الرئيسية / صفحات الثقافة / روزا ياسين حسن: مرثيّة لجيل الخيبة

روزا ياسين حسن: مرثيّة لجيل الخيبة


 روزا ياسين حسن: روايتها الممنوعة «نيغاتيف» عن تجارب معتقلات سياسيات في الثمانينيات

روايتها الجديدة «بروفا» (الريّس) تهديها إلى جيلها. في تجربتها الرابعة بعد «أبنوس» و«نيغاتيف» و«حرّاس الهواء»، تنجز الكاتبة السورية نصّاً بمستويات سرديّة عدة. وتكشف العري الروحي لجيل السبعينيات الذي انتهت المسرحية إلى هزيمته

خليل صويلح

دمشق | «قرب جهاز المراقبة طالما لبثت مترقباً أن تصدر أية نأمة عنه. ثمة شيء يشبه وعلاً مجنوناً كان يركل في داخلي، وكان عليّ أن أقاوم ضجته التي تملأ أنحائي كي أتمكن من الإنصات. رنة الجهاز المتقطعة تنبئني بأن هناك من يتصل بأحد الأرقام التي كان عليّ مراقبتها، وكنت أتلقف الرنة كعاشق». هكذا تضعنا روزا ياسين حسن (1974) مباشرةً في قلب الحدث الذي بنت عليه وقائع روايتها الجديدة «بروفا» (دار الكوكب/ الريّس ــــ بيروت). نحن إذاً، إزاء رواية صوت في المقام الأول. ذلك أنّ الراوي الذي قضى خدمته الإلزامية في التلصص على مكالمات شخصيات مشبوهة أمنياً، قرر أن يتخيّل حيوات افتراضية لهذه الشخصيات، تبعاً لمحتوى المكالمات المتبادلة، والشيفرات السريّة التي كان يلتقطها بكامل حواسه.

هكذا حاول كتابة «بروفا»، تروي قصص هؤلاء الأشخاص الذين تتشكل ملامحهم وفق تصوّرات غائمة، تكتمل تدريجاً، مكالمةً وراء الأخرى.

تفصيل يقود إلى تفصيل آخر، فتتشابك الخيوط، على مهل، في خريطة متوهمة، وتضاريس وعرة، كانت سماعة الهاتف سبيله إلى اكتشاف «حركة نَفَس، وقوة تنهيدة، برودة أو حرارة جملة محمّلة بروح تطير عبر أسلاك الهاتف، وربما استطاعت أن تجعلك تتنسّم رائحة معتّقة في طيات صوت». هكذا نتعرّف ــــ عبر رواة يتبادلون الأدوار، والمواقع ــــ إلى مهيار السالمي، وصبا عبد الرحمن، وأيهم الصارم، ولميا وهاني عباس، وهالة سماقي، من خلال مقاطع من مكالمات مسجّلة، أو وقائع متخيّلة. تتكشف نتوءات حيوات ممزّقة، لجيل ولد في السبعينيات من القرن العشرين، فوجد نفسه في العراء والتيه واللايقين، أو جيل الخسارات، كما تقول عنه صاحبة «أبنوس» (فازت بالجائزة الثانية في مسابقة «حنا مينة» عام 2004) في إهداء روايتها.

كأنها في اختيارها السرد المتشظي، والكتابة والمحو، واستدراك بعض التفاصيل في الهوامش، أرادت أن تسجّل شهادتها عن العري الروحي الذي أصاب هذا الجيل المهزوم في نص متحوّل، سيبقى مجرد «بروفا» غير مكتملة، «لأرواح ترزح تحت وطأة اللامعنى، بعدما أُسدل الستار وانتهت المسرحية» تقول. وتضيف الكاتبة السورية لـ«الأخبار» في تبرير احتضار شخصيات روايتها «أنتمي إلى جيل عاش كوارث متلاحقة، وانتهى إلى مصائر مفجعة. إنّه جيل مقهور وخائب ومهمّش، جيل بلا طمأنينة، أردت أن أكتب عنه نسخة غير محققة، تشبه حياتنا المهمّشة تماماً».

