الرئيسية / صفحات الحوار / زيغمونت باومان:الحداثة صنعت مجتمعاً قابلاً للمساهمة في الجرائم

زيغمونت باومان:الحداثة صنعت مجتمعاً قابلاً للمساهمة في الجرائم

 

 

ولد زيغمونت باومان سنة 1925 في مدينة بوسن البولنديّة لأبوين يهوديين، وأُرغمَ سنة 1968 في ذروة الحملة المعاديَّة للساميّة في بولندا على تركِ البلادِ. حصل باومان على إجازة في علم الاجتماع من جامعة وارسو، ومن ثمّ نال الدكتوراه وعمل مدرّساً في العديد من الجامعات العالميَّة. يعدّ باومان بلا شكّ واحداً من أعمدة علم الاجتماعِ في العصر الحديث، حيث نشر ما يقارب الستين كتاباً يعالج في معظمها مشكلات الحداثةِ وما بعدالحداثة ويسلّط الضوءَ على نتائجهما وكيفيَّة تأثيرهما على البنيّة المجتمعيَّة، ومن أهمّ أعماله الكتابيَّة: “الحداثة والهولوكوست”، “الحداثة والازدواجية – نهاية الوضوح”، “الموت، الخلود واستراتيجيات أخرى للعيش”، “الحداثة السائلة”، “الحب السائل”، “الأزمنة السائلة”، “الأخلاق السائلة”، “الحداثة والأخلاق”، “الحرية”.

هنا ترجمة لحوار أجرته معه جريدة “فيينا”:

ج . ف : دكتور باومان، معظمُ أعمالك الكتابيَّة تدور حول “ما بعد الحداثةِ” ونتائجها، فكيف تُعرِّف لنا “ما بعد الحداثة”؟

باومان: لستُ متأكداً إن كان مصطلح “ما بعد الحداثة” هو التسميّة الأنسب. ثمّة العديد من التسميَّات لهذا النمطِ من المجتمعِ الذي نعيشُه؛ أنتوني غيدنز سماه مثلاً “الحداثة المتأخرة”، وأولريش بيك يسمّيه “التحديث الانعكاسي”. أنا أستخدم مصطلح “ما بعد الحداثة”. لكنني لا أدّعي بأنَّه المصطلح الأدقّ بين نظرائه. الأهمّ في ذلك كلّه أن يتفقَ المرءُ مع الفرضيَّة الأساسيّة التي تقول إننا نحيا في مجتمع يُبيِّن خصائص وسماتٍ مختلفةً تماماً عن تلك الموجودةِ في السنوات المنصرمةِ. وهذا يتطلَّب تسميةً جديدةً، لا فرقَ إن كانت الحداثة المتأخّرة أو الحداثة الثانية أو الثالثة.

