايا وشهادات وأنا الآن منهمك في الثالث.

أفرحني العددان اللذان تلقيتهما من »اليسار«. إن الفارق كبير بين هذين العددين والعدد الأول، أشدّ علي يد كل العاملين في المجلة، حسين وفريدة وصلاح وأنت طبعاً (أرجو أن تهنئيهم وتسلمي عليهم)

أترين، ورغم كل شيء مازالت تفرحنا الإضافات، والانجازات الأصيلة.

العزيزة عبلة :

لا تبالغي في التشتت.. ومازلت أعتقد كما قلت في الرسالة الحاشية أنك أقوي مما يخيّل إليك، وحين أسألك عن مشاريعك فإني لا أرفع في وجهك لافتة الواجب.. بل ولا أريدك أن تكتبي أو تنخرطي في أي مشروع إلا إذا أحسست أن ذلك ينطوي علي متعة مؤكدة، أو أكثر من المتعة أن يغمرك بنوع من الغبطة وما يشبه النعمة.. هل تعلمين.. إني لم أعد إلي الكتابة بناء علي ال يجب وينبغي، وإنما بالضبط لأني أردت أن أتجاوز الواجبات، وأن انغمز في هذه النعمة الصعبة والممتعة لأني قررت أن تكون الكتابة الفضاء الذي ألملم فيه شتاتي، وأمارس حريتي، وأجمع شقيّ المتنافرين ، ولو في لحظات عابرة هي لحظات الكتابة بالذات، ومن هنا فإني أعتقد أن المعادلات التي أصوغها في قضايا وشهادات هي حاجة عضوية من حاجاتي، لا لتغيير العالم، أو الفعل في التاريخ، وإنما لممارسة حريتي، وتوازني أيضاً.. »إني أؤكد لنفسي أني قادر علي تجاوز كل هذا الانحطاط والقمع والظلام« وحين لا أجد مثل هذا الشعور فإني سأتوقف ثانية عن الكتابة، وأستسلم لتناقضاتي الكئيبة.

ما أتمناه لك ولي، هو أن نصل إلي القدرة، هو أن نكتشف القدرة، هو أن نتعلم القدرة، علي تذوق »الآن« علي عيش »الآن« علي الاستغراق في »الآن« حين نحيا »الآن« بكثافة وعمق، يصبح الماضي نسفاً مفنياً، ويصبح المستقبل إمكانية حقيقية لا وهمية.

أعرف أن أفكاري في هذه الرسالة مبتورة، وأحياناً غير متجانسة، ولكني أعتقد أنك تعرفين ما أعني، وأن هواجسنا واحدة.. سأتوقف الآن، وسأستأنف الكتابة قريباً.

جميلة زواجات نجم وطلاقاته، وجميل أنه حين لا يكتب شعراً فإنه يحاول أن يعيش حياته بصورة شعرية، وعلي كل هو لم يغادر قط العصر الزراعي، لذا فهو لا يعرف شيئاً عن الادخار- ادخار الطاقة- والتراكم الرأسمالي- تراكم الصحة والعمر.. إذا كنت ترينه.. قولي له مبروك.. وليعلق خرزة زرقاء من عيون الحساد في بر مصر والشام.

أصدرت الهلال فهرساً بأعداد الخمسين سنة الأولي.. وإني أريده.

العزيزة عبلة :

منذ عودتي من الكويت.. كان عليّ أن أستدرك المحاضرات التي فاتت الطلاب، وخلال شهر كنت غارقاً في المعهد وامتحاناته ثم التهب ضرسي التهاباً مديداً ومزعجاً، وكانت الضوضاء مازالت مثارة حول المسرحية، وكل يوم ينفرط عقد الممثلين. وجواد لا يستطيع أن يفعل شيئاً إذا لم أكن إلي جواره.. واقترحت مجلة الهدف- الجبهة الشعبية- ندوة مفتوحة حول المسرحية، وجاء فلسطينيون.. ودارت نقاشات مفيدة ومنهكة، وعلينا أن نحضر العدد الثاني من »قضايا وشهادات«..- هل وصلك عدد طه حسين.. ما رأيك به؟- وفي الوقت نفسه أجمعت الآراء أو بعض الآراء في الفرقة المسرحية علي تعميق الخط الفلسطيني، وغرقت من جديد في إعادة كتابته رغم تعبي الشديد في المسرحية ومشاكلها.. ودعانا سهيل إدريس واتحاد الكتَّاب اللبنانيين إلي حفل تكريم في بيروت بمناسبة جائزة الهويس.. وفي اتحاد الكتَّاب تحدث حنا عن تجربته الروائية، وتحدثت عن تجربتي المسرحية، وكان اللقاء جميلاً وحافلاً بالدلالات.. إن بيروت لن تموت.. طبعاً في بيروت يكتشف المرء انحطاط الوضع العربي وتمزقاته، ولكن في بيروت أيضاً يتعلم المرء كيف تكون مقاومة عوامل الانحلال والموت.. ومدي الجذوة التي تختزنها هذه المدينة الرواقية- وهي رمز كل المدن العربية- إن الحياة كثيفة في أوصال المدينة.. وإن كل الأخطار والفواجع تبدو هشة وعابرة أمام كثافة الحياة وامتلائها.

الأعمال نشيطة والشوارع مرعبة الازدحام، والناس يثابرون علي متابعة مهماتهم ومشاريعهم، ورغم كل ما حدث فإن ثمة كبرياء في أعماق الفرد.. كبرياء نابع من الحرية وغياب الدولة وذلك التماس الطويل والمضجر مع الخطر والموت.. عدت من بيروت مهتاجاً، ومفعماً بالإرادة.. لا يهم أن تكون هناك آفاق واسعة، لا يهم أن تكون هناك مشاريع كبيرة، لا يهم أن ننتصر، ولكن ما يهم هو أن نعمل وكأن هناك أفقاً ينتظرنا، ومشروعاً يحتاجنا، ونصراً سيحققه عملنا.. بعد عودتي.. وجدت البيت مقلوباً عاليه سافله.. لقد قررت فايزة أن تجري فيه بعض الإصلاحات، ولم أستطع البقاء إلا ليلتين، ولم يكن البقاء ممكناً وسط الغبار والجدران المهدومة، ودق المهدّات والأزاميل.. حملت حقيبتي وجئت إلي القرية.. هل كنت متعباً جداً! ربما ففي الضيعة أصابتني حالة اكتئاب وبهوت.. أظل طوال الوقت واجماً، ولا أجد ما أتحدث به مع أبي وأمي، ولأن أبي وأمي عجوزان انقلب حبهما القديم والعنيف إلي عداء بارد في الشيخوخة، ولأنهما لا يتحملان الاضطرابات الصحية العابرة، ويتذمران من شيخوختهما فإن كآبتي زادت، ومرت أيام عديدة لم أفعل خلالها سوي قراءة روايتين للياباني- ميشيما- (هذا الكاتب مهم جداً، وأرجو أن تجدي الوقت للاهتمام به، وقراءة ما ترجم له بالعربية).

أخبار الأدب

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...