الرئيسية / صفحات سورية / زلزال ترامب وارتداداته/ علي العبدالله

زلزال ترامب وارتداداته/ علي العبدالله

 

 

لم يتوقف تأثير الزلزال السياسي الذي أحدثه انسحاب الولايات المتحدة الأميركية من اتفاقية «خطة العمل الشاملة المشتركة»، المعروفة إعلامياً باتفاق 5+1، الذي شاركت في التفاوض عليه وتوقيعه الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، المملكة المتحدة، فرنسا) وألمانيا، على المركز، إيران، بل تعداها بهزات ارتدادية ضربت الإقليم والعالم ووضعتهما على طريق هزة شاملة، اعتبرها محللون خطوة على طريق حرب عالمية ثالثة.

فإيران التي تلقت الضربة المباشرة بإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأميركية مع توسيعها وتشديدها حتى تستجيب لمطالب واشنطن الرئيسة (اتفاق بديل حول برنامجها النووي يلغي قدرتها على إنتاج أسلحة نووية إلى الأبد، وقف تطوير الصواريخ البالستية، وقف تدخلها في شؤون دول الجوار)، وجدت نفسها في موقف لا تحسد عليه، موقف خياراته محدودة لا تتعدى خيارين سيئين، التمسك بالاتفاق وتحمّل تبعاته الاقتصادية، من دون استبعاد خطر ضربة عسكرية، أو الانسحاب منه وتحمّل تبعات ذلك على الصعد: السياسي (عزلة دولية أقسى من العزلة السابقة)، والاقتصادي (عقوبات شاملة ومركزة) والعسكري (ضربة إسرائيلية بضوء أخضر أميركي، أو أميركية إسرائيلية).

كل هذا في ظل اختلاف عميق داخل أجنحة النظام، حيث لا يكتفي التيار المتشدد برفض خيار البقاء في الاتفاق، بل يدعو إلى مواجهة خصوم النظام عسكرياً والبدء باستبدال الحكومة المدنية بأخرى عسكرية، في حين يدعو التيار الإصلاحي إلى البقاء في الاتفاق وإدارة الأزمة بالطرق الديبلوماسية، بدءاً باستثمار الطابع الدولي للاتفاق (صادق عليه مجلس الأمن الدولي بالإجماع)، وباستغلال التوتر الروسي- الصيني مع الإدارة الأميركية، والضرر الذي سيلحق بالمصالح الاقتصادية الأوروبية (خسارة عقود بعشرات البلايين في مجالات النفط والغاز والطيران المدني والسيارات) في توفير غطاء سياسي يحمي إيران من العزل، وفي حماية المكتسبات الاقتصادية الإيرانية التي ترتبت على هذا الاتفاق.

أما أكبر الهزات الارتدادية فأصابت الدول الأوروبية ليس في حرمانها من مواصلة علاقاتها الاقتصادية مع إيران فقط، بل في المسّ بسيادتها وقرارها الوطني عبر فرض الولاية القانونية الأميركية على نطاق العالم، وهذا ما أثارته الفرنسية كارولين غالاكتيروس، مديرة مركز الاستخبارات الاستراتيجي «بلانيتينغ»، حيث قالت: «إن الأمر متروك لنا كي نقرّر، في النهاية، ما إذا كنّا نرغب حقاً في قبول هذه الولاية للقانون الأميركي خارج سيادة أراضيه. هذه هي القضية الكبرى، وقد تؤدي إلى تحوّل حقيقي في ميزان القوى»، والفرنسي باسكال بونيفاس، مدير معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية في باريس، الذي رأى في «رغبة ترامب في منع كل الموقّعين الآخرين على الاتفاق النووي الإيراني، وأي بلد آخر، من الاستمرار في نسج علاقات تجارية مع إيران، مساساً كبيراً بسيادتها.

لذا تجد باريس ولندن وبرلين نفسها أمام تحد حقيقي: إما أن تقاوم ولا تعير تهديدات واشنطن أي اهتمام، وحينها ستكون ثمة أخطر أزمة يعرفها التحالف الأطلسي في تاريخه، أو تطبّق تعليمات البيت الأبيض فتعطي الانطباع بأنها أقل استقلالية، بل تضع سيادتها الاقتصادية تحت الوصاية الأميركية». فالموقف الأميركي يدفع إلى صدام أميركي أوروبي حتمي بسبب حاجته الماسة إلى مشاركة الدول الأوروبية في تنفيذ العقوبات الاقتصادية الأميركية على إيران، لأن عدم تنفيذها من قبل الدول الأوروبية سيجعل أثرها على الاقتصاد الإيراني ضعيفاً وغير ذي بال، ما يجعلها عديمة الجدوى في تحقيق الهدف الأميركي من فرضها، ما سيضطرها (الولايات المتحدة) إلى رفض طلب الدول الأوروبية استثناء شركاتها من العقوبات، ويدفع الدول الأوروبية إلى البحث عن بدائل لاحتواء تأثير هذه العقوبات في شركاتها (تناقش بدائل من نوع استبدال اليورو بالدولار في التبادلات التجارية مع إيران لتحاشي المرور في الدوائر المالية الأميركية، تأسيس صندوق لتعويض الشركات الأوروبية التي ستتضرر من العقوبات، تكرار ما فعلته في مواجهة نية إدارة الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، عام 1998 فرض عقوبات على الشركات الأوروبية العاملة في إيران آنذاك بفرض عقوبات مضادة على الشركات الأميركية).

