رمضان السوري!

أكرم البني

مفارقة مؤلمة، بين رمضان، شهر الورع والتقوى، وإعلاء قيم التسامح والرحمة، وبين رمضان في المشهد السوري، المكتظ بالضحايا والخراب والتشرد والعوز الشديد، جراء عنف منفلت أمعن فتكا وتدميرا في حيوات الناس وممتلكاتهم، مكبدا، حتى الآن، أكثر من نصف السوريين خسائر وأضرارا مختلفة الدرجات.

ومع إطلالة الشهر الفضيل، تتحدث الأرقام، عن عشرات الألوف من القتلى ومثلهم من الجرحى والمشوهين، وتفوقهم أعداد المفقودين والمعتقلين ثم أضعافا مضاعفة من الهاربين نزوحا داخليا إلى أماكن أقل عنفا أو لجوءا إلى بلدان الجوار، ناهيكم عن مئات الألوف باتوا اليوم بلا مأوى والملايين في حالة قهر وعوز شديدين وقد فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون، وتكتمل الصورة المأساوية بوضع اجتماعي واقتصادي لم يعد يحتمل، إنْ لجهة انهيار كثير من القطاعات الإنتاجية والخدمية وتهتك الشبكات التعليمية والصحية، أو لجهة صعوبة الحصول على السلع الأساسية وتردي المعيشة مع تراجع شديد في القدرة الشرائية وتفشي غلاء فاحش لا ضابط له، ربطا بتدهور غير مسبوق لقيمة الليرة السورية أمام الدولار وغيره من العملات الأجنبية!

دأب النظام، ومنذ انطلاق الثورة، على توسيع وتشديد عملياته الأمنية والعسكرية في شهر رمضان، كمحاولة استباقية، لقطع الطريق على الحراك المعارض من استثمار ما يوفره هذا الشهر الفضيل من تقاليد جمعية وعبادات وشعائر تعزز التعاضد وتقوي الروح المعنوية للناس وتمكنها من الصمود.

من هذه القناة يمكن النظر إلى الهجمة الشرسة التي تعرضت لها مدينة حماه في رمضان، عام 2011 لتدمير صورة لا تنسى عن الجموع الهائلة المحتشدة سلميا في ساحة العاصي، الأمر الذي شحن الغرائز والانفعالات وأجج ردود فعل عنيفة حرفت الاحتجاجات عن مسارها السلمي نحو تغليب لغة السلاح، وفي السياق ذاته شهدت درعا وبلدات ريف دمشق في رمضان، عام 2012 تصعيدا غير مسبوق للعنف والقصف والاعتقالات العشوائية، مما عزز اندفاع الحراك الشعبي نحو العسكرة ونحو خيار الرد المسلح وسيلة رئيسة للدفاع عن النفس ومواجهة عنف السلطة.

ومن هذه القناة يمكن النظر إلى العمليات الحربية التي تتصاعد بشكل لافت اليوم، على مدن ومناطق تعرضت للحصار طويلا ولم ينجح العنف الهائل في تحطيم روحها ووأد تمردها، إشارة لما تتعرض له، في هذه الآونة، مدينة حمص والريف الدمشقي، في محاولة من قبل السلطة وحلفائها لاستعادة بعض النقاط المفصلية التي تؤهلهم للتعاطي من موقع القوة مع المبادرات السياسية، وتاليا لإظهار عجز المعارضة عن إحداث تبدل نوعي في موازين القوى، أمام نظام يمتلك القدرة العسكرية ولا شيء يجبره على تقديم تنازلات أمام الحلول السلمية.

والحال، لا نضيف جديدا عند تأكيد مسؤولية النظام عما حصل ويحصل، أو إرجاع الأمر إلى سلبية المجتمع الدولي وتقصيره في حماية المدنيين وإغاثة المنكوبين، ولا يخفف عمق المأساة، التذكير بأن كوارث أصابت بلدانا كثيرة وكبدتها خسائر أكثر هولا، أو أن الشعوب المبتلية بالاستبداد لا بد أن تدفع أثمانا باهظة لقاء تحررها، لكن الجديد والمدهش في الوقت نفسه، أن تلمس لدى غالبية السوريين ورغم أحوالهم السيئة وشدة ما يكابدونه، إصرارا لافتا على التغيير وحماسا للتخلص من الاستبداد أيا تكن الآلام والتضحيات، والمدهش أيضا صور التكافل الاجتماعي والإنساني وتقاسم شح الإمكانيات على موائد الإفطار، وكأن كل محتاج ومهجر يتعرف حيث يحل على أهله وناسه من جديد، ويكتشف جرأتهم في إظهار تضامنهم وتعاضدهم معه مهما تكن التبعات.

هي أشبه بصرخة في واد، الدعوة الخجولة للأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، بوقف العنف وعقد هدنة خلال الشهر الفضيل، مثلها مثل دعوة رئيس الائتلاف الوطني، ليس فقط لأنها تفتقد إلى الدعم والسند، بل لأنها لا تعني نظاما تعززت أوهامه بالقدرة على الحسم بعد استعادة السيطرة على بعض المناطق.

إن حرص الائتلاف المعارض على وقف العنف وحقن الدماء، يدل بلا شك على مسؤوليته الوطنية، ولكنه يدل أيضا على عجز في فرض أي حل أو مبادرة سياسية، طالما لا يستند إلى قوة الناس، موضوع التغيير وهدفه، ويسارع لبذل جهود خاصة لتخفيف ما يتكبدونه لقاء مساندتهم للثورة واحتضانهم لها، ولإعادة النظر في الممارسات التي تجبر السكان على ترك بيوتهم خوفا من تدميرها على رؤوسهم، والأهم معالجة مختلف التعديات للجماعات المتطرفة أو التجاوزات التي تحصل وتشوه معنى الثورة ومبناها.

«أما آن لهذه المأساة أن تنتهي» هو رجاء البشر في هذا الشهر الفضيل، ربما كرفض صريح للعنف المفرط ولأية دوافع تسوِّغ استمراره، وربما كتوجس من تنامي الوجع الإنساني والخراب الذي قد يحل بالبلاد قبل أن تطوى صفحة الاستبداد.

الشرق الأوسط

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...