الرئيسية / صفحات الرأي / رياح التغيير الديمقراطي تجتاح المنطقة

رياح التغيير الديمقراطي تجتاح المنطقة


عبد الحفيظ الحافظ

تقديم :

مازالت رياح التغيير الديمقراطي تجتاح المنطقة العربية ، ولن يوقف مسيرتها تعثرها في ليبيا واليمن ، تعثرٌ فرضه نظاميهما وخصوصية البلدين ، لكن التغيير فيهما يتقدم بالرغم من أن القذافي فرض على شعبه حرباً مسلحة ، استخدم فيها كافة صنوف الأسلحة ، جعلتنا وجعلت العالم يقف مذهولاً أمام جريمة عصرٍ ضد الإنسانية ، ونستغرب من مهووسٍ يحاول جاهداً تحرير ليبيا من شعبها ، وليس هذا بعيداً عما يجري في ساحات المدن اليمنية ، باحتكام عبد الله الصالح إلى شارعٍ قبلي معززٍ بقوى عسكرية خاصة وأمنية

، استخدمت العيارات الحية والغازات السامة ، لتحرير ساحات مدنها من الشعب على الطريقة القذافية .

كنا نتمنى أن يُحافظ التغيير الديمقراطي على وجهه السلمي ، كما حصل في تونس و مصر وفي ميدان التحرير ، بحضور الشعب والعقلانية والإنسان ، ويتحمل النظام الليبي واليمني واليوم البحريني تبعيات ومسؤولية ما يجري ، والأخير استعان بقوات عسكرية سعودية وإماراتية ، ليواجه شعبه الأعزل .

بعد هذا التقديم نرى أن المنطقة شهدت في النصف الثاني من القرن العشرين فورةً نفطيةً وتدفق ثرواتٍ هائلة ” ارتفع سعر البرميل من 4 $ و38 $ قبيل حرب تشرين ، ووصل إلى 138 $ بعدها ، واليوم بحدود 120$ “، وثورة علمية فاقت بعقود ما اكتشف خلال قرون .

هذه الثروة بغض النظر عما نُهب منها خارجياً وداخلياً ، وفَّرت الإمكانات لفتح مدارس ومعاهد وجامعات ، وأُرسلت بعثاتٍ علمية إلى الخارج ، ودُعي أساتذة جامعيين من الدول الأجنبية ، مع حراك اجتماعي واقتصادي وانتقال عمالة عربية ، ونمو نسبة المثقفين والمبدعين والمدرسين وحاملي الشهادات الجامعية والعليا ، وتمَّ استيراد واستقدام تقنيات عصرية أولاً بأول ، ودُرَّست الجامعات نظريات وقوانين علمية حديثة … أي حصل في المنطقة ” حضارة ” نسبية ، وغزو تلفزيوني فضائي ، ودخل الحاسوب والهاتف المحمول ومحرك البحث ” غوغل ” وغيره البيوت والمكاتب الرسمية ، ثم حلَّ بين أيدي الشباب ” الفيس بوك ” ونمو نسبة المتحدثين باللغات الأجنبية من العرب …

لكن الأنظمة العربية عامة بقيت تعيش بعقلية النصف الأول من القرن العشرين وما قبله ، عقلية الإمام ، وشيخ القبيلة والزاوية ، والنظام الأبوي ، والقائد الخالد ، والحزب القائد للدولة والمجتمع ، مطمئنة إلى انتصارها على الشعب بأجهزتها الأمنية التي تغولت على المجتمع ، وحرصت على الحفاظ على عروشها ، وتحولت المنطقة بسياستها إلى موضوعٍ للدول الإقليمية والدولية …

لقد فوجئت هذه الأنظمة بأمرين ، الأول ما ترتب على هذه التنمية البشرية لمواطنيها الحاملين لشهادات عليا وللمعرفة العلمية والإطلاع على منجزات العصر ، وقد أخذ يشع ما حصلوه من معرفة على ما حولهم ، وأخذ يفرض حقوقاً ومطالبَ مادية واجتماعية وسياسية ، تتعلق بالمواطن والفرد وبالإنسان وبالمجتمع المدني ، وأخيراً طُرحت الصيغة المدنية للدولة ، والأمر الثاني : أن الثورة العلمية والتقنية والمعلوماتية رافقتها ثورة أخرى على صعيد العلوم الإنسانية كعلم الاجتماع ، مفهوم الدولة المدنية ، السلطة الرابعة ، الرأي العام ، الفن السابع ، الإبداعات من الشعر والقص والرواية والمسرح والموسيقا ، والمجتمع المدني ، وتحول العالم إلى قريةٍ صغيرة ، ونحن العرب جزء من العالم وأحد سكان هذه القرية .

في هذا السياق نقول : إن الاتحاد السوفييتي لمْ يُغزَ من الخارج وهو القطب الكبير ، لكنه تداعى ومعه منظومة الدول الاشتراكية ، تداعى لطبيعة وبنية دولته الشمولية الاستبدادية ، ولغياب الحريات والتضحية بالإنسان ، الفرد ، المواطن ، ولم يقف طويلاً في وجه التغيير الديمقراطي الحزب الشيوعي بأعضائه الذين يربون على عشرين مليون عضو ، ولا حمته آلته العسكرية الضاربة التي غزت الفضاء ، وكانت تواجه جيوش أوروبة والولايات المتحدة ، ولا منعت سقوطه مخابراته ” الكي جي بي ” .