تأتي الشركات التركية في المرتبة الثانية بين الشركات التي ستتأثر بالعقوبات الأميركية على الشركات الأجنبية التي تتعامل مع إيران، حيث التبادلات الاقتصادية الكبيرة، ناهيك بتوجه تركي للدخول في مجال التسلح النووي، ما دفع تركيا للوقوف إلى جانب إيران وإدانتها للانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي مع إيران.

روسيا والصين من الدول التي ستتأثر شركاتها بالعقوبات الأميركية أيضاً، لكن وضعهما ليس متماثلاً، حيث تخضع روسيا لعقوبات أميركية، ما سيجعل مد هذه العقوبات على شركاتها بلا تأثير إضافي، وهذا سيدفعها إلى الوقوف في صف إيران وتوظيف الملف في مناكفة أميركا، بينما تواجه الصين وضعاً دقيقاً على خلفية اعتماد شركات صينية كثيرة على مكونات أميركية في صناعتها، حادث انهيار شركة الموبايلات الصينية العملاقة «زد تي إي كورب» تحت تأثير العقوبات الأميركية ما زال طازجاً، ما دفعها إلى إعادة حساباتها والبدء بالبحث عن بديل للجزء الإيراني من مشروع «طريق واحد حزام واحد».

الهند هي الأخرى ستتأثر بالعقوبات الأميركية على خلفية اتفاقها مع إيران على توسيع ميناء شارباهار الذي سيوفر لها طريقاً حيوياً إلى أفغانستان، حيث مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية، بعد أن رفضت باكستان منحها حق العبور على أراضيها.

باكستان وكوريا الجنوبية واليابان، كما بقية الدول التي تستورد نفطاً وغازاً إيرانيين، ستتأثر بارتفاع فاتورة المحروقات التي ستترتب على سحب النفط والغاز الإيرانيين من السوق.

لا يتوقف أثر الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي الإيراني على العقوبات الاقتصادية فقط بل ينطوي على انعكاسات جيوسياسية وجيو إستراتيجية خطيرة، حيث لا يكتفي بتمزيق الاتفاقات الدولية المتعددة الطرف بل يفتح على خلط أوراق عميق في العلاقات السياسية والتوازنات العسكرية، إن من ناحية انطوائه على خطر انفجار مواجهة عسكرية لن تقف عند حدود الأرض السورية، حيث الاشتباك الإسرائيلي- الإيراني المحتمل. فالمتوقع أن تتمدد لتطاول دول المنطقة، بما في ذلك الأرض الإيرانية نفسها، وهذا سيفرز موجات لاجئين تطاول أوروبا الغارقة في مشكلة لاجئين من قبل، أو لجهة انعكاساتها الجيواستراتيجية على التوازنات القائمة حيث ستجد أوروبا نفسها بين مطرقة أميركا (بسبب إيران) وسندان روسيا (بسبب أوكرانيا وسورية والبلطيق)، وتركيا مع إيران في سلة واحدة، وهي خصمها ومنافستها الإقليمية في أكثر من ملف، وروسيا في موقف دقيق للاختيار بين إيران وإسرائيل، ولكل خيار تبعات خطيرة، ودول المنطقة الأخرى في مركز عاصفة لا طاقة لها على مواجهة تبعاتها ونتائجها القريبة والبعيدة.

سياسة ترامب وفق تقديره لمستدعيات شعاره «أميركا أولاً» يفرض القومية الاقتصادية بمفرداتها: الحمائية وتقييد التعاملات التجارية بين الدول. وهذه وصفة لنسف عالم الديموقراطية الليبرالية وحرية التجارة التي أرستها المجموعة الغربية، ما يضعها على شفير مواجهة سياسية وتجارية شاملة.

الحياة

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حسم الصراع السوري محلياً وتأجيجه عالمياً ؟/ عادل يازجي

    خطوط التماس الإقليمية في المشهد السوري ساخنة ومتوترة سياسياً وعسكرياً، وهي تحتمل أكثر ...