لن نستغرب إذاً، أن تصرّح صبا عبد الرحمن بأن شعارها الدائم هو 365 رجلاً في السنة في مغامرة مجنونة لاختبار جسدها، في عدمية مطلقة. وسوف يعشق هاني عباس شقيقته لميا، فيما يفقد مهيار السالمي فحولته، إثر موت أبيه الشيوعي، وإصابة أمه بالشلل. وستوافق لميا عباس على الزواج بمغترب فنزويلي، بعد أن تعيد رتق غشاء بكارتها، ثم تعود خائبة إلى البلاد، مرةً أخرى.

وستغرق هالة سماقي في طقوس روحانية لانتشال جسدها وذاكرتها من الموت. هكذا تستيقظ حواس أخرى لترميم تقنية الصوت التي لجأ إليها الراوي، من دون أن يهمل مهمته الأساسية، في تدوين المعلومات المطلوبة. هو يعترف في نهاية بروفته الروائية، بأنه سلّم تقاريره كاملة إلى الجهة الأمنية التي يخدم لديها: «ربما استدعي معظم شخصياتي الآن، وتمّ التحقيق معهم، وربما ما زال التحقيق جارياً إلى الآن مع صبا ومهيار والأيهم، على الأقل». لكنّه في المقابل، اقتنص نصه المشتهى، في كتابة أولى، ربما ستحتاج إلى كتابة ثانية، وثالثة، لغياب اليقين على الأرجح. صاحبة «سماء ملوثة بالضوء» لم تشأ إغلاق الدائرة على كتابة نهائية. بل سعت إلى جعل القارئ شريكاً في ترميم الفراغات من خلال إلغاء ترتيب الفصول، وتناوب الأصوات، واستدعاء مونولوجات. أبقت على مصائر شخصيات روايتها معلّقة في فضاء لحظة عصيّة على الوصف، تنطوي على فخاخ كثيرة. وقد تطلّب الأمر استنفار تقنيات سردية متعددة، لالتقاط نبض شارع غائم، وجدران كتيمة، وشهقات وهمهمات… كل ذلك من خلال تدوير الحكاية تارةً، والتناص طوراً، إضافة إلى نكهة تسجيلية في توثيق تواريخ المكالمات، وساعة حدوثها.

لعل هذه التقنية تحيلنا إلى رواية روزا ياسين حسن الممنوعة «نيغاتيف» (2008) التي رصدت فيها ذاكرة معتقلات سياسيات، عشن حقبة الثمانينيات من القرن المنصرم في السجون السورية. وقد فعلت ذلك من خلال مقابلات ميدانية. كما تناولت تجربة المعتقل السياسي، مرةً أخرى، في روايتها «حرّاس الهواء» (2009)، في مناخات مشابهة، تضيء حطام بشر انتُهكت حياتهم إلى الأبد، تحت وطأة التعذيب والنفي والإقصاء.

هذا الخيار السردي في تدوين الشفوي، وتحريره من أدراج النسيان، وإعلاء شأن الصوت، واستنفار الحواس، ثيمة أساسية في اشتغالات روزا ياسين حسن التي ترى في الإنصات إلى «أصوات الآخرين وتجاربهم، فسحةً تخييلية، وانتهاكاً لغوياً مضاداً لخطاب سردي مستقر. خطاب يستدعي عتبة جديدة، أفرزتها الانتفاضة السورية اليوم، سواء لجهة التوثيق وكتابة اليوميات، أو لجهة تقنيات الكتابة نفسها».

وتختتم بعبارة مقتبسة من الروائي التركي أورهان باموق «أن نحكي حكاياتنا الخاصة، كما لو كانت تخص الآخرين، وأن نحكي حكايات الآخرين كما لو كانت حكاياتنا الخاصة».

الأخبار

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

+ 70 = 75

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

ما يصنعه الرخاء بالشعر/ عارف حمزة

      اللجوء إلى أوروبا، وبالنسبة لي إلى ألمانيا، أعطانا فرصة جيّدة لمشاهدة الأمسيات ...