الخاصيَّة الأحدث وربّما الأهمّ في هذا المجتمع، أي السمة الجوهريَّة إذا جاز القول، هي ذلك الشعورُ العميق بفقدان الأمان. كصورةٍ مجازية عن ذلك يمكننا أن نأخذ الإنترنت، فكلّ مستخدمٍ يستطيع أن يضيفَ معلوماتٍ أو يحصلَ عليها، أن ينشئ ارتباطاتٍ وصلات مختلفة، من دون أن تكون ثمّة رقابةٌ واضحة. المعلوماتُ تأخذُ هناك أيضاً هيئة مجتمع بشريٍّ، فهي تلتقي وتتزاوج وتنتجُ أبناء وتفترقُ ثانيةً؛ ذلك كلّه يحدث من دون أن يكونَ أحد مسؤول عنه. صحيحٌ أن عدم الأمان ليس شعوراً جديداً، بل كان موجوداً على الدوام، لكن الفرق أنَّه في عهدِ الحداثةِ، أي طوال ما يقارب من 200 إلى 300 سنة، كان ثمة قناعةٌ سائدة تعتبرُ “عدم الأمان” مجرّد استياءٍ مؤقت سيزول مع تراكم المعرفة. أجدادنا كانوا يتخيّلون أن العقلانيَّة والتقدُّم التكنولوجي سيحدّان من مخاوفِهم. غير أننا بدأنا نفهم الآن أنّ “عدم الأمان” الذي نحسّه أمرٌ مصنوعٌ وأنّ ليس ثمة علاقة بين زيادة المعرفة ونقصان هذه الإحساس؛ على العكس، فعدمُ الأمان الذي نحسُّه نتيجةٌ لزيادةِ المعرفةِ والتطوُّر التكنولوجي الهائل. هنا يتحدَّث أولريش بيك عن “مجتمع المخاطر”، لكنني أحبّ أن أسمّيه “حياة المخاطر”، لأن حياتنا تحملُ مخاطرَ ما فتئت تكثر وتتنامى. فمثلاً، لا يمكننا أن نضع خططاً مستقبليَّة في ما يخصّ حياتنا المهنيَّة، لأن المتطلبات تتغيَّر باستمرار، فالمهن والشهادات الدراسية التي كانت حتى قبل بضع سنوات مرغوبةً بشدّة أصبحت “موضةً قديمة” ولم تعد نافعة. حتى هواياتنا الذاتيَّة أصبحت تتحوَّل إلى مشكلةٍ. جان بول سارتر قال ذاتَ مرة إن “الإنسان مشروع”، حيث يكون بمقدوره وهو في الثامنة عشرة أن يتخيّل ويحدِّدَ شكل حياته مثلما يشاءُ حين يبلغ الستين، ومن ثمّ يسلكُ هذا الدربَ الواضح خطوة خطوة؛ لكن اليوم ذواتنا مختلفة، ومن المهمّ أن يكون المرءُ مرناً وقابلاً للتكيّف حين يكون كل شيء حوله كذلك.

ج . ف: مضامين ووظائف كلٍّ من “الحداثة” و”ما بعد الحداثة” تبدو متباينة على أصعدةٍ مختلفةٍ، لكنّ نتائجها تبدو متشابهة تماماً؟

باومان: لا أعتقد أنه يمكننا أن نقول بتشابه نتائجها، لأن ذلك يعني عدم اكتراثنا بأفكار وتصوُّراتِ البشرِ عن العالم. في القرنِ التاسع عشر وأوائل القرن العشرين كان الناس مقتنعين تماماً بأن العالم سيتقدَّم وسيصبح أكثر عقلانيّة وأماناً؛ لكننا ندرك اليوم أنهم كانوا مخطئين، لأن التقدُّم شيءٌ نسبي. حتى إنني لستُ متأكداً إن كان عالمنا الراهن أقلّ عنفاً وأكثر أخلاقيّةً من العالم قبل مائة عامٍ. لكن ثمة فرقاً كبيراً بين الإيمان بشيء ما وعدم الإيمان به كلياً. ماكس فيبر قال إنّ الحداثة تنزعُ الوهمَ عن العالمِ وتحرِّره، حيث يحلّ العقل البشريُّ مكان “الله” ويُخضِع الطبيعةَ لنفسه (الله لم يصنع وينظّم الطبيعة بعنايةٍ، لكننا قمنا بذلك).

نحن نعيش الآن “التحرُّرَ الثاني”، كلّ أنظمة الحكم التي نعرفها هي أنظمة ذاتيّة ومحليَّة، لكننا نجهلُ الرابط الذي يجمع بينها ويوصلها بعضها ببعض. ليس لدينا نموذج واحد عن مجتمعٍ عادلٍ كالذي كانَ يعرفه أجدادنا، وعلاوةً على ذلك نرفض ابتكار نماذج جديدة. لم تعد لدينا أفكارٌ حول إنشاءِ حديقةٍ كبيرةٍ، بل كلّها تدور حول إنجاز عدّة حدائق صغيرة، وهنا يكمنُ الفرقُ.