نعتقد أن عصرنا هذا ليس عصر العلوم وثورة المعلوماتية وحسب ، بل هو عصر العوم الإنسانية ، وهي تُدرَس بمدارسنا وفي جامعاتنا ، بغض النظر عمن يتشدق عن ” خصوصيتنا ” ويضلل بشعار ” الغزو الثقافي ” ، فنحن جزء من العالم الذي حدد مفهوماً للدولة المدنية ، دولة الكل الاجتماعي ، دولة المواطنين الأحرار المتساوين بالحقوق والواجبات ، وتداول السلطة والمسؤولية بكل مفاصل الدولة .

لقد سقطت الدولة الشمولية ونصف الشمولية ، والحزب القائد ، والقائد الخالد ، وحكم الأسرة المؤبدة ، وسقط معها التوريث ، والحكم المطلق ، الملكي والجمهوري الرئاسي ، ورفع الغطاء عن أكذوبة التضحية بالإنسان المواطن على مذبح التابو والشعارات الكبيرة والصغيرة ، وأضحت الحروب دفاعاً عن الحاكم والعائلة والطائفة والحزب والقبيلة والإثنية حروباً عبثية ، مجنونة ، قذرة ، تحطُّ بالوعي وتحول البشر إلى سكان غابات مفترسة ..

من المؤسف أن نظام زين العابدين والمبارك والقذافي والصالح ، وأخيراً ليس آخراً ملك البحرين ، بل من المضحك أنهم جميعاً جاهدوا ويجاهدون لتحرير مدنهم وساحاتها العامة من المواطنين ، على طريقة فرانكو عندما سمع ضجيج الشعب ، وهو على فراش الموت سأل : أين سيذهب الشعب .

ختاماً : إن سورية وطن جميع مواطنيها ، مهد الحروف الأبجدية والحضارات ، وقد رفض شعبها ورفضت المعارضة الديمقراطية التغيير على الطريقة الأمريكية /العراقية ، رفضاً للعدوان والاحتلال وما آلت إليه الأمور ، ورفض النظام السوري ما حصل ، ونعتقد أن الشعب والمعارضة ترفض ما يجري في ليبيا واليمن والبحرين ، لأن هذا الشكل يدمر الوطن والإنسان والشعب ، والأنظمة هي المسؤولة عن التحول عن الخيار الديمقراطي إلى الخيار المسلح ، وهو لن يوقف رياح التغيير الديمقراطي في المنطقة ، ولا شكَّ أن النظام السوري يقرأ جيداً ما يجري في المنطقة .

نعتقد أيضاً أن الشعب السوري والمعارضة الديمقراطية بارك ثورة الشباب في تونس ومصر وحيا شباب ميدان التحرير وبارك انتصارهم ، فهذه ثورة شباب مصر ، ثورة مصرية وعربية في آن ورائدة على مستوى العالم ، لا تقلُّ عن الثورة الفرنسية تأثيراً وربما تفوقها .

دعونا نتعلم منها ، ونأخذ ثمارها ، بدون المرور بيومياتها وما رافقها من سلبيات ، وهي من طبيعة الثورات الاجتماعية الكبرى ، ولنعمل جميعاً لنجنب سورية الحبيبة وشعبها تلك السلبيات .

دعونا نتعلم من هذه الثورة العظيمة ، وهو حاجة وطنية وداخلية سورية ، ونرى البدوة على هذا الطريق :

أ‌- الإفراج عن كافة المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي .

ب‌- إلغاء إعلان حالة الطوارئ .

ت‌- إلغاء المحاكم الاستثنائية .

ث‌- إطلاق الحريات العامة .

ج‌- منح الجنسية للمواطنين السوريين الأكراد الذين لم يشملهم إحصاء عام 1962.

ح‌- إلغاء القانون 49 الخاص بالأخوان المسلمين و49 الخاصة بالأراضي الحدودية .

خ‌- فتح الأبواب لعودة المواطنين السوريين المنفيين طوعاً وكرهاً ..

وعلى صعيد استلهام ثورة مصر يقتضي إجراء التغيير الديمقراطي في سورية حواراً وطنياً علنياً ، يشارك فيه المختصون والمثقفون وممثلو الأحزاب لتعديل الدستور السوري على أسس ٍمنها :

1- الانتقال إلى النظام الجمهوري البرلماني .

2- تحديد فترة الرئاسة بأربعة أعوام قابلة للتجديد بالانتخاب لدورة ثانية فقط .

3- المواطنون السوريون متساوون بالحقوق والواجبات .

4- الانتخابات العامة تحددُ تبوأ المناصب في كل مؤسسات الدولية .

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

القانون والثورة.. تغيير النظام أم المجتمع؟/ نمر سلطاني

      عندما يثور الناس على نظامٍ ما، فإنهم في حقيقة الأمر يثورون على ...