ج . ف: يشكِّلُ “الغريبُ” قضيةً من القضايا المركزيَّة التي تعاينها في أعمالك؛ الغريبُ أو لنقل الاغتراب يعدّ بالنسبة لكثيرين أمراً خطراً ومخيفاً، إلا أنك تُبيَّن وتركَّز على الخصالِ المتناقضة لهذه الشخصية.

باومان: يشكّل “الغريب” نقطةً محوريَّة بالغةَ الأهميّة إذا أردنا التحدُّث عن المجتمعِ وآفاقه. “الغريب، هو الذي يأتي اليوم ويبقى غداً” كما قَالَ جورج سيميل؛ كما أن الغريب لم يأتِ منذ أزمنة غابرةٍ، إنما هو القادم الجديد. وهذا يعدّ أمراً طبيعيّاً في حالتين، أولاً في حالة السّياح وكذلك في حالة أولئك “القادمين الجدد” الذين يكونون على سفرٍ بلا انقطاع، يأتون ويذهبون باستمرار. علاوةً على ذلك فقد تشكّلت طبقة جديدة من النَّاسِ يشكّلها الكوزموبوليتيون والرحالة الذين يعملون لدى شركاتٍ عالميّة وليس لديهم مسكنٌ مستقرٌّ، فيعيشون فترةً في سنغافورة، بعدئذ قد يعودون ثانيةً إلى براغ ومن ثمّ ينتقلون للعيش في مانشستر مثلاً؛ في حالة هؤلاء لا يمكن التحدُّث عن الغرباءِ بمعنى “الأجانب”؛ “الغريب” الذي نعنيه هو ذاك الذي يأتي اليوم ويبقى غداً، دون أن يغادرَ ثانيةً، وبذلك يتحوُّل إلى مشكلةٍ. نحن نعيش اليوم وضعاً شديد الغرابة، حيث من جهةٍ ثمّة محاولات كثيرةٌ وضغطٌ هائلٌ لكسرِ كلّ تلك القيودِ التي تعيقُ توزُّع “طبقة النخبة” ورؤوس الأموال وكذلك المعلومات وغيرها في العالمِ بأسرهِ، لكن من جهةٍ أخرى وفي الوقت نفسه تُحصَّن الحدود وتُسَد في وجه أولئك الذين لا يحملون معهم أملاكاً منقولةً أو سلعاً نافعةً، وهذه الفئة من الناس نسمّيها “الغرباء”. حيث ما هو النّافعُ في هؤلاء الناس؟ فهم فقراء كما أنهم أيضاً – ولأوّل مرّة في التاريخ – دونما وظائف ومهام. لم يوجد ولن يوجدَ مجتمعٌ بشريٌّ يكون فيه الجميع أغنياء، هذا مستحيل ولا يمكن التفكير فيه، لكن في كلّ المراحل الزمنية كانت لدى الفقراء مهامٌ حتميّة، أي أنهم كانوا نافعين، ففي العصور الوسطى كان الفقراء أدوات للتصدُّق عليها، أي أن وجودَهم كان مريحاً ومخلّصاً لأرواحِ الآخرين؛ في العصر الحديث كانوا إمّا عمالاً في المصانع أو جنوداً يحمون البلادَ؛ لكنَّهم الآن، وهذا يحدث لأوَّل مرَّةٍ، بلا أي مهامٍ، فقد فقدوا كلَّ مهامهم. بواسطة هذا التقدُّم التكنولوجي الهائل يمكن إنتاج كلِّ شيءٍ دونما حاجة إلى مزيدٍ من العمّال، كذلك الجيوش الحديثة لم تعد جيوشاً حاشدة، على العكس، لقد أصبحت جيوشاً احترافية صغيرة. وفي النهايةِ، يفشلُ الفقراء الحاليُّون أيضاً في تلك النقطة المفصليَّة في مجتمعاتنا المعاصرة، والتي تتطلَّب تحوُّلهم إلى مستهلكين. أعتقد أن لبّ القضيَّة هو أنّ هذا الجزء من المجتمع لن يندمجَ ويصبح ملائماً، من دون أن تقدّمَ بقيّة أجزاء المجتمع أيضاً بعض التضحيات.

ج . ف: مشروع “الهندسة الاجتماعيَّة” هذه المهمّة التوعويَّة التي تسعى إلى التخلُّص من الغرباءِ، أما من خلال “الاستيعاب الثقافي” وبالتالي عبرَ الاندماج، أو من خلال “الإقصاء” وصولاً إلى “الإبادةِ”؛ وأنت تتأمّل أوروبا الراهنة التي تتنامى فيها “فوبيا الغرباءِ” هل تحسُّ بخطرٍ ما؟

باومان: على الدوامِ كان هناك إحساسٌ بضرورةِ عمل شيءٍ ما مع الغرباء. إما عليهم أن يندمجوا وإما أن يُستَبعدوا ويُطرَدوا، ما من حلولٍ أخرى.

المشكلةُ تكمن اليوم في السهولةِ التي صارَت تُناقش بها قضايا مهمّة مثل البطالة أو انحسار دولة الرفاهيّة أو حتى قضيَّة نقصان المواردِ تحت عنوان “مسألة الأجانب”. لقد ذكرتُ سابقاً أننا نعيشُ مع هذا الإحساسِ بفقدان الأمان، ويمكن لذلك أن يكونَ من جهةٍ أمراً مثيراً ومُمتعاً، حيث لا شيءَ بيِّنٌ وكلُّ الخيارات والاحتمالات مفتوحةٌ، لكن من جهةٍ أخرى يمكنه أن يصنعَ حالةً مُنهِكةً، حيث يشكّك المرءُ في كلِّ خيارٍ يتّخذه، ويتساءل إن كان قد نسي شيئاً ذا أهميَّة، وهكذا… ليس غريباً أن يجدَ كثير من البشر هذه الحالة مُتعبةً وأن يحلموا بتبسيطِها كلّياً. ونحن نعرفُ بالطبع من قَالَ هذه العبارة: “إنني أمتلكُ موهبةَ تبسيطِ المشكلات”؛ إنَّه كان أدولف هتلر. وهذا يشابه تماماً حالة السيد لوبان، فهو يدّعي أيضاً بأنه قادرٌ على تبسيط المشكلاتِ. وهذا ما يجعلُه جذّاباً ومريحاً، إذ لديه إجابة بسيطة على كلِّ مشكلةٍ معقَّدةٍ يُصعَب فهمها: “ارموا الغرباءَ خارجاً، وستُحلّ المشكلة”. بهذه الطريقةِ تُرمى المشكلات التي يعاني منها المجتمع ككلٍّ على عاتقِ جزءٍ واحدٍ من المجتمع. شخصياً لا أعتقدُ أن هذه الطريقة ستجدي نفعاً أو تحلّ مشكلةً؛ إلا أنها تُؤمِّن رصيداً سياسيَّاً مهمّاً.

ج . ف: القضيَّة الأساسيَّة في كتابك الأوّل الذي تُرجم إلى الألمانيَّة “الحداثة والهولوكوست” هي معاداة الساميَّة وصولاً إلى إبادة اليهود في أوروبا. عملكَ هذا يبدو منفصلاً تماماً عن بقية أعمالك؛ كيف وصلتْ إلى فكرةِ كتابته؟ وهل ثمّة رابطٌ بين هذا العمل وأعمالك الأخرى؟

باومان: هذا الكتابُ مختلفٌ بالفعل عن بقيَّة كتبي. لقد بدأت أهتمُّ بهذه القضيَّة متأثّراً بكتاب زوجتي الذي تتذكُّر فيه “زمن الغيتو”؛ أنا شخصياً لم أكن جزءاً من الهولوكوست، وقتذاك كنتُ بعيداً جداً، في شمالِ روسيا. في الحقيقة لم أفكّر كثيراً في الهولوكوست. آنذاك قيل لي، وأنا أيضاً كنت أعتقد، أنّ الهولوكوست حدثٌ استثنائي، حدثٌ خارجٌ عن القاعدةِ، لذا ليس بمقدورِ المرء أن يتعلَّم منه شيئاً ذا بالٍ، مثلما يمكن التعلُّم من الأشياء الأخرى، التي كنتُ مهتمّاً بها، كالمجتمع الذي نعيش فيه وما يشبه ذلك من قضايا. لكنني حصلتُ من كتابِ زوجتي على صورةٍ معمَّقةٍ للغاية؛ فالآلاف، بل مئات الآلاف من البشرِ كانوا متورّطين، وبالتالي لن تكون الإجابة على سؤالك سهلة. وهي كذلك ليست بهذه البساطة التي يرى بها دانيل غولدهاجن الأمرَ، حين يقول إن البشر السيئين يرتكبون أعمالاً سيئة؛ ذلك لا يعدّ استنتاجاً مريباً، بل على العكس، هو استنتاجٌ مريحٌ. وأنا أيضاً في الحقيقة مقتنعٌ تماماً بأنَّ البشر السيّئين يرتكبون أعمالاً سيّئة، والبشر الجيّدين يصنعون أعمالاً جيّدةً؛ لكن فيما يخصّ الهولوكوست بالذات فهذه الإجابةُ ملائمةٌ وتكاد تكون إجابةً مُثلى.

لو أنّ كلّ شيءٍ كان بهذه البساطة، لكان الشيء الوحيد الذي يمكن فعله هو استخراج السّيئين وزجهم في السجون، لإعادة تأهيلهم، أو لتعريفهم بعلمِ الاجتماع.

لكنّ فظاعة الهولوكوست مختلفةٌ جذريّاً عن كلِّ أعمال العنفِ المعاديّة لليهود قبلئذٍ؛ الأمرُ هنا متعلِّق بآليَّة تحويل بشرٍ جيدين – آباء جيّدين، أزواج جيّدين، جيران جيّدين – إلى مُساهمين في عمليَّة إبادة جماعيَّة، من دون أن يحسّوا بأنهم مذنبون أو بأنّهم حطَّموا الوصايا الأخلاقيَّة،”-لأنَّهم كانوا أخلاقيين في كلِّ المسائل التي تتطلَّب أخلاقاً: حيث كانوا يعتنون ببلادِهم وعائلاتهم، وكانوا يربُّون أطفالهم بعنايةٍ، وكانوا كذلك يعزفون البيانو ويسمعون موتسارت، لقد كانوا أناساً محترمين”؛ وهنا مكمنُ المشكلةِ!

حين شرعتُ بالعملِ على هذا الكتاب أشغلني كثيراً السؤال حول تلك العواملِ الموجودة في مجتمعاتنا الحديثة، التي جعلت الهولوكوست ممكناً. الإبادات الجماعيَّة كانت موجودةً بالطبع في العصور القديمة أيضاً، لكنَّها كانت مدفوعةً بالحماسِ والعواطف؛ كان الجنود يحتلّون المدنَ، يقتلون ويغتصبون بضعة أيام، كانوا يصلون النشوةَ وكان الأمر ينتهي عند ذلك الحدّ وتستعيدُ الحياة مجراها الطبيعيّ؛ فالحماسُ لا يدوم طويلاً، بل سرعان ما يتبدَّد. لو أنّ هتلر بنى فكرته “ألمانيا نقيَّة وخالية من اليهود” على أساسٍ عاطفيٍّ، ما حدث الهولوكوست؛ كانت ستوجد “ليلة كريستال” واحدة، مذبحة مدبّرة واحدةً يُقتَل فيها نحو مئة يهودي.

لكن الحداثة صنعت مجتمعاً يُمكن جرُّ البشرِ فيه للمساهمةِ في جرائم منظّمة، من دون أن يتركَ ذلك أثراً على عواطفهم وضمائرهم، من دون أن يحسّوا بخرقٍ لـ “آدابهم وتربيّتهم”، بل على العكس تماماً.

أخبرنا ماكس فيبر أنه قبلَ أن يدخلَ الإنسان المعاصرُ مؤسَّسةً بيروقراطيَّة ما – مهما كانت – عليه أن ينزعَ عنه عواطفه في حجرة الملابس. في المكتبِ عليه أن يكون باردا، رسميَّاً ومجرَّداً من الأحاسيسِ، الشيء الوحيد الذي عليه مراعاته هو القانون. لكن هذا سلاحٌ ذو حدّين، فهو من ناحيةٍ يمكِّن نشوء “الإدارة العلميَّة” التي نتباهى بها كثيراً، حيث صارَ بإمكاننا القيام بأشياء كثيرة لم يكن في مقدور الإنسان في العصورِ الوسطى القيام بها، لكن من ناحيةٍ أخرى بإمكان هذه الإدارة شديدة التطوُّر أن تنتجَ “مصانعَ القتلِ”. وهذا هو ما حدثَ بالضبط. معسكراتُ الإبادة كانت مؤسسات حديثة جداً، شديدة التطوّر تقنياً وتُدار بدقَّةٍ بالغة؛ لذلك يمكننا النَّظر إلى الهولوكوست كمثالٍ للإدارةِ الناجحة الفعّالة، كشركة ضخمةٍ ساهمَ في تسييرها أفضل علماءِ ذلك العصر. هذه كانت النقاطُ المفصليَّة التي جذبتني في هذه المسألة.

ج . ف: منذ فترةٍ قريبة ألقيتَ محاضرةً في الوزارة الاتحادية للعلوم والمواصلات والفنون ضمن إطارِ المشروع البحثي حول “العداء للأجانب”. في هذه المحاضرة تطرقت أيضاً إلى مهامِ وأهميّة السياسة في الوقت الراهن.

باومان: أعتقد أنه في حال كان ثمة جسرٌ يربط بين معتقداتنا الأخلاقيَّة وتنفيذها على الأرض كوظيفةٍ اجتماعيَّة، فإن جسراً كهذا لا يمكنه أن ينشأ سوى في كنف السياسةِ. غير أنني أعتقدُ في الوقت عينه أننا لا نمتلك بعد سياسةً تسمح بذلك. صحيحٌ أننا نسعى ونناضل لأجل سياسةٍ كهذه وبدأنا نعرفُ بوضوح أكثر ما الذي يجب أن تتضمنه هذه السياسة، إلا أنّ المؤسسات السياسية الراهنة مُشكَّلةٌ بحيث تكون هناك فجوة دائمة بين القيمِ التي يجب تحقيقها وبين الآثار التي تتركها أفعالُنا على الواقع. بودّنا جميعاً أن نمتلكَ آليةً تمكّننا من أن نكونَ مخلصين مع قيمنا؛ وهذه هي القضية المركزية، قضية حياةٍ أو موت إذا جاز القول، أي أن نمتلكَ سياسةً تصنع معايير جديدة لمجتمعاتنا ما بعد الحداثيّة. لكنني أعتقد أننا لا نزال بعيدين تماماً عن أيّ حلٍّ لهذه المشكلة.

المترجم: سوار ملا

ضفة ثالثة

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جوزيف عيساوي: “فايسبوك” منبري لتقصي الإلحاد

    حاوره: وليد بركسية “هذه المقابلة ستجعل أي تلفزيون يرفض العمل معي في المستقبل”. ...